حصريا

تحديات التربية الإسلامية وعلاقتها بقانون الأسرة

0 50

تحديات التربية الإسلامية وعلاقتها بقانون الأسرة

أ. الزهرة هراوة                                                       

تولي المجتمعات عناية فائقة  بالاهتمام بالتربية؛ فتسعى إلى تطويرها وتحديثها دائما؛ مما يستوجب عليها الأخذ بالطرائق والمناهج الحديثة وكل ما يمكنه بأن يخدمها، ولأن التربية ليست بمنأى عن المجتمع فهي متصلة به اتصالا وثيقا، إذ الأجيال الذين يتلقون تربية اليوم هم الأعضاء الفاعلين للمجتمع في المستقبل القريب. لذا كان لزاما على التربية أن تخدم مصالح المجتمع وتطلعاته وتوجهاته، وإن كان على التربية أن تساير التطور التكنولوجي والعلمي والمعرفي وتواكبه وتسعى للإلمام بالزخم المعرفي الهائل  في ظل الانفجار العلمي والعولمة في عصرنا الحالي، فلا يجب أن تنسى في ظل هذه الظروف مقومات المجتمع ومبادئه للحفاظ عليه وعلى تميزه وتفرده عن باقي المجتمعات، وتسعى أن لا  يذوب فيها ويندثر، بل على المجتمع التشبث بكل ما يعمل على ما يحافظ على كينونته المستقلة المميزة له..

ومما لا شك فيه؛ أن للتربية  بصفة عامة دورا فعالا في تنشئة جيل واعٍ ومتعلم ومنضبط، لذا فإن هناك تلازم واضح بين التربية والقوانين فلا ينبغي أن تُسَنَّ قوانين تجهل طبيعة المجتمع الموجهة له، كما أنه ينبغي أن تكون التربية محط اهتمام فقهاء القانون، إذ هناك صلة وطيدة بينهما، يسيران معا جنبا إلى جنب للمحافظة على كينونة المجتمع وخصائصه التي تميزه عن باقي المجتمعات، ولذا تبقى التربية الحديثة تتمحور حول جيل يفهم دوره المنوط له لكي لا يجد غضاضة في تطبيق القانون والالتزام به وتحديثه  وفق متطلبات الأوضاع الحالية و المستقبلية المستجدة. لذا فإن من الواجب على النخب عدم التمييز بين التربية والقانون.

فمن الحكمة أن تكون الأمة واعية تدرك أهمية التربية، فقد قيل من فتح مدرسة فقد أغلق سجنا، وليس شرطا تفادي السجن بل نبحث ونرجو جيلا منضبطا واعيا وعيًا قانونيًا  بدوره، مما يستوجب تفادي الكثير من  سوء الفهم وسوء تطبيق القانون، وبالتالي فالكثير من المشاكل سببها قلة وعي الأجيال وعدم فهمها للقانون وتطبيقاته، على الأقل فهما عاما يكفي لتفادي الكثير من الخصومات والآفات التي ترزح تحت وطأتها أغلب المجتمعات بما فيها المجتمعات المتقدمة، ولا يتأتى ذلك إلا بتربية واعية هادفة.

ومنه تتجلى لنا الإشكالية التالية ما مدى تأثير التربية الحديثة وبخاصة التربية الإسلامية  في تطبيق القوانين والالتزام بها. وما مدى ترابطهما؟

ولا ننكر أننا في عصر الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي فمكننا من خلاله الوصول إلى أمور لم نكن لنصل إليها لولاه، ومع ذلك، فالبشرية طائر بجناحين لا تطير ولا ترقى لأعالي الأجواء إلا بجناحيها الاثنين؛ الجناح المادي وهو ما أشرنا إليه، وقد وصلت إلى مكانة عالية، وجناح روحي هو ما أهملته الحضارة الغربية فصار ارتفاعها يشوبه الخلل والضعف، ولم  تتمكن من تحصين أفرادها رغم القوانين الرادعة والتعليم المادي البحت، لذا فهي تحمل فناءها بين جوانبها. ولأننا أمة تدين بالإسلام، ونسعى لأن يكون لنا طابعنا الخاص بنا وجب أن نولي التربية الإسلامية اهتماما بالغا، فالأجيال الحالية تنتظر منا أن نقدم لها علما وتربية، علما وفق المناهج الحديثة والمستحدثة، وتربية تهتم  بالمتلقي جسدا وروحا وتسعى لتكوين بناة المستقبل ورجاله.

 

 

التربية لغة: جاء في لسان ابن منظور “وربَّاه تربية، على نحو التضعيف، وتربَّاه، على نحو التضعيف أيضا: أحسن القيام عليه، ووليه، حتى يفارق الطفولية، كان ابنه أو لم يكن”([1]). وفي المعجم الوسيط:  ربَّ الولد- ربّاً: وليه وتعهده بما يغذيه وينميه ويؤدبه, فالفاعل رابٌّ والمفعول: مربوب، وربيب([2])؛ فالتربية من فعل ربا يربو أي زاد ونما، وهي مصدر من الفعل ربّى يربِّي أي نشأ ونمَّى، فالتربية هي النمو والتنشئة والزيادة.

التربية اصطلاحًا: التربية  عموما –عملية بناء للفرد والمجتمع وفق صيغة قائمة  مفاهيم عقائدية وأخلاقية محددة، فإذا كانت التربية إسلامية، كان ارتكاز هذه الصيغة على مفاهيم الإسلام العقائدية والفكرية والمسلكية([3]). وقد قال مصطفى منصور أنَّ التربية أداة الأمة ووسيلتها لتحقيق خطابها التربوي، الذي يعكس رسالتها وأهدافها وغاياتها، لتكوين أفرادها والحفاظ على تميزها واستمرارها، عن طريق نقل تراثها الثقافي إلى جانب دورها في مواجهة التحديات الحضارية والتكنولوجية مما يزيد من أعبائها ومسئولياتها([4]).  وجاء في تقديم عمر عبيد حسنه لكتاب بين التربية والقانون” التربية بكل تعاريفها ومدلولاتها هي الآداب والأخلاق والقيم السلوكية، التي تطبع حياة الإنسان، وتعده للتعامل مع الحياة، بكل أبعادها وآفاقها، بشكل سليم، وتؤهله للمصير الطيب، وفق معطيات الوحي ومسالك النبوة([5]). والتربية الإنسانية الفعلية بطيئة بطء النمو الجسماني، فتربية الأفكار والعقائد وآداب السلوك يحتاج من الزمن ما يحتاجه النمو الجسماني وأكثر([6]).

التربية الإسلامية: هي تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه وعواطفه، على أساس الدين الإسلامي، وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة، أي في كل مجالات الحياة، فالتربية الإسلامية على هذا، عملية تتعلق قبل كل شيء بتهيئة عقل الإنسان  وفكره وتصوراته عن الكون والحياة([7])، والتربية الإسلامية إنما تنبثق من إيمان الفرد بربه إيمانا مطلقا، وتستمد تشريعاتها وتصوغ أهدافها من مصادر التشريع الإسلامي، بهدف بناء الإنسان الصالح لكل زمان ومكان، وكذلك الحفاظ عليه من الانحرافات السلوكية بعمومها([8])؛ فهي نظام تربوي شامل يعدّ إنسانا متكاملاً دينياً ودنيوياً اعتماداً على الشريعة الإسلامية وهو القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعتبر مفهوم التربية الإسلامية مفهوماً شاملاً لكلّ ما يلزم لتربية الإنسان على الدين الإسلامي.

أهداف التربية الإسلامية: تهدف التربية عمومًا إلى تحقيق الإنسان لذاته والاهتمام بالفروق الفردية التي تميز شخصًا عن آخر بما يحصله من مكاسب فكرية وعملية. والاهم في التربية هو إيجاد المواطن الصالح، وذلك بالتكيف الجيد في البيئة والمجتمع المحيط، وتربية الإنسان من الناحية العقلية والخلقية والجسدية والعاطفية والإنسانية. وذلك بالارتباط مع العديد من العوامل والروابط المحيطة (اجتماعية وقومية ووطنية ودينية واقتصادية وسياسية وعلمية وتقنية…. وهكذا يتم إعداد الفرد للحياة الفعالة في المجتمع، ولحياة أسرية مع الآخرين بنجاح. وعملية التربية في الإسلام تهدف إلى قطع الطريق على العلة قبل حدوثها، وتقي الأفراد والمجتمع منها قبل وقوعها، وبذلك تبقى البيئة الإسلامية معافاة من الأمراض والعلل والمشكلات والآفات التي تفتك بسائر البيئات الأخرى([9]). وهدف العملية التربوية هو تأهيل هذا الإنسان المستخلف للقيام بدوره بكل أبعاده، ضمن المتغيرات المحيطة المفروضة بالعولمة وسرعة ظهور النظريات العلمية التي تتحول إلى أجهزة ومواد، وهيمنة التكنولوجيا على المعرفة وعالم الاتصال([10]).وهي التزام الانسان بأوامر الله تعالى فيأتي منها ما استطاع، ويبتعد عن نواهيه لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه”.

أهداف التربية الإسلامية الخاصة: إضافة إلى التنشئة العقدية الصحيحة لأبناء المجتمع المسلم، التخلق بالأخلاق الحميدة، وتنمية الشعور الجماعي لأفراد المجتمع المسلم (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10)، تكوين الفرد من جميع جوانب شخصيته نفسيا واجتماعيا ليصبح عضوا فعالا في مجتمعه، وتنمية مواهبه وصقلها. ولأن التربية تستمد سماتها من الإسلام نفسه فهي تقوم عليه وتستند إليه وبالتالي فهي تمتاز بالسمات والميزات التالية: إن التربية الإسلامية لا تترك العبد حتى يقع، ثم تقوم بعد ذلك على إصلاح خطئه، وتقويم انحرافه، ولكنها تحميه من الوقوع أولًا، ليظل على الصراط المستقيم، سليما من الآفات، معافى من العلل، فإذا اختار الغواية بنفسه ووقع في مغبة أعماله التي نهاه عنها الشرع القويم بالأساليب التربوية الناجحة، قامت ثانيا على استصلاح خطئه، وتقويم انحرافه([11])؛ فالتربية مسؤولة بالدرجة الأولى على تنمية النشء، وتأهيله للمستقبل، وبناء مرجعيته، وتصويب رؤيته ليكون في مستوى قيمه وإسلامه، بحيث يدرك رسالته في الحياة من خلال إيمانه؛ ومسؤولة عن إعداد النشء لمجتمعه، وعصره، وتبصيره بكيفية تعامله معه؛ مسؤولة عن صناعة وانتاج النشء ليكون في مستوى إسلامه وعصره([12]). والتربية الإسلامية عموما تربية تكاملية شاملة، وهي عملية لا تكتفي بالنظريات فقط، ومستمرة لأن الإنسان بحاجة إليها كحاجته للغذاء والماء.

تحديات التربية الإسلامية وعلاقتها بقانون الأسرة :  من التحديات التي تفرض نفسها على التربية الإسلامية العولمة. إن الباحثين يشيرون إلى نتائجها(العولمة) الضارة وغير المتحكم فيها، فهي ستزيد من تهميش دور الدول إلى درجة أنها شبهت بعربة بدون فرامل، لا أحد يعرف أين تتجه أو إلى أي مكان تصل. ومجابهة العولمة لا يمكن أن يكون بشكل انفرادي، بل أن تكتل العالم العربي في وحدة سياسية واقتصادية يساهم من دون شك في التصدي للجوانب السلبية لهذه العولمة في شكلها الأمريكيّ ([13]).  وقد ذكر فتحي يكن في كتابه التربية الوقائية بعض المشاكل التي تواجه التربية بصفة عامة مثل: البيئة التي تتم فيها العملية التربوية منحرفة لا تساعد على إنجاحها، وإنما تتسبب بإجهاضها وإفشالها ولها تأثير سلبي ليس على الشريحة المراد تربيتها بل كذلك إلى النهج التربوي نفسه وآلية التربية نفسها. والتربية لا تزال تراكمية الأسلوب لا تقوم على نظرية متكاملة الحلقات والمفردات ؛ فهي تقليدية. ويؤكد علماء التربية أن التعليم في المغرب العربي يفتقد إلى وجود فلسفة تربوية إسلامية توجهه، فقد ارتبط بفلسفات تربوية أجنبية تأخذ من الغرب تارة ومن الشرق تارة أخرى، فانعكس ذلك على المناهج والأهداف التربوية وطرق التدريس، فجاء ضعيفا غير واضح الأهداف والغايات([14]). ومع ما نراه من تحديات ومعوقات إلا أن تشكل العولمة للمسلم اليوم فرصة نادرة للحركة والبلوغ بقيمه ما بلغ الليل والنهار، وتتيح له الدخول في حقبة إظهار الدين وظهوره على الدين كله، بعز عزيز أو بذل ذليل، تأكيدا لحديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو ذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وذُلًّا يذل به الكفر”. (أخرجه أحمد) (أحمد علي الحاج محمد، ص 22)

علاقة التربية الإسلامية بقانون الأسرة: تعتبر التربية الإسلامية حرزا من مهالك المجتمعات. والقوانين رادعة لها؛ فإذا كانت الوسائل التربوية محلها الأساس إصلاح الفرد أساس المجتمع فإن تشريعات التشريعات القانونية الملزمة محلها الفرد والمجتمع وحماية النظام العام والأمران متكاملان([15]). ومن خصوصية المجتمعات المسلمة التي ينبغي لها أن تلتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية هذه الأخيرة التي اهتمت بالتربية قبل سن القوانين فكان من نتائجها مجتمعا منضبطا يحترم القانون تلقائيا دون اللجوء الى الردع او الترهيب إلا في حالات استثنائية نادرة. وتوفر الانسجام بين القيم التربوية الموجهة للسلوك والتشريعات والقوانين الضابطة للسلوك، ليعيش الإنسان حياة هانئة، بعيدا عن القلق والتوتر والازدواجية وتعدد الولاء وتمزق الشخصية وبعثرة الانتماء؛ لذا إن أول مصالح الإنسان في هذه الحياة حفظ نظام العالم، واستدامة صلاحه، وذلك يكون بإصلاح حال الإنسان نفسه بحسبانه المهيمن على ذلك العالم من جهة الخلافة في ذلك لا من جهة الاستقلال. لأن صلاحه  يعني تعلقه بأسباب الخير والسعي الجاد في الحياة، والبعد عن الضرر والفساد([16]). ولا يمكن أن يقاد الإنسان من خارج نفسه، من خارج قناعاته، أن يقاد بالاغتصاب والإكراه والإجبار؛ لأن ذلك يتنافى مع تكوينه وخلقه. كما أنه لا يمكن أن يوكل أمر الإنسان وضبط سلوكه لنفسه، أو لضميره ورقابته الذاتية فقط، فنفسه مهيأة للنزوع إلى الفساد في الأرض. فإذا كانت الوسائل التربوية محلها الأساس إصلاح الفرد أساس المجتمع فإن التشريعات القانونية الملزمة محلها الفرد والمجتمع وحماية النظام العام والأمران متكاملان. وإذا كانت التربية في ظل النظام الإسلامي تفعل فعلها الواضح في تعضيد القانون، فإن القانون بدوره يفعل فعله في تعضيد التربية، وفي دعم وظائفها وأهدافها، وربما إكسابها الفاعلية. وتظهر العلاقة بين التربية والقانون متكاملة وشمولية فإن كان للتربية الأسبقية بصفة الوقاية فللقانون حفظ النظام من الانزلاق والانتهاكات.وكان لقانون الأسرة –الأحوال الشخصية- نصيب الأسد في هذه العلاقة. وبالرغم ما أصاب الفقه الإسلامي من نكبات وهجومات استعمارية فقد بقي نظام الأسرة الإسلامي بعيدا عن التدخل الأجنبي يستمد أصوله وقواعده  ومبادئه من الشريعة الإسلامية. (بلحاج، 15) ويتطرق البحث إلى علاقة التربية الإسلامية بقانون الاسرة، ونظام الأسرة الذي يتضمن  إنشاء الرابطة  الزوجية؛ العقد الزواج وما يحتوي عليه من أركان وشروط وما يترتب عليه من آثار قانونية وانحلاله وكذا الميراث وغيرها .

    الأحكام الأسرية: أحكام الأسرة هي مجموعة المقررات الشرعية المتعلقة بالزواج والطلاق والنفقة والولاية والمواريث وغيرها مما يطلق عليه قانون الأحوال الشخصية. والتربية على الاختيار الأسلم بما أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في البناء الاجتماعي فإن صلاحها يعني صلاح المجتمع، لهذا اهتمت التربية الإسلامية بأن يؤسس الزواج على أسس سليمة تضمن له النجاح ومن أولى تلك الأسس الاختيار السليم، فالمرأة تختار لجمالها أو حسبها أو مالها أو دينها، والتدين يظل الميزة التي لها الأولوية في الاختيار، تنكح المرأة لمالها…. والمعيار نفسه ينطبق على من يتقدم لطلب يد الفتاة([17]). وحكم النكاح حسب ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد: هو مندوب إليه، وهم الجمهور، وقال أهل الظاهر: هو واجب، وقالت المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب، وفي بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، وذلك بحسب ما يخاف على نفسه من العنت([18]). والغاية من الزواج الإحصان والعفاف وابتغاء الولد، لامتداد النوع البشري. وتعد القواعد المنظمة للزواج قواعد آمرة،  بحيث يعتبر أي اتفاق على إنشاء علاقة غير مشروعة خارج نطاق الزواج باطلا، لمخالفة الشرع والقانون والآداب العامة([19]). إذن فالتربية الإسلامية تهتم بالزواج منذ قبل نشوئه باختيار الطرف الآخر واشتراط الصلاح والدين، لتفادي الكثير من المشكلات، وضمان نجاح مؤسس على التفاهم. وأكدت  التربية الإسلامية أن تحترم كل طرف من أطراف العلاقة الزوجية حقوق الأخر، وأن يؤدي كل منهما واجباته تجاه قرينه، لذا أوصى الزوج بحسن العشرة مع زوجته: استوصوا بالنساء خيرا خياركم خياركم لنسائهم خلقا” وعاشروهن بالمعروف.ومن حقوق الزوجة على زوجها الإنفاق والعدل والرعاية أيضًا. أما بالنسبة لحقوق الزوج، فقد ركزت التعاليم على واجب طاعة المرأة لزوجها والمحافظة على ماله وعرضه :”إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت.

حقوق الزوجين في قانون الأسرة(التشريع): وهي الآثار القانونية والشرعية لعقد الزواج الصحيح وهي حقوق وواجبات لازمة، لا يجوز للزوجين ولا لأحدهما التنازل عن شيء منها أو التملص عليها([20]).ومعظم التشريعات العربية الخاصة بالأحوال الشخصية قد أكدت عليها في نصوصها.

كراهية الطلاق وأخلاقية الانفصال:حرصت التربية الإسلامية على استمرار الزواج وعدم اللجوء إلى إنهائه، حتى غدت كلمة طالق في الثقافة الإسلامية من الألفاظ الحساسة والخطرة والمكروهة، ذلك أن “أبغض الحلال عند الله الطلاق” فالله سبحانه وتعالى قد منح الرابطة الزوجية طابعا قدسيا ووصفها بالميثاق الغليظ ” وأخذن منكم ميثاقا غليظا” (النساء: 21)؛ لذلك لا يحسن بالزوج أن يستسهل النطق بكلمة الطلاق فثمة أخلاقيات له، في مقدمتها أن لا يتم إلا بالحسنى.

المقومات التربوية للعلاقة بين الأبناء والآباء: اهتم الإسلام بتربية الأولاد منذ المراحل الأولى ليشبوا أبناء صالحين، لا سيما في علاقتهم مع الأبوين، قال تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23)؛ لذا فطاعتها والبر بهما والإحسان إليهما ورعايتهما والدعاء لهما وتوقيرهما وإكرامهما من أعظم واجبات الأبناء تجاه الآباء. ولا شك في أن تعليم الأولاد الفروض الدينية وتربيتهم على القيم الأخلاقية والتصورات الإسلامية، وإبعادهم عن قرناء السوء والأجواء الفاسدة من شأنه أن يؤهلهم ليكونوا أناسا صالحين، بينما إهمالهم من شأنه أن يؤدي بهم إلى الوقوع في الانحرافات الفكرية أو السلوكية. وإن اجتماع الأحكام الأسرية، التي يضمها قانون الأحوال الشخصية أو غيره من القوانين الاجتماعية مع التربية الإسلامية إنما يشكل معادلة اجتماعية في الواقع الإسلامي تتعاضد خلالها التربية مع القانون والقانون مع التربية، فيدعم بعضها البعض.

تربية الوعي بالهوية وتكوين الانتماء: لبناء الوعي بالهوية وتكوين الانتماء أهمية كبيرة في تحقيق الانسجام بين المواطن والدولة، والالتزام بالنظام والأحكام العامة. ومن شروط تربية الوعي بالهوية والانتماء تحقيق الوعي بمفردات الهوية الإسلامية كاللغة والدين والعادات والتقاليد والأعراف السليمة، ومجمل ما تختزنه الحضارة الإسلامية من قيم ورموز وأعياد وذكريات. ومن الشروط أيضًا الإيمان بفكرة الدولة والانتماء إليها ففي ظل التربية الإسلامية تصبح فكرة الدولة الإسلامية كما يقول د. حامد ربيع حقيقة يمتلئ بها العقل والوجدان، مع ضرورة التوعية بحدود الثوابت والمتغيرات السياسية([21]).

وبعد، فالتربية والتشريع متلازمان إذ تلعب التربية دورا وقائيا  ومساعدا  للقانون، فبها يمكن تنشئة جيل واع قادر على تحمل المسؤولية، وبذلك أن يتم التكفل بالجانب الوقائي وأن يعي المتربي ما له من حقوق وما عليه من واجبات ويعرف التزاماته واحتياجاته، وحريته ونطاق حدودها، فيرجع الفضل إلى دور المؤسسات التربوية والمناهج الحديثة التي عليها أن تضطلع بهذا الدور المنوط بها للاهتمام بالأجيال القادمة، وبما أن الحياة تتغير باستمرار وتجدد مع كل جيل فعلى نخب التربية أن يعوا ذلك ويعملوا على تحديث مناهجهم وفق متطلبات ومتطلعات المجتمع وفق  بالمبادئ والمقومات الأساسية التي تميز مجتمعاتنا العربية المسلمة عن باقي المجتمعات والأمم الأخرى، ضمن التشريعات المنظمة وخاصة في مجال الأحوال الشخصية وقانون الأسرة الذي علينا أن نولي اهتماما به لأنه من القوانين التي يجب أن تكون لها خصوصياتها حتى تبقى لمجتمعاتنا الثبات والديمومة بلا تمييع، ويظلّ للتربية الإسلامية دورها الفعال الإيجابي.

 

 

([1]) ابن منظور، لسان العرب، طبعة دار المعارف (د.ت) (ر ب و).

([2]) المعجم الوسيط، مطبوعات مجمع اللغة العربية، الطبعة الثالثة (ر ب ب).

([3]) فتحي يكن، التربية الوقائية في الإسلام، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1997، ص20.

([4]) مصطفى منصور، تحديات العولمة التربوية المتعلقة بالمدرسة وسبل مواجهتها، بحث مقدم إلى مؤتمر “الإسلام وتحديات العصر، افريل2007، ص 600

([5]) علي القريشي، بين التربية والقانون، سلسلة كتاب الأمة، السنة الرابعة والثلاثون، العدد 163، رمضان 1435هـ.

([6]) فتحي يكن، المرجع السابق، ص 102

([7]) عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، دار الفكر، ط 25، 2007، ص 28.

([8]) صلاح بن ردود بن حامد الحارثي، دور التربية الإسلامية في مواجهة التحديات الثقافية، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1422هـ.ص12.

([9]) فتحي يكن،المرجع السابق، ص 25.

([10]) مصطفى منصور، المرجع السابق، ص602.

([11]) خليل بن عبد الله بن عبد الرحمن الحدري، التربية الوقائية في الإسلام ومدى استفادة المدرسة الثانوية منها، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى مكة المكرمة، 1996، ص12

([12]) أحمد علي الحاج محمد، العولمة والتربية آفاق مستقبلية، سلسلة كتاب الأمة، العدد 145، رمضان 1432، السنة الحادية والثلاثون.، ص 11.

([13]) عبد العالي دبلة، العالم العربي وتحديات العولمة،  مقال  بمجلة العلوم الإنسانية جامعة محمد خيضر بسكرة, العدد الثالث، أكتوبر 2002. ص24، 27.

([14]) علي بريمة، التربية وتحديات العولمة في المغرب العربي المعاصر، مجلة الحكمة للدراسات التربوية والنفسية- مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع- الجزائر، العدد 19، 2013،      ص 151.

([15]) القرشي،المرجع السابق، ص 18.

([16]) خليفة بابكر الحسن،  فلسفة مقاصد التشريع في الفقه الإسلامي وأصوله ، مكتبة وهبة، ط 1، 2000، ص103.

([17]) القرشي، المرجع السابق ص 14، 18، 93: 94.

([18]) ابن رشد الحفيد، تحقيق محمد صبحي حسن الحلاق، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج3، مكتبة ابن تيمية للنشر، ط 1، 1435هـ.ج3، ص 7.

([19]) بلحاج، ص59

([20]) بلحاج العربي، الوجيز في شرح قانون الأسرة، أحكام الزواج، ج1،الطبعة السادسة، 2010.، ص306

([21]) القرشي، المرجع السابق ص 97، 119: 120.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.