حصريا

القيادة الفكرية الضرورة والوظيفة

القيادة الفكرية

الضرورة والوظيفة

د.حسان عبد الله حسان

باحث وأكاديمي مصري

تقوم الثورات علي أوضاع اجتماعية وثقافية بالية أدت إلي تكريس حالة طغيان فرد أو مجموعة أفراد علي مسار حركة الحياة في المجتمع؛ هذه الأوضاع الاجتماعية والثقافية البالية أنتجت نظاما قيميا ومنهجا عقليا يناقض الحرية والحقوق ويقضي عليها في الوجدان الشعبي..وهذا النظام القيمي الفاسد للحرية وجد من يُنّظر له ويفكر له بما عُرف في تاريخنا بـ”وُعاظ السلطان”، أو ” نخبة النظام”…والذين تمرسوا علي تزييف العقول تارة باسم الدين، وتارة باسم المدنية، هذه النخبة وهؤلاء الوعاظ كرسوا لحالة تغييب فكري للمجتمع بقلب الحقائق  وتزييفها ..وأقاموا نظاما اجتماعيا وثقافيا وفكريا يساعد على استمرار حالة التبعية والخضوع للغرب الاستعماري  وسليله الكيان الصهيوني بالمنطقة إلى الحد الذي وصلت فيه الأنظمة العربية تحديدا في التنافس في خدمة هذا الكيان دليلا وبرهانا على الخضوع الكامل للغرب الاستعماري واستمرارا لتنفيذ سياسته للبقاء عل حالة المجتمع محلك سر.

هذا النظام القيمي الفاسد للحرية والحقوق أفرز لنا حالتين عقليتين تقفان حجر عثرة أمام أي رغبة في التغيير الحقيقي هما:أولا، الجمود العقلي وتوقف نشاط وعقل الإنسان في مجتمعاتنا ،والثاني:الاستلاب الفكري والركون التام والتبعية الكاملة للغرب.

وهاتين الآفتين هم أقوي سلاح للمستبد به يحكم ويأمر وينهي، دون مقاومة أو مواجهة.

أما الثورة فهي تأتي علي هذه الأوضاع الاجتماعية والثقافية البالية لتقضي عليها، وكذلك علي نتائجها-الجمود العقلي، والاستلاب الفكري- والقيادة الفكرية للثورة تواجه هاتين الآفتين-الجمود والاستلاب-، بما تحمله من قناعات فكرية أصيلة ومنهج للتجديد الفكري الناجع الذي يُبدل الأوضاع القائمة بأوضاع جديدة تستمد قيمها من أصالة مجتمعنا وأمتنا.

القيادة الفكرية –أيضا- تقوم بإنتاج أفكار ونظريات جديدة تقاوم وتستبدل الأفكار والنظريات البالية القائمة، فتحدث ثورة في طريقة التفكير ومنهجه أولاً، ثم تسعى لاستعادة الأصالة بطرح برنامجها الحضاري الذي يقوم على تشخيص الحالة الواقعية لمجتمعاتنا وتحديد طريق واضح ومحدد المعالم للخروج من الأزمة الحضارية التي تحياها عبر عقود من الظلام والاستبداد والاستعمار المباشر أو الاستعمار بالوكالة، وأهم أركان التحرر الذي تسعى القيادة الفكرية لتحقيقه هو تحرير العقل من أغلال الجمود والتوقف والانغماس فى الماضي أو الهروب إليه أو اللجوء للخارج مستلبًا لا متفاعلاً ومنتجًا..تحرير العقل من أوهام العجز والسكون وانعدام القدرة  وبلادة الرغبة. والقيادة الفكرية تعمل-أيضًا- علي تخليص العقل مما علق به من عصور الظلام والاستبداد؛ من جمود استلاب، ركون، دعة، وكسل، وتستبدله بالحركة والعمل والاجتهاد والأصالة كمبادئ ثورية للحالة المجتمعية الجديدة.

القيادة الفكرية-أيضاتثور علي الموروثات الاجتماعية من أخلاق وقيم أدت إلي تكريس حالة الطغيان والفساد؛ أي أنها تؤسس لثورة اجتماعية حقيقية وجوهرية تهدم نظاما اجتماعيا وأخلاقيًا يقوم علي الاستعباد وقبوله، في مقابل بناء نظام اجتماعي وأخلاقي جديد قوامه فكرة الحرية التي تنادي بها الثورة، والتي هي السبيل الوحيد لبناء مجتمع جديد حقيقي لا مزيف.

القيادة الفكرية أيضا, ينبغي أن تمتلك من الأصالة الذاتية والانفتاح الحضاري ما يمكنها من طرح خطة “البناء الحضاري” تنطلق من الذات إلي الخارج، وهذا يتطلب أن تكون القيادة الفكرية تمتلك مشروعا فكريا ورؤيويًا واضحا يمكن المجتمع من الانتقال إلي حالة فكرية وثقافية جديدة عبر منهج وخارطة موسومة التقدير.

القيادة الفكرية للثورة تطرح أيضا معالم المرجعية الجديدة للمجتمع المنشود بها تخلصه من حالة الوهن والوهم القائمة في مرجعيات أرضية متأرجحة ثبت مرضها وفشلها وانتقامها في مجتمعاتنا عبر قرنين من الزمان، ومعالم هذه المرجعية هي جملة التصورات والمفاهيم والقيم المستمدة من الوحي الذي تعتقد فيه مجتمعاتنا وتؤمن به حتى لو كان إيمانا كامنا فالقيادة الفكرية ينبغي أن يكون لديها من الخطط والوسائل ولأفكار من تحقيق فعالية هذا الإيمان الكامن وهذه العقيدة الغابة عن الفعل والعمل.

القيادة الفكرية تمتلك القدرة على طرح نظريات اجتهادية مستمدة من الوحي مستوعبة أفكار التراث ومنفتحة على الواقع من أجل إحياء حركة القرآن في المجتمع وطرح مساراته المعرفية والفكرية والاجتماعية لقيادة المجتمع الجديد فالقرآن في مجتمعاتنا  يقود الحياة لا غيره ..والقيادة الفكرية تطرح الأفكار والاجتهادات حول هذه القيادة القرآنية الجديدة.

ومن النماذج الرائدة للقيادة الفكرية للثورات؛ الثورة الفرنسية وما قدمه “مونتسكيو” في “روح القوانين” الذي ندد فيه بالاستبداد والحكم الطاغي للفرد، وتحكم رجال الدين والكنيسة بظلم في الحياة الاجتماعية، وأيضا “جان جاك روسو” في “العقد الاجتماعي” نحو إعادة تأسيس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والخميني في الثورة الإيرانية والذي ابتدع وطور نظرية “ولاية الفقيه” علي حساب نظرية “الانتظار” التي ابتدعتها الدولة الصفوية لخدمة مصالحها في الاستبداد والحكم..

فهل يمكن أن تكون لدينا قيادة فكرية قادرة على إحداث التحولات الفارقة مثل هذه النماذج, من حيث الطرح النظري والمعرفي ثم الطرح الواقعي بما يؤسس للثورة المنشودة بناء معرفيًا راسخًا يقوم عليه المجتمع الجديد ويسرع الخطى نحو التحول الجذري والحقيقي، والسؤال الأخير ..هل القيادة الفكرية لأمتنا بحاجة إلى أن تكون ثورية بصورة كاملة ، أم أننا بحاجة إلى قيادة فكرية ثورية جديدة؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.