حصريا

الصلاة … مقاربة روحانية، قراءة في فكر محمود محمد طه .أ. خليل شايب .

الصلاة … مقاربة روحانية ، قراءة في فكر محمود محمد طه .أ. خليل شايب .

      لا يكاد يخلو دين من الأديان -سماوي أو أرضي- من عبادة الصلاة ، صحيح أن أهميتها تختلف من معتقد إلى آخر ، لكن ما تجتمع عليه جميع الشرائع هو وجود هذه العبادة و استحالة إغفالها ، إذ هي قناة الاتصال بالماواراء و قنطرة عبور نحو السرمدية .

    و كغيره من الأديان فإن للصلاة في الإسلام بالغ الأهمية ، إذ هي “عماد الدين” و أول عبادة يُحاسب عليها المرء يوم القيامة .

    و قد أوْلاها الفقهاء و المحدّثون أهمية بالغة ، لكن -للأسف- فإن كثرة الاهتمام خرجت بها إلى الصبغة الآليّة إذ أصبحت مجرد حركات مخصوصة تُقام في وقت مخصوص على وجه مخصوص ، و أُلغيت الأبعاد التي شرعت من أجلها هذه العبادة .

     و لم يختلف الحال كثيرا مع الـمـُحْدثين ، إذ ساروا على نهج من سبقهم من الفقهاء و واصلوا نهج قتل روحانية هذه العبادة و أرضنتها ، فوجدنا من يكتب عن إعجاز حركاتها و من يتحدّث عن التسييس الذي مَسّها و غيرها من المحاور التي كما أسلفلنا أغفلت الأبعاد الغائية للصلاة .

    و قد حاول كثير من الروحانيين المسلمين تعديل الوضع و إعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي ، على غرار ما فعل الغزالي في الإحياء و غيره من المتصوفة .

و باعتبار السودان أرض العارفين ، و قِبلة الزاهدين ، و محجّ السائرين فإن البحث في طروحات مفكريها لهذه العبادة من الأهمية بمكان ؛ و تأتي هذه الورقة البحثة من أجل تسليط الضوء على مشروع الأستاذ المظلوم محمود محمد طه ، و الإجابة عن بعض الاستشكلات و التساؤلات منها : كيف كان طرح المدرسة الفكرية السودانية لهذه العبادة ؟ هل كان للبيئة السودانية المفعمة بالروحانية تأثير في إعطاء تصوير جديد لهذه العبادة ؟ ما علاقة الصلاة و أهميتها في مشروع الرسالة الثانية ؟ .

     و للإجابة عن هذه التساؤلات و غيرها وضعنا خطة العمل الآتية :

– مقدّمة .

– الصلاة باب من أبواب التلقّى عن الله .

– الصلاة باب للرضا بالله .

– الصلاة و الأمن النفسي .

– خاتمة .

     يرى الأستاذ محمد محمود طه إلى أنه كما أن الشهادة هي أهم العبادات اللفظية فإن الصلاة هي أهم العبادات العملية  ، و لذلك جمع الله بينهما في آية واحدة فقال : لَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) [1] فالكلم الطيّب هو لفظ الشهادة “لا إله إلا الله” و العمل الصالح هو الصلاة [2].

     و لن نُطيل الحديث عن المفهوم و الأمور الفقهية التي أُتخمت بحثا و كتابة ، بل سندخل مباشرة لطرح الأستاذ الروحاني الذي تميّز بالبحث عن أسرار الصلاة و أبعادها الدينية و هو مقصود الصلاة و من لم يستشعر أثرها في حياته و معاملاته اليومية فإنه لم يُصلّ ، و قد كان رسول الله أكبر من صلّى و أكبر من عرف كيف يُصلّي و أكبر من عرف قيمة الصلاة ، و قد رُوي عنه أنه كان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة فتهون الصعاب و يسهل الصعب و يتيسّر العسير ذلك أنه يلقى بصلاته الحبيب الأعظم جلّ جلاله و تقدّست أسماؤه ، و لهذا جاء في الحديث : “حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء و الطيب و جُعلت قرّة عيني في الصلاة ” و قُرة العين هي طمأنينة النفس [3] . و لم يقتر في رأيه دور هذه العبادة على العلاقة العمودية بين الله و العبد بل امتد إلى العلاقة الإفقية بين الإنسان و أخيه الإنسان ، حيث يعتبر الصلاة بابا من أبواب الرقي الحضاري و التقارب الإنساني و جمع شمل التفرق البشري ، يقول : ” و الصلاة أفضل و أهم عملٍ للعبد ، ذلك بأنها أسرع عمل يُفضي إلى توحيد البنية البشرية ” [4] . و سنحاول أن نُلخّص فوائد الصلاة عنده في مجموعة من النقاط :

1- الصلاة بابا من أبواب التلقّي عن الله :

     يذهب الأستاذ أن للصلاة معنيان : معنى بعيد و آخر قريب ؛ أما بمفهومها القريب فهي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة ؛ و لقد فرضت في السماء و بالتحديد في مقام قاب قوسين أو أدنى ، و قد كان جبريل وسيطا فيها ، و فُرضت بكيفيتها ومواقيتها و وضوئها إلى النبي في مكة ، و علمه -جبريل- كيف يصلي ؛ و هذا لا يعني أن النبي صلوات ربي و سلامه عليه لم يكن يُصلي قبل المعراج ، بل إنه على التحقيق قد كان على صلاة قبل البعث ، منذ أن كان يتحنث في غار حراء ، و كُل ما حصل هو أن صلاته القديمة أُدخلت عليها تصحيحات و تعديلات بعد المعراج ، فجاءت الصلاة التي نعرفها اليوم [5].

     و جعلت معراجا روحيا للنبي صلوات ربي و سلامه عليه بالأصالة ، و لأمته بالتبعية . و هي معراج إلى المقام المحمود الذي قامه بين يدي ربه في مشهد ، و قد قال الله تعالى في حق نبيه :  (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ

نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) [6].

     و في هذا القاء الرسولي الرباّني كان له عليه صلوات ربي و سلامه مشهدين ، انظلاقا من الآية الكريمة : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) [7].

     فأما المشهد الأول فهو مشهد أسمائي، وأما المشهد الثاني فهو مشهد ذاتي ،  يقول الله تعالى عن نفسه (كل يوم هو في شأن)  و شأنه إبداء ذاته لعباده و لن يتمكن العبد الوصول إللى هذا الشعور و السياحة من البحور السبّوحية و الاستغراف من الانهار الرحمانية و الأُنس بالذات العلية إلا بالذكر و أول أبواب الذكر الصلاة ؛ و إبداء الذات عند مفكّرنا إنما هو تنزل من سمّو الذات المتعالية المحتجبة عن الخلائق إلى مراتب العباد ليرقوا في معارج هذه التنزلات إلى حضرة الذات كما سيأتي التفصيل .

     إن الله تعالى يقول عن تنزلاته إلى عباده  (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) فالقرآن هو الذكر في مقام الجمع [8] ؛ و المقام عند أهل هذا الفن هو مقام العبد بين يدي ربه أو يُطلق على ما يُقام فيه من عبادات و مجاهدات و رياضة روحية و انقطاعه إلى الله عز وجل ، و من المقامات التوبة و الورع و الزهد و الفقر و الصبر و الرضا و التوكل و غيرها [9]، أما الجمع فهو انشغال النفس بالعالم القدسي المتعالي عن العالم الحسّي المتجلي [10]، أو بمعنى آخر هو الاشتغال بشهود الله عما سواه ، ثم إذا تحقق الجمع معنى أن القرآن باب من أبواب الجمع فإن الفرقان هو الذكر في مقام الفرق [11] و الفرقان عند السادة الصوفية هو رؤية الفرق بين الحق و الخلق أما الفرق فيقصد به رؤية الخلق بلا حق [12].. ومقام الفرق هو التنزلات إلى مرتبة الصفة و مرتبة الفعل، و إلى هذه المراتب الإشارة بقوله تعالى ( ونزلناه تنزيلا)  يعني تنزيلا من بعد تنزيل في المراتب لتكون للعارفين معارج يطوون فيها المراتب ، مرتبة بعد مرتبة، حتى يقفوا على عتبة الذات. ( و بالحق أنزلناه، و بالحق نزل ، و ما أرسلناك إلا مبشراً و نذيرا (فقوله (و بالحق أنزلناه) يعني الذكر ، و أنزلناه إلى مقام الجمع و هو القرآن.  و بالحق نزل إلى مقام الفرق، و هو الفرقان .

     و الذكر في مقام جمع الجمع الذي هو استهلاك و انسحاق في الله بالكلية [13] ، و هو مقام الاسم مما يلي الذات ، و القرآن مقام الجمع و مقام الاسم مما يلي الصفات ، و الفرقان مقام الفرق و هو التعدد و أدناه الثنائية ، وهو مقام الصفة و مقام الفعل ؛ و مقام الفعل أعلاه مقام توحيد و أدناه مقام شرك – مقام تعدد- و ذلك عند بروز الأكوان من المكون بأثر الفعل ، فمن شغلته المخلوقات عن الخالق فهو مشرك ، و من رأى من وراء فعل المخلوقات فعل الله فهو موحد ، و في الحق أن التوحيد كله في مقام وحدة الفاعل ، وهو ما عنيناه بعبارة “رآى من وراء فعل المخلوقات فعل الله” ، أو الانتقال من الخلق إلى الحق و اعتبار كل آية من آيات هذا الكتاب االمنظور مشهدا يتجلّى فيه الفعل الإلهي .

     و الرسالة تنزل إلى أدنى درجات التعدد ، و خاصة في وجهها الجلالي أي وجه الإنذار ، و غرضها جمع الناس على الله من التفرق في التعدد [14]، وإلى ذلك تشير عبارة ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) [15]، و هو باب من أبواب جمع الشتات الآدمي بطريقة سلمية راقية تتجاوز التعصب و الخلاف و الاجتماع على الحقيقة المطلقة بين جميع البشر و هي حقيقة أقرها القرآن الكريم حين قال تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [16] .

     و يرى محمود محمد طه أن التوحيد كله مجتمع في مرتبة وحدة الفاعل ، لأنها مرتبة الشرك الخفي و لن يخلص العبد من الشرك الخفي إطلاقا ، لأنه يدق حتى يصبح أدق من الشعرة و أحد من السيف لكنه لا ينتهي، وهو الحجاب القايم بين الحقيقة الإلهية الموحدّة المطلقة ، و الوحدة البشرية النسبية ، و هذه المرتبة هي أول مراتب تجليات الذات العليّة مما يلي العبد.. أو قل هي أول مراتب العروج إلى الله ذي المعارج. والمرتبة التي تلي وحدة الفاعل هي و حدة الصفة و هي مرتبة الأحدية ، والأحدية صفة الله ( قل هو الله أحد)  و المرتبة الثالثة وهي التي تلي مرتبة وحدة الصفة هي مرتبة الاسم ، وهو الله وليس وراء هذه المرتبة إلا الذات الصرفة [17].

     و نرجع إلى الشهود النبوي ليلة المعراج ، إذ أسلفنا أن أوّل مراتبه هي الشهود الأسمائي هو شهود تجليات الذات في الخلق فقد شاهد النبي التجليات الإلهية في جبريل عليه السلام ، قال تعالى : (علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) و يقصد هنا كبير الملائكة حيث وصفه بالشدة ، و معنى “فاستوى”أي استوى و كَمُلَ في صورته التي الخَلْقية التي فطره الله عليها و هي أعلى ما يكون جبريل مظهرا للتجلي الأسمائي ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : ( وهو بالأفق الأعلى)  مما يلي الذات (ثم دنا فتدلى ) أي تنزل في التجلي الأسمائي إلى مرتبة الصفة ثم إلى مرتبة الفعل ، حيث استقر ( فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) بمعنى أن جبريل أوحى إلى عبد الله محمد ما أوحى [18].

     وأما المشهد الذاتي فقد أُخفيَ في سياق عبارات القرآن ، لأنه فوق العبارة و لا تستوعبه لغة و لا يمكن أن تسعه إلا الإشارة . و قد جاءت عبارة هي نهاية في الدقة و الإيجاز، و في القيمة السلوكية للسالكين لتشير إلى هذا الشهود الذاتي إشارة سلوكية، وتلك هي آية (ما زاغ البصر وما طغى)  ولما كانت سدرة المنتهى هي نهاية الشهود الشفعي ، أو الثنائي و بداية الشهود الوتري أو الفردي أو دعنا نقول مرحلة انسحاق الأنا و بقاء الأنت فقد أخبرنا القرآن عن ذلك فقال : (إذ يغشى السدرة ما يغشى)  من طرف التجلي الذاتي ، بلغ النبي مقام ما زاغ البصر و ما طغى ، و البصر البصيرة في هذه المرحلة شيء واحد لا فرق بينهما ، بطبيعة الحال لأن هذا مقام التوحيد ، و حين قال : (ما زاغ .. و ما طغى ) يعني ما رجع الفكر فانشغل بالماضي و ما ما انشغل بالمستقبل ، بمعنى أوضح فإن النبي صلوات ربي و سلامه عليه و من فرط ما غشيه من الشهود الذاتي ، قد استغرق وأخذ من جميع أقطاره حتى أصبح وحدة مكانية في وحدة زمانية ، وبهذا التوحيد الكامل الشامل، خرج عن الزمان والمكان وتحرر منهما، فشاهد من ليس يحويه المكان ولا الزمان.. شاهد الله شهوداً ذاتياً ، ليس للعبارة فيه مجال . وهنا فرضت الصلاة بمعناها البعيد .. فرضت بلسان الحال، لأن لسان المقال هنا أخرس لأن الأنا منسحقة ذائبة في الأنت قتنطق بلسان الحال لا لسن المقال ؛ و في هذه المحطة الثانية لم يكن جبريل حاضرا و إنما حاضرا في فرض الصلاة بالمعنى القريب فقط دون البعيد [19].

       و مراد مفكرّنا من كل التفريعات الروحانية الراقية و التفصيلات الصوفية الدّقيقة هو أن الصلاة باب من أبواب الشهود الأسمائي الذي هو وسيلة إلى الشهود الذاتي . فإن العبد المترقي يشاهد وحدة الفعل ، ثم يترقى منها إلى شهود وحدة الصفة ، ثم يترقى منها إلى شهود وحدة الاسم ، وليس وراء ذلك إلا شهود الذات ، وليس في شهود الذات مقام ، وإنما هي إلمامة خاطفة و جمعية مستغرقة ، ينادي عندها منادي الطبيعة البشرية ( يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) ، ثم يكون تنزل العبد راجعا في درجات معراجه، فيكون مما يليه، في حالة التنزل، شهود وحدة الاسم ، ثم وحدة الصفة، ثم وحدة الفعل . فكأنه شاهد في العروج ثم في التنزل بعد العروج كل مشهد مرتين ولكن بصورتين مختلفتين ، لأن التكرار ممتنع في تلك المقامات . و كل المشاهد في حالة التنزل أعظم منها في حالة العروج ، ولذلك فقد فرضت الصلاة خمسين في مقام  (قاب قوسين أو أدنى)  في حالة المعراج ، ثم خففت إلى خمس في مقام (قاب قوسين أو أدنى) في حالة العودة أو التنزل من المعراج ؛ و السر في التخفيف هو أن النبي بعد شهود الذات أصبح أعرف بالله منه قبلها ، و العارف مخفف عليه دائما على قاعدة ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما ) [20].

     في مقام الشهود الذاتي فرضت الصلاة بالمعنى البعيد ، وهي الصلة مع الله بلا واسطة ، في مقام ( ما زاغ البصر وما طغى)، حيث تطمس من العبد ذاته الـمُـــحْدثة وتبقى ذاته القديمة في صلة مع القديم، لا يفصلها وسيط و لا تقوم بينهما وسيلة ، و هناك تسقط الوسائل و الغايات و لا يبقى إلا الواحد ، وليس لسفن العبارة ههنا نصيب ؛ و في الحديث قال الرسول الأعظم :” وجعلت قرة عيني في الصلاة” ، يقول مفكرنا : ” لأنه بالصلاة دي بيرتفع الى المقام الذي ما اتوزع فيه ، عند مقابلته لله .. وهذا هو المقام المحمود الذي ورد ذكره في القرآن ، وأمر نبينا بالتوسل إليه بالصلاة الشرعية .. قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فالنافلة في صلاة الليل كانت على نبينا مكتوبة .. والارتقاء بصلاة الشريعة الى صلاة الدين ارتقاء في مراتب التوحيد.. ” [21].

2- الصلاة باب للرضا بالله :

     خلافا للطرح الميكيافيلي الذي يرى بأن الغاية تبرر الوسيلة فإن الأستاذ يذهب إلى أن الوسيلة دائما تكون من جنس الغاية ، و الاختلاف الحاصل بين الوسائل وغاياتها هو مجرّد اختلاف مقدار و ليس اختلاف نوع ، و لا يمكن لدى النظر السليم التوسل إلى الغايات الصحائح بالوسائل غير السليمة .

    و الصلاة كعبادة إسلامية وسيلةٌ إلى المقام الذي يكون فيه الفرد في صلة تامة بمعبوده و جمعية شاملة بربه ، قال تعالى : ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون ) ، و قال : ( وأقم الصلاة لذكري ) وذكر الله في هذه الآية و في سابقتها كما يرى محمود محمد طه هو الحضور مع الله بلا غفلة، و أهم وسائل هذا الحضور الصلاة ؛ و في قوله تعالى ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون  يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين) فالصبر هنا يعني الصوم ، وإنما تكون الاستعانة بالصوم و الصلاة على دواعي الجبلة إلى الغفلة عن الله ، و هو راجع إلى أن الصلاة وسيلة إلى ذكر الله بلا غفلة عنه [22].

      و الصلاة وسيلة إلى الرضا بصورة لا لبس فيها ولا غموض، والرضا بالله ربا نتيجة تمام المعرفة به لذلك قيل من ذاق عرف و من عرف اغترف قال ابن شمعون : الرضا بالحق و الرضا له و الرضا عنه ، فالرضا به مدبّرا و مختارا ، و الرضا عنه قاسما و معطيا ، و الرضا له إلها و ربّا [23]. و تمام المعرفة بالله ثمرة ذكره بلا غفلة و لا انقطاع فمن انشغل بغير الله صرف الله قلبه عنه قالوا : إذا أردت أن تعرف مكانتك عند الله فانظر إلى مكانته في قلبك ؛  والرضا بالله ربا يعني ترك التمني ومما يؤثر عن الحسن بن علي أنه قال : من وثق بحسن اختيار الله له ، لم يتمن غير الحالة التي هو فيها))،  ولذلك قال تعالى : ( و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير و أبقى)  يعني لا تتمن و ارْض بما قسمه الله لك و ثق بحسن تدبيره ، و استعن على حالة الرضا هذه بالصلاة [24].

      إذا تقرر أن الصلاة وسيلة لذكر الله، و أن ذكر الله هو الحضور معه بلا غفلة عنه ، وثمرة الذكر بلا انقطاع و لا غفلة تمام المعرفة بالله وثمرة تمام المعرفة الرضا بالله، وعاقبة الغفلة عن الله السخط عليه، والرضا بالله مجاهدة في مقام العبودية، فإن العبد لا يزال يجاهد دواعي طبعه إلى السخط على الله، وعدم الرضا به في دقائق صور السلوك جميعها، حتى يرضى الله تعالى عنه فينتقل من مرتبة النفس الراضية إلى مرتبة النفس المرضية وهي النفس التي لا يلقيها الله إلا ما تحب ، لذلك قال صوات ربي و سلامه عليه : ” إن الله تعالى بحكمته جعل الرُّوح و الفرح في الرضا و اليقين ، و جعل الهمّ و الجزن في الشكّ و السخط” [25]؛ و في الحقيقة أن النفس لا ترضى عن الله تمام الرضا و هي تلقى من الله ما تكره ، ولذلك فقد عبر تعالى عن حالة المرضيين عنده بقوله : ( لهم ما يشاءون فيها) ثم لما كانوا مرضيين من الله لطول ما رضوا بالله مدّ لهم الله علما به متجددا تتجدد به مشيئتهم فترتفع إلى مستوى منجزات جديدة من المطالب الرفيعة ، التي تستجاب فور بروزها إلى منطقة الفكر أو إلى منطقة القول، و إلى ذلك الإشارة بقوله ( ولدينا مزيد ) [26] ، و لذلك قال الحسن بن علي حين خُبّر أن أبا ذر يقول : الفقر أحب إليّ من الغني و السقم أحبّ إليّ من الصحّة : قال : رحم الله أبا ذر ، أما أنا فأقول : من اتّكل على حسن اختيار الله له لم يتمنّ أنه في غير الحالة التي اختار الله له [27].

     فإذا أحْسَن العبد التوسل بوسيلة الصلاة أعانته على الدخول في مقام الرضا بالله، فإذا أحسن السلوك في مراقيه بالمزيد من إتقان الصلاة دخل في درجات العبودية . و مقام العبودية حسب مولانا هو أوّل مقامٍ للنفس الراضية ، و ليس له آخر و لا منتهى لأنه كالربوبية لا يتناهى ؛ قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) و معناها ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدوني كما أمرتهم على ألسنة رسلي، ليصيروا بتلك العبادة لي عبيدا كما أمرتهم على لسان ذاتي ، وذلك حين قلت في مقام عزتي : (إنْ كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) .

     و لن تستجيب النفس لهذا المقام إلا إذا بلغ علمها حق اليقين ، فاطمأنت و سكنت لاستيثاقها أن الله أعلم بمصالحها منها ، وأنه تعالى أقدر على توصيل المصلحة إليها، وأنه أرحم بها منها ، وأنه أولى بها منها، من جميع الوجوه ، قال يحيى ابن معاذ حين سئل : متى يبلغ العبد مقام الرضا ، قال : “إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يُعامل به ، يقول : إن أعطيتني قبلْتُ و إن منعتني رضيت ، و إن تركتني عبدت و إن دعوتني أحببت” [28]،  و لن يتسنّى هذا للنفس إلا بتوفيق الله ، ثم بإدمان الفكر ، و بطول المران والرياضة و المجاهدة، وبإتقان العبادة بتجويد تقليد المعصوم ، وبالسلوك العملي في حسن معاملة الناس، والسعي في مصالحهم، حتى تجود (لا إله إلا الله)  تجويد تفريد ، و قد سبق و ذكرنا أن العمل الطيّب هو كلمة التوحيد ، و أن العمل الصالح هي الصلاة أو بمعني أوضح معاملة مع الرب بعدم الغفلة عنه ، و المعاملة مع الخلق بكف الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم ، ثم بالإخلاص و النصح لهم وذلك بتوصيل الخير إليهم في المنشط والمكره [29]، و لذلك جعل الله شرط خيرية هذه الأمة هاذان العملان ، قال : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) فالخيرية مقترنة بشرطين أحدهما متعلق بالذات العلة و هو الإيمان به و توحيده و صرف العبادة له دون غير ( تؤمنون بالله) ، و آخر معاملاتي يكون بين عموم بني آدم (تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر) [30] .

     إن  الحياة و تقلّباتها بين الخير و الشّر ، و بين السعة و الضيق ، و بين العسر و اليسر ، تجعلنا نيعى لتحصيل السعادة بمختلف الوسائل و نحاول أن نتوقّى من الشر و نسُدّ ذرائعه و نغلق مداخله ، قال تعالى : (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) و قال : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )  ، فهذه الآيات و غيرها تؤكد أن الإنسان مجبول على حب المال و الرفاه و بغض الشر و الفقر و الضيق .

     و لن يُشفى من هذا المرض حسب الأستاذ محمود إلا بالمجاهدة على الرضا بالله كما سبق أن قلنا ، يقينا منه بأن الله أعلم بما يصلحه منه ، وأن المصائب حين تساق إليه إنما هي صديق في الحقيقة ، في ثياب عدو في الظاهر و ذلك لقصور علمنا ،  قال تعالى : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)  فإذا أتقنا المجاهدة في موطن الرضا إيقانا منا بأن شدة المصائب التي يسوقها إلينا ربنا إنما هي بمثابة مرارة الدواء الذي يكون فيه برء أدوائنا ، فإن عناية الله تدركنا فتنقلنا بما تفتح لنا من فيوض المعرفة بالله إلى منازل لا يتصور فيها بلاء ، حيث نكون في سرادق الرضا ، فلا نلقى شيئا مما نكره [31].

     فالعارف المجود للمعرفة السالك في مدارج العبودية لا يخاف شيئا على الاطلاق ، و هو لا يخاف الله لأن الله عند العارف المجود يحب ، ويطمأن إليه ، ويرتع في بحبوحة أنسه ، قال ابن عطاء الله السكندري : ” الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد ، لأن يعلم أنه اختار له الأفضل فيرضى به و يترك السخط ” [32] ، صحيح أن السائر إلى الله ينتابه بعض الخوف ، ولكن هذا الخوف حسب مولانا هو خوف معرفة ، و هو أعلى ما تبلغ معرفة العارفين ، وعنده النعيم المقيم والخير المطلق، وبه المزيد المستمر ، قال تعالى : (كل يوم هو في شأن) وشأنه تجديد حياته كل لحظة بانطلاقه في التطور ، و الاستزادة من كمال حياة الفكر و حياة الشعور، و هو في ذلك ينشر الخير بين الناس كما تنشر الزهرة المعطار شذى عَــرْفها ، يقول : ” إن العبودية هي الحرية ، لأنها حرية من الخوف ، و وسيلة العبودية العبادة ، و في قمة العبادة الصلاة ” [33] ، و يقول ابن عطاء الله السكندري: ” و الصلاة محَلَ المناجاة ، و معدن المصافاة : تاّسع فيها ميادين الأسرار ، و تُشرق غيها شوارق الأنوار ، علِمَ وجود الضعف منك فقلّل أعدادها ، و علم احتياجك إلى فضله فكثّر أمدادها ” [34].

3- الصلاة و الأمن النفسي :

      نعيش اليوم في زمن السرعة ، في زمن الغزو الثقافي الخارق للخصوصيات ، في زمن الاكتشافات الالكترونية المذهلة ، في زمن الرفاه و الحياة الأكثر استقرارا و هناء ؛ بالمقابل فإن العالم المعاصر و رغم كل ما توصل إليه من وسائل و طرائق التي تؤمّن حياة هادئة مستقرة فإنه لم يستطع التخلّص من القلق والتوتر و الحيرة و الاضطرابات النفسية و المشاكل النفسية و الأسرية ، و لم يقتصر هذا التوتر و القلق علة المجتمعات الغربية بل امتد إلى مجتمعات العالم الثالث عموما و المجتمعات المسلمة خصوصا حيث عجر رجال الدين و الدعاة عن هداية الناس و إرجاعهم إلى جادة الصواب ؛ يذهب مولانا إلى أن أن أمراض التحضّر الغربي أو كما يُطلق عليها “أمراض المدنية” ليست بالظاهرة المرضية ، بل علامة صحة ذلك أنها ترشدنا إلى أصل الداء و تمكنّنا من القضاء عليه ، فجهلنا بحقيقة البيئة التي نعيش فيها و عجزنا عن المواءمة بين حياتنا و بينها سبب ظلالنا ، فمن خلال التعرف على بيئتنا ، يمكننا أن نوجد نوعاً من التوافق و التناسق بين حياتنا و بين هذه البيئة ، و ليس أمامنا في خضم هذا التطور السريع إلا أن نرتفع إلى مستوى المواءمة بين حياتنا و بين بيئتنا ، وإما أن ننحدر إلى الهاوية [35] .

      لا سبيل إلى الخروج من هذه الدوامة و النجاة من عواقب الدخول فيها ، و لا وسيلة لتحقيق الأمن النفسي و الاستقرار الداخلي الذي خلّفته في أنفسنا فلسفة التشيّؤ إلا الصلاة ، إنها منهاج يعطينا الفرصة إلى أن ننفصل عن الدوامة الحاضرة ونكون في خلوة نجد فيها السبيل إلى النظر في دواخلنا ذلك أننا نعرف عن عالمنا الخارجي أضعاف ما نعرف عن عالمنا الداخلي ، يقول مولانا : ” إن البيئة التي نعيش فيها هي بيئة روحية ذات مظهر مادي ، هذه حقيقة ظهرت لنا لأول مرة عن طريق العلم التجريبي و أيضاً عن طريق الدين ، إننا نحن نعيش محاطين بالمظاهر الإلهية و لكي نعيش في سلام فقد وجب علينا أن نعرف الله ، و أن نعرف أسرار صنعه فينا ، هذا الصنع الذي هو بيئتنا التي نعيش فيها الآن.. وقد ظللنا دائماً نعيش فيها و لكننا نجهلها تمام الجهل ، فإذا حققنا و صححنا علمنا بها فسيعيننا هذا العلم الجديد على أن نرجع لمناقشة هذه العقد النفسية الموروثة و المكتسبة التي رسبها فينا الجهل.. نناقشها، ونصححها ، و نسلّط عليها النور لتخرج من ظلامها وسجنها ، إلى نور الحياة و حركة الحرية .. ” [36].

      إن البحث عن سرّ الخلق و الفعل و التقدير الإلهي باب ممن أبواب الأمن النفسي ، فمهمة المسلم المعاصر يجب ألا تكون منصبة في البحث عن كيف خلق الله و كيف فعل ، بل الأهم و الأجدر أن يبحث عن إجابة عن السؤال لماذا خلق و لماذا فعل ؟ و بالبحث عن البُعد الغائي للخلق و الفعل و التقدير الربّاني سنرتاح نفسيا و نأمن روحيا و نجابه مختلف المشكلات و الأزمات النفسية ، فالحكمة هي سر صنع الله في كونه تعالى : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [37]، فقوله : ما خلقناهما إلا بالحق يعني إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء في مواضعها ؛ و الحكمة نهاية العلم و منتهى الرحمة و يري مولانا أن الرحمة قد تكون في صورة عذاب ، و لكن الحكمة كامنة وراء العذاب تمام كالحكمة وراء الدواء المر لذلك قال عزّ و جلّ : ( كتب عليكم القتال و هو كره لكم ، و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ) فالله تعالى بصريح الآية يعلم و نحن لا نعلم و لذلك فقد وجب الإيمان بما لا نعلم ريثما نعلم و ريثما ينكشف لنا الحق من الباطل [38].

     و بهذا التسليم المطلق لله تعالى يمكن أن ندرك قانون الحق الذي به خلق الله السموات، و الأرض قال عزّ و جل : ( ما خلقناهما إلا بالحق) يأي بالقانون الواضح المنضبط ، و قديما قال أرسطو إن القانون هو العقل الذي لا يتأثر بالرغبة ، هذا هو القانون الكلي و هو إنما يحكي صورة العقل الكلي الذي نحاول نحن البشر أن نسير بعقولنا خلفه ، لاحظ معي الوصيّة النبوية : “تخلقوا بأخلاق الله” فبقدر ما تحاكي عقولنا العقل الكلي، بقدر ما ندرك من دقائق هذا القانون ، الذي ما هو إلا أثر من آثاره و صنعه من إبداعه و تجلّ من تجليات قدرته ؛ و بقدر ما ندرك من دقائق هذا القانون ، بقدر ما نسير حياتنا في مواءمة معه و بالتالي نبلغ الأمن ، ونستمتع بالحرية من الخوف ، و نطلع على دقائق الغيب و نصحح عقد الماضي فننغم بهذا التصحيح التشويش الداخلي الذي هو سمة المجتمع المعاصر [39].

     إن الصلاة جلسة نفسية بل مدرسة روحانية و مصحّة تحقق الأمن الباطني إنها فرصة للنظر الداخلي ولمناقشة العقد النفسية المكبوتة في طبقات العقل الباطن وفي التعريف العرفاني، السلوكي، العلمي، فإن للعقل سبع طبقات تعرف بالنفوس السبع ؛ وقد ورد ذكرها جميعها في القرآن :

  • النفس الأمارة .
  • النفس اللوامة .
  • النفس الملهمة .
  • النفس المطمئنة .
  • النفس الراضية .
  • النفس المرضية .
  • النفس الكاملة .

     و هذه النفوس السبع إنما هي درجات في مراتب الإدراك التي بها يطلع العقل على الحقائق ، ويعرج في سمواتها وذلك بفضل الله ثم بفضل العبادات و في مقدَّمها الصلاة كما أسلفنا ، انظر كيف ربط رب العزّة هذه العبادة بأحد مراتب النفس من جهة و آيات الكون و مواقيت الصلاة من جهة أخرى قال : ( فاصبر على ما يقولون ‍‍ و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل غروبها و من آناء الليل فسبح و أطراف النهار لعلك ترضى) فبعد سبّح و صلّ قال لعلك ترضى ، و الرضا المقصود هنا إنما هو بربوبية الرب ، وهو التسليم له وزيادة ؛ هذا الرضا هو تعبير آخر عن التواؤم مع البيئة ، وهذا ما به نحصل على الطمأنينة [40] .

     ثم إن جلسة الاستغفار خير دليل على أن الصلاة جلسة نفسية إذ فيها تعترف لرب السماوات و الأرض بكل انكسار و تلقي عليه همومك بكل إقبال و تذلّل و تجرّد ، و الاعتراف تفريغ البال من الهموم التي تغم القلب ، حتى تحصل الراحة بنقاء الضمير ؛ قال عزّ من قائل : ( و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون )  وقد كان الأصحاب يقولون بعد أن التحق النبي بالرفيق الأعلى :كان لنا أمانان من العذاب ، فذهب أحدهما وبقي الآخر ، و قد علم صلوات ربي و سلامه عليه أن مكوثه بين أصحابه غير مؤبّد فوعده ربه قائلا : إني لا أضيع أمته و إن قضى فيهم مدّته ، فمادامت ألسنتهم بالاستغفار متطلّعة فصنوف العذاب عنهم مرتفعة [41]؛ و يقوم الاستغفار بحط الهموم و الغموم و الأوزار عن الصدر فالإنسان حين يستغفر ربه لا يمكن إلا أن يكون صادقاً كل الصدق، لأنه مطمئن على ولأنه يعلم أنه لا يستطيع أن يكتم الله حديثاً إذ هو تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) .

     و للاستغفار أركان : أولها الإقلاع الفوري عن الذنب ، ثم الندم على ما فات منه ، ثم العزم على عدم العودة إليه [42]؛ وإنما يريح الاستغفار النفوس لمكان الصدق منه فإنه هو أصدق الحديث والصدق دائماً يريح ، ويحرر النفوس فهو ليس مجرد أقوال تجري على اللسان ، أو أعداد من المرار تحصى على المسبحة ،  وإنما استعراضك لشريط أعمال اليوم السابق ، تستعرضها ثم تقيمها و تحدد مبلغ الخطأ فيها بصورة تفعم النفس بالندم عليها حتى تندفع في جمعية و امتثال و انكسار تطلب المغفرة من الله الغفار .

     لسائل أن يقول : كيف يكون للاستغفار كل هذا التأثير في الإنسان ؟ ما السبيل إلى ذلك ؟ يجيب مولانا بأنّ الاستغفار الــمُداوي يكون في السحر ، بعد صلاة الثلث الأخير من الليل ، و في هدوء الليل حين يختلي كل حبيب بحبيبه و يحجّ كل إنسان إلى كعبته ، في جلسة خشوع و سكينة و وقار ، تجلس فيها جلسة الصلاة غير متربع و لا ماد رجليك و الأهمّ أن تجلس و أنت تستشعر حضرتك بين يدي الله ؛ إن الاستغفار)) بهذه الهيئة، يحط عن النفس ثقل ظلامها بصورة حسية يشعر بها المقبل على الله شعوراً حسياً بل تكفي منه المرات القلائل لتحقيق الغرض المرجو منه [43].

     و هنا لنا أن نستفسر أيضا : إن حياتنا اليومية لا تخلو من لحظات استغفار بل فينا من لا تُفارق المسبحة يده و لا يغادر الاستغفار لسانه لكنه يعيش الضيق و الهم أكثر من غيره ؟

     يجيب مولانا أن الاستغفار الذي يجري على اللسان من باب التعوّد ، أو التكرار على المسبحة ، كما هو مألوف و جارٍ على ألسنة الناس تعوّدا ، ليس فيه غنية و لا يُرتجى به شفاء ولو عدد آلاف المرات ، إن الاستغفارالحق الذي يُعوّل عليه : فكر يسترجع و يحاسب على أخطاء الماضي بصورة تملك القدرة على السير بالنفس إلى عتبة الاعتراف ، منكسرة ذليلة خاضعة تستشعر الجرم و ترجو الصفح و التجاوز ، أما غير ذلك فهو استغفار يحتاج لاستغفار كما قالت رابعة العدوية [44] ؛ وقيمة هذه الجلسة التي يجري فيها الاعتراف عن طريق الاستغفار هي أنها تعين على تنغيم تشويش الخواطر الداخلي ، و على مناقشة الثرثرة التي تجري في الصدر، كمحاولة لتنويرها و لإقناعها و لتفريج الكبت عنها فتتخلص بذلك من التوتر ، و من القلق الذي يظهر على الناس الآن في صورة المرض العصبي ؛ و خير معين على التخلص من هذا المرض إيمان أكيد بأن الله لا يتعاظمه ذنب، فهو تبارك و تعالى القائل : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) فهذه أشمل آية في رجاء المغفرة وهي تستمد من الإطلاق الذي لا يجري عليه قيد ، و هي من ثم مسيطرة على آية أخرى  باب المغفرة فيها أيضاً واسع وتلك هي قوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  و من يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ) إن جلسة الاستغفار مردوفة بهذا الإيمان الخالص ، لا تغادر صغيرة و لا كبيرة من الذنوب إلا و ضعته و بعد انتهائها ينهض المستغفر كأنما نشط من عقال [45].

خـــــــــــــــــاتمة :

     و ما يمكن أن نخلص إليه من كل ما سبق نجمله في مجموعة من النقاط :

1- إن الاتهام الذي كاله الدكتور محمد عمارة للأستاذ محمود محمد طه و المفكر محمد محمود طه من أنهما جاءا بأفكار غامضة يجب أن تناقش و تمحّص اتهام باطل فيه تجنٍّ كبير على هاتين القامتين الفكريتين إذ من خلال ما ناقشنا في هذه الورقات عمدنا إلى جمع أقوال الأستاذ و ربطها مباشرة مع أقوال رجال التصوف الكبار من المشرق و المغرب و هذا يدل على أن ما جاء به الأستاذ أفكارٌ وُجدت عند كبار المتصوفة و العارفين لكن بطرح جديد معاصر لا يتناف إطلاقا و روح الإسلام ؛ إن القراءة المؤدلجة المسبقة أو “القراءة بالنسبة إلى” أغلقت العقول و ضيّعت المفاتيح ، إنها قراءة وضعت حدّا لروحه الطاهرة .

2- أهمية الصلاة في الإسلام تُعادل أهمية كلمة التوحيد .

3- إن الصلاة هي أهم باب للتّلقي عن الله ، فالسماء لم تُغلق أوبابها بعد أن ارتفع الرسول الخاتم إلى جوار ربه بل ما تزال أبوابها مشرعة للسالكين إلى الله الباحثين عن قربه .

4- إن علاج الأمرض النفسية و العقد التي سببتها الحضارة المعاضر لا تُحلّ إلا من خلال الصلاة .

[1] – سورة فاطر ، الآية : 10 .

[2] – محمود محمد طه ، تعلّموا كيف تُصلّون ، د م ن ، ص 50 .

[3] – محمود محمد طه ، رسالة الصلاة ، د د ن ، أم درمان ، السودان ، ط 5 ، ص 6-7 .

[4] – تعلموا كيف تصلون ، المصدر نفسه ، ص 1 .

[5] – المصدر نفسه ، ص 86 .

[6] – سورة الإسراء ، الآية : 79 .

[7] – سورة النجم ، الآية : 5 – 18 .

[8]  – المصدر نفسه ، ص 86 .

[9]  – السراج الطوسي ، اللمع ، تحقيق : عبد الحليم محمود و طه عبد الباقي سرور ، دار الكتب الحديثة ، القاهرة ، مصر ، ط 1 ، 1960 ، ص 65 .

10 – عاصم إبراهيم الكيالي ، القاموس الصوفي من كلام العارف بالله عبد الرزاق القاشاني ، كتاب-ناشرون ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 2011 ، 99-100 .

[11] – رسالة الصلاة ، المصدر نفسه ، ص 86 .

[12] – عاصم إبراهيم الكيالي ، المرجع نفسه ، ص 244 .

[13]  – المرجع نفسه ، ص 100 .

[14]  – رسالة الصلاة ، مصدر سابق ، ص 87 .

[15]  – سورة الإسراء ، الآية : 105 .

[16]  – سورة آل عمران ، الآية : 64 .

[17]  – المصدر نفسه ص 89 – 90 .

[18]  -المصدر نفسه ، ص 90 – 92 .

 [19]  – المصدر نفسه ، ص 92 – 93 .

 [20]  – المصدر نفسه 93 – 94 .

[21] – محمود محمد طه ، الإسلام برسالته الأولى لايصلح لإنسانية القرن العشرين ، السودان ، د م ن ، 1969 ، ص 7 .

[22]  – رسالة الصلاة ، المصدر السابق ، ص 75 .

[23]  – أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، شركة القدس ، القاهرة ، مصر ، ط1 ، 2012 ، ج 5 ، ص 439 .

[24] – رسالة الصلاة ، المصدر السابق ، ص 76 .

[25]  – السهروردي ، عوارف المعارف ، تحقيق عبد الحليم محمود و محمود بن الشريف ، دار المعراف ، القاهرة ، مصر ، دط ، دت ، ج 2 ، ص 294 .

[26] – المصدر نفسه ، ص 77 .

[27] – الغزالي ، المرجع نفسه ، ص 440 .

[28]  – السهروردي ، المرجع نفسه ، ص 294 .

[29]  – رسالة الصلاة، المصدر السابق ، ص 78 .

[30] – الدهلوي، حجة الله البالغة، تحقيق السيد سابق، ج1، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، 2005، ، ج1، ص 92.

[31]  – رسالة الصلاة ، المصدر نفسه ، ص 79 – 82 .

[32]  – الطوسي ، مرجع سابق ، ص 80 .

[33]  – رسالة الصلاة ، المصدر السابق ، ص  80 – 81 .

[34]  – ابن عطاء الله السكدري ، الحكم العطائية ، إعداد و دراسة عبد المقصود هيكل ،مؤسسة الأهرام ، القاهرة ، مصر ، ط 1 ، 1988 ، ص 273 .

[35] – محمود محمد طه ، تعلّموا كيف تُصلّون ، مصدر سابق ، ص 41 – 42 .

[36] – المصدر نفسه ، ص 43 .

[37]  – سورة الدخان ، الآية : 39 .

[38]  – المصدر نفسه ، ص 43 – 44 .

[39]  – المصدر نفسه ، ص 44 .

[40]  – المصدر نفسه ، ص 44 – 45 .

[41] – أبو القاسم القشيري ، لطائف الإشارات ، تحقيق السيّد عبد الغني زايد ، دار الغد الجديد ، القاهرة ، مصر ، ط 1 ، 2013 ، ج 1 ، ص 260 – 261 .

[42]  – محمد بن أحمد بن محمد الفاسي ، مختصر الدر الثمين و المورد المعين على المنظومة السمّاة المرشد المعين على الضروري من علوم الدين ، تحقيق رابح زرواتي ، دار ابن حزم ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 2013 ، ص 294 – 295 .

[43]  – تعلموا كيف تصلون ، مصدر سابق ، ص 48 .

[44]  – الغزالي ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 520 – 521 .

[45]  – محمود محمد طه ، المصدر نفسه ، ص 48 – 49 .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.