حصريا

السودان الغربي من الوثنية إلى الإسلام: دور التجار والدعاة بين النص التاريخي والتحليل السوسيولوجي.

0 434

السودان الغربي من الوثنية إلى الإسلام:

 دور التجار والدعاة بين النص التاريخي والتحليل السوسيولوجي.

                                                أ. حسين بوبيدي. جامعة قسنطينة 2 عبد الحميد مهري.

مقدمـة:

      يقصد بلفظ السودان بلاد السود، أي الجنس الأسود، والنسبة هنا بالسمة والجهة، وذلك في مقابلة البيضان، واعتمادا على سبب التسمية هذا، فإن اللفظ يشمل جميع المناطق التي تلي الصحراء الكبرى شمال خط الاستواء في الجنوب، وتصل إلى المحيط الأطلسي غربا والمحيط الهندي والبحر الأحمر شرقا[1]، وهو ما نجده في بعض المصادر، لكن أغلبها ضيق مفهوم اللفظ عندما حدد تسميات أخرى لمجالات محددة، هي الحبشة والنوبة وأرض الزنج والبجة، وكلها تقع إلى الشرق في محاذاة البحر الأحمر والحدود الجنوبية لمصر[2]، وهو ما سمي بالسودان الشرقي.

وبالتالي صار لفظ بلاد السودان مخصوصا بالسودان الغربي والأوسط أحيانا، وغالبا بالسودان الغربي فقط، فهو عند ابن حوقل: “حد له ينتهي إلى البحر المحيط وحد له إلى برية بينه وبين بلاد المغرب، وحد له إلى برية بينه وبين أرض مصر على ظهر الواحات، وحد له ينتهي إلى البرية التي لا يثبت فيها عمارة لشدة الحر”[3]، وهو نفس المجال الذي وظف فيه البكري هذا المصطلح في مسالكه، وبذلك تم تجاوز الخلط الذي وقع في بعض المصادر المتقدمة[4].

وبعد استقراء أقوال المؤرخين والجغرافيين العرب، نستطيع أن نصل إلى تحديد قريب من الواقع، وهو أن المنطقة المقصودة بلفظ السودان الغربي تطل غربا وجنوبا على المحيط الأطلسي، وتحدها الصحراء الكبرى شمالا، ومن الشرق تتاخم بحيرة تشاد عند الحدود الغربية لمملكة برنو[5]، وباختصار تشمل المنطقة اليوم ما يعرف بحوض السنغال و غمبيا و فولتا العليا و حوض النيجر الأوسط[6]، أي أنها محصورة تقريبا بين دائرتي عرض 11-17 شمالا[7].

شهد هذا المجال في الفترة الوسيطة الممتدة بين القرنين 2-10 هـ/8-16م تغيرات عميقة نقلته من صورة المجال المنقسم اجتماعيا إلى مجموعات سكانية مختلفة، ودينيا إلى معتقدات متشرذمة رغم بعض عناصرها المشتركة، نحو مجتمع جديد يندمج تدريجيا ضمن مفهوم الأمة/الدولة تحت راية الإسلام وعقيدته، لكن هذا التغير كان بصورة تدريجية بطيئة لم تحدث قطيعة مباشرة مع التصورات والقيم القديمة، وبسبب طبيعة التحول السلمي فإن عملية التحول ارتبطت بعوامل متعددة، اختلفت من مجموعة سكانية وأخرى، وبين مجال جغرافي وآخر، ولكنها بصفة عامة تستند إلى أدوار فاعلة للتجار المغاربة والدعاة السنة والإباضية، ثم لفعالية السودانيين ذاتهم عندما تحولوا من عنصر متقبل للمؤثرات الثقافية المغربية إلى عنصر ناتقل لهذه المؤثرات بين أهله وجيرانه والمجموعات التي تربطها معه مصالح اقتصادية وتحالفات سياسية، ومن أجل تحليل دور التجارة والدعاة المغاربة تعمل هذه الورقة على تفكيك النصوص الواردة في المسألة لإيضاحها وتجلية آلية عمل التجارة والدعوة في تحقيق التحول من الوثنية للإسلام في السودان الغربي.

1- الدين والطقوس الدينية في السودان الغربي قبل اعتناق الإسلام.

      وفرت لنا المصادر العربية[8] والدراسات الأثرية والمحفوظ من الرواية السودانية الشفوية مادة هامة حول الوضع الديني في السودان الغربي قبل اعتناق الإسلام، وليس المقصود بما قبل اعتناق الإسلام هنا الفصل بين مرحلتين متمايزتين في تاريخ السودان الغربي، إحداهما وثنية والأخرى إسلامية، ذلك أن المسار المتدرج للإسلام في هذه المنطقة جعله يتعايش في نفس الفترة مع المعتقدات القديمة، وبالتالي فإن الحديث في هذا المبحث هو عن المعتقدات الموجودة في السودان الغربي قبل وأثناء التغلغل الإسلامي، لتصبح القَبْلِيّةُ هنا تعني الحالة الدينية وليس الإطار الزمني.

أ – معبودات السـودان الغربي.

يجد المتأمل في المصادر العربية إجماعا على وثنية السودانيين، وأن الحالة الدينية عندهم لا تختلف عن مسارات المجتمعات البدائية، بتضمنها عنصر التأليه والقربان المرتبط إما بحاجات اقتصادية أو سياسية أو أمنية، أو المؤسّسة على أساطير قديمة لا تكاد تخرج في جوهرها عن السياقات السابقة، ذلك أن الدين في جوهره في هذه المرحلة من تطور البشرية الفكري ليس سوى انعكاسا لحالات النفس المرتبطة بالرجاء والخوف، مع أن هذه الدوافع الحقيقية لتأليه شيء ما تضمر مع مرور الوقت ولا يبقى سوى الشكل الظاهري للتدين.

يلخص البكري في مسالكه ديانة السودان بالقول أن سائرهم كانوا على المجوسية وعبـادة الدكاكير،[9] ولم تكن هذه الآلهة آلهة شخصية بل كانت آلهة قرية أو مدينة أو مملكة، لها مكان مخصوص تمارس فيه طقوس العبادة، ومن ذلك ما ذكره المؤلف ذاته أن مدينة ملك غانة من حولها قباب وغابات وشعراء، يسكن فيها سحرتهم الذين يقيمون دينهم، وفيها دكاكيرهم وقبور ملوكهم، ولتلك الغابات حرس فلا يمكن أحد دخولها ومعرفة ما فيها[10]، وهذا يدل على الدور الهام للدين ورجاله في هرم السلطة،كما أفاد عن أهل مملكة الدمدم، أن في بلدهم قلعة عظيمة عليها صنم في صورة امرأة يتألهون له ويحجونه[11]، وعند ابن سعيد أن أهل لملم لهم مدينة كالقرية وفيها بيت دكاكيرهم[12]، وكانت معابدهم عبارة عن أبنية بسيطة مربعة ذات أبراج أسطوانية مزينة بالصور[13]، ومن ثم فإن الآلهة تمثل عند السودانيين جزءا أساسيا من عناصر الوحدة الاثنية أو القبلية، ذلك أن هذه المجتمعات تعتبر الصنم الضامن لرزق القبيلة و انتصاراتها.

وتحيلنا المادة المصدرية إلى عبادة سكان السودان الغربي لبعض الحيوانات، فقد ذكر البكري أن أهل زافقو يعبدون حية كالثعبان العظيم[14]، وتذكر المرويات الشفوية أن إله مملكة غانة كان ثعبانا يدعى: “واغادو بيدا”، يعتقدون أنه يقوم بحراسة المدينة وحماية كنوزها و ثرواتها[15] ،كما ذكر السعدي أن أهل كوكو قبل إسلامهم كان يتمثل لهم الشيطان في صورة الحوت فيجتمعون إليه و يعبدونه[16]، ويظهر هذا التقديس للحيوانات في وجود قبائل سودانية تحمل اسم حيوان، سواء كانت تعبده أو يتعلق بأسطورة عن قدرة جد القبيلة على الفرار من سطوته[17]، ويعتقد بعض الباحثين أن عبادة الحيوان مرجعه اعتقاد السودان أن أرواح أسلافهم تسكن أنواعا معينة منها[18]، ويمكن أن يكون السبب ما قدمناه من الهيبة منها كما هو الحال في عبادة الثعبان، أو الاستفادة منها كما هو الحال في عبادة الحوت، الذي يبدو أنه يوحي بنمط حياة اقتصادية تعتمد أساسا على الصيد.

وقد عبد السودانيون النبات أيضا، إذ ذكرت المصادر عن بعضهم أن لهم شجرة عظيمة يعملون لها عيدا في كل سنة يجتمعون عندها، ويلعبون حولها حتى يسقط عليهم ورقها فيتبركون به[19]، وربما كان في إشارة الوزان إلى أن النار والشمس كانا من معبوداتهم القديمة[20]، ما يحيل إلى معنى المجوسية التي ذكرت جل المصادر أنهم يدينون بها[21].

كما عرف السودان أيضا عبادة الملوك، كأهل زغاوة الذين كانوا يعتقــدون أنهم هم الذين يحيون ويميتون ويمرضون ويصحون[22]، ومع أن المصادر لا تبرز هذا الجانب بجلاء، ولكن بعض الطقوس والممارسات التي كان يلتزم بها السودانيون في مجالس ملوكهم يمكن أن تدعم وجود هذه العبادة، أو على الأقل نوع من التقديس لهم.

بعد وفاة الملك يدخل في إطار الأسلاف الذين كانوا يعبدون أيضا، وكانت عبادتهم تشكل إحدى دعائم الديانة الوثنية في إفريقيا الغربية، فالأجداد بالنسبة إلى السودانيين هم المسؤولون عن وضع أسس تقاليد الجماعة وأعرافها، وقد ربّوا خلفهم على تلك الأعراف والتقاليد، وموتهم لا يعني سوى انتقال أرواحهم إلى عالم آخر تراقب من خلاله تصرفات الأبناء، فمن حاد منهم عما سنّوه من أعراف أوقعوا به الشر، ومن التزم أحاطوه برعايتهم، ووجهوه من حيث لا يعلم إلى الخير و النجاح في الحياة[23] .

اجتهد الباحثون المعاصرون في التعرف على الأساس المشترك بين المعبودات السودانية، وانتهى بعضهم إلى تبني مصطلح” الأرواحية” أو “الإحيائية”، والذي يعني اعتقاد السودانيين بوجود أرواح لكل الأشياء، وأن مصدر قوة الطبيعة هو إله أعلى وأعظم من كل الآلهة الأخرى يهبها قوته، مع عدم الاتفاق على صفاته ولا على الطريقة التي يتم التقرب إليه بها، وما إذا كانت عبادته إلزامية أم اختيارية، حيث كان بعضهم يرى أن الإله الأعظم غير مهتم بما يدور على الأرض، وأنه ترك العلاقة بين البشر والإله لأرواح أقل أهمية منه، فهي بالنسبة لهم أحق وأولى بالعبادة منه مادامت إرادته كذلك[24]، كما قرر هؤلاء أن الإحيائية تعتقد بوجود حياة بعد الموت، وتواصل بين الأسلاف وخلفهم، وتأثيرهم فيهم ومساعدتهم، ومن ثم كانت عبادة الأسلاف هي الواسطة بين الناس والقوة الخفية التي تدير الكون[25].

وهذا الاجتهاد رغم أهميته وتبنيه من مختلف الدارسين، لا يستند في الحقيقة إلى أدلة كافية، ذلك أن الدراسات التي انتهت إليه بنت بحثها أساسا على الجماعات الوثنية الحديثة والمعاصرة، وهو إسقاط فيه الكثير من اللبس، لأنه ينطلق من قاعدة المجتمعات الثابتة في إفريقيا، والتي لم تتأثر بأي فكر طوال العصر الوسيط وإلى غاية وصول الاستعمار الأوروبي إليها، ومن ثم إهمال التأثير الإسلامي وتطعيم عقائده للكثير من المعتقدات المحلية، وقد يكون منها عقيدة التوحيد، وهو ما يبدو أدعى للقبول من الاعتقاد بتوصل الأفارقة إلى الفكرة التوحيدية المجردة، في الوقت الذي قدمت لنا المصادر صورة دينية تقليدية لم تبلغ بعد مرحلة التجريد والتوحيد[26]، وهو ما يسمح بالقول بأن الأرواحية بالصورة التي تقدمها الكثير من الدراسات الإفريقية هي إحدى نتائج التفاعل بين الإسلام والعقائد الوثنية لدى المجتمعات التي رفضت التحول إلى الدين الحنيف، وليست استمرارا للديانة السودانية التقليدية.

ب- الطقوس الدينية الوثنية.

      مما يدل على تقديس الملوك ما ذكره البكري عن طقوس دفن الملوك في غانة، حيث قال بأنه “إذا مات ملكهم عقدوا له قبة عظيمة من خشب الساج ووضعوها في موضع قبره، ثم أتوا به على سرير قليل الفرش والوطاء فأدخلوه في تلك القبة، ووضعوا معه حليته وسلاحه وآنيته التي كان يأكل فيها ويشرب، وأدخلوا فيها الأطعمة والأشربة، و أدخلوا معه رجالا ممن كان يخدم طعامه وشرابه، وأغلقوا عليهم باب القبة، و جعلوا فوق القبة الحصر والأمتعة، ثم اجتمع الناس فردموا فوقها بالتراب حتى تأتي كالجبل الضخم، ثم يخندق حولها حتى لا يوصل إلى ذلك الكوم إلا من موضع واحد”[27]، وهذا يحيل إلى الاعتقاد بالحياة بعد الموت أو على الأقل بالنسبة إلى الملوك.

ومن الطقوس الدينية التقليدية في السودان الغربي الطقس المتعلق بالاستسقاء، فقد كانوا إذا أرادوا ذلك جمعوا عظاما فكوموها كالتل، ثم أضرموا بها النار وداروا حولها ورفعوا أيديهم إلى السماء[28]، أو قدموا القرابين كالبقر والغنم و الحمير بل والناس كذلك[29]؟!، كما كانوا يذبحون لموتاهم الذبائح ويقربون لهم الخمور[30]، وكان من سكان زافقو ممن يعبدون الحية، من يتخذ على باب مغارتها عريشا يسكنه تعظيما لها، ويعلقون نفيس الثياب وحرّ المتاع على ذلك العريش، ويضعون له جفان الطعام و عساس اللبن والشراب[31].

وقد ورد ما يدل على أهمية طبقة السحرة في السلم الاجتماعي للسودان الغربي، فهم في مملكة غانة الوثنية المكلفون بإقامة طقوس دينهم والإشراف على الدكاكير[32]، كما يدل طرد ملك ملل لهم بعد إسلامه[33]بأنهم يعتبرون القائمين على شؤون العبادات والطقوس، ولا شك بأنهم كانوا يستفيدون من ذلك وجاهة وسلطة على من دونهم من الناس، خاصة وأنهم كانوا يمدون العامة بما يزعمون أنه ينفعهم أو يضرهم من التمائم والطلاسم الوثنية[34].

كل ما سبق يعطي صورة على مدى حضور الدين في المجتمع السوداني، وهذه  الطقوس والمعبودات رغم بدائيتها تعتبر معيارا صالحا لمدى التقدم الفكري لبعض المدن السودانية، مقارنة بغيرها التي وصف أهلها في المصادر العربية بكونهم”متوحشون لا يدينون بدين ولا يكادون يفقهون قولا، وهم بالحيوان أشبه منهم بالناس”[35]، وهذه الأوصاف غالبا ما تطلق على الأماكن الجنوبية، ولكنها مقارنة بتطور الفكر الديني الوثني تعد جد بدائية، فكيف انتقل السودانيون من هذه التصورات البدائية إلى رحاب الإسلام وعقيدته التوحيدية؟

2- الإسلام في بلاد السودان: رصد الطرق والفاعلين:

أ- حاجة النص التاريخي إلى التحليل السوسيولوجي:

      لم تكن المسالك الصحراوية التي تربط المغرب الإسلامي بالسودان الغربي مجرد معبر للتجار وممر ناقل للسلع، بل كان لهذا النشاط دور أكبر من ذلك، يتمثل بالإسهـام المباشر في مختلف التحولات الثقافية في المجال السوداني، حيث تعتبر القوافل التجارية مدخل الإسلام إلى هذه المناطق، والتعامل بين تجار الشمال والجنوب هو الطريق الذي تم من خلاله تدريجيا دمج منطقة واسعة في فلك الحضارة الإسلامية، وضمها إلى “دار الإسلام”، ولكن عملية البذر التي قامت بها القوافل كانت في حاجة إلى بيئة حاضنة ومستعدة للتحول من دور المستقبل إلى دور المرسل، وهو ما سمح للدعوة الإسلامية بالانتشار والتمدد تدريجيا في المنطقة، وهذا ما يكشف التفاعل بين تجار بلاد المغرب وبين السودانيين السباقين للإسلام في تحويل الإنسان السوداني من التصورات الفكرية التقليدية إلى المنظومة الفكرية الإسلامية.

إن هذا المدخل يبدو من المسلمات اليوم في ظل تكراره من مختلف الدراسات التي عملت على مقاربة مسألة الأسلمة ببلاد السودان الغربي من خلال النصوص المصدرية العربية[36]، لكنه محتاج دائما إلى تخريجات تعمل على تجديد دراسته من خلال أدوات جديدة، وهو ما يبدو قضية ملحة لأن الاقتصار على نفس القراءات أصبح لا يقدم إجابة كافية على مختلف المشكلات البحثية العالقة، التي تتعلق بما أغفلته المصادر رغم أهميته الكبيرة في إبراز مسار التحولات الثقافية في إفريقيا جنوب الصحراء.

إن الإلحاح على ضرورة الانفتاح على أدوات أخرى لمقاربة المسألة محل البحث، يجب أن لا يلغي أهمية النصوص المصدرية العربية، بل يهدف إلى ملء الفراغات التي تتركها، ومن أهم هذه الأدوات استثمار الدراسات الأنثروبولوجية الإجتماعية التي تعمل على دراسة طبيعة العلاقات والبنى الاجتماعية، سواء داخل الأسر أو بين العائلات والقبائل المختلفة، والأدوار التي تختص بها مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، كما أن التحليل السوسيولوجي المنطلق من وعي كبير بالبنى العميقة لمجتمع محدد يمكنه أن يرشدنا إلى الطريقة التي يحدث بها التقبل أو الرفض للأفكار المختلفة، ويبرز لنا مستوى التأثير الذي تمارسه بعض الفئات على الفئات الأخرى، وملاحظة طبيعة العلاقة بين المجتمع و”الآخر” المخالف في الانتماء السلالاتي أو المعتقد الديني، والدواعي التي تحدث الفروق في الانفتاح على هذا “الآخر”، إضافة إلى تدخل خلفيات الصراع الداخلي والحرص على التفوق السياسي والاقتصادي على خيارات مختلف التشكيلات الاجتماعية، دون نسيان الأهمية الكبيرة للجوار في المثاقفة، وتأثير الغلبة الحضارية والعسكرية في ترويج المعتقد الديني والتمهيد بدمج المجتمعات الضعيفة والعاجزة عن المقاومة الثقافية في فلك المنظومة الغالبة والقادرة على الإقناع، أو إعادة التشكيل حسب مدى قابلية المجموعات المختلفة للإنصهار أو الحفاظ على مستويات متعددة من الخصوصية.

إن هذا النوع من الأبحاث المتعلقة بالقارة الإفريقية لم يتخذ موقفا واحدا في التعاطي مع الحضور الإسلامي بالسودان الغربي[37]، ولكنها أحيانا لا تقارب المسألة بصورة تركيبية مع قضية التغيرات الثقافية الوسيطة، بل تعمل أساسا على الكشف عن البنى العميقة للمجتمع الإفريقي، والبحث عن طرق حدوث التغيرات وسبب بقاء بعض الثوابت راسخة فيه، مركزة على تحليل حالات الوفاء للتقاليد القديمة باعتبارها إصرارا على التميز ورفضا للذوبان في العادات والقيم الوافدة، وبعضها يتجاهل الأثر الذي خلفه الإسلام، بل إن بعض الدراسات حملته مسؤولية التفكك الاجتماعي من خلال ما دعته بمحاولة هدم البنى القبلية للمجتمعات الافريقية القديمة، وإحلال تراتبية جديدة في المناطق التي سكنتها الجاليات المسلمة، وتحميل المسلمين مسؤولية الصد عن مواصلة التشكل السياسي للممالك التقليدية مثل مملكة غانة، سواء عبر القضاء على القاعدة الاقتصادية الأصلية المتمثلة في النشاط الزراعي بإقحام مختلف فئات المجتمع في تجارة الذهب والرقيق[38]، أو بسبب دعوى الغزو المرابطي التي صارت من القضايا التي تحتاج إلى إعادة بحثها خاصة بعد الأبحاث الرصينة التي شككت فيه[39]، ولكن أبحاثا أخرى أشارت إلى الدور الكبير الذي قامت به المؤسسات الإجتماعية والهياكل السياسية الجديدة التي أوجدها الإسلام بالسودان الغربي في فرض التفوق الثقافي، خاصة وأن التنظيم السائد في المجتمع الفلاحي الزنجي لم يتجاوز حينها مرحلة البنيات العصبية المفتقدة للتميز      – حسب وجهة النظر هذه- [40]،  وما ينبغي تأكيده أن استحضار الأبعاد السوسيولوجيه عند توظيف النصوص المصدرية، بالغ الأهمية في تجديد الدراسات الإفريقية، وهو لا يقل أهمية عن ملاحظة أثر العامل الاقتصادي.

إن استحضار هذه الرؤى يمكّننا من إعادة قراءة النصوص بصورة مغايرة، والخروج من حالات التعميم المستند إلى إشارات جزئية، إلى حالة التحليل المقنع القادر على تفكيك مختلف العناصر المؤثرة في مسارات التحولات الثقافية بالسودان الغربي، وإعادة تقديمها في صورة جديدة تميز بين فاعلية المؤثرات المختلفة، بحسب السياقات الزمنية والمجالات المكانية، كما يمكننا من تقديم مقاربات أخرى توحي بها النصوص دون أن تصرح بها[41]، كقضية الدور الثقافي الكبير لقبائل صنهاجة الصحراء – خاصة مسوفة- وحواضرها، وهجرة هذه القبائل جنوبا لأسباب مختلفة، بالإضافة إلى توسع مجال بعض الممالك السودانية إلى صحارى الملثمين.

ب- تفكيك معطيات المصادر حول التواجد الاسلامي بالمدن السودانية:

     يعد البكري أحسن من قدم لنا معلومات عن الإسلام ببلاد السودان في النصف الأول من القرن 5هـ/11م، وجاءت هذه المعلومات متنوعة في مضامينها، فبعضها يتعلق بحواضر الملوك، وأخرى بالمدن القريبة من المجال الصحراوي، وأخرى عن مدن داخلية، ولا شك في أن هذه الصورة لا تتعلق بتغيرات جذرية حدثت في القرن 5هـ/11م، ولكنها كانت نتيجة التفاعلات التي حدثت طيلة القرون السابقة، وبمكن أن نستشف منها أن الإسلام أصبح ظاهرة واضحة ببلاد السودان، ونضرب لذلك أمثلة من بينها ما هو سابق للبكري :

1– مدينة غانة حاضرة المملكة: قال عنها البكري: “مدينتان سهليتان، إحداهما المدينة التي يسكنها المسلمون، وهي مدينة كبيرة فيها اثنا عشر مسجدا أحدها يجمعون فيه، ولها الأئمة والمؤذنون والراتبون وفيها فقهاء وحملة علم (…)، وفي مدينة الملك مسجد يصلى فيه من يفد عليه من المسلمين، على مقربة من مجلس حكم الملك”[42].

2– مدينة غياروا:ـ التي تبعد عن مدينة غانة بعشرين يوما إلى الجنوب ـ، قال عنها البكري: ” وبينها وبين مدينة الملك مسيرة ثمانية عشر يوما [ إلى الجنوب ] وفيها من المسلمين كثير”[43].

3– مدينة كوكو:  قال عنها المهلبي منتصف القرن 4هـ/10م :”ملكهم يظاهر رعيته بالإسلام وأكثرهم يظاهر به (…) له مدينة على غربي النيل سكنها هو ورجاله وثقاته، وبها مسجد يصلى فيه، ومسجد الجماعة بين المدينتين”[44]، وهي المعلومـات التي أكدها البكري في قوله عن المدينة نفسها: “إذا ولي منهم ملك دفـع إليه خـاتم وسيف ومصحف يزعمون أن أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم، وملكهم مسلم ولا يولون إلا المسلمين”[45].

تبرز لنا هذه المعطيات حضور المسلمين في المدن الساحلية والداخلية، وفي حواضر الملوك والمدن الأخرى، وانتشار الإسلام لدى الملوك والعامة على حد سواء ، وكذا حجم التواجد الإسلامي الكبير في مدينة غانة، فالنص الأول يشير إلى أن المدينة كانت تضم اثنا عشر مسجدا من بينها المسجد الجامع، ولكن هذا النص لا يكشف عن طبيعة هذا التواجد، وإن كانت أغلب الدراسات قد تعاملت معه باعتباره تواجدا تجاريا، فإن هذا لا يعفينا من طرح الأسئلة التالية: هل هذا التواجد يمثل فقط مجموعات تجارية مؤقتة تتعاقب على المنطقة، أم أنها جاليات مستقرة، ثم هل هي جاليات عربية أم بربرية؟ لأن احتمال كونهم من السودانيين وارد أيضا، خاصة وأن الدراسة الأثرية التي أنجزت على المدينة كشفت أن أقدم مساجدها يعود إلى نهاية القرن 3هـ/9م[46].

إن القضية الواجب الانتباه إليها تتمثل في الطريقة التي تعاملت بها قبائل السوننك الغانية مع المسلمين، خاصة وأنها كانت تمثل القبيلة القوية في السودان الغربي منذ وصول المسلمين إلى المنطقة وإلى غاية هجمات قبائل الصوصو الجنوبيين، و لأن مواطن السوننك على الحافة الجنوبية للصحراء الكبرى فقد اختلطوا مع البيضان من صنهاجة الصحراء، ما أدى بالتدريج إلى تحول في ألوانهم نحو الحمرة، وهو ما جعل مجموعة الولوف[47] تطلق عليهم لفظ : “سيراكول” التي تعني في لغتهم الرجال الحمر[48]، وهو ما يحيل إلى أن علاقاتهم مع سكان الصحراء من الملثمين قديمة[49]، وتجاوزت التعامل إلى التزاوج، ومن خلال صنهاجة الصحراء فقد كان من اليسير عليهم فتح مدنهم أمام تجار بلاد المغرب، خاصة وأن هذه التجارة كانت توفر لهم سلعا لا يمكنهم الحصول عليها بطريقة أخرى.

إن التركيبة الإجتماعية للسوننك تفسر الدور الكبير الذي قاموا به في نشر الإسلام بين السودانيين ، فكما مثّلت صنهاجة الصحراء واسطة بربرية للسودانيين مع المسلمين في الشمال، فقد مثل السوننك واسطة سودانية للمسلمين مع مختلف المجموعات السودانية، والنص الثاني الذي يشير إلى تواجد المسلمين بمدينة غياروا على مسافة عشرين يوما جنوب مدينة غانة، لا يختلف في دلالاته عن سابقه، فنص البكري قد يفهم منه أنها تتبع مملكة غانة وبالتالي-ربما- تمثل امتدادا لمجالات السوننك[50]، أو أنها خاضعة لهم لكونهم انتشروا في النطاقات السودانية المحاذية لعاصمتهم، بعدما أخضعوا الكثير من المجموعات الأخرى، ومن ثم نقل من أسلم منهم الإسلام إلى المناطق الداخلية، وسمحت علاقاتهم المميزة مع صنهاجة الصحراء – وعبر هؤلاء مع غيرهم من سكان الشمال- بوصولهم إلى هذه المناطق البعيدة.

ومن الطبيعي أن تكون المجموعات السودانية الأكثر صلة بالتجار والصحراويين المسلمين، أكثر انفعالا بتأثير الثقافة العربية الإسلامية، وبالتالي الأكثر تأهيلا لدخول الإسلام، وكان التجار السوننكيون هم أول وأكثر السودانيين اتصالا بجاليات التجار العرب والبربر في المدن التجارية الكبرى،كما كانوا يرافقون القوافل كأدلاء ومترجمين في مختلف المناطق السودانية، وفضلا عن ذلك كانوا يعملون لحساب كبار التجار الشماليين في المناطق التي لا يمكنهم وصولها لأسباب أمنية أو مناخية[51]، ومع أننا لا نملك أدلة مصدرية على ما نشير إليه من أدوار الوساطة والترجمة، فإن إدراكنا بعجز تجار الشمال عن إقامة علاقات مباشرة مع السودانيين باختلاف لهجاتهم بسبب مشكلة اللغة، دليل على أن المجموعات السكانية التي كانت أكثر احتكاكا بالمسلمين قد مارست هذا الدور، وفي الإشارات المتأخرة حول لسان آزير التجاري ما يؤكد هذا الرأي[52].

وما سبق ذكره عن السوننك يقال أيضا عن السنغي، الذين كانوا في العصر الوسيط يعيشون على طول ثنية نهر النيجر خلال منطقة البحيرات ومنطقة تنبكت إلى مدينة جاو (كاو)، و قد شكلوا مملكة كوكو، و هي من أقدم الممالك السودانية، قبل أن يتغلبوا على الماندينغ ويؤسسوا مملكة صنغاي، وقد اتسعت مجالات مملكة كوكو في القرن 3هـ/9م ، فقد كتب اليعقوبي عنها :” مملكة الكوكو هي أعظم ممالك السودان و أجلها قدرا و أعظمها أمرا، وكل الممالك يعطي لملكها الطاعة (…) ويقرون له بالرئاسة على أنهم ملوك بلادهم “[53]، و يستدل على اتساع مجالها في عهد اليعقوبي الممالك التي ذكر أنها تتبع لها ، غير أن أهم شيء بالنسبة لنا هو عده مملكة صنهاجة ذاتها من الممالك التي تتبعها[54].

وإن صحت هذه المعلومة فهو يقصد القبائل الصنهاجية المستقرة قرب كوكو، و بالتحديد قبيلتي مداسة ولمطة، فمداسة التي كانت عند اليعقوبي تشغل مجالات السوس الأقصى [55]، صارت منذ القرن 5هـ/11م لها تواجد ملحوظ في السودان الغربي، ربما اضطرها إليه حروب القرن4هـ/10م بين صنهاجة وزناتة، إذ يتفق كل من البكري والإدريسي والحموي على أن مجال مداسة يقع بين مملكة غانة ومملكة كوكو من بلاد السودان الغربي[56]، ولهم عدة مدن منها رأس الماء وتيرقي، و ورتنيس وبوغرات ومدينة تحمل اسمهم، أما لمطة فقد أشارت بعض الدراسات إلى هجرة لهم إلى مجال مملكة أو مدينة كوكو منذ القرن 2هـ/8م[57]، وهذا التداخل في المجال بين مداسة ولمطة من جهة وبين بعض مناطق السودان الغربي عند الثنية الكبرى لنهر النيجر، جعلهم من الصنهاجيين الذين يمثلون معبرا هاما للمؤثرات الثقافية من المغرب الإسلامي إلى الصحراء إلى السودان الغربي، وما يفسر انتشار الاسلام بين الرعية واعتناق الملك ذاته له، وهو الاعتناق الذي أرخ له السعدي بسنة 400هـ/1009م[58]، بل إن البكري أشار في نص غامض إلى أن مملكة كوكو تتبع أمير المؤمنين[59]، ومع أنه لم يحدد الأمير المقصود ، هل هو العباسي أم الفاطمي، إلا أن الأرجح أن المقصود به خليفة بغداد لاستبعاد أن يطلق البكري على اللفظ على خليفة مصر الاسماعيلي لأن فيه اعترافا بشرعية دعواه الخلافة، وهو ما يرفضه السنة.

إن ما سبق ذكره يدل على أسبقية السودانيين المرتبطين بعلاقات قوية مع قبائل صنهاجة الصحراء في اعتناق الإسلام، وهو ما يدل على أن اعتبار التواجد الإسلامي الوارد في النصوص السابقة يتعلق بالجاليات التجارية فقط مما ينبغي إعادة النظر فيه، والأولى أن يقال أنها تمثل الجاليات والسودانيين المسلمين ومختلف بطون صنهاجة الصحراء الذين كانوا على علاقات مستمرة مع السودانيين، إلى الحد الذي يمكن اعتبار الصراعات التي كانت بين مملكتي غانة والحلف الصنهاجي ليست مجرد صراعات بين مجموعتين مختلفتين عرقيا تماما، بل الأولى اعتبارها صراعا على زعامة المجال بين مجموعتين مختلطتي الدماء بعضها ببعض، وهذا ما يسمح للصحراويين بالطمع في المجالات الجنوبية، وللسودانيين بالسعي للتوسع إلى ما هو أعلى من أودغشت شمالا.

ويمكن تأكيد هذا بإضافة التكرور إلى النقاش السابق، لأنهم كانوا من السباقين للإسلام، فقد اعتنق ملكهم وارجابي بن رابيس الاسلام منذ سنة : 431هـ/1039م[60]، ومما يدل على علاقاته المميزة بالملثمين تحالفه مع المرابطين عندما انشقت عنهم قبيلة جدالة[61]، التي كانت تنافسه على مجالات مملكته ، وكان ينافسها على مملحة أوليل.

وكان موطن التكرور على عهد البكري حوالي نهر السنغال ( النيل عنده )، وقد اعتبرهم من السودان[62]، بينما ذهب الدمشقي إلى رأي آخر يجعلهم من البربر[63]، ولأن هذا الأخير قد كتب متأخرا عن المنطقة في وقت أصبحت فيه جزءا من مملكة مالي ، فإنه يعتقد أن في كلامه صدى للامتزاج الذي تم بين التكرور و قبيلة جدالة الصنهاجية ، التي كان لا يفصلهما عهد البكري سوى مدينة صنغانة، ولكن دولافوس/M. Delafosse الذي استند إلى الكثير من المرويات الشفوية والدراسات الميدانية يذهب إلى أن التكرور من أصل سوداني مخلط بالدم الأبيض[64]، ولاشك أنها دماء جدالة من قبائل صنهاجة الصحراء ، بالإضافة إلى الدماء المسوفية بعد توسعات هذه القبيلة عقب قيام حركة المرابطين، وهو ما يجعل التعاطي مع السودانيين بصرف النظر عن طبيعة الصلات بينهم وبين قبائل صنهاجة الصحراء لا يساهم في فهم مسار الأسلمة بالمنطقة المدروسة.

إن مجموعات السوننك والصنغي والتكرور كانت مجموعات مفتوحة، بسبب وجود دماء البيضان من قبائل الملثمين البربرية فيها، ولذلك كانت حواضرها تضم عدة مكونات قبلية، وهو ما سمح لها باستقبال المسلمين العرب والبربر، ومن ثم ازدهار المعاملة التجارية معهم، ويمكننا أن ننتهي هنا إلى أن الحضور الإسلامي في المدن السودانية الذي أوردته المصادر كان يحيل إلى هذا المركب بين أهل المنطقة وقبائل الملثمين والجاليات العربية والأمازيغية، وهو ما سيتضح بجلاء من خلال النصوص المصدرية التي تعود إلى القرن : 8هـ/14م الواردة في رحلة بن بطوطة، والتي تكشف بجلاء هذا الامتزاج بين السودانيين وقبائل مسوفة، وتدعمها نصوص القرن 10هـ/16م التي تطلعنا عليها مؤلفات أحمد بابا التنبكتي، حيث تبين أن الكثير من الفقهاء والقضاة بالمدن والحواضر السودانية، كانوا من البيضان، وتعود أصولهم بالأخص إلى قبيلتي لمتونة ومسوفة.

ج– التاجر الداعية : بين شح النصوص وإجماع الدراسات:

      لا يمكننا بأي حال من الأحوال التشكيك بالدور الكبير الذي قام به التجار المسلمون من العرب والبربر في التحولات الثقافية التي شهدها السودان الغربي في العصر الوسيط، ولكن هذا الحكم ينطلق من عدم القدرة على إعطاء تبريرات أخرى لهذه التحولات أكثر من كونه يستند إلى نصوص مصدرية مباشرة تكفينا للتدليل على ذلك، فهو بذلك اعتماد على أشكال التفاعل الاجتماعي بين مختلف الشعوب والثقافات الرائدة والمتراجعة، والأمم القوية والضعيفة.

إن الغرض الأساسي للنشاط التجاري كان تحقيق الربح من خلال جلب أهم سلع السودان وبيعها ببلاد المغرب والمشرق، أو تصديرها للأندلس وأوروبا، ولكن الاحتكاك بين التجار والسودانيين يمكنه أن يحدث عملية مثاقفة بالغة الأهمية، خاصة عندما تكون العملية التجارية مربحة للطرفين، وتوفر أجواء الأمان والتعايش مساحة من الثقة المتبادلة التي تسمح للسودانيين بتأمل شخصية المسلم ، والنظام السائد بين هؤلاء الوافدين من مناطق بعيدة، وأشكال إدارة الحياة اليومية، وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تضبط التعاملات بينهم، وتسير مختلف شؤونهم الدينية والدنيوية.

إن الكثير من الدراسات حول موضوع انتشار الإسلام والثقافة الاسلامية بالسودان الغربي ترسم نفس الصورة تقريبا للتاجر الداعية، حيث تنطلق من أن المعاملة التجارية كانت وسيلة لبنـاء الثقة بين التاجر المسلم وبين السكان الوثنيين الذين يرغب في تحويلهم إلى الإسلام، وأن أخلاقه الفاضلة كانت تنفي عنه كل ما يمكن أن يتهم به من دوافع استغلالية، فإذا ما دخل هذا التاجر قرية وثنية فسرعان ما يلفت الأنظار بالتزامه بأداء صلاته وشعائره، وسيتمكن بفضل ما يتميز به من سمو عقلي وروحي من فرض احترامه على السكان المحليين، الذين يبدي لهم في نفس الوقت استعداده ورغبته في تزويدهم بما يمتلكه من المعارف والمزايا السامية، وهو ما يجعل تعرف السودانيين على الإسلام واعتناقه يتم بطريقة سلمية وسلسة[65].

وفي هذا السياق يمكن الاستدلال بالوصف بالغ الأهمية الذي قدمه ابن حوقل لتجار سجلماسة حيث قال أنهم أصحاب: “سيادة في الأفعال وحسن كمال في الأخلاق والأعمال (…) وتقدّم في أفعال الخير شهير، وحنوّ بعض على بعض من جهة المروءة والفتوّة، وإن كانت بينهم الحنات والترات القديمة تواضعوها عند الحاجة، واطّرحوها رياسة وسماحة، وكرم سجيّة تختصّهم، وأدب نفوس وقف عليهم بكثرة أسفارهم وطول تغرّبهم عن ديارهم وتعزّبهم من أوطانهم”[66].

إن تعليل ابن حوقل لهذه الفضائل بطول التغرّب نتيجة الأسفار يؤكد الصورة الحسنة التي تمكّن المغاربة من تقديمها عن الحضارة التي ينتمون إليها، وهو محفز للسودانيين على الاقتداء بهم والثقة فيهم، وخاصة إذا شهدوا أمثال التاجر العالم تملي الوسياني الذي يرسل زكاته وصدقاته كل عام باعتبار المال مال الله، بعد أن أصبح من أثرياء التجار الإباضية بتادمكة[67]، وغيره من التجار الذين مثلوا رسل المجتمع المغربي إلى السودانيين، فتمكنوا من صبغ المجتمع السوداني بالكثير من صفات المغاربة، وقد بين سجل التنقيب الأثري في السودان الغربي ارتباط مسار انتشار الإسلام بشبكة الطرق التجارية، حيث يلاحظ توزيع القبور الإسلامية ضمن هذه المحاور وعلى طول نهر النيجر، خاصة في الفرع الأيسر منه، وعلى ضفاف رافده تيلمسي/ Tilemsi إلى الشمال من غاو[68].

لقد كان التزام التاجر المسلم بالأخلاق الفاضلة كالصدق في الحديث، والأمانة والنزاهة في المعاملة التجارية، والتواضع والسمت الحسن، ممهدا لدخول السودانيين في الإسلام[69]، ذلك أن هذه الاستقامة الخلقية كانت تعتبر بمثابة ممارسة دعوية عملية، أقنعت السكان الأصليين بالحاجة إلى التعرف عن العقيدة التي تقف وراء بناء الفرد المسلم، وهو ما يقود في الأخير إلى التزام هذه العقيدة والتخلي عن الوثنية.

ومع ما يبدو من عقلانية هذا التصور، فإنه يقدم التجار الشماليين العابرين للصحراء باعتبارهم جميعا من أهل الفضل والخلق الحسن، ومن المهتمين بنشر رسالة الإسلام، بل ومن القادرين على تقديم نموذج للاحتذاء بالنسبة للسكان السودانيين، وهذا مما لا يمكن التسليم به دائما[70]، لكن هذا لا ينفي تأثير الصورة التي كان يظهر بها هؤلاء، ذلك أن التاجر في بلاد غريبة عنه يلتزم غالبا بالمعاملة الحسنة، والملاطفة، والسمت الحسن، ثم إن تأثير صورة المجتمع المسلم بعلاقاته الداخلية وتنظيمه الأسري واجتماعه للعبادة قد رسم في ذهنية السوداني نموذجا يسعى لتمثله ويتشرف بالانتساب به.

في هذا السياق لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي قام به التجار المنتسبون للقبائل الصحراوية المحاذية للمجالات السودانية، وذلك انطلاقا من قدرتهم على تعلم لسان السودانيين، أو التعامل معهم بلسان مختلط هجين أشارت له الدراسات باسم: لسان أزير، ذلك أن اللغة تعتبر أهم أداة في التواصل الثقافي بين الشعوب، لأنها الوعاء الحامل لمختلف القيم والأفكار و المبادئ، ولا يمكن ممارسة نشاط تثقيفي دعوي في أي مجتمع من المجتمعات إلا من خلال التواصل اللغوي معه، ولذلك اعتبر بعض الباحثين إشكالية اللغة أحد أهم معوقات انتشار الإسلام في إفريقيا الغربية، لأن هذه المناطق لم تتبنى اللغة العربية، إلا ما تعلق بكونها لغة الشعائر والفقه والإدارة ، أو باعتبارها لغة النخب العلمية عموما، بل حافظت على لغاتها ولهجاتها المتعددة[71]، وهو ما يجعل تجار قبائل صنهاجة الصحراء وسيطا هاما لتبليغ الإسلام.

 

 

 

ولذلك يمكننا القول بأن ما ذكره البكري عن غانة، من أن تراجمة الملك وأغلب وزرائه وصاحب بيت ماله من المسلمين[72]، قد يحيل إلى كونهم من صنهاجة الصحراء، وقد استطاع الملثمون الحفاظ على دور المترجمين في الممالك السودانية اللاحقة، بل مثلوا هذا الدور حتى في الوفود الملكية عالية المستوى مثل وفد ملك مالي منسى موسى (712-737هـ/1312-1337م) إلى السلطان أبي الحسن المريني (731-749هـ/1331-1348)[73]، وهو ما يمكننا من القول إنهم قاموا بهذا الدور منذ البدايات الأولى للوجود الإسلامي بالحواضر السودانية.

وتبدو قضية اللغة من القضايا التي أغفلتها المصادر عندما أرخت للعلاقات بين ضفتي الصحراء، ولا شك أن الانتباه إلى أهميتها يدفع إلى الاعتقاد بالدور الكبير الذي قام به الملثمون في نشر الثقافة الإسلامية ببلاد السودان، قبل أن تنتشر اللغة العربية كلغة دينية وتعليمية  وإدارية بالمنطقة، ذلك أن التجار المسافرين إلى هذه المنطقة دون أن يستوطنوها لا يمكنهم تعلم لغتهم وتبليغ رسالة الإسلام من خلالها، مع ما يعرف عن التاجر عادة من الانصراف في معظم الوقت إلى أعماله التجارية، كما أن الجاليات المستقرة يعتقد أنها كانت تسعى إلى تعليم اللغة العربية أكثر من سعيها إلى تعلم اللغات المحلية، ويمكننا أن نستدل على ذلك بحالة بلاد المغرب الإسلامي.

كما أن التأثير الأخلاقي الذي تصر عليه كل المراجع، يمكنه أن يكون أكثر إقناعا إذا تعلق بتجار الملثمين، فلا شك أن السودانيين قد عرفوا هؤلاء قبل إسلامهم وبعده، فصورة التاجر الصنهاجي قبل اعتناق الإسلام وصورته بعدها في مخيال السودانيين قد تمثل دافعا لهم للبحث عن أسباب التحولات، فالتاجر الذي عرفوه منذ الأزمنة القديمة كان أساس معاملته الكبرياء والغطرسة والتعالي، وعدم الاهتمام بمصدر المال بسبب الجشع، إضافة إلى عدم تحرجه من بعض الممارسات غير الأخلاقية، لم يبق بنفس المواصفات بعد اعتناق الإسلام، وخاصة بعد قيام دعوة المرابطين وجهود عبد الله بن ياسين وأبو بكر بن عمر اللمتوني والإمام الحضرمي الدعوية،  فقد لاحظ السودانيون هذا التحول التدريجي في السلوك والطباع والمعتقدات، وهو ما دفع بهم إلى البحث عن سبب هذا التحول ومن ثم الإعجاب بالإسلام واعتناقه[74]، وهذا ما يتيح لنا القول إن تأثير التجار بأخلاقهم كسبب من أسباب انتشار الإسلام بالسودان الغربي، يبرز بجلاء بالنسبة لصنهاجة الصحراء أكثر من غيرهم.

وما سبقت الإشارة إليه عند البكري من اختصاص المسلمين بسكنى مدينة غير مدينة ملك غانة، لا يعني أن كل التجار المسلمين قد اختاروا السكن في مدن خاصة بهم من أجل الحفاظ على النمط الإسلامي لمعيشتهم، فإن ذلك لا يمكنه أن يمثل حالة شاملة في جميع المدن، بل يختص بالحواضر التي توجد فيها جالية إسلامية كبيرة، وقد سمح تعايش المسلمين مع الوثنيين في مدينة واحدة بالتأثير فيهم، كما أدى إلى عقد زيجات مختلطة سمحت للتاجر المسلم بالتحول من غريب إلى عضو في الأسرة السودانية، بإمكانه ممارسة نشاط دعوي فيها ،كما أن المولدين من هذه الزيجات يعتبرون من أهم عوامل التحول التدريجي إلى الإسلام في السودان الغربي[75]، وقد أفادنا ابن بطوطة بحالة مصاهرة بالغة الأهمية، إذ أن من أسماه الفقيه المقرئ عبد الواحد – وهو من البيضان- كان متزوجا ببنت عم السلطان[76]، وهي دلالة على مستوى الإمتزاج بين صنهاجة الصحراء – وخاصة مسوفة- وبين السودانيين.

بالإضافة إلى الجانب الأخلاقي و المعاملاتي، يمكننا تفسير التأثير الذي كان للتجار المسلمين على السودانيين بانتمائهم إلى طبقة تعتبر راقية في المنطقة، وذلك بسبب الفوائد التي تذرها عليهم التجارة العابرة للصحراء، ومن ثم رأى بعض الباحثين أن بعض السودانيين كانوا يقبلون على اعتناق الإسلام لما يلاحظونه من الهيبة التي تلحق بمعتنق هذا الدين[77]، بل إن السودانيين الذين يدخلون في الإسلام كان يمكنهم الشعور بالانتماء إلى هذه الفئة الراقية الموسرة المميزة[78]، والتي تنتسب إلى بلاد تعيش حضارة مزهرة، لا ريب في أن التجار كانوا يتحدثون إلى السودانيين عنها، باعتبارها أثرا من آثار التمسك بالإسلام، وهو ما يغري الناس بالرغبة في الانتساب إلى هذه الأمة عن طريق التزام دينها[79].

ويفترض بعض الباحثين أن كبار التجار العرب والبربر كانوا يشترطون على المتعاملين معهم من التجار السودانيين الدخول في الإسلام للحصول على ثقتهم، وبالتالي تسليمهم أموالهم ليسافروا بها بعيدا في دواخل غرب إفريقيا انتظار عودتهم ليدفعوا أثمانها، وقد يستمر غيابهم لمدة أشهر[80]، ولكن هذه الدعوى لا دليل عليها، خاصة إذا علمنا بأن الإسلام لا يعد من شروط عقد القراض، وإن كان الفقهاء كرهوا مقارضة الكافر ومن لا يعرف الحلال من الحرام[81]، لأن الأصل في القراض أنه عقد يتعلق بالأمانة، ومن ثم لا يبق لهذا الرأي حظ من المصداقية، خاصة إذا علمنا بأن استمرار النشاط التجاري وتطوره دليل على حالة الثقة بين الطرفين.

من ناحية أخرى يمكننا ملاحظة الدور الهام الذي لعبه التجار السودان من “الونغارة” في الدفع بالإسلام خارج المجالات الحضربة، باعتبارهم كانوا أساسا من تجار الذهب الذين تعاملوا مع المسلمين في دواخل بلاد السودان، فكما قادتهم المعاملة التجارية إلى الإسلام،  فقد مكنت مجالاتهم من انفتاح المناطق البعيدة على الحضور الإسلامي، ليمارسوا دور الوسيط الذي مارسته قبائل الملثمين، خاصة وأن مناطقهم كانت من أنشط المناطق اقتصاديا لمدة زمنية طويلة، ولا شك أن العديد من القبائل والمجموعات السكانية السودانية كانت تشارك في البحث عن تبر الذهب في منطقتهم، ما يدعونا إلى التخمين بانسياب المفاهيم الإسلامية من خلال هذه العلاقات  والمصالح المشتركة.

د- الدعاة في السودان الغربي: قلة العدد وفاعلية المساهمة:

     يحيل شح المادة المصدرية المتعلقة بالموضوع إلى أن عدد الدعاة الذين كانوا يشاركون في النشاط التجاري كان قليلا[82]، وقد ندلل على ذلك من أحداث قيام دعوة المرابطين بعجز الفقيه المالكي أبي عمران الفاسي (ت: 430هـ/1039م) في سنة 427هـ/1036م عن إيجاد من يرافق زعيم قبائل الملثمين يحيى بن إبراهيم الجدالي (ت: 440هـ/1048م) إلى الصحراء من طلبته بالقيروان، لأجل مشقة السفر البعيد والانقطاع في الصحارى[83]، فطابع حياة الفقهاء وطلبة العلم لم يكن يساعد على القيام بمثل هذه المغامرات، وقد وصف الجدالي المستوى العلمي لبعض من يصل الصحراء من طلبة العلم، أنهم معلمون لا ورع ولا علم بالسنة عندهم[84]، ولكن هذا لا يعدو أن يكون الحالة الغالبة وليست الدائمة، إذ أن المصادر تؤكد لنا مشاركة بعض هؤلاء في التجارة العابرة للصحراء، وإسهامهم الكبير في تحقيق التحولات الثقافية بالسودان الغربي.

ومن الدلائل عند البكري عن وجود بعض الفقهاء ببلاد السودان، أن أحدهم كان من مصادر رواياته التاريخية عن المنطقة، وهو الفقيه الأندلسي أبو محمد عبد الملك الذي سافر إلى مدينة بوغرات[85]، ويبدو أنه قد دخل مدنا غيرها، لأنها لا تعدو أن تكون مدينة صغيرة في الطريق بين غانة وتادمكة تسكنها قبيلة مداسة الصنهاجية، كما أن الوصف الذي قدمه هذا الجغرافي لمدينة المسلمين بغانة يشير إلى وجود العديد منهم، إذ قال عنها: “لها الأئمة والمؤذنون والراتبون، وفيها فقهاء وحملة علم”[86]، وهو ما يبرز حضورا دعويا ملحوظا، إذ أن هؤلاء قد يكونون قادمين بغرض التجارة، كما أن بعضهم قد يكون دافعه الأساسي العمل على نشر الإسلام في المنطقة، دون أن نتجاوز احتمال كونهم من الملثمين أو السودانيين الذين اعتنقوا الاسلام وتفقهوا في أحكامه، كما أن وصف” الفقيه والمؤذن وحامل العلم” قد لا يحيل إلى نفس دلالاته في الحواضر الإسلامية العالمة والغنية ثقافيا ومعرفيا، بل هو بحسب مجتمعات مفتقدة لهذه العناصر الدينية، ما يجعلها تصور بعض المطلعين على الأحكام والقادرين على إمامة الناس والإفتاء لهم في بعض القضايا باعتباره من حملة العلم وربما من الفقهاء العلماء.

من جهة أخرى نجد في المصادر الإباضية بعض الإشارات عن دعاة المذهب وفقهائه، بعضهم استقر في بلاد السودان لمجرد الدعوة، وبعضهم زاوج بين النشاطين التجاري والدعوي، والبعض الآخر تشير النصوص إلى أن قصدهم كان التجارة، لكن ذلك لا ينفي مشاركتهم في الدعوة إلى الاسلام[87]، لكن الأسماء الواردة لا يمكنها أن تكون كافية للإجابة عن مختلف الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدور الذي قام به هؤلاء الفقهاء والدعاة، وهو ما يفتح المجال واسعا أمام المقاربات والتحليلات التي تستحضر الواقع الإجتماعي وطريقة ممارسة التأثير داخل المجتمعات الإفريقية.

لقد رأى بعض الدارسين أن الدعاة ببلاد السودان كانوا يتوجهون بالدرجة الأولى إلى الملوك ورؤساء العشائر الذين كانوا يستقرون بالقرب منهم، ويربطون بهم علاقات صداقة، ويبذلون جهودا كبيرة من أجل إقناعهم باعتناق الإسلام، كما كان أولئك الدعاة يحرصون كلما سنحت لهم الفرصة، على تربية أبناء أولئك الملوك والرؤساء وفقا لتعاليم الإسلام وينشئونهم عليها[88].

ومن أبرز النماذج التي تبين دور الدعاة في نشر الإسلام في السودان الغربي قصة إسلام ملك ملل التي ذكرها البكري في مسالكه والتي ورد فيها :

” ملل، ملكهم يعرف بالمسلماني، وإنما سمي بذلك لأن بلاده أجدبت عاما بعد عام، فاستسقوا بقرابينهم من البقر حتى كادوا يفنونها ولا يزدادون إلا قحطا وشقاء، وكان عنده ضيف من المسلمين يقرأ القرآن و يعلم السنة، فشكا إليه الملك ما دهمهم من ذلك فقال له: أيها الملك، لو آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمد عليه الصلاة والسلام، وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلها لرجوت لك الفرج مما أنت فيه وحل بك، وأن تعم الرحمة أهل بلدك، وأن يحسدك على ذلك من عاداك وناوئك، فلم يزل به حتى أسلم وأخلص نيته وأقرأه من كتاب الله ما تيسر عليه، وعلمه من الفرائض والسنن مالا يسعه جهله، (…) فقام المسلم يصلي والملك عن يمينه يأتم به فصليا من الليل ماشاء الله، والمسلم يدعو والملك يؤمن، فما انفجر الصباح إلا والله قد عمهم بالسقي، فأمر الملك بكسر الدكاكير وإخراج السحرة من بلاده، وصح إسلامه وإسلام عقبه وخاصته، وأهل مملكته مشركون فوسموا ملكوهم مذ ذاك بالمسلماني”[89].

وهذا النص فضلا عن دلالته الواضحة في تمكن هذا الفقيه من إدخال ملك ملل في الإسلام، في تاريخ غير محدد في النصف الأول من القرن 5هـ/11م[90]، فإنه يشير إلى وجود نشاط دعوي في مدن مشركة في دواخل بلاد السودان، إذ أن مدينة ملل تبعد عن مدينة غانة بـ12 مرحلة إلى الجنوب حسب الإدريسي[91]، فهـذا الفقيه قد وصف بكونه يقرأ القرآن ويعلم السنة، وهي إشارة إلى عدم ضيق ملوك السودان من النشاط الدعوي الإسلامي، وهو ما يسمح لهؤلاء بحرية العمل على تحويل الناس نحو الإسلام، بل إن رواية الدرجيني لهذه القصة تبرز المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها هذا الفقيه عند ملك ملل، الذي كان يتعجب من خلقه وخلقه وقلّما جلس مجلسا إلا أجلسه معه إكراما له[92].

ونقرأ عند البغطوري قصة أخرى حول دور الدعاة في إسلام ملوك السودان، إذ يذكر أن أبو يحيى الفرسطائي “سافر إلى بلاد السودان فوجد مليكهم ناحل الجسم ضعيف، فسأله لما صار حالك هكذا فقال : عندنا هاهنا شيء إذا نزل ببعضنا أزاله وذهب به، ويعني به الموت ، قال أبو يحي: فأخبرته عن الله عز وجل وصفة الجنة وثوابها لمن أطاع الله وأخبرته عن النار وعقابها لمن عصي الله ، فقال لي كذبت، لو كان عندك يقين بما تصف لم تأت إلى هنا لطلب الدنيا، فما زلت أحاوله وأذكر له الله ونعمائه، وأرغبه في الإسلام حتى أسلم وحسن إسلامه”[93].

ومع أن هذه القصة لا تحدد لنا الملك السوداني الذي أسلم على يد هذا الداعية الإباضي، فهي تكشف عن نظرة بعض السودانيين إلى الوافدين إلى ديارهم باعتبارهم مجرد طامحين في الربح التجاري، كما تدل على توصّل أهل العلم إلى لقاء الحكام السودانيين، ما يحيل إلى نظرة هؤلاء إليهم باعتبارهم من علية القوم، وهو ما يدل على انكسار حواجز الفوارق الإثنية والدينية بين السودانيين والمسلمين الوافدين من الشمال.

كما أن النصّان يحيلان إلى أن الطبقة الأرستقراطية الحاكمة هي التي كانت سباقة إلى اعتناق الإسلام، ومع أنها لم تعمل دائما على فرضه بالقوة على رعيتها، ولكن مجرد تبنيها له وحمايتها لدعاته مثّل دعامة كبيرة لاستمرار الانتشار التدريجي له، ولاشك أن القصتين رغم إمكانية وجود حبكة مقصودة فيها، فإنها تتماشى مع التطور الذي عرفه الوجود الإسلامي في مدن السودان الغربي، ولذلك فلا داعي للتشكيك في وقوعهـا كما ألمح إلى ذلك كيوك/ J.Couq  في تعليقه على قصة إسلام ملك ملل[94].

وربما من خلال الإشارات التي وفرتها المصادر عن وصول هؤلاء الدعاة إلى دواخل بلاد السودان، قدّر توماس أرنولد أنهم كانوا يجولون في مختلف الممالك والمدن دون أن يتعرض لهم أحد، حتى لو انتقلوا بين ممالك لا يعادي بعضها بعضا فقط، بل توجد بينها حالة حرب، ذلك أنهم كانوا محترمين جدا، خاصة وهم يمثلون العلم في بيئة أمية جاهلة، ولذلك كانت نظرة الإعجاب والإجلال والتوقير ترافقهم أينما حلوا، سواء في المناطق التي وجدت بها جالية إسلامية، أو في المناطق الوثنية الخالصة[95].

أما الدعاة المتفرغون للنشاط الدعوي، فقد رأى بعض الباحثين أن كبار التجار المستقرين في المدن السودانية هم الذين عملوا على استقدامهم من أجل القيام بالدور التعليمي، ووفروا لهم لأجل ذلك ما يحتاجونه، وصرفوا لهم رواتب من أجل التفرغ لما استقدموا إليه[96]، ومع أننا لا نجد في مصادر الفترة المدروسة ما يدعم ذلك، فإنه لا يبدو مستبعد الوقوع، خاصة وأن السعي لدمج بلاد السودان في فلك الحضارة الإسلامية هو طموح يجمع بين التاجر والداعية.

كل ما سبق ذكره يكشف عن الكثير من التفاعلات الاجتماعية والمؤثرات الفردية التي مثلت الرافد الأساسي في تقبل السودانيين للإسلام، ويبرز الدور الكبير الذي قامت به المجموعات السكانية السودانية في التمهيد لتقبل المنطقة للدين الجديد، خاصة من خلال صلاتها التقليدية مع صنهاجة الصحراء بمختلف فروعها، وهو ما يدفع نحو تبني وجهة نظر تعطي الدور الأكبر في حدوث التحولات للسودانيين أنفسهم، بالإضافة إلى الملثمين، من خلال الجهود المبذولة، ليأتي دور التجار والدعاة المغاربة مكملا لهذه الجهود ومرسخا للدين الجديد من خلال تبيان أحكامه وآدابه، وتشكيل صورة مصغرة عن المجتمع المسلم في الحواضر التي سكنها المسلمون، وعندما تأسست الحواضر الإسلامية مثل تنبكت وغاو وجني وغيرها مثلت الشمس المشرقة على شعوب كانت لا تزال بعيدة كل البعد عن تاريخ الإنسانية وهو يعيش تحولات جذرية في المشرق والمغرب وأوروبا، فتمكنت من إدخالها في فلك التحولات العالمية، وحمل السودانيون أنفسهم مسؤولية توسيع مجال هذه الرسالة ومد رقعة سيادتها وسلطتها من خلال دول مالي والسنغاي ثم حركات الإصلاح الديني لاحقا.

[1]–  مجهول (ت بعد 372هـ/982م)، حدود العالم من المشرق إلى المغرب، تح : يوسف الهادي، القاهرة، الدار الثقافية للنشر، 1999، ص:147.

Joseph Cuoq Recueil des sources arabes concernant L’Afrique occidentale du VIII e au XVl siècle (Bilad Al Sudán) Traduction et notes, paris, édition du centre national de la recherché scientifique,1975, p :6.

[2]– في تحديد مجالات الحبشة والنوبة والبجة وأرض الزنج انظر : الإصطخري، مسالك الممالك، ليدن، مطبعة بريل، 1927، ص:11، ابن حوقل أبوالقاسم النصيبي (ت بعد 367هـ/978م)، صورة الأرض، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1996، ص:25. مجهول، حدود العالم، ص:144. الزهري محمد بن أبي بكر الأندلسي (ق6هـ/12م): كتاب الجعرافية، تح: محمد حاج صادق، بورسعيد، مكتبة الثقافة الدينية، دت، ص:119،122،123.

[3]– ابن حوقل، صورة الأرض، ص:24-25.

[4]–  ومن ذلك التداخل بين لفظي الحبشة والسودان عند ابن خرداذبة وابن الفقيه، انظر: ابن خرداذبة، المسالك والممالك ، ليدن ، مطبعة بريل، 1889. ابن الفقيه أحمد بن محمد بن اسحاق الهمذاني (ت بعد 290هـ/902م)، مختصر كتاب البلدان، ليدن، مطبعة بريل، 1884م، ص:80.

[5]– الهادي المبروك الدالي، التاريخ السياسي و الاقتصادي لإفريقيا فيما وراء الصحراء من نهاية القرن الخامس عشر إلى بداية القرن الثامن عشر، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية ، 1999، ص:19. ومملكة بورنو هي إحدى أهم ممالك السودان الأوسط، كانت مجالاتها حول بحيرة تشاد، وامتدت في بعض فترات قوتها لتشمل مجالات واسعة من الصحارى الواقعة إلى الشمال من البحيرة.

[6]– عبد القادر زبادية، الحضارة العربية و التأثير الأوروبي في إفريقيا الغربية جنوب الصحراء، الجزائر ، المؤسسة الوطنية للكتاب ،1989، ص:11.

[7]Raymond Mauny, Les siècles obscurs de l’Afrique Noire, Paris, Fayard, 1970, p : 142.

[8]– قام جوزيف كيوك بدراسة مختصرة للوضع الديني ببلاد السودان من خلال المصادر العربية في:

Joseph Cuoq, Recueil des sources arabes, p: 13-16.

[9]– البكري أبو عبد الله عبيد الله بن عبد العزيز الأندلسي ( ت487هـ/1094م)، المسالك والممالك، تح : جمال طلبة،  بيروت، دار الكتب العلمية، 2003، ج2، ص:360. والدّكّور هو الصنم.

[10]– المصدر نفسه ، ج2، ص:363.

[11]– المصدر نفسه ،ج2، ص:372. وانظر أيضا: المسعودي أبو الحسن علي بن الحسين (ت 345هـ/956م): أخبار الزمان ومن أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران، تح: عبد الله الضاوي، بيروت، دار الأندلس، 1986.ص:87-88.

[12]– ابن سعيد أبو الحسن علي بن موسى الأندلسي (ت685هـ/1286م): كتاب الجغرافيا، تح:إسماعيل العربي، بيروت، منشورات المكتب التجاري ،1970، ص:91. وينبغي الإشارة هنا إلى أننا نوظف معلومات ابن سعيد المغربي عن بلاد السودان باعتبارها تخص القرن 6هـ/12م لأنه ينقل عن ابن فاطمة الذي زار المنطقة في هذه المرحلة، أنظر: كراتشوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، تر:صلاح الدين عثمان هاشم، ط2، تونس، دار الغرب الإسلامي، 2008،ص:386-387.

[13]– عطية مخزوم الفيتوري ، دراسات في تاريخ شرق إفريقيا وجنوب الصحراء ( مرحلة إنتشار الإسلام )، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، ص:241.

[14]– البكري ، المسالك والممالك، ج2، ص:361.

[15]– جوان جوزيف، الإسلام في ممالك وإمبراطوريات إفريقيا السوداء، تر: مختارالسويفي، القاهرة، دار الكتاب المصري، 1984، ص:57.

[16]– السعدي عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر(ت:بعد1066هـ/1655م)، تاريخ السودان، تح،: هوداس، باريس،Libraire d Amerique et d’ orient ، 1981، ص:4. ويمكننا أن نستشف من أسطورة الإله الثعبان واغادوبيدا إلى أنه لا يعدو أن يكون أحد أقدم مؤسسي المملكة ، لأن الأسطورة تذكر أنه كان مع المهاجرين الذين أسسوا مدينة غانة أنظر:

Guy Nicolas, L enracinement ethnique de L islam au sud du Sahara Etudecompareé, Cahiers détudes africaines,Vol.18,71)1978(, p: 358-359.

[17] Maurice DeLafosse, Les civilizations Nègro- Africaines, Paris, Librairie Stock,1925,p:61.

[18]– مادهو بانيكار، الوثنية والإسلام تاريخ الإمبراطوريات الزنجية في غرب إفريقيا، تر: أحمد فؤاد بعلبع، ط2، الهيئة العامة لشؤون المطابع الإميرية، 1997، ص:69.

[19]– المسعودي ، أخبار الزمان، ص:87-88.

[20]– الوزان الحسن بن محمد المعروف بليون الإفريقي (ت بعد 957هـ/1550م)، وصف إفريقيا، تر: محمد حجي ومحمد الأخضر، ط2، بيروت، دار المغرب الإسلامي، 1983، ج2، ص:160.

[21]– حول استعمال المصادر العربية لمصطلح المجوسية ومقصدها منها انظر:

Joseph Cuoq, Recueil des sources arabes,  p:13.

[22]– المهلبي الحسن بن أحمد (ت380هـ/990م): الكتاب العزيزي أو المسالك والممالك، تح: تيسير خلف، دمشق دار التكوين، 2006، ص: 54-55. وانظر عن تقديس الملوك في السودان الغربي والممارسات المرتبطة بذلك في البـلاط : مادهو بانيكار، الوثنية والاسلام، ص:465-466.

[23]– الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين دراسة لتاريخ موريتانيا وتفاعلها مع محيطها الإقليمي خلال العصر الوسيط من منتصف القرن 2هـ/8م إلى نهاية القرن 5هـ/11م، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007، ص:473.

[24]– حسن إبراهيم حسن، إنتشار الإسلام في القارة الإفريقية، ط3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة،1984، ص:53. وانظر: الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، ص:470.

[25]– عبد الرحمن عمر الماحي، “مساهمة قوافل الصحراءفي نشر الإسلام والحضارة الإسلامية في السودان الأوسط”، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، 4(1993)، ص:226-227.

[26]– أنظر مناقشة ذلك في : أحمد الشكري ، الإسلام والمجتمع السوداني إمبراطورية مالي (1230م-1430م)، الرباط، مركز الدراسات الصحراوية، 2015، ص:88-91.

[27]– البكري، المسالك والممالك،ج2، ص:364.

[28]– المسعودي، أخبار الزمان، ص:87-88.

[29]– البكري، المسالك والممالك، ج2، ص:366-367. الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (ت 670هـ/1271م)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، قسنطينة، مطبعة البعث، 1974، ج2، ص:517-518.

[30]– البكري، المسالك والممالك، ج2، ص:364.

[31]– المصدر نفسه ، ج2، ص:361.

[32]– المصدر نفسه، ج2، ص:363.

[33]– المصدر نفسه، ج2، ص:366-367.

[34]– حسن إبراهيم حسن، إنتشار الإسلام في القارة الإفريقية، ص:53.

[35]– الدمشقي شمس الدين محمد بن أبي طالب (ت727هـ/1326م)، نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، نشر: M.A.F.Mehern، ليبزج، 1923، ص:241.

[36]– من أهم الدراسات التي قاربت المسألة من هذه الناحية ، والتي تعد رائدة وحاضرة في أغلب الذين كتبوا بعده، كتاب جوزيف كيوك/  J. Cuoq:

تاريخ انتشار الإسلام في إفريقيا الغربية من الأصول إلى نهاية ق:16.

Histoire  de  L’islamisation  de L’Afrique  de  L’ouest  des  origins  á la Fin du XVIe Siécle, Paris, Librairie orientaliste paul Genthner,1984 .

وانظر عن أهمية أعمال كيوك: أحمد الشكري، “انخراط الكنيسة الكاثوليكية في حقل الدراسات الإفريقية – التجربة التاريخية للأب جوزيف  كيوك-“، دورية كان التاريخية 26( ديسمبر 2014)، ص: 123-130.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الحديث عن النصوص إنما يتعلق  بالإشارات الواردة فيها حول دور التجار والدعاة في هذه التحولات، أما الروايات التي تتحدث عن وصول الفتوحات الإسلامية عهد عقبة بن نافع وعبيد الله بن الحبحاب إلى ما وراء الصحراء، فإنها لا تصمد أمام النقد التاريخي، خاصة أنها إما أن تكون قاصدة بالسودان مجالات صنهاجة الصحراء، أو أنها لا تعدو أن تكون روايات شفوية متأخرة ذات صبغة أسطورية، لا يمكن التسليم بها    والبناء عليها، مع التسليم بأهميتها في الدراسات ذات البعد الأنثروبولوجي.

[37]– من أهم الدراسات المتعلقة بنظام العشيرة وأشكال العصبية في بعض القبائل الإفريقية يمكن الإشارة إلى :

James Boyd Christensen, Double Descent among the Fanti,New Haven: Human Relations Area Files, 1954.

ومن أهم الدراسات المتعلقة بمعالجة التحولات الثقافية في إفريقيا من خلال ملاحظة الفوارق بين القبائل والمجالات نجد دراسة : وليام باسكو و ملفيل هيرسكوفتر، الثقافات الإفريقية دراسات في عوامل الاستقرار والتغير، تر: عبد الملك الناشف، بيروت، المكتبة العصرية، 1965.

[38]– مادهو بانيكار، الوثنية و الإسلام، ص: 416-417.

[39] -في سنة 1982 أصدر كل من دافيد كونراد/ David Conradوأومفري فيشر/ Humphrey Fisherدراسة تنفي وقوع الغزو المرابطي لغانة من خلال استنطاق مختلف النصوص العربية المتعلقة بالموضوع، وبيان أنها لا تحتوي على أي دلالة تدعم وقوع هذا الحدث الذي تكرره مختلف الدراسات، بينما تتوفر فيها إشارات صريحة تنفي ذلك لم يتم اعتمادها، وأتبعا هذا العمل سنة 1983 بتتمة تؤكد هذا التوجه استنادا إلى الروايات الشفوية المحلية، لينتهي البحث في ملخصه إلى أن عملية التحول في الإسلام داخل مملكة غانة إنما كانت بطريقة سلمية عن طريق الفعالية الحضارية للتجار المسلمين، وإن كان هناك دور عسكري في التحول الذي طرأ على السلالة الحاكمة فهو سوداني وليس بربري، وفي سنة 1996 واصل فيشر/H.Fisher  الدفاع عن موقفه بعد أن انخرط باحثون آخرون في هذا النقاش التاريخي، وقدم دراسة تبرز الطريق الذي سلكته “أسطورة الغزو المرابطي لغانة” وكيف ترسخت في الكتابات الغربية. أنظر في الموضوع الدراسات التالية:

1– David Conrad and Humphrey Fisher, » The Conquest That Never Was: Ghana and the Almoravids 1076  I: The External Arabic Sources« , History in Africa, 9 (1982), p: 21-59.

2- David Conrad and Humphrey Fisher, « The Conquest That Never Was: Ghana and the Almoravids  1076 II. The Local Oral Sources», History in Africa,  10 (1983), p: 53-78.

3- Pekka Masonen and Humphrey J. Fisher,  »Not Quite Venus from the Waves: The Almoravid Conquest of Ghana in the Modern Historiography of Western Africa « , History in Africa, 23 (1996), p: 197-232.

[40]– كزافييه دو بلانهول، تاريخ أرض الإسلام الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام، تر: معـاوية سعيدوني، تونس، دار الغرب الإسلامي، 2008، ص: 350.

[41]– نبه جيوفاني فيكو باتيستا إلى الأوهام التي يقع فيها المؤرخون؛ ومنها ما أسماه : وهم الاقتراب، وهو الاعتقاد بأن الأقدمين أكثر علما منا بالنسبة للعصور القريبة العهد من عصرهم ، واعتبر منشأ هذا الوهم عائدا إلى تصور التاريخ كذاكرة الإنسان، كلما كان موضوع التذكر أقرب عهدا كان أكثر في الذاكرة ثباتا ووضوحا. أنظر: أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، 1975،ص:157.

[42]– البكري ، المسالك و الممالك، ج2، ص:363.

[43]– المصدر نفسه ،ج2، ص:364.

[44]– المهلبي ، الكتاب العزيزي، ص:55.

[45]– البكري، المسالك والممالك،ج2، ص272-273.

[46]Joseph Cuoq, Histoire de L’Islamisation, p:43.note.108.

[47]– الولوف من المجموعات التي عاشت على ضفتي نهر السنغال، وينتشرون بالأخص في المنطقة الساحلية، وهم من أشد السودان سوادا. أنظر: نبيلة حسن محمد، في تاريخ إفريقيا الإسلامية، السويس، دار المعرفة الجامعية،2007،ص:108

[48]– حسن أحمد محمود، الإسلام و الثقافة العربية في إفريقيا، القاهرة ، دار الفكر العربي ،1986، ص:204.

[49]– حول مسار انفتاح قبائل صنهاجة الصحراء على الإسلام انظر: تاديوش لفيتسكي، “أصول الإسلام في القبائل البربرية غرب الصحراء، موسى بن نصير وعبيد الله بن الحبحاب”، ترجمة وتعليق: حسين بوبيدي،  عصور الجديدة، 24-25(2016)، ص: 26-38.

[50]– قدر الفزاري مجال مملكة غانة بـ: 1000فرسخ في 80 فرسخا. انظر: المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تح:محيى الدين عبد الحميد، ط5، بيروت، دار الفكر،1973 ، ج2، ص:234. أما صاحب الاستبصار فذكر أن مساحتها شهران في مثلها، ولا شك أن هذه التقديرات مجرد تخمين. انظر: مجهول (ق: 6هـ/12م)، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، تح: سعد زغلول عبدالحميد، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة،1986، ص: 221.

[51]– الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، ص:478.

[52]– حول لسان أزير الذي يعتبر لسانا سوننكيا بتأثير صنهاجي انظر:

Charles Monteil, «La Langue Azer D’après Les Documents Recueillis Par Th. Monod Et D. Brosset », Contributions à l’étude du Sahara occidental, Fascicule II, n:3, éd: Théodore Monod ; E. Jérémine, Ch. Monteil, Paris : Librairie Larose , 1939, p: 212-343. H. T. Norris, « Future  Prospects  in Azayr  Studies »,  African  Language  Review, 9 (1970/71), p: 1-99. Claude Meillassoux, « A propos de deux groupes azer : les Giriganke et les Maxanbinnu », Tegdaoust  III, Dakar, 525-531.

أحمد المولود ولد أيده الهلال، مدن موريتانيا العتيقة قصور ولاتة ووادان وتيشيت وشنقيط، الرباط، مركز الدراسات الصحراوية، 2014، ص:73-80،

[53]– اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي،ليدن، مطبعة بريل ،1883، ج1،ص:220.

[54]– المصدر نفسه ، ج2،ص:220.

[55]البلدان، ص:150.

[56]– البكري ، المسالك والممالك، ج2، ص: 368،370. الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، تح: ر.روبيناتشي وآخرون ، بيروت مكتبة الثقافة الدينية ، دت ، ج1، ص:24 -25 . ياقوت الحموي أبوعبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي (ت 626هـ/1228م):، معجم البلدان، بيروت ، دار صادر،1977، ج5، ص:370.

[57]– الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، ص:482.

[58]– السعدي، تاريخ السودان، ص:2-3.

[59]– البكري، المسالك والمالك، ج2، ص: 372-373.

[60]– ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري الأندلسي (ت456هـ/1063م)، رسالة في جمل فتوح الإسلام (ضمن رسائل إبن حزم الأندلسي)، تح : إحسان عباس، ط2، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، دت، ج2، ص: 133.

[61]– البكري، المسالك والممالك،ج2،ص:355.

[62]– المصدر نفسه، ج2،ص:359-360

[63]– الدمشقي، نخبة الدهر في عجائب البر و البحر، .ص:267-268.

4Maurice Delafosse, Les noire De LAfrique,  paris, payot 1941 p,39.

[65]– توماس أرنولد ، الدعوة إلى الإسلام بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية ، تر: حسن إبراهيم حسن وآخرون، القاهرة ، دار النهضة المصرية، 1971، ص:391.

[66]صورة الأرض، ص: 96.

[67]– الشماخي أبو العباس أحمد بن أبي عثمان (ت: 928هـ- 1522م)، كتاب السير، الجزائر، دار الأبحاث، 2001، ص: 392-393.

[68] Timothy Insoll, « Syncretism, Time, and Identity: Islamic Archaeology in West Africa », in: Changing Social Identity with the Spread of Islam: Archaeological Perspectives, edited by: Donald Whitcomb, Chicago: Oriental Institute, 2004, p:98.

[69]– الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، ص:479.

[70]– يذكر البكري في المسالك والممالك، ج2، ص: 367. نصا هاما يؤكد الفكرة الواردة أعلاه، وهي قصة تدل على أن التجار العرب لم يكونوا قادرين على تحمل بعض التقاليد السودانية البعيدة كل البعد عن القيم الإسلامية، كما أنهم كانوا عاجزين عن فهم لغة السودانيين، وأنهم احتاجوا إلى مترجمين للتعامل معهم، مع ما قدمه سابقا من كثرة الحضور الإسلامي، فهو يروي عن أبي عبد الله المكي ” أنّه رأى منهنّ امرأة وقفت على رجل من العرب طويل اللحية، فتكلّمت بكلام لم يفهمه، فسأل الترجمان عن مقالتها فذكر أنّها تمنّت أن يكون شعر لحيته في عانتها، فامتلأ العربي غضبا وأوسعها سبّا”.

[71]– يوجد في غرب إفريقيا العديد من اللغات تنتمي إلى مجموعات متعددة، أهمها: مجموعة كوا: وتشمل أكثر من 300 لغة ، المجموعة الفولطية: وتحتوي على أكثر من 70لغة ، المجموعة الأطلسية الغربية: وتشتمل على ما يربو عن 40لغة، المجموعة الماندية: وتضم ما يزيد عن 20لغة، ولا شك بأن الكثير من التفاعلات السابقة في هذا المجال قد أسهمت في تبلور هذه اللغات التي تعود جذورها إلى فترات سابقة. أنظر: أحمد مومن، اللسانيات النشأة والتطور،ط4، الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية، 2008،ص:109.

[72]– البكري، المسالك والممالك،ج2، ص:363. وقد رأى بعض الباحثين أن صاحب بيت مال ملك غانة هذا هو الذي أدخل للمملكة نظام الضرائب العينية على البضائع المصدرة والمستوردة، نظرا لعدم وجود النقد المسكوك ، أنظر: محمد فاضل علي باري وسعيد إبراهيم كريدية، المسلمون في غرب إفريقيا تاريخ وحضارة، بيروت، دار الكتب العلمية ،2007،ص:72.

[73]– ابن خلدون أبوزيد عبد الرحمن بن محمد الحضرمي (ت808هـ/1405م)،  تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تح:خليل شحادة، بيروت، دار الفكر، 2001، ج7، ص:352.

[74]– عطية مخزوم الفيتوري،  دراسات في تاريخ شرق إفريقيا وجنوب الصحراء، ص:101.

[75]– مصطفى بن شقرون ،“دور التجار المسلمين في نشر الإسلام بغرب إفريقيا في العصر الوسيط”، أعمال ندوة التواصل الثقافي و الاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء، (مراجعة وتقديم عبد الحميد عبد الله الهرامة)، طرابلس، منشورات كلية الدعوة الإسلامية،1999، ص:61.

[76]– ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار، تح: طلال حرب، ط4، بيروت،دار الكتب العلمية، 2007، ص: 691.

[77] – Maurice Delafosse, Les noire De L’Afrique, p :48.

[78] Joseph Cuoq, Histoire de L’Islamisation, :49.

[79]– مادهو بانيكار، الوثنية والاسلام، ص:495.

[80]– الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، ص:478.

[81]– سحنون بن سعيد التنوخي ، المدونة الكبرى، تح : زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، دت، ج3، ص: 645.

[82]– أنظر نفس المقاربة تقريبا عند: أحمد الشكري، “الصيرورة التاريخية للأسلمة وتبعاتها الثقافية والسياسية”، مدخل إلى تاريخ الصحراء  الأطلنتية، تنسيق رحال بوبريك، الرباط، دار أبي رقراق، 2010، ص: 47-49.

[83]– البكري، المسالك والممالك،ج2، ص:352.

[84]– المصدرنفسه،ج2، ص:352.

[85]– المصدرنفسه، ج2، ص:370.

[86]– المصدرنفسه، ج2، ص: 363.

[87]– توجد العديد من الدراسات التي اشتغلت على دور الإباضية في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية بإفريقيا جنوب الصحراء نذكر منها:

Tadeusz Lewicki, Quelques extraits inédits relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires ibadites nord-africains au pays du soudan occidental au moyen âge, Folia Orientalia, 2 (1960), p:1-27.

Tadeusz Lewicki, Traits d’histoire du commerce transsaharien, marchands et missionnaires ibadites au soudans occidental et central au cours du 8e au 12e siècles , Ethnographia Polska, 8(1964), p:291-311.

أحمد الياس حسين، “دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي”، ندوة العلماء الأفارقة ومساهمتهم في الحضارة الإسلامية، بغداد، معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية و الثقافة والعلوم، 1985، ص: 91-105. محمد صالح ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، مسقط، الدار العمانية ، دت.  وأنجز الباحث عبد القادر مباركية دراسة هامة جدا في هذا المجال تتبع فيها كل الإشارات الواردة في المصادر الإباضية عن التجارة العابرة للصحراء، وقد تضمنت نصوصا عن عدد من هؤلاء الفقهاء والدعاة الذين زاروا أو سكنوا السودان الأوسط والغربي، أنظر: عبد القادر مباركية، التجار والتجارة المغربية إلى إفريقيا جنوب الصحراء من خلال المصادر الاباضية الوهبية من القرن 3هـ/9م إلى القرن 10هـ/16م، مذكرة ماجستير، إشراف علاوة عمارة، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، 2012-2013.

[88]– سحر عنتر محمد أحمد مرجان، فقهاء المالكية وآثارهم في مجتمع السودان الغربي في عهدي مالي وصنغي( 628-1000هـ/1230-1591م)، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية،2011، ص:46.

[89]– البكري، المسالك والممالك،ج2، ص:366- 367. والقصة ذاتها واردة عند الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج2، ص: 517-518. لكنه ينسبها لداعية إباضي هو علي بن يخلف جد والده سعيد، ويؤرخ لها بسنة: 575هـ/1179م. ويبدو أن القصة منقولة من كتاب البكري، لأن الحوادث يستحيل أن تتشابه لهذه الدرجة في سياقين زمنيين مختلفين. انظر قراءة للموضوع عند: عبد القادر مباركية، التجار والتجارة المغربية، ص: 84-85.

[90]– يرى دولافوس أن ذلك وقع سنة 442هـ/1050م،أنظر:

Maurice Delafosse, Les noire De L’Afrique, p :48.

[91]– الإدريسي، نزهة المشتاق،ج1،ص:22-23.

[92]– الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، ج2،ص:517-518.

[93]– البغطوري، سيرة مشائخ جبل نفوسة، تح: توفيق عياد الشقروني، ليبيا، مؤسسة توالت الثقافية، 2009، ص: 65. وانظر عن صاحب القصة : الشماخي، كتاب السير، ص: 295-297.

[94] Joseph Cuoq, Recueil des sources arabes, p:103.note.1.

[95]– توماس أرنولد ، الدعوة إلى الإسلام، ص:392، و عن الجاليات الإسلامية ببلاد السودان الغربي ودورهم الثقافي فقد خصت ببحث تتبع كل الإشارات المصدرية الواردة حولها. انظر : مسعود خالدي، الجاليات العربية والبربرية في إفريقيا جنوب الصحراء ( السودان الأوسط والغربي ) بين القرنين الخامس والعاشر الهجريين /الحادي عشر والسادس عشر الميلاديين، أطروحة دكتوراه، إشراف مسعود مزهودي، جـامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية،2009.

[96]– عطية مخزوم الفيتوري ، دراسات في تاريخ شرق إفريقيا وجنوب الصحراء، ص:105-106.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.