حصريا

السلطة الخامسة.. أضواء على موجة الإعلام الجديدة

السلطة الخامسة.. أضواء على موجة الإعلام الجديدة د.سهام داوي

السلطة الخامسة.. أضواء على موجة الإعلام الجديدة                                                    

                                د.سهام داوي

                                               إعلامية وأستاذة جامعية

 

عصرنا الحالي هو عصر التدفق الإعلامي الذي تصنعه ثورة تكنولوجية كاسحة ومتسارعة الوتيرة، يؤجّجه شعور متعاظم بكيان الفرد، وحقّه في الإسهام المعلوماتي، والتجاوب الاجتماعي، فضلا عن واجبه في التغيير، وإسماع صوته بدون قيد ولا تقصير، ليتوسّع نطاقُ بثّ الخبر، ونقد الواقع، وفضح الفساد، وتنوير العباد من أهل المهنة والاختصاص إلى سائر الناس، بوسائل فردية لا تعدو الهواتف الذكية.

إننا حاليا بإزاء إعلام جديد فرض نفسه مع بداية القرن الحادي والعشرين، بأوعية متطورة، وعلاقات متشابكة، وتصدٍّ جريء لهذا الميدان الخطير الذي يصنع الرأي العام ويوجهه، ويفرض نفسه بثقل سلطة رابعة تضاهي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بل وتغطية عليه في ثورة عارمة للنشر والتعليق والتفاعل أفضت إلى ولادة ما صار يعرف بالسلطة الخامسة التي نسعى في هذا المقال إلى إماطة اللثام عن حدود تأثيرها، عرضا للسلبيات في مواجهة ما يُثمّن من إيجابيات، وتذكيرا بسياج الأخلاقيات الذي يحمي من الانزلاق في مهاوي التجاوزات.

*************

لقد تحوّل الأفراد بشكل مستقلٍّ أو ضمن جماعات ثقافية، سياسية، دينية، اجتماعية، وحتى اقتصادية من مجرّد مستقبل للمعلومة، إلى صانع ومروّج لها، “فقد أسقطت وسائلُ الإعلام الجديدة الحواجز بين الشعوب، واستعادت البشرية اتّصالها المألوف ببعضها، وانهارت حواجز الاقتباس والاقتداء والانتقاء والانبهار، وانطلقت ثورة المعلومات تؤثّر فيمن يرغب وهو مستعدٌّ دون معوّقاتٍ أو تعقيداتٍ”[1] الأمر الذي يستدعي جدّيا المتابعة والتهذيب وقاية من المخاطر المحدقة بالأشخاص والجماعات في ظل ممارسة لا تعترف بالرقيب، ولا بالضمير المهني، ناهيك عن الأخلاقيات المرعيّة غفلة أو إصراراً ولهثا وراء الشهرة، والسّبق في النشر، أو خضوعا لجهات نافذة تغري بالأموال، وتجنّد الغافلين من طالبيه لنشر الإشاعة، ومحاربة الفضيلة، والتشويش على الثوابت.

ماذا بقي من السلطة الرابعة؟

لطالما نافس الإعلام في تأثيره السلطات الشهيرة الثلاث: التشريعية، التنفيذية، والقضائية، فضمن لنفسه مكانا إلى جانبها باعتباره السلطة الرابعة التي تؤثّر في تشكيل السلوكيات، وترسيخ القناعات، ودعم القيم أو تغييرها، حيث حملت هذه السلطة التي ساد مفهومها في القرنين التاسع عشر والعشرين على عاتقها مهمة رقابية على غيرها من السلطات، الأمر الذي دفع رئيس التحرير السابق لصحيفة (وول ستريت جورنال) “فرمونت رويستم” إلى القول:”هذه العبارة الخاصة (السلطة الرابعة) توحي بأننا في الصحافة جزء من عملية الحكم الذاتي التي نقوم بها في مجتمعنا”[2]، غير أنّ اكتساح السلطة الخامسة بشعبيتّها قد زعزع مكانة السلطة الرابعة بمهنيتها، حيث استقطبت المواقع التواصلية الرائدة على غرار فايسبوك، تويتر، أنستغرام، يوتيوب، والمدونات الشخصية المتعددة الاهتمامات الميدان، وصنعت للعامة رموز تتابعها وتتأثر بها، وكفلت التدفق الإعلامي في مختلف الاتجاهات بعيدا عن التوجيه المدروس من القمة إلى القاعدة.

وفي ظل الانتشار السريع للانترنت، والمعلومات، كُسر الاحتكار، وأُجبرت الوسائل الإعلامية بمختلف أنواعها على إجراء تغييرات هيكلية للبقاء والمنافسة مع الفارق من عدة أوجه، فمهما كان الانفتاح الذي تتنازل به المؤسسات الإعلامية تبقى خادمة لخط افتتاحي، خاضعة للرقابة والعقاب والمساءلة، بخلاف الممارسة الحرّة التي يفلت أصحابها من العقاب مهما كانت التجاوزات في حال تستّرهم بالأسماء المستعارة، وانضوائهم تحت جماعات وهمية.

لقد تحوّل ميزان القوى من السلطة الرابعة المعتمدة على ضوابط الممارسة الإعلامية التقليدية القائمة على الرقابة، ومراعاة الضوابط الأخلاقية، والخضوع للانتماءات السياسية، والولاءات الاقتصادية، إلى السلطة الخامسة المتمثلة في المواطنين، والعاكسة للواقع بتفاصيله من مصادر متعددة تقوم في الغالب على الرغبة الفردية في نقل الأخبار والوقائع كما هي بالصوت والصورة والتعليق المعبّر عن الموقف، دون إغفال التغلغل العميق للتكتلات الاقتصادية، والدوائر السياسية التي تسعى لتجنيد هذه المنابر ترويجا واستمالة للرأي العام، حيث جاء في مقال شهير للكاتب (إينياسيو راموني) في صحيفة لوموند ديبلوماتيك عام 2003م:” إنّ السلطة الحقيقية هي اليوم في أيدي مجموعات من تكتلات اقتصادية عالمية ومتنوعة، حيث أنّ وزنها في ميدان بعض الأعمال يبدو بعض المرّات أكثر تأثيرا من الدول، في هذا الإطار حصل التحوّل الحاسم في ميدان وسائل الإعلام، وفي صلب بنيتها الصناعية، إذ أنّ وسائل الاتصال على تنوّعها باتت ضمن تكتّلات ضخمة تمتلك القدرة على التوسع نتيجة التحولات التكنولوجية، إنّ هذه الشركات لم تعد تهتم بأن تكون “سلطة رابعة”، ولا بأن تقوم بدور وسائل الإعلام المدني، أو تقف إلى جانب القوانين، أو تتصدى للخلل الاجتماعي في الأنظمة السياسية”[3]

فهذا الواقع المستجدّ دفع بالكاتب إلى تسمية الإعلام الصاعد بدعم رجال المال والسياسة، أو تطوّع الأفراد العاديين “السلطة الخامسة” بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تؤديه في حياة المجتمعات تنويرا، وتوجيها، وتغطية على عجز وسائل الإعلام التقليدية المقيدة بالضغوط والولاءات، حيث تتكفّل بتعرية المستور، ونقد التجاوزات، ونشر ما لا ترغب الوسائل العامة والخاصة في نشره من الفضائح والسلبيات.

وإنما اكتسحت هذه السلطة الوليدة الميدان للشحّ المعلوماتي الذي وصلت إليه الوسائل الإعلامية جراء خوفها من مضايقات السلطة وجماعات الضغط، والتكميم القاسي للأفواه منعا للردّ والنقد والرفض، ليجد صاحب كلّ قضية، ومناصر كلّ تياّر المجال مفتوحا للتعبير عن رأيه، مساندة أو معارضة باسمه الشخصي، وبمنتهى المرونة والسرعة، “ففي الوقت الذي عانى فيه المتلقي كثيرا من سطوة القابض على “محبس” الإرسال الإعلامي فإنّ الجميع يأمل أن تحرّر تكنولوجيا المعلومات المتلقي من قبضة المرسل.. حيث تسعى إلى إضفاء الطابع الشخصي على عملية التلقي، فيكون للمتلقي الخيار في اختيار رسالته الإعلامية، سواء من حيث المحتوى أو الشكل، أو وقت استقباله لها”[4]

العالم الافتراضي يبتلع الكوكب

نعيش بفضل الإعلام والاتصال في عالم تحطمت فيه قيود الزمان والمكان، فضلا عن زوال حاجز اللغة بفعل توفر المترجم الآلي، الأمر الذي لاقى الشعوب ببعضها، وأذاب الثقافات في بعضها، وتيسرت في ظله للفرد سبيل الاتجاه إلى المجموعة الكونية بدل التقوقع ضمن الجماعة الأصل، وصدق في ظل الوسائط التواصلية أكثر من أي وقت مضى طرح القرية الصغيرة، لنتيقّن أنّ العالم الافتراضي قد ابتلع الكوكب فعلا، في ظل التدفق المعلوماتي السّريع والواسع، والعلاقات المترامية الأطراف، “وإنّ التطور الرهيب في المجال الإعلامي جعل الدولة الإعلامية هي الطور الأخير للدولة في مراحل تطورها المتعدّدة، من الدولة السياسية إلى الدولة الاقتصادية إلى الدولة الثورية، إلى أن صار العالم اليوم يتجه إلى مرحلة الدولة الفكرية الإعلامية، لأنّ الإعلام اليوم هو المروّج والصانع والممكّن لكلّ سمات وأبعاد الدولة بمفهوماتها وأطوارها التاريخية.. وقد لا يكون غريبا ولا مستغربا أن تربو مساحة المواد الإعلامية للدولة الاتي تحكم العالم اليوم على 90 بالمائة من الضخّ الإعلامي العام على مستوى العالم كلّه، الذي بات يشكّل القرية العالمية المسكونة بإعلام الدولة القوية والمتحكمة، وأنّ عصر الهيمنة على الأثير قد بدأ عقب عصر الهيمنة على الأرض والهيمنة على البحار”[5]

**تأثير وسائل التواصل على العلاقات الاجتماعية

لا ينكر عاقل النقلة الاجتماعية والثقافية التي أحدثها انتشار استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، والتغيير الذي أحدثته في العلاقات التي خرجت من دائرتها المغلقة إلى سعة لا حدّ لها في إطار الصداقات الافتراضية، والمعاملات العابرة للقارات، ناهيك عن التبادل الثقافي، وإشباع العديد من الحاجات الإنسانية والنفسية للتعبير عن الآراء والهموم، فقد أصبح التأثير السلبي جليا بشواهد ما نعيشه، ولعلّ أبرز انعكاساته:

ــ برودة العلاقات الأسرية، والبون الشاسع بين الأبناء وآبائهم في غياب الاحتكاك داخل البيت.

ــ استفحال الخيانة الزوجية بجنوح كلا الطرفين لتكوين علاقات عبر الفضاء الالكتروني، وتبادل ما يتجاوز الحدود من الكلام والمواعدات.

ــ تزايد حالات الطلاق لأسباب وجيهة تتعلق بالإهمال الزوجي.

التأثير السياسي

يثمَّن في الإعلام الموازي عبر وسائط التواصل الاجتماعي التحرّر من سيطرة الدول، وأرباب الأموال المهيمنين على وسائل الإعلام، وذلك من مظاهر العولمة المنعكسة عن صحوة الشعوب، ورغبتها في استرداد هويتها، وإثبات وجودها في وجه القوى الاستعمارية الخارجية، والاستبدادية الداخلية، فالشعوب لم تعد نائمة في سبات يحجزها عن المطالبة بالحقوق والحريات، وقادة الرأي من المدونين والشخصيات السياسية من أبرز مغتنمي فرصة هذه الفضاءات لتوجيه الرأي العام وإثارته على الحكام الفاسدين.

الذباب الالكتروني: حملات مسعورة بأجندات متنوعة

دخل مصطلح “الذباب الالكتروني” من الباب الواسع للاستعمال العالمي لانكشاف أمر تلك الخلايا المجنّدة بتوفير الوسائل الالكترونية وتسييرها في اتجاه معين مقابل مال تتلقاه من المحرضين، وتقوم ظاهرة تجنيد ما يعرف بالذباب الالكتروني على تسخير ذوي الحاجة المادية لبث أفكار، أو معارضة أفكار مطروحة، أو محاربة أشخاص بشكل مكثف يستهدف الصفحات الحاملة لهذه الأفكار، أو الناطقة باسم هؤلاء الأشخاص مقابل أجرة مجزية على أن يتفرغوا لهذه العملية، وهو نشاط يتعارض مع أبجديات التواصل والاتصال، “فعملية التبليغ ــ وهي اتصال إنساني ــ تتطلب قسطا كبيرا من الكفاءة والفعالية، وتتم على مراحل، لا بد أولا أن تتوافر المعرفة بمضمون الاتصال لدى القائم بالاتصال وبشكل تام، ثم يتبع هذه المعرفة أو ينشأ عنها اقتناع بها، ثم اعتناق لها، ثم عمل بها، ولازم المعرفة بهذه الصورة أو مسئوليتها هي إعلام الناس بها، والقيام بواجب البلاغ”[6]

والحق لا يحتاج لذباب يكثف الرسائل المتطابقة في مواجهة الخصم، بل يكفي عرضه بالأدلة، ومناقشة من يرفضه بهدوء، ولنا في القرآن الكريم خير تصوير لدأب المناوئين للحق مع أهله من التشويش عليه، قال تعالى:” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ” (فصلت26)، أي “شوّشوا عليه، وعارِضوه بكلام مفهوم لعلكم تغلبون، لتغلبوا عل قراءته، وتعلبوا قراءه ومبلغيه ودعاته، باستعمالكم كل أساليب التشويش، بالجحود والإنكار، والرد والطعن، والصفير والتصفيق..”[7]

كما أنّ صدق ما يُبث يحتاج إلى القناعة به، فلا عبرة بالعمل تحت سلطان من يوجه المئات أو حتى الآلاف للترويج لأخبار وأفكار يظنون أنها الصواب ولكنهم غير مقتنعين بها ولا هدف لهم فيها، وإنما يعملون بالسخرة لصالح افراد وجهات نافذة في مواجهة الخصوم وتياراتهم، وحسبنا في ذلك توجيها قوله تعالى:” وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (الزمر 33)، فحتى عند نشر الصّدق يشترط التصديق به، فالقناعة في الرسالة الإعلامية على درجة كبيرة من الأهمية.

التأثير الديني لوسائل التواصل الاجتماعي:

العالم الافتراضي الفسيح يعجّ بكلّ ما يتعلّق بالإنسان في حياته السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، فكلّ مستعمل من الأفراد والجماعات لا يتوانى عن إظهار معتقداته، والترويج لها، وتجاوز ذلك إلى الطعن في معتقدات غيره، وتشويهها

أ ــ التبشير في صورته العصرية: لم يفتأ المبشّرون يسخّرون كلّ الوسائل لنشر ديانتهم المسيحية، والترويج لها، وهو ما اعتادوا على إنفاق المال فيه بسخاء، في المطبوعات، وعبر الأثير والصحف المنشورة في مختلف بقاع العالم، واصبحت الفرصة مواتية أكثر في ظل الفضاء الافتراضي الذي أحسنوا استغلاله تبشيرا بمعتقداتهم، وتعريضا بالإسلام والمسلمين من خلال التزييف، والتحريف، والتخويف، وقد نبّه القرآن الكريم على دور هؤلاء في التضليل والإغراء بالباطل في قوله:” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ” (النساء 44 )، وكذلك نبّه لأهدافهم بقوله:” يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” (التوبة 32)، فنشاطهم إنما هو تضليل وتنفير من الحقّ والنور، ولتفنّنهم في الوسائل والأساليب فإنهم كثيرا ما يضلّلون الغافلين.

ب ــ ماذا استفاد المسلمون من العالم الافتراضي؟

أساس الدين الإسلامي قائم على معرفة الحق والدعوة إليه، ولذلك صبّ مفهوم الإعلام الإسلامي في:” تزويد الجماهير بصفة عامة بحقائق الدين الإسلامي، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال وسيلة إعلامية دينية متخصصة أو عامة، بواسطة قائم بالاتصال لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها، وذلك بغية تكوين رأي عام صائب، يعي الحقائق الدينية ويدركها، ويتأثر بها في معتقداته وعباداته ومعاملاته”[8]، فأصل الممارسة الإعلامية في ظلّ الإسلام هو بيان الحق والدعوة إليه، وكشف الباطل والتحذير منه، وهو صورة دعوية متشعبة الرسائل، ومتعددة الوسائل.

ومن الدعوة النصيحة، لقوله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة ــ ثلاثا ــ قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” ــ رواه مسلم ــ فتنصرف النصيحة لله إلى الإيمان به، ولكتابه إلى نفي شبهات المبطلين عنه، والرد على التحريف والتزييف، ولرسوله بالتصديق به ونشر دعوته، ولأئمة المسلمين فبحملهم على الحق، بينما النصيحة لعامة المسلمين على ما عهدناه من معنى التوجيه من السيّء إلى الحسن، والتنبيه على الخطأ.

“ولقد انتشر استخدام الانترنت في العالم الإسلامي، واصبح الوجود الإسلامي في الشبكة ملحوظا وله تاثيرات عميقة في الرأي العام العالمي خاصة بعد أن توالى إنشاء المواقع الإسلامية التي تشرف عليها المنظمات الإسلامية أو تلك التي تشرف عليها الدولة الإسلامية، أو السكان المسلمون”[9] وإنّ من المهام الجليلة التي بدأت تجد طريقها في هذه الأوعية التواصلية على أيدي العوام في النقل، وأهل الاختصاص في التوجيه والتزويد بالمادة الدعوية:

ــ التعريف بالإسلام والتركيز على بساطته وتماشيه مع الفطرة السليمة، وهذا من صميم الدعوة الإسلامية، فالمبحر في العالم الافتراضي الفسيح ينبغي أن يتسلّح بالرغبة في التأثير الإيجابي، ولا يجعلها مجرد ترف فكري وثقافي لا طائل منه، فنحن إنما نتّصل لنؤثر، ونؤثّر بهدف سامٍ نؤجر عليه عند الله تعالى، وحسبنا ما أمرنا به في قوله:” وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران 104).

ــ توضيح القيم الإسلامية التي ينهض بها المجتمع، ويأمن الفوضى والاضطراب.

ــ تأكيد مبادئ العدل والتضامن والتكافل والتناصح داخليا وخارجيا في الأمة.

ــ التعريف بأحوال المسلمين في بقاع الأرض، مع التركيز على المستضعفين منهم، ومن يسومهم الظالمون اشدّ العذاب في قضايا عادلة سكت عنها العالم.

ــ تثمين الإيجابي في العالم الإسلامي، وعدم الاستسلام للأحكام المضلّلة والمثبطة.

ــ التعريف بالشخصيات الإسلامية ذات الأثر الإيجابي في العالم للتأسي بها من جهة، ولتغيير الأفكار السوداوية تجاه المسلمين.

ــ تتبّع ما ينشر إعلاميا وأدبيا مما فيه تعريض بالإسلام والقرآن، والتصدي له بالتفنيد والردّ المقنع.

ــ تصحيح الصورة الذهنية المشوهة للإسلام والمسلمين، وفتح منابر التواصل مع العالم لإبراز الصورة المضيئة لهذا الدين.

ومع كلّ هذا الوعي بمجالات النشاط الإعلامي المطلوبة خدمة للدين الإسلامي، وتصحيحا للصورة السلبية المكرّسة عنه يبقى التقصير مسيطرا، الأمر الذي استنهض الهمم من أجل تسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة القضايا الإسلامية، وترسيخ الهوية، “فظهرت العديد من المواقع الالكترونية، والإذاعات، والفضائيات، لأنّ عالمية الرسالة تقتضي عالمية الخطاب، وعالمية الخطاب لا تبلغ مداها المطلوب ما لم تكن عندنا القدرة على فهم العالم بعقائده وثقافاته وتاريخه، وأساس كل هذا التعرّف على أسس ومنطلقات الإعلام في الإسلام، وتبيّن ضوابطه ومقوماته، وأهميته وأهدافه”[10]

إنّ المجال فسيح لنشر مبادئ الإسلام، والترويج لها، ليجد المسلمون موطئ قدم في هذا الفضاء الافتراضي الرحب الذي عرف أتباع غيره من الديانات كيف يستثمرونه في التبشير والاستدراج، فنسبة ما يستغلونه فيه ضئيلة جدا مقارنة بغيرهم رغم الحق الذي يدعون إليه، وإنّ الإيجابية المطلوبة في زمننا هذا، بوسائله المتطورة، وتأثيرها السريع هو السعي لنشر الإسلام بكل وسيلة متاحة، وعلى أي مستوى يتوافق مع القدرات العلمية والمادية، استثمارا للمباح في خدمة الهدف المشروع.

إيجابيات لا سبيل لإنكارها

ــ إسقاط التكاليف والكُلفة: فمن خلال هذه الوسائط صار من السهل قضاء الحاجات، والتواصل مع الكفاءات التي لها مواقعها وصفحاتها الخاصة ولو تباعدت المسافات، بل أنّ من إيجابيات هذا التواصل الاجتماعي توطيد العلاقات بين المسلمين، والتعارف على أوسع نطاق، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات 13)، فال سيد قطب:” يا أيها الناس، والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى، وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل، إنها ليست التناحر والخصام، إنما هي التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات”[11]

ــ النشاطات الخيرية: وهي من أبرز إيجابيات هذه الفضاءات التي استثمرتها الجمعيات والمجموعات الخيرية ترويجا لحملاتها، وتحسيسا لمختلف فئات المجتمع حتى تقبل على النشاطات الخيرية، وتحيي مبادئ التضامن والتكافل التي يحث عليها الإسلام.

القوانين الردعية بالمرصاد للانفلات والتجاوزات

“تعتبر صناعة الإعلام اليوم واحدة من أهمّ وأخطر الصناعات في العالم، لما لها من أهمية بالغة في تشكيل عقول وقناعات وثقافات الشعوب المختلفة.. فالعالم اليوم أشبه ما يكون بقرية إعلامية موحدة، متصلة بكل ما وصل إليه العلم من تكنولوجيات الأقمار الصناعية، والطباعة والحاسوب، ولم تعد مقتصرة على الكتب والمجلات”[12] ومع تعاظم دور الإعلام الجديد، وسعة انتشاره في العالم، نشطت الدوائر القضائية والحقوقية للتصدي للتجاوزات الحتمية الناجمة عن الحرية المتحررة من كل ضابط ديني وأخلاقي، ولعل أبرز هذه القوانين والتشريعات الراعية للاعتدال في استعمال الوسائط الاجتماعية:

ــ تشريعات الملكية الفكرية التي تضم العلامات التجارية وأسماء النطاقات، والملكية الأدبية والفنية للمصنفات الرقمية، وحماية براءات الاختراع.

ــ تشريعات جرائم الكمبيوتر، والانترنت وسائر الوسائل التواصلية فيما يسمى أمن المعلومات.

ــ تشريعات التجارة الالكترونية والتسوق الالكتروني وكل ما تعلق بالمال الالكتروني، وتقنيات الخدمات المصرفية.

ــ تشريعات المحتوى الضار القائمة على مراقبة مضامين الأخبار والدراسات وتصدي للدخول غير المشروع والفيروسات.

وتبقى جهود الفقهاء والمشرعين والقضاة مستمرة لتنظيم النشر الالكتروني، والرقابة عليه، ومسايرة المستجدات التكنولوجية في مجال الاتصالات، كما تستدعي تجنيد العلماء والمربين لتحصين الأجيال من الذوبان الثقافي، والانسلاخ المجتمعي عبر تلقين الثوابت المكونة للهوية، وتنشئة الجيل على الاستعمال الهادف لوسائل التواصل الالكترونية بجعل اللغة والثقافة جسرا تواصليا عالميا بدل طمسها والانسلاخ عنها.

وآخر ما يجدر بنا التذكير به بوصفه عاصما من الزلل في معترك الزهو بالنشر، والتواصل، والتفاعل هو قوله تعالى:” الحجرات 12، فأن تكون سباقا بالخبر لا يلغي بحال التثبت وعدم البناء على الظنون، وأن تكون كاشفا للفساد لا يعني بحال التجسس وانتهاك الخصوصيات، وأن تكون ناقدا لا يخدمك بحال تناول الأعراض، والإكثار من ذكر هذا وذاك، فلنا في الهدي النبوي الشيء الكثير من التغيير عن طريق التعريض والتلميح، فللناس مهما كانوا حرياتهم، وأعراضهم، وكرامتهم التي لا يجوز انتهاكها إلا إن كانوا من المجاهرين المصرّين المفسدين للمجتمع بصنائعهم التي تتعداهم إلى غيرهم.

 الهوامش

[1] – الإعلام الجديد.. السلطة الخامسة التي ولدت من رحم السلطة الرابعة، د. ميلود مراد، جامعة قسنطينة 3، ديا.نت، 2016.

[2] – أخلاقيات الصحافة، ل. هانتنغ، ص20.

[3] – Ramonet. Ignacio. Le cinquieme pouvoire. Le Monde déplomatique.Octobre. 2003.

[4] – الإعلام الجديد.. السلطة الخامسة التي ولدت من رحم السلطة الرابعة، د. ميلود مراد، جامعة قسنطينة3، www.diae.net    2016م.

[5] – إشكاليات العمل الإعلامي بين الثوابت والمعطيات العصرية، محيي الدين عبد الحليم، من تقديم: عمر عبيد حسنة، ص7.

[6] – مدخل إلى الإعلام، د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي، ص11.

[7] – الأساس في التفسير، سعيد حوى، 9/5019.

[8] – الإعلام الإسلامي وتطبيقاته العملية، محيي الدين عبد الحليم، ص147.

[9] ورقة علمية حول الإعلام الدعوي ودور وسائل الاتصال الحديثة في الدعوة الإسلامية، د. ياسر يوسف عوض الكريم، جامعة أم درمان، السودان، مايو، 2011م، ص23.

[10] – الإعلام: مقوماته، ضوابطه، اساليبه في ضوء القرآن الكريم، آلاء هشام، ص7.

[11] – في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/3348.

[12] – الإعلام الإسلامي: الواقع والطموح، ماهر أبو زر، مجلة البيان، العدد14، يناير 1997م، ص49.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.