حصريا

الرسالة المحمدية الخاتمة كعملية اتصالية – من أجل فهم متجدد للسيرة النبوية العطرة من منظور عمراني- الجزء الأول . خليفة آيت عباس

خليفة آيت عباس

الرسالة المحمدية الخاتمة كعملية اتصالية – من أجل فهم متجدد للسيرة النبوية العطرة من منظور عمراني-

الجزء الأول

مقدمة عامة

إن الملاحظ اليوم هو عودة الناس الجزئية إلى الدين و تحكيمه في شؤون دنياهم من جهة، وسيطرة الفكر الديني المتطرف العنيف على معظم الساحة  القطرية للدول الإسلامية المؤدي إلى نتائج وخيمة على كل الأصعدة، بالإضافة إلى تكالب الأنظمة الغربية لأجل دعمه أو دحره، لهي مفارقة و حيرة يشعر بها أي فرد مسلم بوعي عقلاني أو بحماسة عاطفية أو بحسرة جماعية و تجعله يسأل نفسه كل مرة نفس السؤال البسيط:

كيف لا يستطيع المسلمون و عندهم القرآن العظيم و السنة النبوية اللذان يحملان قيما جميلة وسامية و سبق و أنتجا مجتمعات و دولا قوية  أن يعيدا إنتاج امة ودول مسلمة قادرة على بناء نفسها ( تحقيق الأمن و التنمية)؟ و القيام بمهمة بنائية لصالح الشعوب الأخرى ( الأمة الوسط )؟

إن هذا التساؤل المشحون بتراكمات و رواسب التاريخ  و المشحون بحيرة اللحظة التاريخية الراهنة يؤدي بنا إلى قول ما يلي:

–     إن الإسلام دين الله وهي العلاقة التي تربط الإنسان و الإنسانية بالله عز و جل وفقا لإرادة الله عز وجل لما قال للملائكة : ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (سورة البقرة الآية 30) ، فهو أمر و نظام رباني محكم و موجه إلى البشر من آدم عليه السلام إلى يوم الدين. و في هذا الخط التاريخي الديني ختم الله عز وجل رسالاته و وحيه بالقرآن ببعثة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم بصفته خاتم الأنبياء و رسولا رحمة للعالمين كنموذج عظيم يقتدى به من أجل تحقيق الإيمان و الأمن و التنمية ، إن على المستوى الفردي أو الجَماعي .

من هنا يظهر لنا أنه من الواجب علينا العودة إلى التفكير و العمل الجاد التي المؤدي إلى فهم السيرة النبوية العطرة بطريقة علمية تتجاوب مع مستجدات عصرنا و عالمنا المُعولم ، و التي تبدأ بإخضاع المتغيرات المتعلقة بالدين في حالته الأولى و المجردة ( قرآنا و سنة) إلى التفاعل مع احترام التسلسل التاريخي لنزول القرآن وإلى تشكل و تبلور السيرة النبوية إلى غاية اكتمالهما ، ما يكفل فهم السياق و الحالة المجردة لمفهوم الإسلام و وظيفته في الأفراد و الجماعات من منظور عمراني.

–     هذا التفكير يفترض و جود إجراءات معينة ينبغي تتبعها من أجل فهم تفاعل المتغيرات و العوامل المرتبطة بالدين كاستراتيجية لتغيير الأنفس و المجتمعات ، ما يجعلنا نفترض أن أفضل الإجراءات و المنهجيات (السنن) لفعل ذلك هي تلك التي يحملها القرآن العظيم بداخله مع ذكر ما للسيرة النبوية من دور تفعيل سنن القرآن و إجراءاته و منهجياته في الواقع المتصف بالجاهلية . و نعتقد أنه لن يتأتى لنا ذلك إلا عبر طريقة تفاعلية تتسم بـ” التوريط الوجداني لنفسية الباحث في اللحظات التاريخية التي تبلورت فيها الفكرة الدينية حتى يعايش نسبيا تلك الظروف و اللحظات – بقلب مُحسٍّ بمرارة واقعنا كأفراد وكأمة من جهة، ومن جهة أخرى  بفؤاد مُستبصِر ذكي مُتّقد الإرادة و العزيمة للخروج من هذا المأزق الحضاري- إذ  يذهب بوجدانه عبر التاريخ ليفهم الظروف النفسية-الإجتماعية التي صنعت أبطالا خلّدهم القرآن العظيم و يذكرهم التاريخ أنهم شكلوا  مركزا يشع حضارة و عمرانا و جمالا و ملاذا للحيارى و الخائفين و الجائعين من البشر.  فالملاحظة لظاهرة البعثة بمنهجية “التورط” الوجداني من بداية الرسالة السماوية حتى تمامها و اكتمالها تضعنا في موقف “وكـأنما القرآن قد أنزل علينا” أي أن نضع أنفسنا – مثلا- في مكان أي فرد من قريش عَلِم و تتبع القرآن يتنزل على الرسول (صلعم) من أول لحظة.

و توخيا لهذا الهدف و تدربا على هذه المنهجية ، فإننا نلاحظ أن أول الأخبار في قريش عن الإسلام قد تلقوها عن الرسول صلى الله عليه و سلم و إن أهم ما كان يقوله أهل قريش في أحاديثهم عن الرسول (صلعم) قبل أن يؤمنوا به أو يحاربوه أو يتركوه و شأنه هو : “يزعم أنه أتاه خبر السماء”؛ فلفظة “خبر” تكفي إذا لبداية إعادة فهم السيرة النبوية  من حيث أنها عملية اتصالية.

 وكذلك الأمر من داخل القرآن كأوائل السور القرآنية المنزلة على رسول الله صلى الله عليه و سلم كـ”سورة المدثر” و”سورة المزمل” إذ نجد أنها تحث و تأمر الرسول صلى الله عليه و سلم بإنباء الناس عن الوحي الذي آتاه و أنه رسول الله إليهم  ، وكذلك فعل الرسول بعمله على تبليغ أمر الدين كـ”رسول” إلى الناس.

هذا ما يجعلنا نفترض أن الإسلام ابتدأ كظاهرة اتصالية ينبغي تفكيكها و فهمها قبل الولوج إلى داخل القرآن لفهم المادة المضامين التي يحملها 🙁 العملية الإخبارية التعليمية ثم العملية الإجرائية ، ثم العملية البنائية الأساسية للفرد المسلم، العملية الارتقائية للمجتمع المسلم، العملية الجوارية النسقية نحو غير المسلمين، العملية الحضارية القيمية – معنى الوجود- ).

وعليه ارتأينا في هذه الدراسة أن نتطرق إلى السيرة النبوية باعتبارها عملية اتصالية فريدة من نوعها عبر التاريخ البشري ، عسانا بإذن الله و بفضله أن نقدم رؤية واضحة مفيدة تساهم في جهود الوعي الحضاري.

الجزء الأول: في الإسلام كعملية اتصالية

إن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم هي كلمة “اقرأ”، ثم تلاها حوار بين جبريل عليه السلام و الرسول حيث نفى عليه الصلاة و السلام عن نفسه خاصية القراءة[1] و التي كانت فعلا منعدمة عنده إذ قال :” ما أنا بقارئ” مرتين متتاليتين، ثم تلا عليه جبريل عليه السلام قول الله عز و جل : ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ ‏ ‏عَلَقٍ ‏ ‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم”‏  ” [2]. ومن تلك اللحظة تشكلت علاقة تواصلية بين الله عز و جل بصفاته التي ذكرها في الآيات ، و الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته نبيا و رسولا إلى البشر بعدما كان كما قال عن نفسه ” ما أنا بقارئ” ، عن طريق جبريل عليه السلام كحلقة و صل بين المخاطب و المخاطب حاملا معه رسائل شفهية هي القرآن الكريم.

إن فهم القرآن بصفة مجردة كظاهرة قائمة بحد ذاتها أي كموضوع للملاحظة و  للفهم و البحث وكأداة للتطبيق هي عملية ناقصة إذا لم نستوعب كل أبعاد هذه العملية التواصلية، ما يدعونا إلى القول أن رسالة الإسلام هي عملية تواصلية قبل أن تكون عملية خطابية ثم عملية دعوية تم عملية بنائية انتهت في الأخير إلى بناء مجتمع مسلم و أمة وسط شاهدة على الناس في المدينة المنورة بوحي من الله عز وجل و بقيادة الرسول صلى الله عليه و سلم.

ينبغي  الإشارة مبدئيا  إلى أن الوسيلة كانت “التلقين ” من حيث أن القرآن هو كلام وخطاب يصل إلى السمع و يثبت  في فؤاد الرسول (صلعم) ، مع اعتبار السمع هي الحاسة الأولية و الأساسية في العملية التواصلية، لينقله بعد ذلك الرسول صلى الله عليه و سلم إلى الناس على مدى ثلاثة و عشرين سنة.  هذا ما يدعونا من خلال هذا المقال-إلى اقتراح تصور بنية مركبة لهذا النظام الإتصالي الرباني المصدر، الخاتم لرسالة الأنبياء ،إلى البشر كعملية وبنية مُعقّدة ينبغي تفكيكها و تعيين جزئياتها و درجاتها و أبعادها و مراحلها التي تتركب و تزيد تعقدا بتوسع وعاء الإسلام البشري و بتزايد درجات الوعي بالدين و بتزايد انتشار خبره في الأمصار و القبائل ( في البيئة النسقية)، حتى يتسنى لنا فهم السيرة النبوية  العطرة كظاهرة تاريخية فريدة تشكّلت بفعل “الظاهرة القرآنية”[3]، و ختمت سير الأنبياء و الرسل من قبله.

هذا ما يدعونا إلى تقسيم مرحلة الرسالة الخاتمة إلى مستويات اتصالية جزئية– من منظور عمراني-  ، حيث نفصّل في كل مستوى مضامينه و الوظائف الإعلامية للفواعل (  actors ) المحتملين فيه  مع الأخذ بعين الاعتبار التراكمات و التحولات الاجتماعية و الإستراتيجية التي تحدث في البيئة النسقية لفترة البعثة المحمدية .

  1. المستوى الاتصالي من الدرجة الأولى:

و هي التي تبدأ من لحظة غار حراء  اتصال – واضح مؤرخ له- بين جبريل عليه السلام و الرسول (صلعم) و خاصة في الفترة الأولى، حيث أن ما تلقيناه عن “تردد” الرسول  (صلعم) في قبول الدخول كطرف فاعل في العملية التواصلية بين الله سبحانه و تعالى و البشر يعتبر فترة مفصلية ينبغي تفكيكها قبل الدخول في تحليل سلوك الرسول (صلعم) كطرف فعلي و فاعل في هذه العملية التواصلية، هذا الإتصال الأول يحمل في طياته لنا تعريفا بأطراف العملية التواصلية بشقيها الغيبي و الحسي الوجداني و كذلك من الجانب العقلي النفسي حيث بينت الأطراف أو الفواعل كما يلي:

  •  الله عز و جل كمخاطب و مهيمن في العملية و منشىء لها ؛
  • –          جبريل عليه السلام المَلَك المُوِكل بحمل الخطاب كما هو إلى الطرف المستقبل؛
  • محمد (صلعم) البشر المصطفى ليكون المتحدث المتواصل مع البشر كلهم بكلام هو القرآن؛

إن الأمر المميز لهذه العملية التواصلية عن العمليات التواصلية اللاحقة و التي سنأتي إلى  تفصيلها هي ميزة “رؤية” و إحساس الرسول صلى الله عليه و سلم لجبريل عليه السلام ،  و لعلها كانت اللحظة التي جعلت محمدا (صلعم) يتأكد و يدرك أنه ليس مجنونا و لا متخيّلا و لا نائما لمّا ضمه جبريل عليه السلام ضمة شديدة . فالتقى الكلام و السمع و الرؤية و اللمس ليشكل عملية اتصالية حقيقية نسمّيها من الآن “عملية اتصالية من الدرجة الأولى؛

 هذه الأخيرة التي قويت و تدعمت فيما بعد في حادثة الإسراء و المعراج ( بعد عام الحزن ودعاء الرسول (صلعم) المشهور[4]) أين تواصل الرسول (صلعم) مع الأنبياء و صلى بهم في المسجد الأقصى، ثم التقى بعدد منهم في السموات السبع بصحبة جبريل عليه السلام، ثم كلامه إلى الله عز وجل من وراء حجاب لما دخل إلى سدرة المنتهى ؛ فالإسراء و المعراج أكدت للرسول (صلعم) حقيقة و قوة و صدق هذه العملية الاتصالية من الدرجة الأولى، و دعمتها من خلال إعادة تشكُّل لإدراك الرسول للزمان و المكان بطريقة حاولنا ضبطها وفقا لهدف بحثنا كما يلي:

حيث أنه قام بالانتقال من مكة إلى القدس ثم من القدس إلى السموات العلى ثم إلى سدرة المنتهى في جزء من ليلة . و ما حدث في بيت المقدس حين صلى بالأنبياء هو أنه أعاد تشكيل إدراكه للزمان و المكان نحو الماضي (رسالة الإسلام كانت رسالة الأنبياء و الرسل كلهم)؛ ثم بعد معراجه أين رأى النار و عذابها و دخل الجنة و عايش نعيمها هو ما أعاد تشكيل إدراكه للزمان والمكان نحو المستقبل، و إنّ دخوله في أنوار سدرة المنتهى كون له بفضل و نعمة الله عز و جل عليه فكرة مكتملة عن الخلد و الملك  “و اسمي الله جل جلاله ” الحي ( ما يشير إلى عنصر الزمان) القيوم (ما يشير إلى عنصر المكان).

كل هذا جعل العملية الإدراكية ” السمع و البصر و الفؤاد” عند الرسول (صلعم) قوية و مدعِّمة لمهمته الاتصالية ، وكذلك مختلفة عن المخلوقات الأخرى  ” ملائكة و إنسا و جنا” بالإضافة إلى كيفية وعيه المتسع و الكامل و اليقيني لمعطيين مستقلين عن الإنسان و يتحكم فيهما فقط  الله الحي القيوم العلي العظيم و هما الزمان و المكان .

خصائص العملية الاتصالية من الدرجة الأولى:

من هنا نستنتج أن العملية الاتصالية من الدرجة الأولى متميزة عن غيرها بخصائص هي:

  • أن الله عز و جل الملك الحق المبين بعث بكلامه القرآن رسالة سماوية شاملة عن طريق جبريل عليه السلام إلى النبي محمد صلى الله عليه و سلم ليبلغها إلى الناس أجمعين.
  • إنّ الرسول صلى الله عليه و سلم هنا و لآداء  وظيفته التبليغية مدعِّم بإدراك و وعي و حس للزمان و المكان يفوق قدرات البشر العاديين  بما يبني له مكانة خاصة لتلقي الرسالة الإلهية و هي درجة خاتم الأنبياء و الرسل.

إنه و بعد اكتمال هيكل و بنيان العملية الاتصالية من الدرجة الأولى ، فان الرسول صلى الله عليه و سلم يصبح ذا مكانة تؤهله لتبليغ الناس بـ “خبر السماء” ، و هذا الدور التبليغي يبتدئ من الرسول صلى الله عليه  و سلم وينتهي إلى أسماع الناس ما يجعلنا نسميها مستوى اتصالي من الدرجة الثانية مستقلة نسبيا عن العملية الاتصالية من الدرجة الأولى.

ملاحظة:

يجب أن نضع في أذهاننا أن نصيب المؤمنين بدين الإسلام من العملية الاتصالية من الدرجة الأولى هي وجوبا الصلاة (كعملية واجبة وضرورية للدخول في الإسلام) ، ثم اختياريا  الدعاء و الذكر (كسلم للارتقاء الديني-الوظيفي من حالة الإسلام إلى مقام الإيمان ثم إلى مقام الإحسان: ” أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك”.)

  • المستوى الاتصالي من الدرجة الثانية:

إن النبي (صلعم) و خلال استيعابه شيئا فشيئا للمستوى الاتصالي من الدرجة الأولى، فان وظيفته مع الناس حيث سيقوم بوظيفة اتصالية حصرية تتجه هذه المرة مباشرة نحو أمثاله من البشر، وعليه فهي عملية اتصالية من الدرجة الثانية ترتبط بالأولى من حيث كون الرسول (صلعم) هو الرابط بينهما ولها إذا خصائص و مميزات من حيث الأطراف و من حيث الظروف:

  • من حيث الأطراف:

الندية و التساوي و الحرية: إذ أن الرسول (صلعم) و البشر الآخرون لهم نفس الوسائل التواصلية البشرية الحسية منها و العقلية (جهاز الاتصال البشري) وهي : السمع و البصر و الفؤاد، بالإضافة إلى الحرية المبدئية في استخدامها نحو إدراك العوامل المستقلة عن النفس البشرية ( المكان و الزمان)، لتنتج أفكارا و معتقدات خاصة بكل شخص؛ فمهمة الرسول (صلعم) الحصرية تتمثل في التواصل مع البشر و إخبارهم بأمر العملية التواصلية من الدرجة الأولى، بطريقة تستوعبها قدراتهم البشرية المتماثلة ، و لهم الحرية في سماع ما يقول  أو عدم سماعه و التصديق بذلك أو عدم التصديق.

  • من حيث العوامل المستقلة ( عملية اتصالية تحدث في الزمان و المكان نفسه)

لما يتواصل الرسول (صلعم) مع البشر فانه يقوم بذلك في نفس الظروف الطبيعية ( الجغرافية والتاريخية) فالمشرق مشرق والمغرب مغرب و الصباح صباح و المساء مساء  وفقا لحرك الشمس، و الشهور شهور وفقا لحركة القمر، و كذلك الأمر للسنين .  فنقول أن البشر قبل أن يؤمنوا فإن عقولهم ( الفؤاد) تستوعب فقط ما تدركه حواسهم الحسية ( السمع و البصر) في الزمان و المكان، و بالتالي تستوجب العملية الاتصالية من الدرجة الثانية تعاطيا خاصا يراعي إدراك الناس و مدركاتهم.

كنتيجة لذلك، لم ينكر أحد على أهل قريش عدم تصديقهم  بخبر الإسراء و المعراج مثلا ؛ و لكن كان إخبارهم من أجل أن يطلق الرسول (صلعم) العملية الاتصالية و يثير فيهم روح التساؤل الضرورية لإطلاق العملية الإخبارية والتعليمية، و هو الأثر الإعلامي الذي تحقق بعد أن سألوه عن القدس كيف هي وزادهم دهشة (قيمة مضافة بغية التوكيد) لما أخبرهم عن قافلة قادمة إليهم . أما بالنسبة لأبي بكر رضي الله عنه الذي سبق ودخل الإسلام وذهب نفر من قريش إليه ليستقصوا رأيه فيما سمعوه عن الإسراء و المعراج  فقد قال : “إن قال فقد صدق” ولذلك سمي الصديق. و هو كنية تعبر عن معنى ذا بعد إعلامي.

إن هذه الخواص المميزة للمستوى الاتصالي من الدرجة الثانية عن تلك الأولى يؤدي بنا إلى القول أن الأولى بمكوناتها و أطرافها و طريقة عملها هي عملية تعبر عن نظام منسجم و قوي ( خاصية الجمال)،  متوجه بخطاب و إجراءات إلى  العملية الاتصالية من الدرجة الثانية  التي أطرافها كلهم بشر ويتميز نظامهم بالعشوائية و الفوضى (التعدد السلبي) و الضعف، و يشوبه الخوف و القلق و الحيرة ، و تقل فيه ميزة الاستقرار و التوازن و الانسجام ؛ و التي سيقوم فيها الرسول (صلعم) -الذي رأى و أحس و أدرك قوة الجمال الإلهية من جهة و يعيش مع البشر و أنظمتهم المشوبة بالنقص من جهة أخرى- كحلقة ربط بينهما ، يبذل كل جهده من أجل  جعل هاته و تلك في حالة اتساق و انتظام كما أرادها الله عز و جل ، فيقول (صلعم) مثلا: “إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق ” و أيضا: “ إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ : هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ؟ قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَولعل هذا من أسباب حفظ الله عز وجل للرسول صلى الله عليه و سلم كنبي أمِيٍ ليأتيه العلم فقط من عند الله عز و جل.

في وظيفة الرسول /النبي /البشر المركبة:        

يتميز الرسول صلى الله عليه و سلم عن سائر الناس أنه يتواصل مع الله كعبد من عباده، و مع العالم السماوي كنبي ، و مع الناس كرسول، و مع البشر كبشر، ثم مع المؤمنين بطريقة خاصة لأن انضمامهم إلى الدين يجعل منهم أعضاءا في المستوى التواصلي من الدرجة الثانية و مدعوين للارتقاء في العملية التعلمية و العملية الدعوية (مُنشِدين الإيمان ) ثم التوجيهية و البنائية ( مُنشدين الأمن و التنمية) التي ستتيح لهم تدريجيا معرفة جيدة بالعالم السماوي المنظم والمنسق و الجميل ما يؤهلهم لمساعدة الرسول (صلعم) لبناء مثيل هذا النظام في حياة البشرية ” الخلافة في الأرض” .

ملاحظة:

  • أثناء هذه العملية الاتصالية فالرسول موجه بالقرآن إلى إحداث الأثر الإعلامي اللازم دون الاستهانة أو الاستهزاء أو التهاون في إيصال الرسالة الإلهية  و هو ما نجده في سورتي المزمل و المدثر ، و كذلك موجه لعدم الاستهزاء أو التغاضي عن أي بشر يريد أن يستمع أو يسأل عن العملية الاتصالية من الدرجة الأولى و لا أدل على ذلك من الآيات الأولى لسورة عبس.
  • إن اندماج المؤمنين الأوّلي في العملية التواصلية الثانية يعطي لهم صفة “صحابة الرسول (صلعم)” و يفرض عليهم نحو الله كما ذكرنا من قبل، أداء الصلاة وجوبا – كركن ذو بعد اتصالي- واختيارا الدعاء و الذكر و الارتقاء الوظيفي في مدارج الإسلام ، و نحو الرسول (صلعم) الإتباع و المساعدة ، و نحو المؤمنين الآخرين الأخوة و التعاضد، و نحو غير المؤمنين التعريف قدر المستطاع بالرسالة الربانية ( الدعوة). وهذا ما يدعونا إلى افتراض و جود عملية تواصلية من الدرجة الثالثة خاصة بالصحابة .

و هو ما سنتطرق إليه في مقالٍ مُقبل إن شاء الله تعالى.


– لنا عودة الى ميزة الأمية لدى  الرسول صلى الله عليه و سلم وخصائصها و تطبيقاتها في العالم المعاصر.[1]   

[2]– عَنْ ‏ ‏عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ‏ ‏أَنَّهَا قَالَتْ ‏ ‏أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ ‏ ‏فَلَقِ ‏ ‏الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو ‏ ‏بِغَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَيَتَحَنَّثُ ‏ ‏فِيهِ ‏ ‏وَهُوَ التَّعَبُّدُ ‏ ‏اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ‏ ‏قَبْلَ أَنْ ‏ ‏يَنْزِعَ ‏ ‏إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى ‏ ‏خَدِيجَةَ ‏ ‏فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي ‏ ‏غَارِ حِرَاءٍ ‏ ‏فَجَاءَهُ ‏ ‏الْمَلَكُ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي ‏ ‏فَغَطَّنِي ‏ ‏الثَّالِثَةَ ثُمَّ ‏ ‏أَرْسَلَنِي ‏ ‏فَقَالَ ‏ “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ ‏ ‏عَلَقٍ ‏ ‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم”‏ 

[3] – الظاهرة القرآنية بتعبير المفكر مالك بن نبي.

[4]  – “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي. وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين،وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل على سخطك لك العقبى حتى نرضى ولا حول ولا قوة إلا بك”

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.