حصريا

الرؤية الكونية ودور الأسرة في بنائها . أ/ زهية حويشي – الجزائر –

0 23

تمر الأمّة الإسلامية منذ قرون بمرحلة من الانحطاط لم تستطع النهوض منها وتجاوزها رغم المحاولات العديدة، فهجمة الإستعمار كانت شرسة أطاحت بالأمّة، ولم يكن ما لحق بها من ضرر يتعلق بالجانب المادي فقط من ثروات ومعالم حضارية وغير ذلك، وإنّما كان الضرر الأكبر ما أصابها من الداخل والمتعلق بالهوية الإسلامية، ويتجلى ذلك في غياب الرؤية الكونية حول الإنسان والكون والحياة، لذلك لا عجب من سؤال العقاد رحمه الله: هل باتت التربية الحديثة بصفة عامّة -مدرسية-أسرية-إجتماعية-تنشئ لنا عجولا أكثر من أناسي مكتملي الإنسانية؟ هذا السؤال الصادم إبتدأ به الدكتور الطيب برغوث فصلا من كتابه الموسوم بالعمق الإنساني للإنسان والتجديد الحضاري، والذي تناول فيه العمق الإنساني للإتسان وتعامل كل من الحضارتين الإسلامية والغربية معه، وانعكاس وارتداد ذلك على الإنسانية جميعا، إن العمق الإنساني للإنسان هو الجانب الرروحي فيه وهو ما ينبغي أن يكون مصدر الرؤية الكونية التي لابد أن تصطبغ بالصبغة الإسلامية عند الفرد المسلم من أجل قيامه بدوره الإستخلافي الإعماري الحضاري، وفي غياب هذه الرؤية سوف يكون نتاج التربية التي يتلقاها الفرد المسلم هو مما لا شك فيه التشبيه الذي ذكره العقاد في تساؤله.
هذه الأزمة التي تعانيها الأمة الإسلامية لطالما كانت همّ المصلحين في محاولاتهم تشخيص داء الامّة والمساهمة في النهوض ولا زالت الحال كذلك ما دامت الأمة تحت وطأة التخلف الحضاري محتلة مراكز الضعف في المداولة الحضارية، متسمة بالتبعية والغثائية بسبب فقدان مركز قوتها ومحوره وهو الهوية الإسلامية التي تحددها الرؤية الكونية المنبثقة من الوحي المتمثل في الكتاب والسنّة المبلغ عن خاتم النّبيين كرساله عالمية للبشر كافة إلى قيام الساعة.
والسؤال الذي نطرحه بدورنا كيف تبنى هذه الرؤية الإسلامية التي تتميز بها الهوية الإسلامية التي تؤهل المسلم للقيام بدوره المنوط؟
مما لا شك فيه أن هناك عناصر مختلفة تساهم في ذلك؛ يأتي في المقام الأول الأسرة، ثم المدرسة والمسجد والإعلام وكل عناصر البيئة المحيطة بالفرد المسلم منذ النشأة والطفولة خاصة ثم باقي مراحل حياته.
وإذا كانت الأسرة تضطلع بالقسط الأكبر من هذه المسؤولية فسيتم في هذا الموضوع تناول دورها في بناء الرؤية الكونية وسيكون ذلك من خلال ثلاث محاور؛ الأول مفهوم الرؤية الإسلامية ومبادئها وأسباب غيابها، الثاني مبادئ الرؤية الإسلامية، والمحور الأخير دور الأسرة في بناء الرؤية الكونية.

الرؤية الإسلامية مفهومها وأسباب غيابها ومبادئها:
أولا: مفهوم الرؤية الإسلامية:
مذ وجد الإنسان في هذه الأرض رافقته الأسئلة الوجودية عن ماهيته وسر وجوده ومساره ومصيره ، وما خلا زمن من فلاسفة ومفكرين ينقبون عن الإجابات، وقد تعهد الله سبحانه وتعالى -الخالق البارئ للإنسان والحياة والكون وقوانيه – بارسال الرسل والأنبياء لهداية البشر إلى الأجوبة الصحية كي لا يضلوا الطريق، وكان الإسلام الرسالة الخاتمة للبشرية جمعاء والتي تتضمن كل الإجابات التي تحتاج إليها.
إنّ الإسلام عبارة عن صورة مصغرة لنظام التدبير الإلهي للكون، حيث ينظم في نسق بديع منضبط مطرد علاقة الإنسان بالله والكون والحياة، ويحدد بدقة لامتناهية وظيفته ورسالته من خلال تعاليمه وأحكامه المتعلقة بكل الجوانب بما يحقق الفوز في الدنيا والآخرة، وحتى يتحقق هذا النسق والإنسجام لابد أن يلتزم الانسان بتلك التعاليم؛ عقيدة وشريعة وأخلاقا تماشيا مع معاني الفطرة المغروسة فيه و العهد الذي أخذه عن ربّه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ١٧٢﴾ (172)، وبذلك تكون الانسانية كلها انعكاس لصفات الخالق لأنه هو من أوجد الكون وقوانيه وأودع سننه فيه كما يقول محمد سيد زعيم العطاس، هذه السنن التي أجملها الدكتور الطيب برغوث في سنن الأنفس، والأفاق، والهداية، وسنن التأييد، وسنن التسخير.
تلك هي الرؤية الإسلامية بعمقعا وشموليتها وكمالها وتكامليتها إنّها هي روح الأمّة، وفي غيابها سوف تضيع الهوية الإسلامية بثقافتها وحضارتها وتاريخها، و هذا ما تعانيه الأمّة اليوم مما أفقدها دورها الحضاري وريادتها في الفكر والثقافة والسياسة والإقتصاد وكل جوانب الأعمار، وإنّ أهم ما يستند إليه في بناء هذه الرؤية هي المعرفة؛ ذلك أن المعرفة بمصادرها الصحيحة هي ما يعول عليه في وضوح الطريق والغاية، وقد كانت المعرفة منارة الأمة منذ لحظات البعثة الأولى حين تنزل الروح الأمين على سيد الرسل وكانت الكلمات الأولى التي تلقاها “إقرأ”، فارتسمت بذلك المعرفة أولى معالم الرسالة إذ بها يتم قراءة السنن الالهية التي لا يتم المسير و الوجهة إلى صحيح المصير دون الوعي بها استيعابا وسلوكا.

ثانيا: أسباب غياب الرؤية الإسلامية:
حال الأمة المتردي وغياب الهوية الإسلامية وطمس الرؤية الكونية شغل الكثير من المصلحين والمفكرين ويمكن إجمال الأسباب التي أدت إلى ذلك في نقاط مختصرة لا يتسع المقام للاستطراد فيها وهي كالتالي:

أسباب خارجية:
تعزى إلى الحروب الصليبية والهجمات المتتالية على الأمة الإسلامية من طرف المستعمر بعد انهيار الدولة العثمانية وتقاسم ثروات ما سمي بالرجل المريض وما نجم عن ذلك من آثار مادية وثقافية، مع ما رافق ذلك من غزو فكري ثقافي امتد في فراغ الأمة كما عبر عنه الشيخ محمد الغزالي ، فلئن تمكنت الدول الإسلامية من إخراج المستدمر من أراضيها إلا أن مشاريعه التغريبية ظلت جاثية وجاثمة في هذه الدول يغذيها الضعف والفراغ من ناحية ومساهمة الكثير من التغربيين من أبنائها من ناحية أخرى الذين تأثروا بالحضارة الغربية ومفرزاتها من الحداثة وما بعد الحداثة التي تعتبر غزوا ثقافيا قديما جديدا إمتد في عمق الهوية، والذي تلقفته الأمة الإسلامية في مرحلة ضعف لم تمكنها من التفاعل الإيجابي الذي يقود إلى حركة من التجديد والتطوير والبعث، وإنما أنتج نموذجا مسخا عاجزا عن البناء ناهيك عن الريادة.
أسباب داخلية:
من مظاهر الضعف الخطيرة للأمّة تردي الجانب المعرفي والذي له الأثر البالغ على الرؤية الإسلامية ومنه هوية الأمة، وتعود بدايته إلى القرنين السابع و الثامن الهجري أين دخلت الأمّة الإسلامية مرحلة الانحطاط وغلق باب الإجتهاد وتوقف الإبداع، واستمر هذا الوضع قرونا وبدأت القطيعة بين العلم والسياسة حتى بات للعلم رجال وفقهاء وللسياسة رجال، مما عمق هذه الهوة تأثر المسلمين بالوضع في أوروبا خاصة ما يتعلق بالصراع بين الكنيسة والعلماء الذي أفرز بذور العلمانية التي غرست بعد ذلك ونمت في تربة الدولة الإسلامية، ثم نمت وترعرعت بعد الغزو الثقافي والهجمة الشرسة على الأمّة مع ما رافق من حركة علمية وترمجمة العلوم وانتقال الفلسفة الغربية إلى الثقافة الإسلامية، فانتشر الجدل والمناظرة وسادت قضايا ومسائل وهمية لا تفيد الأمّة في شيء إلا الفرقة والانقسام وإهدار الطاقات، فتحولت المعرفة الإسلامية إلى ثقافة نظرية ليس لها علاقة بالواقع، ونتج عن ذلك إنفصال وإنفصام بين الفكر والعمل، وغبش في رؤية المسلم لدينه وللكون والحياة ورسالته فيها وآخرته ومصيره إليها، حيث يتعذر والحال ذاك بناء إنسان العمران والحضارة والاستخلاف.
ثالثا:مبادئ المعرفة الإسلامية:
ولكي تتضح معالم الرؤية الكونية الإسلامية لابد من تحديد مبادئ المعرفة الإسلامية باعتبارها تشكل مصدرها ومنطلقها وأساس بنائها، وقد فصل الفاروقي بشكل واضح مبادئ المعرفة الإسلامية تحت عنوان محدد وهو المبادئ الأساسية للمنهجية الاسلامية ضمنه سبعة مبادئ يمكن سوقها في هذا المقام واستدعاؤها؛ إذ أن الفاروقي من أهم المفكرين الذين شغلتهم هذه المسألة وسال مداده فيها وسال دمه في سبيلها.
كتب الفاروقي أن مبادئ المعرفة الإسلامية هي كالتالي:
التوحيد، وهو أن الله هو الحق وهو مبدأ كل شيء وغاية كل شيء، وبذلك فإن إرادته وأفعاله هي الأسس التي يقوم عليها بناء الكائنات والمعارف وكل أنظمتها.
وحدة الخلق، وتعني وحدة النظام الكوني حيث تسري نفس القوانين على كل المكونات من كل النواحي وتحت مختلف الشروط.
ومن ناحية أخرى تقتضي وحدة الخلق وحدة السنن الكونية التي يخضع لها الكون كله بما في ذلك الإنسان والتي باكتشافها يمكن للانسان القيام بدور الاعمار والاستخلاف في الأرض.
المعرفة ووحدة الحقيقة، حيث إن وحدة الحقيقة المطلقة تفرض عدم وجود تعارض بين العقل والوحي وقبل ذلك عدم وجود تعارض بين الحقائق الواقعية ومايأتي به الوحي، ويفترض أن طبيعة السنن الإلهية تجعل باب النظر والبحث مفتوحا وذلك لأن سنن الله في خلقه غير محدودة ومهما تعمقنا في معرفتها فيبقى المزيد لاكتشافه.
وحدة الحياة، ويتعلق الأمر بالأمانة التي حملها الإنسان وسبب وجوده في الحياة وهي العبادة والإصلاح وفق إرادة الله في باب القدر والتي تشمل الطبيعة والفطرة وهي ثابتة يمكن للإنسان ادراكها عن طريق العقل، وإرادة الله في باب القضاء والتي تتضمن حرية واختيار الإنسان بمقتضى إرادة الله في الإصلاح والإعمار في إطار نسق معاني الحق والخير والعدل.
وتتمحور أمانة الإنسان أساسا حول خلافته في الأرض في ظل مفهوم الشمولية الذي تتميز به الشريعة الإسلامية.
وحدة الإنسان، فما يحدد قيمة الإنسان وتميزه إنما هو آداؤه الرسالي الإنساني وليس غير ذلك من أي مواصفات تعلق باللون أو اللغة أو الجنس …أو غير ذلك.
تكامل الوحي والعقل، هو الضمان لسلامة الحياة الإنسانية الإسلامية التي تقوم على المعرفة الإسلامية التي من أسسها هذا التكامل.
الشمولية في المنهج والوسائل، ذلك أن الإسلام دين شامل للحياة بكل جوانبها، يدخل تحت إطارها الوسائل والغايات.
هذه هي جملة المبادئ التي يبين الفاروقي أنها أساس المعرفة الإسلامية.
دور الأسرة في بناء الرؤية الكونية وغرس قيمها:
السؤال الجدير بالإستشكال والبحث هو كيف يتم بناء الرؤية الإسلامية ومن يضطلع بهذه المهمة وما دور الأسرة في ذلك؟
لما كانت الرؤية الكونية متعلقة بالإنسان ذاته فإن ذلك يقودنا إلى توجيه التركيز عن من يبني الإنسان؟ وكيف يتم تكوينه وإعداده ؟ وكيف تتكون لديه هذه الرؤية؟ ومما لا شك فيه أن هذه العملية يساهم فيها العديد من الأطراف وبكل تأكيد أن الطرف الأهم هو الأسرة، ولا عجب إذن ما أولاه الإسلام من عناية فائقة بالأسرة، حيث كان أول ما قام به هو تنظيم تلك الفوضى التي كانت تعج بها الحياة الإجتماعية قبل البعثة فأرسى مجوعة أحكام ضبطت العلاقة بين الرجل والمرأة بصفة خاصة وبين الافراد بصفة عامة فوضعت أحكام الزواج والطلاق والتعدد والميراث والتبني …كل ذلك ليهيئ للدور العظيم للأسرة وهو بناء الإنسان المؤهل لحمل الرسالة التي من أجلها كان وجوده في الأرض، ذلك أن الفوضى والعبثية لا تتناسب والنظام الكوني ، فانتظمت أحكام الأسرة بمقاصدها السامية في نسق دقيق ينسجم مع هذا النظام الكوني العام وليتم في إطار ذلك بناء الرؤية الكونية التي أسس لها الوحي ضمن نسق كلي تكاملي شمولي من السنن الإلهية حيث الوعي بها هو ما يؤهل لأمانة الإستخلاف﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ٥٣﴾ 53)، فلابد أن تستعيد الأسرة دورها الريادي في بناء الإنسان منذ اللحظات الأولى لتكوينها؛ من مراعاة لأحكامها وبنائها على أسس سليمة من الإختيار ووجود المودة والرحمة والسكن إلى تحقيق مقاصد الأسرة التي تتناسب مع فطرة الإنسان واشباع احتياجاته من أجل توفر البيئة والشروط اللازمة للقيام بدورها في تنشئة وتربية إنسان الإستخلاف، معتمدة في كل ذلك على ما جاء به الوحي كصلة بين الأرض والسماء هو البلاغ المبين الذي جاء به خاتم النبيين حاملا في طياته الرؤية الكونية بوصلة تحدد معالم المسير والمصير.
كما سبق الحديث أن الرؤية الكونية تتعلق بما يحمله الإنسان من مبادئ معرفية حول الكون والحياة ووعي بسنن الله في الأنفس والأفاق، وسنن الهداية والتأييد والتسخير ووعي الأسرة بالدور التربوي هو نتاج تلك الرؤية فالعملية التربوية التي لابد للأسرة من الإضطلاع بها هي المحك الرئيس وهي الضمان الوحيد لبناء الإنسان بما تتيحه العملية التربوية أو البعد التربوي الذي تحدث عنه الدكتور الطيب برغوث بأنه الإهتمام بالتأثيرات التربوية الإيحائية أو المباشرة التي تؤثر على فكر الإنسان أو نفسه أو سلوكه أو علاقاته، أو فعالية أدائه الاجتماعي عامة باعتبار ذلك غاية المعرفة الإنسانية وكل معرفة خلت من البعد التربوي فهي معرفة ثانوية في المنظور القرآني بالخصوص.
فتمثل مبادئ المعرفة الإسلامية في معالم واضحة يعكس الشخصية الإسلامية، ذلك ما تعمل على تحقيقه التربية الإسلامية المحددة الوسائل والأهداف، حيث لابد للأسرة من إنتاج ما أطلق عليه محمد قطب “الإنسان الصالح” الذي استوفى شروط الخلافة في الأرض .
إن العملية التربوية والعناية الكاملة والدائمة والمستمرة في بناء الفرد المسلم وإحداث التغييرات الإيجابية المعرفية والوجدانية والسلوكية لديه من أجل بناء شخصيته الإسلامية ذلك هو غاية تكوين الأسرة وهي غاية محورية تحتاج إلى إستعداد وإعداد إذ ليس تكوين الأسرة مجرد لقاء مادي جسدي من أجل اشباع رغبات لعلها تتحول إلى حيوانية إن لم ترتبط بقيم وغايات ومقاصد من أجلها وجدت ابتداء، ولما كان بناء الانسان فكرا ووجدانا وسلوكا الهدف الأول للاسلام كانت تلك المهمة الأولى التي قام بها محمد صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته حيث إهتم بتربية ذلك الجيل الذي به تم نشر الرسالة الخالدة في كل بقاع الدنيا.
ما تمر به الحضارة الإنسانية اليوم أصبح شبيها بالوضع يوم بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فوضى الأفكار والسلوك والمفاهيم وطغيان المادة والشهوات، ساهم في ذلك ضعف الأمة الإسلامية وانحصار دورها وتراجعها عن آداء مهمتها الحضارية الإستخلافية بما تحمله من رؤية مستمدة من الوحي يؤهلها لهداية الإنسان وسعادته، فالوحي هو المصدر الوحيد للطاقة الروحية التي لابد منها من أجل ضخ القيم وبناء الأخلاق وتقويم السلوك الإنساني حتى تسير الحياة وفق النظام الكوني الذي أوجده خالقه الأعرف به أين لا يمكن لأي أنظمة أو أفكار أخرى أن تقدم للحضارة الإنسانية ما يمكن أن يقدمه الإسلام بتعاليمه المتعلقة بكل جوانب الحياة﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ٢٢﴾ (22)، وذلك هو دور الأسرة اليوم وسط التحديات الهائلة، حيث لابد من الدور التربوي بوسائل منسجمة مع الأهداف المناسبة لهذا العصر وهذا الزمن الصعب مهتدية بالرؤية الكونية حينها سيسترجع الفرد السلم هويته الإسلامية ودوره الريادي الحضاري والتمكين من الاعمار والخلافة في الأرض ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ١٦٥﴾(165).
ختماما…﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ١٢٢﴾ (122)، إنّ النور الذي تحكيه الآية عن رب العامين هو تلك الرؤية الكونية المنسجمة مع نواميس الكون وإرادة الخالق، التي لابد للمسلم أن يحملها داخله أثناء سيره في الحياة وقيامه برسالته وأدواره المختلفة، وهي ما تجعله يتخذ من الأسرة –باعتبارها أحد أبرز أدواره- مشروعا لبناء إنسان الإستخلاف والإعمار على الأرض عن طريق التربية الإسلامية الصحيحة بأهدافها ووسائلها الواقعية وقيمها العالية ووعيها الثاقب، دون ذلك ستكون الأسرة عملية استنساخ لنماذج لا تعد أن تكون أرقاما في قطيع تقوده حضارة المادة والشهوات والغريزة تائه عن المسير والمصير، فلا سبيل إلاّ استرداد دور الأسرة المفقود في زمن الحداثة وما بعد الحداثة الذي أحدث غربة الإنسان عن ذاته وفطرته وتغييب غاياته وأفول نجم حضارة الإسلام.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.