حصريا

الإنسان الفاضل-الشريف حبيلة-الجزائر-

0 79

الإنسان الفاضل

                                                      الأستاذ الدكتور الشريف حبيلة

                                                        جامعة قسنطينة1- الدزائر

الإنسان الفاضل، هو إنسان بدأ واقعيا وانتهى افتراضيا، رغم أنه لم ينقرض واقعا، فما زالت بعض الفصائل منه تقاوم، وذلك بما أتاحه له التطور الأسطوري لوسائل الاتصال، وما فرضته ما بعد الحداثة من مقولات، تحولت إلى مظاهر حياتية، جعلت هذا الإنسان يغرق في اللذة واقعيا/فعليا، حتى حال كائنا استهلاكيا، تخلص من قيمته الإنسانية، وراح يمارس الفضيلة افتراضيا على مواقع التواصل الاجتماعي، وهنا نكون أمام كائن منزه من كل عيب، حتى كدنا نعتقد أن العالم الافتراضي يعيد صياغة مفهوم الإنسان عند (نيتشه)، ويصنع إله خال من العيوب، يتخذ من تعليقاته الفاضلة خوارا –في العموم، مع وجود الاستثناء- يختفي خلفه السامري، الذي يحرك هذا الإله/الإنسان الفاضل/الكشكول، وفق تقنية شديدة التعقيد.

وإذا كان الإنسان النتشوي قد أدرك أو توهم أنه يمتلك قوة تكسبه حاجاته، جعله مكتفيا بذاته لا حاجة له بالإله، فإن الإنسان الفاضل، عبر عن كونه قويا ليس انطلاقا من ذاته ككائن واقعي فعلي، كما هو حال إنسان نتشه، بل فعل ذلك بوساطة وسائل التواصل، حيث شحن قوته اللسانية، أو ما عبر عنه محمد شوقي الزين بالإسهال الكلامي، وراح يمارس رسم معالم الفضيلة، ويقدم صورة إنسان فاضل، منزه قويا بأخلاقه، رغم أنه قد يكون ضعيفا واقعيا، مريضا أخلاقيا، وهو فعلا كذلك وفق النماذج البشرية المعاشة، لذا تبقى صورته افتراضية، عائمة، تختزن في لاشعور اللغة ضعفا رهيبا، لا يتجاوز كونه خوارا، يصدر من صنم نمطي، صنعه السامري بما يوفره من تقنية.

ومن سمات الإنسان الفاضل المفارقة، فهو كائن مفارق لنفسه، فهو من جهة واقعي، يمارس بشريته، تحت سيطرة قانون الواقع الذي فرضته، ما بعد الحداثة، وفي الواقع الافتراضي يمارس نبوة، بالمفهوم الأخلاقي، أو نقول يمارس ألوهيته، بمعنى يتأله بفعل التعليقات التي تزكي ذاته عن كل خطيئة بشرية، ودائما تحت قانون التقنية التي قدمها الوضع ما بعد الحداثي التي كانت من نتائجه، ونقلت الكلام من صفته البشرية ذي الوظيفة التواصلية، إلى كلام يجعل منه الإنسان الفاضل كتابا مقدسا لا يأتيه الخطأ من كل الجهات، تعمل الصياغة، والكلمات الموظفة، والمستعلية، على تحقيق ذلك، هذه المفارقة، تجعل الإنسان الفاضل منشطرا على نفسه، وربما عصابيا، منفصم الشخصية، يعيش واقعين وشخصيتين في اللحظة ذاتها، حيث تكون الذات منقسمة، مرتابة فيمن تكونه، يصعب عليها التحديد، قد تمارس الخطأ البشري في واقعها الفعلي، وتبشر بالفضيلة في واقعها الافتراضي، معبرة عن قدرة هائلة من القوة الإدراكية، وإحاطتها بعوالم الناس، متهمة تارة، وموجهة، ومعاقبة ولو افتراضيا.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.