نص” وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا”على درب الديانة الابراهيمية . أ.د نورة بوحناش – الجزائر-
نص” وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا”[1]
على درب الديانة الابراهيمية
إعداد/ أد نورة بوحناش*
المقدمة –فلسفة العيش المشترك وفضاء العولمة: تتكرر في راهن إنساني -غدى العالم فيه قرية صغيرة تتشابك فيه الذوات عن بعد -فكرة مثالية، وحلم يراود البشر في العيش المشترك؛ الذي يعني في جوهره قبول الاختلاف والتسامح، وعدم الخضوع للصراعات المصلحية، التي عادة ما تحكم العلاقات البشرية بالنظر إلى فوقية قانون الحياة. فما هي ممكنات العيش في فضاء التواصل الإنساني وفقا لعلاقات القيمة الأخلاقية؟
تبدو فكرة التسامح والعيش المشترك، شديدة الأخلاقية فائقة في الدرجة الإنسانية رافقت الدعوة الحداثية، دافع عنها عصر الأنوار بثقله التأسيسي. بيد أن تحقيق مناط الفكرة بين الواقع والمثال، يؤيد بلا مواربة بقاءها في مستوى الحلم البشري؛ والمثال المطلوب دون أن تغدو حقلا للممارسة العينية في فلسفة لليومي الإنساني، فما شهدته قرون التنوير من زعزعة للقيم الإنسانية؛ بدى في حرب أصحاب التنوير على الإنسانية، يؤكد أن قيم التنوير والحداثة؛ هي قيم دعائية لا تتجاوز المحطة الإيديولوجية، فقد انطلقت المواطنية الفرنسية نحو الجزائر، لتقتل وتبيد حق الإنسان في أرضه، خطابها التبريري كونها أرضا فارغة فأقامت محرقة لم يشهدها التاريخ. فما قيمة وثيقة المواطنة الفرنسية في بعده الإنساني إذن ؟!هل مكن من عيش مشترك بين أفراد الإنسانية؟ أم أجج حرب الكل ضد الكل، في مستهل بناء الدولة الوطنية الحديثة؟ ألا يكون هذا الحال مدعاة، للإقرار بأن مبادئ الثورة الفرنسية، هي مجرد تجلي لحركة الطبقة البرجوازية الصاعدة ضد الأرستقراطية المنهزمة؟ إذن ما هي العلاقة بين فكرة التنوير والتموضع الأنطولوجي للبرجوازية؟ التي تعني ليبرالية استلائية على حقوق البشر، تقوم من خلفها المقولة السيادية للرأسمالية “دعه يعمل أتركه يمر”. أليست مجرد فسحة نمطية تمدد حق الأيادي الخفية، في أرض الإنسانية توسعا وتوسيعا للسوق الرأسمالية؟ وهو ما جرى عبر قرون الحداثة إلى راهن، فككت فيه العولمة كل الصلات، وابقت على علاقة الفرد بمساحات التسوق.
جاءت وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا، في سياقات العولمة؛ لتُثبت الأخوة الإنسانية في ظرف السيادة السياسية للدولة ما وراء الأمة، والانتشار الكوني للمؤسسات الاقتصادية الرأسمالية الكبرى؛ التي تتطلب مواطنا فاقدا للهوية، باعتباره حيواناً مستهلكًا؛ وعليه يجدر السؤال هنا، عن طبيعة العيش المشترك، الذي يؤسس لوحدة إنسانية، فبأي أسلوب، هل هو أسلوب الاختلاف والحق فيه؟ أم أسلوب التعميم البراديغمي للحضارة الغربية؟ ذلك أن المختلف عن الأنموذج الغربي، دائما ما ينعت بأوصاف قدحية؛ إنه ينتمي إلى عالم الظلام، أو عالم الشر؛ ودائما ما يسكن الهامش التابع، وحواف الأرض بدون ميراث حضاري؛ ليكون من حق الثقافة المنتصرة قوة، إبادة ثقافة المختلف وفق معايير الكونية، العقلانية والتاريخية… وهلم جرا. فإذا كانت فلسفة العيش المشترك، تتطلب مواطنية بدون هوية دينية مرجعية، ألا يعني هذا سيادة إقصائية للهويات الاختلافية؟ فماذا يعني التدين في القلب دون إظهار الدين؟ أليست حالة قمعية وقهر للحق الطبيعي في ممارسة حرية الفكر والعمل به؟ هل يحقق الفضاء العام العلماني قيم الحرية، العدالة والمساواة وقد اشترط الاقصاء والابعاد؟ ألم يتحول الموقف العلماني، إلى أزمة حقيقية في المجتمعات الرقشاء، بحيث كان مابعد العلمانية مصيرا محتوما فكر فيه الفلاسفة؛ وناقشوه ليكون حلا لمأزق إبعاد الدين من الفضاء العام؟
تدعو ” وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا” إلى علاقة نمطية بين الدين والعلمانية، فهل هي صيحة تديين للعلمانية؟ أم علمنة للدين لينسجم مع العولمة؟ ذلك أن العلمانية تاريخ غربي يوجد بوجود المقابل الذي يراه ضدا، يعبر عن مد ثقافي غربي يتميز بالنزعة الاستحواذية؛ كما يؤكد على الضم الثقافي والتاريخي للإنسانية في إطار سياسة الإمبراطورية الغربية، المتنقلة من أوروبا إلى أمريكا. فهل نقرأ الوثيقة على ضوء المتغيرات التاريخية، التي تدلل على حقيقة كونية مهيمنة؟ وهي أن المركز يحبذ دائما أن يكون له هامشا تابعا يأتمر بأمره، فمن هنا تُؤسس المواطنية الكونية على الضم الشمولي للكل حول مركز يحرك العالم؟ لماذا تهيمن فلسفة المركز في العيش المشترك بالصياغة العلمانية، دون قبول ثقافات أخرى في الفهم والسلوك؟ ألم تُقِم الحداثة حربها الإبادية على ثقافات الإنسانية، بدعوى الكوني العقلاني الذي يرادف الغربي؟ ففي هذا السياق التاريخي الممتد، غدى الغرب ماهية أنطولوجية مركزية جامعة، في إطار حضارة واحدة يتبعها الجميع، ليشدد على معايير الأفضلية التي دائما ما تكون قيما غربية موصولة برهانات العقلانية.
يبرهن التتبع الدقيق لحركة المد الليبرالي، على أن وثيقة الأخوة الإنسانية بين سيدي المؤسستين الدينيتين؛ جرت في زمن تطورت فيه المصلحة الاقتصادية، من حال الليبرالية إلى نيوليبرالية مع مد عولمي فتح المجال الإمبراطوري على مصراعيه؛ فانفتحت معه المفاهيم لكي يغدو المواطن في الدولة مواطنا كوسموبولوتيا، ويتطلب مثل هذا الانفتاح علمنة كل شيء حتى يتم القبول؛ وينتهي الاختلاف ويدخل الكل في مسلمة الدين العلماني. فهل جرت الأحداث كما هي بحيث تتطلب مطلب المد العولمي، بمعنى صياغة علمانية تقصي القيم المختلفة من الفضاء العام؟ أم أن عودة الدين بقوة إلى الفضاء العام العالمي، قد اضطر أكبر العلمانيين إلى مناقشة قوة الدين في الفضاء العام[2].
تقع العلمانية في إحراج شديد، عند وقوع التناقض بين مبادئها المتسامحة وواقعها المتعصب؛ فحينما تقع السلطة في يد اليمين المتطرف، يبسطها على الفضاءات البشرية بالقوة تشريعية وتنفيذية، متجاوزا فكرة التسامح وقبول الآخر وفقا لمشروطية قيم الجمهورية الفرنسية، التي تحولت إلى دين ودعوة للتعصب؛ إلى اللائكية بوصفها عقيدة الجمهورية الفرنسية التي تقوم مقام المطلق.
في سبر أركيولوجي لحقيقة العلمانية في نموها وتشكلها تأسيسا، بدت دينا جديدا، يعوض لاعقلانية الدين المغادر بعد ثورة إنسانية امتدت لقرون، انهزم فيها ممثلو الإله الإنسان على ممثلي الإنسان الإله. ألم تحمل العلمانية في ذاتها نسق الدوغما نفسه، الذي ميز التعصب الديني في أوروبا العصور الوسطى؟ أليست العلمانية الفرنسية دينا مقلوبا على نمط الكاثوليكية المتعصبة؟ وهو ما يُرَى اليوم في الحرب التي أقامتها فرنسا العلمانية على الإسلام؛ ليُطرد من كل الفضاءات أخصها فضاء التفكير، فلا حضور للحق إلا من باب التفكير العلماني بخصوصيته الفرنسية، فبدى اقصائيا حتى في حق المختلف في التفكير، ليكون التصويب والتخطيء وفقا للمعايير التي يتخذها المحاور قِيمًا شاملة لا ينازع فيها منازع.[3]
هكذا يكون الشرط الأول لإنجاز مهمة العيش المشترك، هو تحييد الدين من الفضاء العمومي؛ بيد أن تحقيق مناط فكرتي التسامح والعيش المشترك، تبعث على إعادة التفكير في القيم الكونية المنبثقة من عصر الأنوار؛ لعل أقربها إلينا دليلا على تهافت هذه الفكرة، هو تصريح هابرماس داعية المنطق التواصلي، المؤسس على فكرتي العلمانية والعيش المشترك، فيما يخص حادثة طوفان الأقصى؛ والإبادة التي جرت في غزة، حيث تراجعت لديه دعاوي الإنسانية، العقلانية، الديموقراطية وحقوق الإنسان، مع اغماض العين عن اسطورة إسرائيل بسردياتها اللاتاريخية المناقضة للقول بالعقلانية، اضف إليها التصريحات المخزية لقادتها من قبيل الحيوانات البشرية، أهل الظلام …هلم جرا؛ كلمات تقع على نقيض لائحة الحداثة، بدعاويها المؤسسة وسرديتها عن قيمة الإنسان.
يضع التصريح الهابرماسي، كل قيم الأنوار و العقلانية الديموقراطية وأخلاق التواصل؛ على محك النظر والتمحيص النقدي، ليدرك كل متلقي للتصريح الهابرماسي جيدا، أنها قيم تخص المجتمعات الغربية؛ غير سارية المفعول خارجها تفقد الصلاحية، وتغدو غير شرعية البتة؛ بل قد لا يفقهها المختلف وهو إجماع يترأى في مانيفستو فلسفي كوني اجمع حوله الكثير من الفلاسفة. لذلك يجدر السؤال هنا عن مدى صلاحية العلمانية، كفضاء للحرية في مجتمعات لها بنيتها الأنثروبولوجية المختلفة ومساراتها الخاصة؟ فما مدى مصداقية الدلالات الكونية بصفة عامة، والتي أتت في سياقات تاريخية غربية بناء لمجتمعات منسجمة تعتني بالحرية والعدالة؟ أفلا يقتضي المنطق الحيوي في بعده السوسيولوجي، أن المسارات الإنسانية تنمو طبقا لجينات مجتمعية خاصة، وأن فكرة المواطنة باعتبارها مطلبا محققا لقيم العدالة والمساواة لها أشكالها المجتمعية؛ التي لم تمر حتما على المشهد الأثيني؛ في جدله حول الحق في الحكم. أليست فكرة المواطنة الغربية تقليدا يونانيا، له جذوره في فلسفة المدينة؟ كيف نوفق بين الدلالات المواطن الذي توطن فضاء جغرافيًا في قبيلة[4] أو وحيدا يسيح في وطن لا تحكمه فسيفساء القانون، ثم (citoyen Le ) الذي هو عضو في المدينة، فاعل في تنظيمها السياسي، ليتحقق وجوده المدني لأنه حيوان سياسي، في اطار قوانين المدينة حيث يؤدي الواجبات وينال الحقوق. فهل تتوافق الهويات السياسية بين مفهومي الوطن والمدينة؟ بين من ينتمي إلى جغرافيا ما قد لا تلحق بالقوانين المؤسساتية على المنوال الحديث، ثم من ينتمي إلى قانون المدينة؟
يمكن القول أن المفارقة كبيرة، بين الإحداثيات الأنثروبولوجية المختلفة وفقا لمنطقها الحيوي، المنوط بالنمو الجيني للمجتمعات والأفكار؛ فلا قرابة بين المواطن الذي سكن الوطن و (citoyen Le ) الذي لا تعني له الجغرافيا شيئا من دون التركيبة السياسية؛ بها تكون مصداقية الوجود السياسي في المدينة، لأنها محل النظام المجتمعي المرتهن بالتنظيم السياسي.
عموما يمثل البعد التعميمي للمفاهيم، قتل لروح الاختلاف والتنوع؛ وتحميل الذات المختلفة عن الذات الغربية ما لا تطيق لتُجهض النتائج وتكون بلا جدوى. فأي ضمان نمتلكه، إذا عممنا الأنموذج الغربي على فضاءات لم تتحرك، عبر التاريخ الغربي؟ ذلك أنها لم تمارس سؤال الكوجيتو ونقد العقل، باختصار إنها ليست ذاتا حديثة، إنما مقلدة للذات الحديثة بسبب الغلبة والقوة؛ وهو ما جعل منجزاتها تنتهي إلى الفشل، أولها تأسيس دولة وطنية حديثة على الأنموذج الغربي، حيث بدى مفهوم المواطنة مجرد مجاز لا يدرك، فهما وممارسة سواء من قبل الحكام أو المحكومين.
لا يعني منطق الاعتراف بحقوق الإنسان، أن تكون حتما كانطيا حققت شروط الأنوار، عقلا، رشدا وحرية من ثم تسبح في فضاء الكونية الصورية؛ المنوطة في الأصل ببديل للمسيحية هو خلاصة لمعركة الحداثة، المسائلة عن التشريع بعد مغادرة الدين مواقعه المتحكمة؛ فكانت الكونية الكانطية، دينا مقلوبا تحفزه البروتستانتية، كفلسفة عقدية مسيحية تفسح المجالات أمام حرية الضمير. فلا عجب بعد ذلك أن تتخذ الفلسفات الأخلاقية في القرن العشرين، من هذه الكونية صياغة مؤسسة لقيم الديموقراطية؛ لتكون شرعية وفقا للمنطق الغربي حصرا، ولنا في ذلك أمثلة عن فلسفة العدالة عند راولس، وفلسفة المسؤولية عن يوناس، فلسفة التواصل عند هابرماس، بهذا مثلت الكونية بصياغتها الكانطية مرجعية للشرعية الأخلاقية، في محيطها المؤسس الذي شهد الصراع التاريخي؛ حول حرية العقل ضد هيمنة المؤسسة الكنسية.
يبحث السؤال الأكثر دقة،- فيما يخص القيم الكونية، ذات المنشأ الأنواري والليبرالي التي تعتمدها الورقة-، عن طبيعة الاستقلالية كفكرة بورجوازية، لها أثرها على بناء مجتمع الأفراد الذين يستهلكون ولا يسألون. ويبدو أن رحلة الكولونيالية إلى أجواء المجتمعات الإنسانية؛ بصفة عامة والعربية الإسلامية بصفة خاصة، تمدنا بتحقيق مناط واقعي لهذه القيم، فالمواطن الفرنسي الذي غدى كولونًا مستوطنًا في الجزائر، يرفض وجود الجزائري إنسانًا على أرضه التاريخية يقصيه إبادة، تحقيرا ثم تهجيرا بهذا تكون الأفكار؛ التي روجت لها الثورة الفرنسية شديدة الصلاحية على الأرض الفرنسية، لكنها تتحول إلى أداة إبادة إذا حلت في أراضي غير أراضيها، يفتقد فيها الأصلي الانديجان الإنسانية؛ لأنه دائما ما ينعت بالصفات الحيوانية ناهيك على أن يظفر بالمواطنة. نظن أن العلمانية الفرنسية استعمرت إفريقيا، ووضعتها في علبة الهيمنة إلى يومنا هذا، لأنها تعتبر الأفارقة غير جديرين بالإنسانية.
أما عن فكرة الصراع الدموي بين أطياف المعتقدات الدينية، فهو واقع غربي لم يرى حتى بين أطياف الوثنيات، منوط بالمنطق المؤسساتي للديانة المسيحية في بنيتها وهيكلتها الخاصة، سواء بالنسبة للعقيدة أو للشريعة إذا وجدت في ديانة مسيحية تؤكد على مجرد الحب؛ ثم علاقتها بالشرعيات السياسية التي حكمت بمنطق التفويض الإلهي. وعليه سيكون من غير المنطقي تجاوز المنطق التاريخي، عبر مماثلة قسرية بين أمكنة وأزمة تختلف، ومن ثم سحب الخصائص الأنموذجية، للديانة المسيحية الأوروبية ومساراتها التاريخية على كل دين.
لقد تحول التاريخ الغربي إلى دوغما مُؤَسِسَةٍ، لمنطق التغيرات التي من الواجب أن تمر بها الإنسانية جملة. وعليه يمكن اعتبار العلمانية دينا آخر، حل مكان الدين المسيحي تعويضا؛ وهو ما يرى بكل وضوح وجلاء في الأنموذج الفرنسي، الذي آمن بقيم العلمانية والجمهورية، إلى أن غدت عقيدة تحارب العقائد الأخرى، يقصي المختلف ويطرده من الفضاء العمومي مجرمًا إياه، بالمنطق نفسه الذي أقصت به الكاثوليكية المختلف في العقيدة من النجاة والخلاص. فإلى أي حد يمكن اعتبار العلمانية حلا، للفشل الذي وقع فيه النظام السياسي العربي في بنائه لدولة الحق؟
نعتقد أن النظام السياسي العربي نظام، موروث عن الاستعمار هو نظام علماني، يطرد المختلف سواء كان إسلاميا أو علمانيا مخالفا. بهذا كان هذا النظام في حد ذاته نظاما، مشوها للذات كسر التقاليد وأزم الواقع؛ ومنه اعتبار “الإسلام الدين الدولة” هي عبارة تبدي كم الأزمة التي وقع فيها العقل السياسي العربي مابعد الكولونيالي، فلا تعبر هذه المادة الموجودة في كل دستور عربي، عن احترام قيم هذا الدين، وبسط حرية التفكير في مساحة التعارف، بل تعتبره عنصرا محركا في إطار إيديولوجيا الوطنية شديدة الضيق، كخاصية مرافقة للدولة الحديثة بصفتها الغربية مابعد الكولونيالية، وهذا ما لم تكن عليه الدول التي حلت في المنطقة العربية قبل صدمة الحداثة، حيث كان المجتمع منفصل عن الدولة ينظم نفسه تنظيما ذاتيا، وقد زادت نكبة المجتمعات العربية، بحلول الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية، التي اتخذت سياسة حيوية مُشوهة لتطويع الذوات والسيطرة عليها، ومن وسائل هذه السيطرة اعتبار الإسلام دين الدولة وتوجيه وزرات الشؤون الدينية، خدمة لأغراض الأيدولوجية للوطنية كمفهوم ضيق، منطقا موروثا عن الدولة الاستعمارية. فما هي طبيعة الاستقلال الذي نالته هذه الدول؟
أثبتت النماذج الواقعية للعلمانية، أنها حارسة للضمير تقف عليه لتطرد المخالف، بل وتتهمه بالتطرف والراديكالية مقارنة بفضائها الممجد للحرية؛ من دون بيان ما هي طبيعة هذه الحرية. ولعل الاسلاموفوبيا التي تسم أوروبا دليل بين على ذلك، وأبينها الوضع الذي تعيشه المرأة المحجبة في فرنسا، بوصفها برهانا ناجزا على ذلك. هكذا تحولت العلمانية إلى حراسة على ضمير المختلف، تراقبه وتعاقبه لأنه لا يخضع لقيم الجمهورية؛ التي تعتبر نفسها ديمقراطية حارسة لقيم التقدم. فهل يكون التقدم قتل للهوية وكسرا للتقاليد، من أجل إيجاد فضاء المشترك الذي يعني تسويغ نمطي للمجتمعات البشرية، لكي تقاد إلى نمط واحد هو الأنموذج الذي ركبته فلسفة الأنوار؟
حاصل القول ،يكون كل مختلف بربريًا خارجًا عن أصول الحضارة، إذا لم يندمج في قيم التقدم بحسب واقعه الغربي، هكذا ترفض الحداثة -بما تحمله من مضامين براديغمية تخصها دون غيرها- الاختلاف في المنظور التأسيسي، لتضع موازين القسط المؤسسة لأنموذج واحد؛ وعليه لن تشذ وثيقة الأخوة الإنسانية المبرمة بين أكبر ديانتي في العالم، عن منطق التأسيس الغربي لحداثة تطوع الجميع لتتقمصها دون غيرها؛ فقد نصبت أوروبا نفسها وصية على العالم، وعلى غيرها بالقوة، وجعلت نفسها مقاما للخير الأسمى، فكانت الحداثة أسطورة ترافق الوعد الحق؛ خلاصا ونجاة لكل شعوب العالم. فأي خلاص ونجاة حققتهما الحداثة؟ ألا تبدو الحياة البشرية أشد قتامة، في ظل الهيمنة الكونية لفكرة الأنوار؟ ألم تتم إبادة كل من الإنسان والطبيعة؟ هل حقيقة يتحقق العيش المشترك، في ظل الهيمنة الكونية لفكر الإمبراطورية؟ إلى أي مدى تتحقق قيم العيش المشترك، الحرية، العدالة، والمساواة في ظل التعويم الكوني للنيوليبرالية؟ ألم يجلب هذا التعويم الحرب والدمار إلى العالم؟
1 –وثيقة الأخوة العالمية والتطبيع العولمي للفكرة الدينية: تأتي وثيقة الأخوة التي جرت، بين البابا وشيخ الأزهر في سياق نظام عالمي تشرب الفكرة الرأسمالية، التي انتقلت إلى أرجاء العالم لتنفتح على الممكنات الإنسانية؛ تلك التي توسع طاقات الإنتاج وتشرع أفق الفردانية على مصراعيها، لتنفتح رغبات الذات على الاستهلاك، وزيادة التوسع على حساب الطبيعة والإنسان، ذلك أن لسان حال السيولة المرافقة للنيوليبرالية هو كوجيتو يردد قائلا” أنا استهلك إذن أنا موجود”.
لا جدل بأن فلسفة العيش المشترك، قد وردت في عالم العولمة الذي يتطلب فضاء اللاانتماء، فضاء بلا هوية فضاء يفتح الأبواب الموصدة أمام الإمكانات الإنتاجية؛ دون السؤال عن حدود المصالح والمفاسد، فتح وفق رهان نراه خاسرا في مدار التطبيقات، التي مرت بها الشعوب المطلوب أن تخضع للنظام الكوني الغربي في مساراته المتعاقبة، تلك الشعوب التي مرت بمحن الاستعمار المتتالية، فماذا قدمت الحداثة بمعاييرها العقلانية والعلمانية للإنسانية؟ لنقرأ تاريخ القرون الخمسة الأخيرة، فماذا نرى؟ هناك تفكيك لأوصال البشر؛ استعباد، طرد للإنسانية من أراضيها نهب للخيرات تحت شعار التقدم، وقيم الثورة الفرنسية وأناشيد حقوق الإنسان المزعومة المساواة، الحرية والأخوة، لقد أبادت الثورتان الفرنسية والأمريكية ملايين البشر باسم قيم التقدم والحرية!!
تشير القراءة المبدئية للوثيقة تأويلا، إلى أن العولمة سقفا محفوظا لحركة الأفكار التي يجب الاستفادة منها، لتأتي الدينتان الإسلامية والمسيحية، فتبني إنسانية كوسموبولوتية، تعتمد على العلمانية كفضاء للحرية التي تقتل الهوية الذاتية؛ مؤسسة لمجتمع إنساني يتكون من أفراد يعتدون بالحرية والمساواة قيمتين مؤسستين للقيم المحيطة، لكن كيف للحرية هنا- كمفهوم غامض، وقيمة فضفاضة -أن تؤسس باقي القيم؟ ولعل الأنموذج الديمقراطي لدولة إسرائيل يمدنا بعينة متحققة عن الديمقراطية؛ بمخرجاتها العلمانية التي استدعت الأساطير التلمودية، لبناء دولة علمانية على الأنموذج الحديث، كما يفضح المنطق الاستحواذي لفلسفة الديموقراطية اللاتعارفية، تلك التي ترفض حق الأخر في الوجود وليس في الاختلاف فقط، وتنظر إليه بمنظور بهيمي، وهو ما بدى مفضوحا في الاعلام الغربي، في وضع المقارنة بين حرب أوكرانيا وحرب غزة.
تستدعي مشروعية فلسفة العيش المشترك، منطقا مخصوصا له بعده التاريخي؛ المنوط بفلسفة الحرب اللاهوتية الإنسانية، والعلمانية الحداثية بوصفها مخرجًا لهذه الحرب التي جرت في أوروبا، فالوثيقة تدافع عن انضواء الدين تحت وسم التحديث، باعتبار التحديث هو المنطق الإنساني الوحيد، الذي يمد البشرية بقوة الخلاص والنجاة؛ وتبدو الدعوة بينة فيما دافعت عنه هذه الوثيقة، كخلاصة للتاريخية الغربية، التي تعتبر القداسة والأبدية صفة الحداثة المطلقة، وقد نزعت السحر عن العالم، وفي الوقت نفسه، بإمكانها حل كل العثرات و الكبوات التي أصابت الإنسانية، بطريقة سحرية.
يَعْبُرُ طلب التعميم للأنموذج الغربي -المشوب بالشوقية إلى التاريخ الغربي- عن ذلك العقل العربي المغوي بترانيم العلمنة وتمجيدها؛ إنه يمارس الضغط بكل أشكاله على كل حقول المعرفة، وينشر فوقية العلمانية كحل للفشل الذي اعتراه؛ إنه يعممها على كافة منابع المعنى والقيمة والأخلاق، باسم التحضر والحرية والتنوير، ولأن المركز ينشر قوته على هوامش العالم فلم يعد له مستقر، إنه يرتحل في عالم معولم، لا قيمة تعلو فيه على علاقات الإنتاج الرأسمالية؛ التي تدمر كل شيء الإنسان الطبيعة، تفكك المعنى وتبيد الاختلاف، وتطمس الدلالات والمضامين الإنسانية بثقلها المرجعي ، وتعيد إنتاج فضاءات مشحونة بدلالات العدمية وفقا لما ترسمه الدلالات المعولمة والمرسملة. ولأنها فاقدة للمعنى فإنها تنتج فكر النهايات والموت، التي أحالت العالم بأسره، إلى رهينة لنظام قائم على الحيف والإجحاف لا سابق له في التاريخ. فما تدعو له الوثيقة هو تعويض المتدين بالمواطن، القضاء على التمظهر الديني باسم المواطنة، دون التماس الفائدة الأخلاقية للدين؛ وهو ما ستعبر عنه بقوة عودة الدين إلى الفضاء العام، و المنافحة الفلسفية من قبل كثرة من الفلاسفة، بضرورة الاقرار بمرحلة مابعد علمانية، تتيح للمتدين أن يفكر مع غير المتدين، يبسط فكرته للنقاش لربما يكون نفعها اجدى من فكرة العلماني والملحد.
2 -وثيقة الأخوة العالمية وعلمنة الدين: جاءت الوثيقة في السياقات العولمية المرهونة بالاستراتيجية النيوليبرالية، تفتح الحدود تكسر القوانين تزيد في نشر الأسواق توسع مساحات الاستهلاك؛ هي صيرورة لإنشاء المواطن العالمي الحر الذي يقبل السياحة التسوقية في الفضاءات الواقعية والافتراضية، وهي بهذا تتشرب السبيل الوحيد لفكرة دينية معولمة ترتبط بالضمير، ولا تخرج عن حدود النيات الدنيوية. تدافع الوثيقة عن علمنة الدين بمنظور اقصائي مجحف في حق حرية الأفكار في البيان والتعبير. ولأن الوثيقة تدافع دفاعا خفيا عن علمنة الدين، فهي بهذا تقع في تناقضٍ بَيِّنٍ، بين الدعوة التي رافعت في سبيلها العلمانية؛ وهي الحرية حق طبيعي في كل مبادرة، وبين شرطها الاقصائي في رفض تعبير المتدين عن أفكاره وذاته؛ إن تحييد الدين ليظهر في فضاء الذات هو قضاء عليه، فلا يعرف المتدين إلا بالسلوك، فشرط التدين ليس الإيمان فقط؛ بل الإظهار هو شرطه الأساس.[5]
لقد تحولت فكرة العلمنة إلى مشروعية تبريرية للمد الإمبراطوري الغربي، وبسط المشروعية التي تعني البقاء في حدود الاعتراف بالحق الطبيعي، الذي يؤول إلى خصائص الطبيعة البشرية لذلك. » نجد اليوم أن مقولات الديني والعلماني نفسها والعلمانية والدين، يعاد طرحها ويعاد العمل عليها والتفكير فيها[6] « لذلك لم يعد تشارلز تايلور مثلا يرى في الدين حالة خاصة، لأن هذه الرؤية الضيقة إلى الدين منوطة بالغرب، الذي جرت فيها عملية أسطرة للتنوير بوصفه مقابلا للدين، فما تطلبه عملية التنوير هي الإبعاد الصميمي للدين ليس فقط من الفضاء العام، واعتباره متخيلا لا زمنيا مقابل الواقعي، بل طرده من الوجود كله دليل ذلك تحليل خطاب المنظور الجهوري اللائكي الفرنسي، في هذا السياق يعتبر تشارلز تايلور أن العلمانية عملية معقدة، ليست من البساطة بحيث نجعلها فكرة لها قدرة الإقصاء ».ما ينبغي الوعي به أن العلمانية جماع قيم ووسائل أو” طرق إجرائية ” مترابطة ترابطا متينا يصعب الفصل بينها. ولهذا السبب فإن عدم الفصل بشكل دقيق وواضح، بين غايات العلمانية وطرقها الإجرائية، هو أحد أسباب حالات الجمود التي تنتهي إليها المناظرات النظرية والتقنية حول العلمانية. إذ يرفع بعض المتناظرين ما هو من باب الطرق الإجرائية، إلى مرتبة تضاهي أو تفوق ما هو من باب الغايات، التي تسعى الدولة العلمانية إلى تحقيقها « [7]
ووفقا للموقف الذي بلوره تشارلز تايلور، تمكن العلمانية بتركيبتها المنفتحة من عودة الدين إلى الفضاء العام، فقد شهد الغرب ورود عدد كبير من المهاجرين من عقائد مختلفة؛ لذلك لم يعد من الممكن التعبير عن الذات الغربية بمقولات من قبل فصل الدين عن الدولة. لقد اخضع تايلور القيم الثلاث للثورة الفرنسية للمراجعة، بحيث لن تكون الأنظمة العلمانية متاريس ضد الدين، إنما تفهم على أنها فضاء يستوعب التنوع الداخلي، لذلك يجادل تايلور بضرورة الموازنة بين قيم العلمانية الفرنسية الحرية، المساواة والأخوة، وتعدد المعنى لتسعى إلى المساواة بين العقائد واحترام الاختلاف في الدين[8].
على العموم تعتمد وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا، مفهوما قديما للعلمانية، ينحصر في الرؤية الأوروبية في بداياتها الأولى؛ ولعل المنطق التاريخي والفيلولوجي الذي تابع المفهومين بين العلمانية واللائكية، يبين أن المفاهيم انتماء لثقافة غربية يونانية لاتينية، وبما أن اللغة خزان الوجود. فهل نعثر للدلالة اللغوية الغربية على مترادفات، لها بعدها التاريخي في السياقات العربية الإسلامية؟ أم أن المنقول اللغوي للمفهومين هو تلفيق تاريخي، يقحم خبرات غير متحققة في فضاءات إنسانية أخرى، لها بعدها التاريخي الذي لم يمارس تجربة المأسسة الدينية؛ ولا الصراع الدموي بين الطوائف الدينية، كما لم يجتز الحرب بين المدافعين عن اللاهوت والناسوت. فكيف يمكن إنجاح التجربة العلمانية في فضاءات إنسانية، لم تعبر جسر الصراع الديني الدموي[9]؟
هكذا يؤكد التتبع التاريخي لفكرة العلمانية كما وردت وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا أن العلمانية تاريخ غربي وجدل انثروبولوجي، بين العناصر المكونة للدين المسيحي، في نشأته الرومانية وارتباطه بفكر الإمبراطورية؛ لذلك يأتي السؤال عن جدوى أشكال أخرى من التسامح الديني والعيش المشترك، والتخريج القانوني والفقهي لمسألة الكراهية في بيئات أخرى ليطرح بدائل متنوعة، قد تبسط النقاش حول التضمين الأخلاقي لهذه القيم. فما مدى صلاحية التاريخية والأنثروبولوجيا المسيحية الأوروبية بالنسبة لشعوب أخرى؟
تعد العلمانية الفرنسية، من أقدم المؤسسات العلمانية في التاريخ الحديث، ففي تحقيق مناط هذه العلمانية سواء بالنسبة لعلاقتها القديمة بالمستعمرات، أو نزعة الفوبيا الاستعلائية التي تخصها فيما اعتراها من كراهية للإسلام والمسلمين؛ فهي تشكل مثالا سيئا عن العلمانية، لتبدو العلمانية الفرنسية ديانة كاثوليكية مقلوبة، ذلك أنها في بحث دائم عن العدو، بهذا تخلق مواطنة ناقصة، إذ يتم اقصاء المسلم من الفضاء العام بسبب حرية المعتقد، لتقع هذه في العمانية الاقصائية في التناقض بين الإقرار بالحرية والحرب على حرية التدين.
وردت الفكرة العلمانية إلى العالم في إطار الصراع بين الإقطاعيين والبورجوازيين، تمدنا القراءة التاريخية للفكرة في نموها وتطورها بالصلة بين الحرية والليبرالية الاقتصادية؛ إنها تلاحق براديغمي لمنظومة جديدة تقتضي مجتمعا من الأفراد الأحرار، الذين يربطهم عقد اجتماعي يُوَّكِلُ الدولة القومية، لتكون قَيِّمةً وقائمة على تنظيم المجتمع؛ فهي التي تؤسس العادات وتبرمج الذهن، هي إذن لعبة المصالح دائما ما تقف خلف المتغيرات التاريخية، في حركة بيوسياسية تحرك الدولة حسب » نظام للحقوق المعلقة[10] «
لا نعثر على دولة دينية في النظام السياسي العربي مابعد عملية الاستقلال، التي جرت في مدار التبادل الاستراتيجي بين الدول الاستعمارية، إن الدول العربية عبارة عن أولغارشيات علمانية استبدادية؛ تستخدم الدين لتمديد الأيديولوجيا العلمانية، وهي دول علمانية فاشلة تتشبث بالماضي، إذا اقتضى الأمر الدفاع عن هوية متخيلة، وتتشبث بالعلمانية، إذا رأت خطرا محدقا بها بسبب المعارضة الإسلامية.
عموما نعتقد أن العلمانية لن تكون حلا للفشل الذي يميز الدول العربية بوصفها أنموذجا عن الدولة الوطنية الحديثة مابعد الكولونيالية، إنما عدم الانسجام في نظام سياسي لا هو ديني ولا هو علماني؛ يعد سببا في زيادة تعميق الفشل والفساد الذي يميز هذه الدول، فما يجري من سياسة هي عملية تقليد مشوهة للدولة الوطنية الغربية بصيغتها العلمانية. ولأن التجربة السياسية الديمقراطية هي حصيلة التاريخ الغربي، فتقليدها من قبل النظام السياسي الرسمي العربي؛ يُبَيِّنُ أن التقليد مآله الفشل. لذلك تتردد لفظة الديمقراطية في هذا الفضاء السياسي، وتجري انتخابات تنعت بالديمقراطية، تتحكم فيها طبائع الاستبداد ظاهرها شيء، وباطنها تكريس للفساد والاستبداد واستدامة للأوليغارشية.
3 –العلمانية واللائكية والصلاحية الأخلاقية-حقوق الإنسان واللائكية-: تكون مصداقية النظام أي نظام في تحقيق مناطه في الواقع. فإلى أي مدى كانت العلمانية نظاما أمثلا لتحقيق العدالة، المساواة وحفظ الحقوق الاجتماعية؟ ماذا عن علمانية الدولة الفرنسية مع المُسْتَعْمَر المختلف في اللون، الثقافة والدين؟ فعلى الرغم من أن العلمانية تقصي الدين من لفضاء العام، غير أنها تؤسس ميتافيزيقا دهرانية على الأقل من أجل القناعة الذاتية للأفراد في الخضوع للعلمانية كمؤسسة ومرجعية سياسية.
يشهد التاريخ المتحقق أن هذه العلمانية مزدوجة المعايير، تلغي الإنسانية إذا تعلق الأمر بالمختلف كما تلغي الأخلاق وتحبذ الهيمنة على حقوق الأخرين؛ لنتحقق من تاريخ الاستعمار الغربي للعالم، ألم يكن عبارة عن إعدام للحقوق الإنسانية أولها الحق في الحياة، أما الحرية فلا تعترف بها العلمانية الكولونيالية، إذ تقتل كل من يريد الحرية والثورات التي قامت بها الشعوب المستعمرة بيان قاطع على ذلك، دائما ما يعود الاستعمار إلى مواقعه عبر أشكال أخرى يراها مناسبة لاستعباد الشعوب كل ذلك يحدث باسم العلمانية. » إن الاستعمار إذا حاول وخاب مرة أولى وثانية وثالثة …إلخ ،فإنه مستمر مع ذلك في طريقه مصرا على خططه « [11]. وهو ما يبدو عيانا في الهيمنة الإمبريالية الغربية التي تكيف القانون الدولي، حسب متطلبات الاقتصاد الرأسمالي الذي ينهب الثروات والعقول، وينتج الأيديولوجيات الاستحواذية.
بهذا يكون الفعل العلماني فعلا اقصائيا، فكل الأنظمة الأوروبية في القرن العشرين أنظمة علمانية، لننظر إلى تجلي العلمانية في فضاء الحراك السياسي الأوروبي، وما حدث في أوروبا، من حروب ساخنة هي عينة عن إبادة الجماعية في حربين عالمتين؛ أهلكت الحرث والنسل، وحروب باردة طورت فائض القيمة السلاحي إبادة للبشرية، ما بعد سقوط جدار برلين وورود الاستقطاب القطبي، المتفرد التي تولته الولايات المتحدة الأمريكية كدولة استعمارية غربية. لذلك فإن العلمانية وليدة الأنوار وقلب الحداثة بصيغتها الاقصائية والمهيمنة، لا تعني نهاية مشاكل العالم بل تأجيج لحرب الكل ضد الكل.
لن تجدي الرؤية المثالية الى العلمانية، باعتبارها حلا للمشاكل السياسية للمجتمعات الإنسانية؛ وأخصها المجتمعات العربية. فلابد من بسط النقد في بنية العلمانية ومخرجاتها، إنما الرؤية التي تسلط الضوء من جهة واحدة وتلغي التعدد النسقي تخفي الحقيقة دائما، فما يبدو جليا أن العلمانية في رؤيتها إلى الآخر المختلف، هي دائما رؤية سلبية ربما داخل الدولة مثل بريطانيا وأمريكا تضبط القوانين المدنية الحقوق؛ إلا أن خارج الدولة تبدو المفارقات صارخة ولم تكن أحداث الشرق الأوسط عامة وغزة خاصة؛ إلا دليلا على انعدام الصلاحية الأخلاقية في المقاربة العلمانية الغربية اتجاه الأخر؛ لتؤول إلى موقف عنصري يقصيه من الحياة جملة ،لذلك » يجب أن تتضمن الحياة أكثر من تعاريفنا الحالية للنجاح الاجتماعي والفردي، وقد مثل هذا سيما في العودة للدين « [12]، الذي اعتبره تيار من الفلاسفة ضرورة لابد منها، في إطار عملية تقييم العلمانية التي لها ما بعدها.
إن تعميم الأنموذج الغربي على الحياة جملة، وعلى أنثروبولوجيات مختلفة؛ يؤدي إلى إفناء حقيقة الذات الإنسانية التي يجب أن تتميز بالاختلاف، وقبوله من طرف المختلف كحق إنساني؛ وعليه يجب البحث في الأنظمة المجتمعية للمجتمعات البشرية، عن أدوات أكثر نجاعة بإمكانها تحقيق المساواة والحرية، بمعنى البحث في الأنظمة المؤسسة للمجتمع، عن أدوات تنظيمية تدخل في المكون المجتمعي تحقيقا للنجاح؛ إذ التطبيق الفوقي للأنموذج المختلف بطريقة تعسفية، يُحصل إفناء الذات وتهميشها ومساره يكون الفشل دائما.
لقد حصل الموقف الجماعاني الذي عبر عنه مجموعة من الفلاسفة الأمريكيين ( كندا + الولايات المتحدة) ومنهم تشارلز تايلور، مايكل ساندل رؤية جديدة تعيد التفكير في العلمانية؛ لقد عبر هؤلاء عن إرادة إعلاء حقوق المواطنة على العلمانية الاقصائية؛ ومن ثم الاعتراف بحق الاختلاف في الفضاء العام. فعلى العلمانية التي تعتني بكرامة المواطن أن تكون أكثر تسامحا مع التعددية الثقافية والدينية، وأن تعترف بحقوق المختلفين في ممارسة ثقافاتهم في الفضاء العام، فحصر الخصوصية الثقافية في المجال الخاص، يعني انكار لحق الإنسان ومواطنيته، التي تعني الإظهار ذلك أن المجتمعات في العالم الجديد تتميز بالتعدد الثقافي والهجنة، فلن يكون هناك انسجام اجتماعي في مجتمعات رقشاء ذات طابع اختلافي عرقا وثقافة، من دون فسح المجال للتعبير عن الذات المتدينة، تمظهرا وأداء ومشاركة في النقاش العام حول القضايا التي تهم الجميع.
وحسب الموقف الفلسفي السالف الذكر، فإن إدارة العلمانية الليبرالية لمسألة الاختلاف والتنوع، ليس بإمكانها ضمان ديمقراطية فاعلة تحترم الحرية وحقوق الأفراد بوصفهم مواطنين في دولة، فكيف يمكن للأفراد حصر انتماءهم في المجال الخاص؛ يعد هذا الانحصار حسب ساندل تضييق على الحرية الإنسانية، ليؤكد ذات الفيلسوف على ضرورة فسح المجال العام أمام مناقشة القضايا الدينية، فمن غير الممكن أن يتجرد الفرد من قيمه الأخلاقية والدينية، ويغدو من دون هوية ولا انتماء[13]، إذ الثقافة هي التي تحدد الآليات الدافعية الاجتماعية، باعتبارها المساحة التي يتحرك فيها الإنسان بوصفه كائن القيمة، في حين يؤدي الاقصاء القيمي إلى قتل الشخصية الإنسانية كفعالية، خاصة أن الهوية الثقافية بما تحمله من ثقل المرجعية تمد بمعنى الوجود، وتحفز الحركة فيه. وعليه فإن العلمانية بصيغتها الاقصائية تجرد الكائن من المعنى وتدخله في خانة العدمية والفراغ؛ لتغدو حربا على الحرية الإنسانية، فتحصي العلمانية بذلك نتائج مناقضة لمقدماته المعرفية الأولى.
4 –مابعد العلمانية وعودة الدين إلى الفضاء العام: هناك في العالم الغربي علمانيتان، علمانية منفتحة تمثلها حسبما يرى تشارلز تايلور بريطانيا وأمريكا، وهي العلمانية الليبرالية حيث تنفتح أمام الفضاء العام حركة الرموز الدينية، من دون أن تكون لها الهيمنة؛ وعلمانية متشددة تمثلها الجمهورية الفرنسية، تلك التي ترفع حربا على الدين وتطرده بوسائل القوة من الفضاء العام[14]. بين الموقفين تنبعث نقاشات فلسفية؛ تحاور طبيعة الحرية التي تقصي الدين من حوار الخيارات الاجتماعية والسياسية، وتحاول التوفيق بين المواطن والمؤمن، بين الخاص والعام. فما هي الدواعي التي دفعت فضاءات غربية لمناقشة عودة الدين إلى الفضاء العام؟ بل وظهور أنموذج جديد من التفكير والعمل، بدى ضروريا لتطبيب أمراض الحداثة وهو مابعد العلمانية.
تمثل دعوة كونية الحق الطبيعي، قبلية ابستميولوجية ورهان أنواري؛ يشكل أحد عناصر ميتافيزيقا الحداثة، حيث تمتلك هذه الدعوة أحقية وأسبقية الحكم على المفاهيم ونخلها؛ وبعدا معياريا يُحدث التناقض في قلب العلمانية، باعتبارها إفرازا لفلسفة التسامح؛ وهو بهذا يقف بين قبول معايير ورفض أخرى، بدعوى احترام الحق الطبيعي؛ فمن جهة يكون الحق عاما غير مخصص لفئة دون أخرى، من باب الحرية حق طبيعي، ومن جهة أخرى يتم طرد الدين من الفضاء العام؛ حفاظا على الحرية من جانب التبني الفوقي لفكرة ميتافزيقية، ترتهن لها الحداثة وهي الدنيوية. هكذا يتم استبعاد الدين لأنه يأتي برؤية مخالفة للرؤية العلمانية، كخيار تاريخي حكم الصراع بين المدافعين عن الإنسان الإله، والمدافعين عن الإله الإنسان، وقد كان النصر لهذا الخيار الأخير، لذلك تم طرد تصور الدين من الابستيمولوجيا والأنطولوجيا، ويكون الأنموذج الفرنسي أفضل مثال على ذلك.
لقد أدت ازدواجية المعايير إلى نتائج تماثل تلك التي قامت بها الكنيسة، فهناك دائما فئة تتعرض للاضطهاد والطرد من الحق الطبيعي، فقد غدت العلمانية معول هدم للحقوق؛ إذ أدت إلى اعطاب كثيرة وشكلت تناقضات أحدثت انهيار المنظومة بحد ذاتها، الأمر الذي دفع إلى مراجعات، فسحت السبيل إلى مابعد العلمانية وفسح المجال العام امام الدين والتدين، فقد تبين أن قلع الدين من الإنسان أمر مستبعد، وأن تلاشيه من فرط النقد والتجاوز يعد أمرا مستحيلا، خاصة أن الحداثة قد أنتجت مآزق جمى، ترى في الآفاق من إفساد للإنسان والطبيعة، أما مأزق العدمية فيعد مأزق المآزق لصلته بالوجود الإنساني، وخيارات العيش المتوافق مع طمأنينة الذات، من هنا دخلت الذات الحديثة في بحث عن مقامات المعنى.
كان انتشار الدين في العالم وظهور الحاجة الملحة إلى التدين -كبعد أنطولوجي يسكن الإنسان، وضرورة أخلاقية لها تأثيرها على الحياة الإنسانية- عاملا محوريا لظهور النقاشات الفكرية والفلسفية، وحتى الصحافية التي تناولت الظاهرة تحليلا، الأمر الذي أدى إلى حركة مساءلة للعلمانية التي فرضت ضرورة فتح النقاش حول حق المواطنة وحق الإيمان. في هذا الإطار أعيد تقييم العلمانية، خاصة أنها كانت فضاء لانبثاق قضايا أخلاقية بدت أنها من المسارات التي أنتجتها الحداثة، وهي قضايا تمس بالكرامة الإنسانية كالموت الرحيم، الإجهاض، التحسين الجيني، الأم الحاضنة السياحة الجنسية وغيرها من القضايا التي كانت حاضنتها المركزية هي الحق في الحرية كحق طبيعي، وهي قضايا دفعت المجتمعات الغربية المعاصرة، للاستنجاد بالدين لعله يمدها بحلول حول مصير الإنسانية.
هكذا اتفق كثرة من الفلاسفة ومنهم يورغن هابرماس و تشارلز تايلور، على أن العلمانية في مأزق تاريخي، فلم تتمكن من حل قضية المواطنة في المجتمعات المتعددة الثقافات، إذ تقوم الدعوة المركزية للعلمانية على طرد الدين واعتباره حرية ضمير، فهي تدعو إلى دين مخفي سر من الأسرار، ويعد هذا مس بكرامة المتدين، الذي تكتمل ماهيته بإظهار دينيه، ويفسر مارسيل غوشيه إفلاس العلمانية بفقدان قيم الجمهورية روحها؛ أمام عودة المطالبة بالحق في روح الدين[15]، فالعلمانية حسب كازانوفا خوسيه تؤدي إلى خصخصة الحياة[16]، فهي تهتم بالجانب المادي الحسي من الإنسان كما يرى عبد الوهاب المسيري ويؤكد طه عبد الرحمن، كما تحاول إبقاء الأسئلة الكبرى للإنسان في حالة ضبابية غير محسومة؛ ما أدى إلى اغتراب الذات وأفول القيم وتراكم العبثية، بدى فيما وصلت إليه الإنسانية اليوم من تحولات جذرية تنأى عن الأخلاقية. وعموما يكون المجتمع ما بعد العلماني، مجتمعا منفتحا على الديني يقبل الاختلاف الديني، ويؤدي فيه المتدين دورا إيجابيا فاعلا، ما يعني أن أسلوب التعايش البشري، يتطلب الاعتراف بالدين في مساحات الحياة اليومية للإنسان، من دون غلق الفضاء العمومي على المتدين.
الخاتمة –فلسفة العيش المشترك والهيمنة الإمبراطورية: في فضاء مابعد الاستعمار بدى الشأن الخاص للمجتمعات التي تسكن الهامش شأنا غربيا محضا، لذلك عُمِمَ الأنموذج الغربي، و لتنتج الحياة وفقا لصيغة فوردية تحبذ الفردانية تحكما ثم الجماهيرية تسويقا؛ لكي تتسع دائرة الرأسمال وتتوزع في أنحاء الوجود، مثل هذه الظاهرة تتطلب مرجعية فكرية وأداء سلوكي، مناسب يفتح الطريق أمام العقيدة المؤسسة، وهي الحرية التي تعني بناء مجتمعات ليست لها عقيدة سوى عقيدة الحق الطبيعي، فما يبدو ضروريا بالنسبة للرأسمالية؛ وما أعقبها بعد ذلك من مراحل متتالية، هي فك السلطة القيمية وتعويضها بقيمة السوق، الأمر الذي كان حلقة مركزية في البيان الشيوعي، إذ بين ماركس طبيعة البورجوازية بقوله »والبورجوازية حيث ظفرت بالسلطة دمرت كل العلاقات الاقطاعية من كل لون، والتي كانت تربط الإنسان بسادته الطبعيين، ولم تبق على رابطة بين الإنسان والإنسان سوى رابطة المصلحة البحتة، والإلزام بالدفع نقدا […] وحولت الكرامة الشخصية إلى قيمة تبادلية « [17]
بهذا كانت العلمانية شرطا ضروريا لمجتمعات الاستهلاك، فتحا لأفق النمو بالنسبة لمجتمع يعارض السياسة ولكنه لن يعارض الاستهلاك؛ وهي فلسفة الطبقة البورجوازية في تمددها نحو التجلي الرأسمالي، لقد تم تعويض الإكليروسي الديني باكليروس مالي يتحرك حسب مشروطية مؤسسة، ضاغطة تقتضي الديمقراطية كفلسفة لفتح الأسواق، وتركيب المنظومات القانونية التي تتيح حركة رؤوس الأموال.
ما يبدو مثيرا للسؤال هو الإمكانات التي وضعتها العلمانية، بالنسبة لبناء سلطة تحبذ مصلحة الأفراد على مصلحة الدولة؛ إن المواطنة داخل الدولة الحديثة، منوطة بسلسلة من الإجراءات الحيوية، برمجة للذات على الطاعة. وعلى الرغم من أن فكرة الحرية تبدو جوهرية في العقد الاجتماعي، لكن فوقية الدولة ككيان بيوسياسي تجعل من ظرف الحرية ملكا للسلطة المتحكمة، وهو ما جعل من الدولة الحديثة؛ بوتقة احتواء ضاغطة على الخيارات الفردية، ذلك أنها المطلق الذي يعلو فوق الكل، وكأن السلطة الإلهية عُوضت بسلطة إنسانية عقيدتها العلمانية، خولت لنفسها الإدارة الفوقية للبشر، من هنا يكون لمفهوم الحرية معنى خاصا، إنها برمجة ذاتية للفردية على الطاعة حسب القانون، ومن هذا الباب جاء التداول الديمقراطي، ليرغم البعض بفعل البعض؛ تحكمه لعبة المصالح الاقتصادية والسياسية.
تعد العلمانية هي الفضاء الذي يمد بالشرعية السياسية، لتقصي البعض وتبقي البعض الأخر، وعليه فهي تتحكم في الفضاء العام وتنظمه كما تفعل الشرطة، تتسم بالدوغمائية والاقصائية تفرز النفوس، وتجعل المؤمن بالدين مواطنا من الدرجة الثانية؛ بل وتبعده قسرا من الفضاء العام بدعوى قيم الجمهورية والحق العام، ففي فرنسا اللائكية يتم الطرد المتدين من هذا الفضاء بطريقة عدائية، وهو مرغم على التخفي وقتل الهوية، حتى ينسجم مع الوضع العام باعتباره تنسيقا بين أنموذج من الفردانية واقتصاد السوق. بهذا تبدو المجتمعات الليبرالية مصابة بالفصام النوعي، فمن جهة تتحكم بالدعوة إلى الحرية كقيمة مركزية، لكنها تمارس الاستبداد ضد من ترى فيهم غير مناسبين لمبادئها.
إن جعل التدين أمر شخصي وحرية ضمير، قد أدى إلى انهيار مبدأ الحق في الحرية في حد ذاته، فالمشروطية العلمانية تجعل من الفضاء العام فضاء للطرد من المواطنة؛ وهو ما بدى جليا في التجربة الفرنسية، حيث تجلت الكراهية لكل رمز ديني وخاصة الإسلامي منه؛ والحق هي فلسفة اقصائية، لا تختلف في جوهرها عن الفعل الكاثوليكي؛ الذي أدته الكنيسة فيما مضى، لقد عوض الإنسان الإله الكنسي في أداء التسلط والاستبداد العقدي، إرغاما ونزعا للحق في الاعتقاد من عدمه.
العلمانية واللائكية فضاء تاريخي غربي محض، ماذا عن إمكان نجاحها في المجتمعات العربية الإسلامية؟ إن الحرب الكلامية التي جرت وتجري دائما حول العلمانية، في فضاء النقاشين الفكري والسياسي في الثقافة العربية زهاء قرنين، لم تطرح سؤال إمكان تطبيق العلمانية أو اللائكية في فضاء، لم يمارس تجربة الاقصاء المؤسساتي الديني. فهل عرفت الذات العربية المسلمة الصراع النقدي، فيما يخص العقل والدين، السياسة والدين؟ هل مارست النقد الأنواري؟ هل مارست وعي نزع السحر عن العالم؟ أم شهدته في مشهد التقليد والتغريب كظاهرة استعمارية؟
تخضع فلسفة العلمنة في الفكر العربي منذ صدمة الحداثة، لإطار متخيل على صعيد الانجذاب نحو اليوتوبيا الغربية إن الوعي العربي يحيا النوستالجيا، ويرغب في تعويض الواقع بالمتخيل؛ لذلك لا يسعى إلى بناء الذات بعيدا عن التقمص الرغائبي للذات الغربية. وعليه فليس من الحكمة أن يتم التغيير في المجتمعات العربية، وفق الصدمة التي لا يزال يشعر بها العربي إلى حد اليوم. لقد كانت نتائج التحديث القسري في هذه المجتمعات كارثية، إذ شهد الواقع العربي ترديا في ظل دول حديثة قومية مابعد كولونيالية؛ باعتبارها أثر من آثار البرمجة الاستعمارية، حيث شهدت وتشهد المجتمعات العربية علمانية اقصائية، لصالح فئات التسيير السياسي خدمة لمصالح المركز، ففي مسار التطبيع الحداثي يكون الدرس الأشمل، هو التكييف الدائم للمحيط الإنساني مع فلسفة المركز؛ فلابد أن يكون الهامش تلميذا غبيا لدى المركز، الذي يعين ذاته بالفوقية والتوجيه. في هذا السياق تم تأسيس المؤسسات العالمية المسنودة على فلسفة الأنوار، التي هي خزانة التاريخ الغربي المحض، ومن حيث أنها تعتبر نفسها معيارا للحق؛ فقد تم إنشاء فضاء إنساني بمعيارية أنوارية، ترتب حسب مدارج الحق كتخريج غربي ومناهج سالكيه. فالحق هو عقلانية الأنوار التي نمت من جراء الحرب بين داعمي اللاهوت وداعمي الناسوت، فما جدوى تعميم التاريخ الغربي على التاريخ الإنساني ومنه التاريخ العربي الإسلامي؟ الذي شهد مسارات مختلفة وتحرك وفق منظور براديغمي له أبعاده التأسيسية. فما جدوى التعميم غير المدروس للأنموذج الغربي على السياقات العربية؟ من هذا المنظور التعميمي انطلقت النخب العلمانية العربية، لتحتفي بالصياغة الفوقية للفكرة القديمة والمكررة للصلاحية العلمانية كترياق كوني، دون العبور على فلسفة مابعد الحداثة ومابعد العلمانية، وكيف نظر الكثير من الفلاسفة الغربيين، إلى مخرجات الحداثة وتطبيقاتها التي عادت على الإنسانية والطبيعة بالويل والثبور.
قدمت الفلسفة الغربية حلولا لأزمة الدين، في المجتمعات الحديثة، فيما بدى ظرفا مابعد علمانيا، ليعد الدين نجاعة أخلاقية تخص المتدين الذي يتم الاعتراف به في فضاء علماني، داخل صيغة دينية تؤول إلى مفاهيم الدين الطبيعي بمنظوره الذاتي كما ركزت عليه الدولة التعاقدية، بيد أن من الأديان ما يتجاوز الفوقية السيادية للدولة، ويقدم القيم بعيدا عن السلطة السياسية، ليكون مسألة ضمير فردي وجمعي. فإلى أي مدى يتفق هذا الأنموذج مع الأنموذج الغربي بوصف العموم؟
————
[1] – تعد وثيقة الأخوة الإنسانية، التي تم التوقيع عليها من قبل حبري أكبر ديانتين في العالم، المسيحية والإسلام ميثاقا كونيا، عملت أبوظبي في سنة 2019 على اتمامه وتأسيسه كميثاق عالمي ودستور من أجل التعايش بين الأديان وفتح مسارات للتسامح. يبدو في ظاهره عبارة عن نداء لوحدة الأديان دون التمييز بينها سواء كانت وثنية أو سماوية، وتعايش بين البشر من أجل السلام العالمي بين البشر. وقع عن الإسلام الإمام أحمد الطيب، أما الجانب المسيحي فمثله البابا فرنسيس، تهدف الوثيقة حسبما يبدي ظاهرها إلى نشر قيم التسامح، واحترام الاختلاف، وحماية دور العبادة، ورفض التطرف والكراهية، وتمثل هذه الوثيقة، إطارا كونيا ودستورا عالميا، من أجل بناء حوار متوازن بين الأديان ونبذ الكراهية إطاراً دستورياً إنسانياً لتعزيز حوار الأديان والعيش المشترك.
بعد تطبيع الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل، وبناء هيكل الديانة الإبراهيمية، بدت الغاية من “وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معا” إذ تعد تمهيدا لبسط أرضية التطبيع في العالم الإسلامي جملة، ثم نبذ كل محاولة للمقاومة لأنها ستكون اخلالا بالتعايش السلمي بين الأديان، وتبين العنف الذي يتميز به الإسلام، كما تمد بالمشروعية للديانة الإبراهيمية التي وضعت عقيدتها المخالفة للعقيدة الإسلامية.
* أستاذة التعليم العالي جامعة قسنطينة 2 (الجزائر) مختصة في فلسفة الأخلاق والقيم، واهتمامات بالفكر العربي الإسلامي.
[2] -يورغن هابرماس وآخرون: قوة الدين في الفضاء العام، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1 ،2013، ص. 59.
[3] -لنتصفح الحوارات التي تجري في بلاتوهات القنوات الفرنسية، حيث يتم وضع معايير الجمهورية الفرنسية بوصفها معايير مطلقة، بينما غيرها يبدو فاقدا للمصداقية؛ من باب انه لا يسري في فلك المنطق العقلاني العلماني باعتباره إيديولوجيا الجمهورية الفرنسية.
[4] -توجد أشكال من التنظيم الاجتماعي المؤسس، على قيم العدالة والمساواة في المجتمعات الإنسانية، لها طاقة تحقيق النظام العادل، تحققا واقعيا تحقيقا لمناطها المباشر على مستوى الممارسة الفعلية؛ ففي الجزائر مثلا، هناك ما يسمى “الجماعة”؛ حيث يستطيع الأفراد عبر التشاور الانصات الاحترام، واحترام أعراف المجتمع؛ وضع قوانين لها فعالية في تنظيم المجتمع؛ بل لم تأتي فكرة الديمقراطية بصياغتها الغربية أكلها في هذه المجتمعات لتنقلب إلى عنف، في حين تمتلك فكرة الجماعة وظيفة تنظيمية خارقة إحقاقا للحق، لماذا لا يتم التفكير في النطاقات الأنثروبولوجية للمجتمعات، بوصفها صياغة مختلفة عن الفكرة الغربية؟ لماذا لا تفكر النخب في النطاق الذاتي تطويرا للأفعال المجتمعية ذات النجاعة والفعالية، بدلا من تهجير الأفكار الغربية تقليدا؟ لماذا لا نؤسس مدرسة تقوم على حوار عقلاني ذي بعد أنثروبولوجي، يبتعد عن الأيديولوجيا ويمكن من الأخلاقية علاقة مؤسسة؟
[5] -عزمي بشارة: الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة بيروت، ط1 ، 2013 ج 1 ص ص. 227- 228.
[6] – هابرماس وآخرون: قوة الدين في المجال لعام، ص ص. 19 -20.
[7] – شارلز تايلور و جوسلين ماكلور: العلمانية وحرية الضمير، ترجمة محمد الرحموني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت لبنان ، ط 1 ، 2019 ،ص. 33.
[8] -المرجع نفسه، ص37
[9] -غداة سقوط الأندلس قامت الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية بإبادة المسلمين واليهود، وأرغمت الكثير ممن بقي هناك على ترك دينيه، ونصبت لذلك محاكم التفتيش؛ وعليه يكون الاقصاء والإبادة، عقلية غربية قديمة تعتمد على اقصاء الأخر وطرده من الوجود. اعتمدت رسالة التسامح لجون لوك الحرب التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت، للدعوة إلى فصل الدين عن الدولة وبناء دولة مدنية تحرس حرية الضمير، هي تاريخية غربية لها دعوة الحق في تأسيس روح علمانية خاصة بها لفض الحرب التي تجري بين التميز العقدي.
[10] -ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة-ولادة السجن-ترجمة علي المقلد، (بيروت، مركز الإنماء القومي، د ط، 1990)، ص. 52.
[11] -مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ، دار الفكر دمشق سوريا، دار الفكر المعاصر، بيروت لبنان، ط 12 ،2016 ،ص. 97.
[12] -هابرماس وآخرون :عودة الدين إلى الفضاء العام، ص. 19.
[13] -مايكل ساندل ج: الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، بيروت لبنان، د ط، 2009 ص. 304.
[14] – شارلز تايلور و جوسلين ماكلور: العلمانية وحرية الضمير، ص. 41.
[15] -مارسيل غوشيه: الدين والديمقراطية، ترجمة شفيق محسن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، 2007 ، ص. 85.
[16] -خوسيه كازانوفا: الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلند، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ص. 18.
[17] -كارل ماركس وفردريك أنجلز: البيان الشيوعي، الفصل الأول.