حصريا

كيف أحببت العربية؟ أ. أيمن بن خالد -الجزائر-

0 2

كيف أحببت العربية؟

أ.أيمن بن خالد

إن العربية هي لسان العرب، وهي اللغة التي استوعبت الوحي ونطق بها القرآن الكريم، ولولا سموُّ منزلتها، وسعة تراكيبها، وغزارة مفرداتها، وبلاغة أساليبها، واشتمالها على ما تقتضيه الرسالة الخالدة من لوازم اللغة الحاملة لها، وكانت الأقدر عن الإبانة عنها، لما نزلت بها، وأبانت بكلام الله عن مُراده سبحانه وتعالى، فاصطفاها بذلك من سائر اللغات وعاءً للوحي، وبيانًا لخطابه وغاياته.

وقد كنتُ من ضحايا المناهج التعليمية التي أبغضت إلينا لغتنا العربية، وأجهلتنا بطرائق دراستها وأساليب تعلمها تعليمًا صحيحًا وممتعًا، يتجاوز التقعيداتِ النظرية إلى الانغمار في سحر بيانها وتراكيبها وأساليبها، متذوقين ومتعاطين ومندمجين معها بممارستها يوميا قراءةً وكتابةً وتحدثًا، وهذا المنهج هو المسؤول الأول عن النفور الجماعي من اللغة، وجعلِ انطباعنا عنها واحدًا مشتركًا، وهو أنها صعبة ومملة وأصعب ما فيها هو النحو ودروس الإعراب التي لا يُجيدها إلا النوابغ النوادر.

تاليًا، وبعد أن مَنَّ اللهُ عليَّ بتحبيبه القراءةَ إليّ، ومع مطاولة الكتب، وتذوّق اللغة من دواوين الأدباء والبُلغاء، وأصحاب الأساليب الجزلة، والتراكيب الفصيحة، أصبحتُ أرى الجمالَ والسّحر الحلال فيها، وأتذوقها كَمَن يُريد أن يطرب ويأنس ويستمتع. وأدركتُ أنّي في حاجةٍ مُلحّةٍ إلى اكتساب البيان، وما أدراك ما البيان، الذي قال عنه الرسول ﷺ: (إن من البيانِ لسحرا). “والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله تبارك وتعالى يمدحه ويدعو إليه ويحثُّ عليه، وبذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخَرت العرب، وتفاضَلت أصناف العجم.

والبيان اسمٌ جامع لكل شيء كشفَ لك قناع المعنى، وهتك الحُجُب دون الضمير، حتى يُفضيَ السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلَغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.”1

فهو فيضان النفس ومجرى شجونها وقناةَ مُعتلجاتها. والبيان للإنسان، كالدموع للباكي، واللغة لمن حُبِسَ لسانه.

أمّا عن النحوِ والإعراب، فقد انضبط لديّ، وقلّت أخطائي فيه، وأصبحت أتلمّسُ الخطأ في كتابتي من نغمة الجملة، وإيقاع كلماتها، دون أن أحدّد الخطأ النحويّ، وعند مُراجعتي للنص أجد الخطأ، وأتعلّم قاعدته، وهكذا، حتى تعلمتُ ما أحتاج معرفته لضبط الكلمات والكتابة بلغة صحيحة نحويًا وإملائيًا. وقد اكتسبت هذا الحدسَ التقويميَّ بسبب القراءة في الأدب ولأرباب الفصاحة والبيان، فصَحَّ بذلك عندي التركيب والإيقاع والمصطلح. ولعمري هذه هي الطريقة الأنجع والأسهل في تعلم أي لغة، فضلا عن العربية التي لا تنضب مواردها، وتقصُر الأعمار عن سبر أسرارها وعلومها وقواعدها.  ويعضد كلامي المستوحى من تجربتي الشخصية، ما قرّرهُ العلّامة ابن خلدون في مقدمته، في بيان أن السّليقة العربية تُكتسب من مُطاولة معهود فصيحِ كلام العرب، وأن تعلم القواعد دون متن اللغة الذي هو كلام العرب، لا يجعل من مُتعلّمها فصيحًا بليغًا، يقول: “إن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل، وليس هو نفس العمل. ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة، والمَهرة في صناعة العربية، المحيطين علما بتلك القوانين، إذا سُئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودّته أو شكوى ظلامة أو قصد من مقصوده أخطأ فيه عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك، والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي.”2 ويضيف مؤكدا: “وقد نجد بعض المهرة في صناعة الإعراب بصيرا بحال هذه الملكة، وهو قليل واتفاقي.”3 وعن ملكة البيان، فقد كان علماء العربية في الزمان الأول يرتحلون إلى البوادي ليتعملوا لغة العرب التي سلِمت من مُدخلات العُجمة، ويتلقَّونَ العربية الفصيحة سماعًا ومعايشةً لأمثالها وأشعارها، فيعود الواحد منهم فصيح الكلام، ذلق اللسان، بديع البيان، وكانت هذه عادة جارية بينهم إلى أن اختلط العرب بالعجم، وفسدت السّليقة، وذاع اللّحنُ على الألسن في الحواضر والبوادي. وتبدّل النهجُ لمن رام اكتساب الملكة اللغوية الفصيحة، فبعد أن كانت بالمعايشة والسماع واقعا من الألسن والأفراد في حياة البوادي، أضحت بعدها بمطاولة نصوص الوحي وكلام البُلغاء المُدوّن، من منثورهم ومنظومهم، مما أُجمع عليه من فُصحاء هذه الأمة ومن أُوتوا نصيبا وافرًا من عاليَ البيان، وقد ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته في معرض حديثه عن طريقة تحصيل الملكة اللغوية، فيقول: “ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولُقٌنَ العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة.”4

أخيرًا، هذه ومضة عن تجربتي الشخصية وقصة حُبّي للعربية، بعد طول جفاء ونُكران، ونفثة حسرة على مناهجنا التعليمية، التي قصّرت في حق اللغة العربية، لغة كلام ربّ العالمين، ولسان الرسالة الخاتمة المبين. ومن رامَ تعلّمها -وهو واجبٌ عليه-، فلا مندوحة له عن هذا المَسلك، ومهما تدرّجت في مستويات علوم اللغة، فلن تكسب غير قواعدَ فارغة من متنِ اللغة وروحها التي لن تتأتّى لك إلا بالعيش مع نصوصها الفصيحة وتذوقها قراءةً وكتابةً وسماعًا.

 

 

  • مراجع المقال

1/ – الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة-مصر، ط7، 1998م، ج1، ص76

2/ – ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار البلخي، دمشق-سوريا، ط1، 2004، ج2، ص385

3/ – نفس المصدر

4/ – نفس المصدر، ص384

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.