حصريا

زنادقة الإسلام بين دعوى ابن الجوزي وتسليم الذهبي – د.عمر ماجد السنوي -العراق-

0 4

 

إن الحديث عن أحكام العلماء في الأعلام، حديثٌ عظيمُ الخطر، بعيدُ الأثر؛ إذ الكلمة في التاريخ كالسهم في الهواء، إذا أُطلق لم يُسترجع، وإذا أُنفذ لم يُستردّ، وقد تلوكها الألسنة جيلاً بعد جيل، وتُسطّرها المصنّفات قرنًا تلو قرن، حتى تتلبس بمسوح القداسة، وتُحيط بها هالة العصمة، وإن كانت عند التحقيق دعوى لا تنهض، وحكماً لا يثبت.

ومن أعجب ما نُقل في هذا الباب كلمة العلامة ابن الجوزي – رحمه الله – إذ قال: «زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيّان التوحيدي، وأبو العلاء المعرّي».

كلمةٌ أُطلقت في جَزْمٍ شديد لا يَعرف هونًا، وصرامةٍ لا تَعرف هوادة، ولم يقدّم على دعواه برهانًا، ومع ذلك صارت عبارته هذه سيفًا مصلتًا على أعناق ثلاثة من أعلام أهل الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ما جمعهم مذهب، ولا ألّف بينهم فكر، ولا وحّدَهم مَكان، سوى أنّهم تفرّدوا في النظر، وأغربوا في بعض التأمل، وتشوّفوا إلى الحق بطرائق غير مألوفة، وأطلقوا العنان لمحاربة الفساد الديني والسياسي والمجتمعي.

ثم ما لبث أهل التصنيف يتناقلون عبارة ابن الجوزي، حتى جاء الحافظ الذهبي -يرحمه الله-، فأثبَتها في كتابَيه: تاريخ الإسلام، وسير الأعلام، إثباتَ المسلّم المتيقن، لا الفاحص المتثبّت؛ فجرى بها قلمه وكأنها آيةٌ منزّلة، أو نصٌّ ظاهر الدلالة لا يقبل النقاش. وهو الحافظ الذي عرف بميزانه واعتداله.

فهل كان ذلك منه لظهور حال هؤلاء الثلاثة عنده وعند أهل زمانِه؟! أم هو اتكال على إطلاقات السابقين الذين تسببوا بتعطيل ميزانِه؟!

 

فلنفحص الأمر مليًا:

 

أمّا أبو حيّان التوحيدي؛ فلو قرأتَ كتبه، وأصغيت إلى نجواه، لوجدتَ قلبًا كسيرًا، ونفسًا غريبة، ولسانًا يفيض بالشكوى ويُصرّح بالأنين. وإلى جانب ذلك ترى بين دفّتيه قبسًا من نور، ولمعة من إيمان، وأشواقًا إلى الحقّ غير خافية… وكتبه طافحة بذلك. فهل مثل هذا يُوصم بالزندقة، وهي الجحد البواح والكفر الصراح؟

 

وأما أبو العلاء المعري، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، ذلك الذي يقطر لسانه مرارة، ويعجّ شعره بسخرية جارحة، غير أنّ وراء الحروف قلبًا واجفًا، وعقلاً يقرّ بحدوده، ولسانًا يلهج بتسبيح الله ويقر بعدله وحكمته، معظّمًا لكتابه، مؤمنًا بأنبيائه… فأنّى يُلقى مثله في مهاوي الزندقة؟ وهو الذي لم يجاهر بكفر ولا جحود، وإنما أُثيرت حول بعض عباراته شبهاتٌ كان قد أوضحَها وردّ على أهلها في زمانه بلسان زاجر، وعقل ذكي حاضر… أفَمِثل هذا يخفى حاله على العقلاء فضلا عن العلماء، وكتبه شاهدة ناطقة، شاخصة باسقة؟!

 

وأما ابن الراوندي؛ فخبره عجيب، وأمره غامض، وسره موارب. جاء في وصفه أنّه في دقائق الكلام أوحد عصره، حسن السيرة في مبتدأ أمره، ثم قيل إنّه ألحد وأبعد، ثم قيل تاب قبل وفاته وأناب. غير أنّ كتبه تفرّقت كأوراق شجر الخريف، وضاعت في مهب الريح، وأودعت في بيداء النسيان، فلم يبق منها إلا ما ساقه بعض خصومه، وعلى رأسهم أبو الحسين الخيّاط في كتابه الانتصار؛ فهل يؤاخَذ المرء من دعاوى خصمه؟ وهل يُدان عقلٌ لامع بكلمة عدوّ متربّص؟!

 

فوا عجبا! كيف أطلق ابن الجوزي حكمه في يقين لا دليل عليه، ثم جاء الذهبي مسلّمًا بها بانيًا عليها بعد أن نسبها إليه؟!

أليس من طُرق العلم أن يُمحَّص الخبر قبل قبوله؟

أليس من أبجديات المحدّثين بحث الراوي ونقد الرواية؟

أليس من مقتضيات العدل أن لا يُدان امرؤ إلا ببيّنة ساطعة، ولا يُحكم عليه إلا بحجة قاطعة؟

فكيف صار الظن يقينًا، والحكم المرسل برهانًا، وكلمة الخصم ميزانًا؟

 

إنّ التاريخ مرآةُ الأمم، وحكم العلماء شهادةٌ على القرون، وكلمة الحفّاظ والمؤرّخين والعلماء أمانةٌ في أعناقهم، فإذا أطلقوها في عَجَل، وأمضوها في غفلة، كان فيها على الأعلام جورٌ، وعلى الحقائق سترٌ، وعليهم للأمة وزر.

 

فلنقرأ إذن تراثنا بعيون الناقد لا المقلّد، ولنزن الرجال بميزان القضاة لا بميزان الخصوم، ولا أقل بأن نكون من الشهود إن عجزنا عن رتبة القضاء. فبذلك نصون تاريخ الأمة، ونؤدّي حق العلم، ونبرأ إلى الله من ظلم الأحياء والأموات، ونعيد لمصنفات التراث ألقها، ولمناهج العلوم نصاعتها، وللأسماء التي شُوّهت في غبار الدهر بهاءها وضياءها.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.