مصطفى جواد وتقي الدين الهلالي من الاشتراك إلى الاشتباك – د.عمر ماجد السنوي -العراق-
مصطفى جواد وتقي الدين الهلالي
من الاشتراك إلى الاشتباك
عمر ماجد السنوي
(العراق)
إنَّ المتأمّلَ في سِيَرِ الأكابرِ من أهلِ العِلم والأدبِ، والباحثَ في دفاترِ مَن سلفَ من جَهابذةِ العربيّة، يلفي حقيقةً مفادُها أنَّ العقولَ الجبّارةَ حين تزدحمُ في فلكٍ واحدٍ، فلا بدَّ لها من أن تتقاطعَ مداراتُها؛ وقد لا يكون ذلك لِضيقٍ في صدورِ القومِ، أو لِغرضٍ في نفوسِهم، وإنّما هو احتكاكُ الأفكارِ الذي يقدحُ شررَ الحقيقةِ، وهو أيضًا تَدافُعُ الرُّؤى الذي يُحيي مَواتَ القولِ.
وإنَّ في تاريخِنا المعاصرِ لَصفحةً ممتعةً من صفحاتِ هذا التدافُعِ، بَطلَاها عَلَمانِ لا يُشَقُّ لهما غبارٌ: العلامةُ العراقيُّ المؤرّخ اللغويّ: الدكتور مصطفى جواد (ت 1969م)، والرحالةُ المغربيُّ الأصل العراقيّ التجنّس: الدكتور تقيّ الدين الهلاليّ (ت 1987م)؛ رجُلانِ جمعتهما “بغداد” في مطلعِ النصفِ الثاني من القرنِ العشرينَ، فكانا كفرَسَي رِهانٍ، بدَآ مَسيرَهما في عِناقِ “الاشتراكِ”، وانتهى بهما المطافُ إلى لُجاجِ “الاشتباكِ”.
مِحرابُ الاشتراكِ: فُتوّةُ العلمِ وصُحبةُ التحقيقِ
قبلَ أنْ تشتعلَ نيرانُ الردودِ، وتتطايرَ شظايا النقدِ في المجلّاتِ والصحُفِ، كانَ للرجلينِ عهدٌ من الوئامِ العلميِّ، يجمعُ بينهما سقفُ “دارِ المعلّمينَ العاليةِ” في بغداد حاضرة العلم والعلماء، كما جمعت بينهما “كلية التربية” في جامعة بغداد، حيثُ كانا فيها أستاذَينِ يُشارُ إليهما بالبنانِ، وقد تجاوزت علاقتها الزمالة في العمل إلى الزمالة في المسكن، حيث جمعهما بيت واحد، وتعدّى الأمر أكثر إلى “اشتراكٍ” علميّ في خدمةِ التراثِ العربيِّ؛ فلقد اشتركَ هذان العَلَمانِ معًا، ومعهما: الدكتور عبد الحليم النجار (ت 1964م) والدكتور أحمد ناجي القيسي (ت 1987م) والدكتور أحمد مطلوب (ت 2018م)، لينفضوا الغبارَ عن مخطوطٍ عزيزٍ هو “كتابُ الفتوةِ” لابنِ المعمارِ البغداديِّ الحنبليِّ (ت 642هـ).
في ذلك التحقيقِ الرصينِ، الذي خرجَ للناسِ عام 1958م، رأى القرّاءُ تآزُرَ عقول كبيرة، في مقدّمتها: عقل مصطفى جواد الذي خَبِرَ تاريخَ بغدادَ ومسالكَهَا حتى صارَ “مؤرِّخَها” الذي لا يُنازَعُ، وعقل تقيِّ الدينِ الهلاليِّ الذي جابَ الآفاقَ في طلبِ الحديثِ واللُّغةِ حتى غدا “رحّالتَها” الذي لا يُجارى. كانَ الاشتراكُ في “كتابِ الفتوّةِ” صورةً جليلةً لتعاونِ العلماءِ؛ فكانَ جواد يعتني بضبطِ الأعلامِ وتوثيقِ الوقائعِ التاريخيةِ، وكانَ الهلاليُّ يتدبّرُ النصوصَ بعينِ المحدّثِ اللغويِّ. لقد كانا يومَئذٍ على قلبِ رجلٍ واحدٍ في إحياءِ مفاخرِ العربِ، يذودانِ عن حياضِ العربيةِ بهدوء الباحثينَ الصابرينَ.
إنَّ هذا الطورَ من حياةِ الرجُلينِ يثبتُ أنَّ الأصلَ بينهما كانَ الاحترامَ المتبادلَ، وأنَّ الصراعَ الذي تلاهُ لم يكنْ إلا وليدَ غيرةٍ علميةٍ صادقةٍ على لسانِ العربِ، حينَ اختلفتْ بهما المناهجُ، وناءتْ بكلِّ واحدٍ منهما مشاربُهُ الفكريةُ. هذا ما قدرتُ على قوله فيهما حُسْنَ ظنٍّ منّي بهما، لِمَقامهما وفضلهما وسعة علمهما، ولا أستبعدُ ما دونَ ذلك من نوازع النفس البشرية التي يعتريها من النقص والهوى ما يعتريها.
بوادرُ الاشتباكِ: “قُل ولا تَقُل” تحتَ مقصلةِ النقدِ
ما إن انقضتْ سنواتُ العملِ المشتركِ، حتى أطلّ الدكتور مصطفى جواد على الناس من نافذة المذياع في برنامجه “قل ولا تقل”، الذي أصبحَ فيما بعدُ كتابًا، وقد ملأ الدنيا وشغلَ الناسَ بصرامتِهِ اللغويةِ.
كانَ جواد يرى نفسَهُ حارسًا على ثغرٍ عظيمٍ، فلا يقبلُ في اللغةِ إلا ما جرى على سَننِ العربِ الخُلَّصِ، ويضربُ بيدٍ من حديدٍ على كلِّ ما استحدثتْهُ الصحافةُ أو تسلّلَ من رطانةِ العجمةِ.
وفي المقابلِ، كانَ الشيخُ تقيُّ الدينِ الهلاليُّ قد بدأ يكتب مقالات في تحتَ عنوانِ “تقويمِ اللسانينِ”، فوجدَ فيها الدكتور مصطفى جواد ما عدَّهُ خطأً في الاستعمال اللغوي، فردَّ عليه وتنطَّع. فمن هنا انبرى الهلالي للرد على “تخطئاتِ” جواد، التي رأى فيها تشدّدًا يضيّقُ واسعًا، وتحجيرًا لما فسحتْهُ لغةُ العربِ باتساعِها ومرونتِها. فمِن ثَمَّ تحوّلَ “الاشتراكُ” إلى “اشتباكٍ”، لكنه اشتباك علميٍّ مفيد وإن كان عنيفًا، فقد جرَّد الهلاليُّ قلمَهُ لينقضَ بنيانَ مصطفى جواد في مقالاتٍ متتابعةٍ، جُمعتْ تحت عنوان: “تقويمُ اللسانينِ مستقيمٌ”.
كان الهلاليُّ يهاجمُ مصطفى جواد، ليُحاكِمَ “منهجَهُ” الذي يميلُ فيه إلى “القياسِ” الصارمِ، وهو المنهج الذي ورثه عن مدرستِهِ الفرنسيةِ في التحليلِ والتنظيمِ. بينما كانَ الهلاليُّ “نصّيًّا” أثريًّا، يبحثُ في بطونِ المُعجَمات وشواهدِ الأبيات ونوادرِ اللغاتِ، ليُثبتَ أنَّ ما خطَّأهُ جواد لهُ في العربيةِ وجهُ صواب.
وصفَ الهلاليُّ صاحبَه أنّه قد نَصَبَ نفسَهُ مِيزانًا للتخطيءِ، وهو لا يعلمُ أنَّ لغةَ العربِ من الاتساعِ بحيثُ لا يحيطُ بها فردٌ، وأنَّ كثيرًا ممَّا يزعمُ أنهُ لحنٌ إنما هو لغاتٌ مجهولةٌ أو شواهدُ منسيةٌ، فكيفَ يُمنعُ الناسُ من كلامٍ جرى على ألسنةِ الفصحاءِ؟
إنَّ المتأملَ فيما قاله الهلالي في صاحبه يلمسُ حجمَ الفجوةِ المنهجيةِ بين الرجُلين؛ فمصطفى جواد يريدُ لغةً نموذجيةً (معياريةً) منقّاةً، والهلاليُّ يريدُ لغةً حيويةً (تراثيةً) تستوعبُ كلَّ ما نُقلَ عن العربِ من وجوهِ الكلامِ.
وقائعُ الاشتباكِ: معاركُ المفرداتِ والاشتقاقِ
احتدمَ النزالُ اللغويُّ في مسائلَ كثيرةٍ، منها ذِكرُ (دونَ) و(فوضى) و(بعض). فكانَ مصطفى جواد ينكرُ بعضَ وجوه استعمالها، بدعوى أنَّها لم تُستعمَل على هذا النحو عند السابقين. فجاءَ الهلاليُّ ليُقيمَ الحجّةَ على جوازِها من عدة وجوه رأى أنّ جواد جهلها أو أغفلها.
ومن أدقِّ ما جرى بينهما، نقدُ الهلاليِّ استخدامَ جوادٍ بعضَ المصطلحاتِ التي رآها متأثرةً بالترجمةِ عن الفرنسيةِ. كانَ الهلاليُّ يتّهمُ مصطفى جواد بأنهُ “يخطّئُ الصوابَ اللغويَّ ويصوّبُ الخطأَ”، في إشارةٍ إلى ميلِ جوادٍ إلى الترجمةِ المعنويةِ التي قد تبتعدُ عن رصانةِ التركيبِ العربيِّ. ويرى في جواد رجلًا يطلبُ “التعسّفَ” ليثبتَ سطوتَهُ العلميةَ.
وفي المقابل كانَ مصطفى جواد يعتمدُ في ردودِهِ أسلوبَ العالمِ الواثقِ، الذي لا يتزحزحُ عن رأيهِ إلا ببرهانٍ ساطعٍ، فكانَ يرى في الهلاليِّ رجلًا يطلبُ “الشواذَ” من اللغةِ لينتصرَ لعامةِ الكتّابِ. فهو يرى أنَّ من واجب العالِمِ الوقوف سدًا منيعًا دونَ تسربِ الركاكةِ، وأنَّ التماسَ الأعذارِ لكلِّ لحنٍ بدعوى أنه لغةٌ مهجورةٌ أو وجهٌ ضعيفٌ هو هدمٌ لقواعدِ الفصاحةِ، فما قيمةُ القواعدِ إذا كانَ كلُّ خروجٍ عليها صوابًا؟
محاكمةُ الحدَثِ: تعليقٌ على مآلاتِ الصراعِ
عندَ النظرِ في هذهِ الحقبةِ التاريخيةِ بعينِ الإنصافِ، نجدُ أنَّ “الاشتباك” بينَ جواد والهلاليِّ كانَ ثروةً علميةً لا تُقدّرُ بثمنٍ.
لقد أخطأَ مَنْ ظنَّ أنَّ الرجلينِ كانا يبتغيانِ الهدمَ، بل كانا يبنيانِ -من حيثُ يدريانِ أو لا يدريانِ- صرحًا نقدياً قوياً. فبسببِ “قل ولا تقل” انتبهَ الكتّابُ إلى زلّاتِهم، وبسببِ “تقويمِ اللسانينِ مستقيم” انتبهَ اللّغويونِ إلى ضرورةِ عدمِ التسرّعِ في التخطئةِ.
إنَّ مصطفى جواد قد أصابَ في حمايةِ اللغةِ من الانحلالِ، وأخطأَ في التضييقِ والجمود الزائدِ الذي كادَ يقتلُ بلاغةَ العصرِ. وتقيُّ الدينِ الهلاليُّ قد أصابَ في فتحِ آفاقِ السماحِ اللُّغويِّ، وأخطأَ حينَ غلبتْ عليه نبرةُ الخصومةِ الّتي قد ألجأته إلى نبش النيّات والدخول في عمَل قَلْب الخصْم.
لقد كانَ أسلوبهما ينمُّ عن فصاحةٍ جاحظيةٍ، واعتدادٍ بالنفسِ يُذكّرُنا بمناظراتِ العلماءِ في مجالسِ الخلفاءِ. لم يكنْ هناكَ مكانٌ للوسطيةِ الباردةِ، بل كانَ هناكَ حقٌّ يُطلبُ، وحجةٌ تُبسطُ، وعلمٌ يُنشرُ. فقد صار هذا “الاشتباك” برهانًا على أنَّ اللغةَ العربيةَ ما زالتْ قويةً قادرةً على إثارةِ الجدلِ وتحريكِ العواطفِ في نفوسِ أبنائِها.
الوفاءُ لميراثِ العَلَمَينِ:
في نهايةِ هذهِ المقالةِ أعودُ لأُؤكّدَ أنَّ الاشتراك الذي بدأ في “كتابِ الفتوّةِ” لم ينقطعْ حقيقةً بالاشتباكِ اللغويِّ الذي تلاهُ. فكِلا الرَّجُلينِ كانا يشتركانِ في “غرامٍ” واحدٍ، هو غرامُ العربيةِ. وكلاهما كانا يشتركانِ في “همٍّ” واحدٍ، هو رفعةُ شأنِ الأمةِ من خلالِ لسانِها.
وإنَّ التاريخَ العلميَّ يَذكرُ لمصطفى جواد عِلمه وغيرته، ويذكرُ لتقيِّ الدينِ الهلاليِّ سعةَ اطّلاعِهِ وتحقيقه. فلا يسَع الباحثَ المنصفَ إلا أنْ ينظرَ إليهما نظرةَ إكبارٍ.
لقد رحلا، وبقيتْ بغدادُ تذكُرُ دروسَهُما في المعاهد والجامعات، وتذكر مقالاتهما في الصحف والمجلات، وبقيَ “كتابُ الفتوةِ” شاهدًا على عهدِ الاشتراكِ، وبقيتْ كتبُ “التقويمِ” و”الردودِ” شاهدةً على عهدِ الاشتباكِ. وما أجملَهُ من اشتراكٍ، وما أنفعَهُ من اشتباكٍ، حينَ يكونُ الهدفُ هو “الحقيقةُ” والوسيلةُ هي “البيانُ”.
رحمَ اللهُ العَلَمَينِ الجليلَينِ، وجزاهما عن العربيةِ خيرَ الجزاء، فقد كانا منارةً يُهتدى بها في ظلماتِ الجهلِ، وحصنًا حصينًا للغةِ الضادِ في وجهِ كلِّ ريحٍ عاتيةٍ.