حصريا

ديمقراطية في غابة د. موفق سالم نوري – العراق –

0 2

ديمقراطية في غابة

د. موفق سالم نوري / العراق

لا أحد يدري بالضبط متى تأسست هذه الغابة, ربما قبل مئات أو حتى آلاف السنين, ربما كان ذلك قبل اختراع الكتابة الحيوانية, لذلك فإن كبير الباحثين من السلاحف المعمرة أعلن أنه ليس هناك تاريخ محدد لنشأة غابتهم تلك, لكن الذي يعرفه الجميع أن الغابة لم تشهد أية تجربة انتخابية في تاريخها الموغل في القدم هذا.

وتحت تأثير وسائل التواصل الحيواني, بتطبيقاتها المختلفة, وبموجب تأثير الغابات المجاورة حديثة النشأة والتكوين تقرر إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في الغابة !

ونص مرسوم الانتخابات على وجوب انتخاب الحكومة انتخاباً حراً ومباشراً من جماهير حيوانات الغابة وعلى وفق النظام الرئاسي, من دون الحاجة إلى برلمان الذي يرجح أن يكون فاسداً إلى حد كبير على وفق ما كشفته التجارب الآدمية, إذ فشل النظام البرلماني في إدارة مصالح أمم البشر, وعليه فسيكون الانتخاب على النحو الآتي:

انتخاب الأسد ملكاً للغابة, ولأنه ليس هناك أسد آخر في الغابة, لذلك سيخوض الأسد الانتخابات بمفرده بهدف معرفة شعبيته في أوساط الغابة 

انتخاب خمسة نمور ليكونوا وزراء في حكومة الغابة, إذ إن هناك ستة نمور يتوجب انتخاب خمسة منها فقط

انتخاب وكلاء لهؤلاء الوزراء من ضباع الغابة, بواقع تسعة وكلاء من أصل أحد عشر ضبعاً هم كا ما موجود في الغابة

انتخاب مئة ذئب ليكونوا قوة حماية الحكومة من أي عدوان خارجي أو إرهابي من أصل مئة وعشرة ذئاب موجود منها في الغابة فعلاً

أما اللجنة المشرفة على الانتخابات فتتكون على النحو الآتي: أن يكون كبير بغال الغابة رئيساً للهيئة المشرقة, يساعده في عمله خمسة من القرود المميزة المتقدمة في السن, لضمان عدم وقوع التهريج في عملها, وبمعيتهم عشرون من الكلاب البوليسية المدربة جيداً لحماية مراكز الاقتراع من أي عمل إرهابي أو عدوان خارجي

تتولى السلاحف التغطية الاعلامية للانتخابات, حيث يؤمل وصول أول تغطية خبرية فعلية إلى الغابات المجاورة بعد مرور سنة من الانتخابات

أما الملحق غير المعلن من المرسوم فنص على أن يتولى الذباب متابعة الشؤون الأمنية الخاصة بالانتخابات, إذ بوسعه أن يكون حاضراً في كل مكان, وأن يحصي الذباب على الحيوانات أنفسها, ورصد أية تحركات مشبوهة, على أن يقدم تقارير يومية مفصلة إلى الهدهد رئيس جهاز الخدمة السرية, والفقرة الأهم أن يرصد الذباب من يصوت بلا بحق الأسد

ومن أجل إثارة حماسة جماهير الغابة على المشاركة في هذه الممارسة الديمقراطية الأولى من نوعها, عقد الأسد مؤتمراً انتخابياً مؤثراً للغاية, فقد اعتلى المنصة ومعه النمور ومن ورائهم الضباع, وأحاطت الذئاب بجماهير الحيوانات لحمايتها من أي خطر ارهابي

ألقى الأسد كلمته الرائعة التي أعلن فيها برنامجه الانتخابي الذي تضمن ميثاق الشرف الذي طال انتظاره, ووقع عليه جميع المرشحين, ونص على أنهم جميعاً سيتحولون من آكلي اللحوم إلى كائنات نباتية من أجل الحفاظ على السلم المجتمعي, وتعزيز أواصر الأخوة الحيوانية بين الجميع, فضلاً عن إعلانه لخطة تنمية زراعية طموحة تهدف إلى زيادة مساحة الغابة بغية توفير الغذاء المجاني لجميع حيوانات الغابة, مؤكداً مبادئ العدل والمساواة التي ستحكم الغابة في ظل الحكومة الرشيدة المنتخبة ديمقراطياً, كان خطاباً بليغاً ومؤثراً حقاً, جعل جماهير الحيوانات تنهض واقفة وهي تصفق طويلاً لهذه الخطبة العظيمة الملهمة التي لم تشهد الغابة مثلها منذ زمن لا أحد يعرف أين بدأ

بدأت صور المرشحين تزين ضفاف نهر الغابة ومرتفعاتها ومسالكها وساحاتها الخضراء, ظهر الأسد بصورة كارزمية مؤثرة تعكس هيبته ووقاره وقد أمسك بباقة ورد بيضاء بيده اليسرى ووضع يده اليمنى على صدره إيحاءً بالتزامه بميثاق الشرف الذي قطعه على نفسه, وليكون هو الضامن له

أما النمور فقد اختارت أن تكون صورها مزدانة بباقات من الكرافس والبقدونس والكراث والرشاد والسلق, مبشرة بعهد جديد من الود والوئام والسلام بين جميع مكونات الغابة !

أما الضباع فكانت تبتسم بمكر وخبث في صورها, وقد عقدت أيديها على صدورها في مشهد يعكس حقيقة سريرتها المخادعة, لكنها تريد أن تقول: ها قد كففنا أيدينا عنكم !

أما الذئاب, فلأن دورها سيكون قتالياً فكانت صورها تعكس مظاهر القوة الفتاكة فظهرت في الصور بأنياب حادة يتطاير منها الشرر, ومخالب مستعدة لقطع أوصال ضحاياها, إلا أن بعض محللي لغة الجسد الحيواني في الغابة رأوا أن ظهور صور الذئاب بهذا الشكل كانت – في الحقيقة – خطاباً موجها لداخل الغابة تحديداً, ورأوا فيه لغة تهديد لمن يريد مقاطعة الانتخابات أو تعكير صفوها من جانب قوى المعارضة أو عملاء الخارج.

كان يوم الانتخابات عرساً حقيقياً, فقد ازدانت الغابة بالأضواء الملونة والبالونات الملونة أيضاً, والوعود البراقة, إذ انتشرا اللافتات في كل مكان لتثير حماسة الجمهور الحيواني للمشاركة في الانتخابات, متضمنة لمبادئ الشرف التي أعلنها الأسد في المؤتمر الانتخابي, وشعارات الغذاء المجاني.

أما الشهر المخصص للدعاية الانتخابية, فكان من أروع أيام الغابة, سادت فيه أجواء المحبة والسلام؛ فالفراشات تحلق بحرية في كل مكان, والحملان والغزلان تتجول بحرية واطمئنان في كل مكان, بل كانت هي والذئاب يمزحون مع بعضهم, يتناولون العصائر والمرطبات معاً, ويتبادلون النكات والضحكات المبتهجة, والأرانب تقفز في كل مكان جذلة وهي تقضم الجزر, كان كل شيء جميلاً ورائعاً

ثم جرت الانتخابات بسلاسة, لم يكن هناك أي عمل إرهابي, ولم تجرؤ الغابات القريبة أو البعيدة على تعكير أجواء الغابة وهي تعيش تجربتها الديمقراطية الرائعة الأولى.

تم اعلان نتائج الانتخابات بعد ساعات من انتهائها, بكل شفافية ووضوح, وبمراقبة ومتابعة من المراقبين الدوليين الذين قدموا من غابات مختلفة, وعُلقت أسماء الفائزين في الميدان الرئيس للغابة إلى جانب لوحة كبيرة تتضمن نص ميثاق الشرف, بعدها تسنم الأسد سدة السلطة العليا ومعه الكوادر التي تم انتخابها, وباشر الجميع مهام عملهم في السلطة والحكم.

ثم ما أن مضت ثلاثة أيام على الانتخابات حتى انتهى مخزون اللحوم من برادات الغابة, وبدأت السلطة الحاكمة تتحسس الألم في أمعائها الفارغة, أما الحشائش فلم يكن بمقدور أحد استساغتها أبداً. 

ولسبب ما لم يعرف حقيقته أحد حتى الآن وقع عمل عدواني في طرف الغابة, سقط فيه صريعاً حمار مخطط وكلب بري, الأمر الذي شكل تهديداً خطيراً لأمن الغابة القومي, ما استوجب إعلان حالة الطوارئ القصوى, وعُقد اجتماع طارئ للحكومة, لتقدير الموقف من الناحية الأمنية, وانتهى الاجتماع بإعلان تضمنت ديباجته أن مقتضيات الأمن القومي للغابة وبناءً على ما توجبه المصلحة العليا لغابتنا تقرر تعليق القوانين والتشريعات المستحدثة, بما فيها ميثاق الشرف الذي تعاقدوا عليه, وكان ذلك أهمها, إذ إن مضامينه الداخلية تمنع القوة المدافعة عن الغابة من أكل لحوم الأعداء أيضاً, لتعهدها بالتحول إلى نباتية, الأمر الذي سيحد كثيراً من قدراتها الافتراسية والقتالية, وهو ما يمنح الأعداء فرصة التفوق الاستراتيجي في ميزان القوى. 

في اليوم التالي أرسلت حكومة الغابة الذئاب المنتخبة وكلاب حماية الانتخابات إلى الصيد اليومي في أنحاء الغابة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.