المنقوص عند رجال القانون – د.جمعة الدِّربيّ -مصر-
المنقوص عند رجال القانون
بقلم الدكتور محمد جمعة الدِّربيّ
عضو هيئة التدريس بجامعة الأقصر- مصر
ربَّما تكون الفصاحة ترفًا لبعض الوظائف، ولكنها أساس لرجال القانون؛ لأنها ليست مُنبتَّة الصلة عن العدالة؛ وفي القرآن الكريم:(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) ]القصص: 34[
وقديمًا اشتغل بعض علماء العربيَّة بالقضاء، ومن هؤلاء الأكابر أبو عبيد القاسم بن سلام(ت224ه) الذي عمل في القضاء ثماني عشرة سنة، وألَّف كتابًا بعنوان:” أدب القاضي”! ومنهم أيضًا قاضي القُضاة ابن عَقيل الهَمْدانيّ المصريّ الذي تولَّى قضاء الدِّيار المصريَّة(ت769ه) وصاحب أشهر شروح ألفيَّة ابن مالك(يُراجع: شرح ابن عَقيل- دار مصر للطباعة- نشر وتوزيع دار التراث- القاهرة- مصر(د.ت). ص7، والأعلام للزِّركلي- دار العلم للملايين- بيروت- لبنان ط15/2002م- ترجمة ابن عَقيل جـ4/96، وأبو عبيد القاسم بن سلام: ثقافته العلمية وآثاره- د.عبد الله ربيع محمود- العدد الأول- مجلة كلية اللغة العربية بدمنهور- مصر ط/1983م. ص40).
وفي المكتبة العربيَّة دواوين لبعض القضاة؛ ويكفي التمثيل بديوان القاضي عياض المغربي(ت544ه) الذي جمعه وحقَّقه مؤخَّرًا وديع زرهون، ونشره في دار الكتب العلميَّة.
وقد أدرك أكابر رجال القانون المصريّ ذلك؛ إذ حكى لنا المرحوم الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف عام 1997م- وأنا يومئذ أحد طلابه بالفرقة الثانية بكليَّة دار العلوم بجامعة القاهرة- أن أحد المُحامين المصريِّين كان يُثقل عليه في أسئلة النحو، بل كان يحرص على حضور المحاضرات مع طلاب كليَّة دار العلوم؛ وأن الدكتور حماسة أنكر عليه اهتمامه الزائد بالنحو؛ فأجاب المحامي بأنه يتعلَّم من اختلاف النحاة سُبُل الجِدال والردّ، وبأن المُحامي الضعيف في النحو قد يجعل القاضي مُتَّهمًا إذا أساء في استعمال الضمائر!(ولعلَّ هذا هو السبب الذي دفع الأستاذ فتحي رضوان المحامي إلى حضور مجالس الشيخ محمود محمد شاكر؛ حتى أصبح فتحي من روَّاد شاكر وتلاميذه، وشارك في الكتابة عنه بمقال:الرجل والأسلوب، ضمن كتاب: دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أديب العربية الكبير أبي فهر محمود محمد شاكر بمناسبة بلوغه السبعين- مكتبة الخانجي ومطبعة المدني- القاهرة- مصر ط/1982م. ص401).
وحدَّثني صديقي وأستاذي الشاعر عبد الناصر عيسوي مُدير التحرير الأسبق لمجلة الإذاعة والتلفزيون المصريَّة أن أحد أصدقائه أخبره فمًا لأذنٍ بأنه كان طالبًا في إحدى كليَّات الحقوق المصريَّة؛ وأن أحد أساتذته كان يتحدَّث بالفصحى، بل كان يتحدَّى الطلاب أن يكتشفوا في كلامه خطأ نحويًّا!(ومن المُحزن الآن أن أساتذة اللغة العربيَّة في الجامعات المصريَّة لا يتحدَّثون بالفصحى في المحاضرات ومُناقشات الماجستير والدكتوراه؛ فمتى يتحدَّثون بها؟! ويبدو أن هذا هو السبب في ضعف المستوى اللغويّ عند غير المتخصصين في العربيَّة ومنهم رجال القانون).
والوثائق الصوتيَّة تُصدِّق ما حكاه حماسة وعيسوي؛ فقد كان الأستاذ الدكتور أحمد فتحي سرور الأستاذ بكليَّة الحقوق بجامعة القاهرة ورئيس مجلس الشعب في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك حريصًا في كلامه على قواعد الفصحى المعاصرة- وإن وقع في بعض الهَنَات اللغويَّة- بل كتب بحثًا ونشره في مجلة مجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة بعنوان:” اللغة العربية في الدستور”( تُراجع مجلة مجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة جـ119/37).
وكان الأستاذ محمد رجائي عطية النقيب الأسبق للمحامين المصريِّين مُترافعًا فصيحًا! كما أن إعلان بعض جلسات محاكمة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك كشفَ عن تحرِّي الأستاذ فريد الدِّيب- وهو يومئذ المحامي الجَسور للرئيس- التحدُّث بالفصحى، وعن أثر تلك الفصاحة في الإقناع والعدالة، ولا يزال الدكتور محمد بهاء الدِّين أبو شُقَّة في لقاءاته وندواته مُتمسِّكًا قدر الإمكان بلسان صحيح فصيح!
كما أن كتابات بعض رجال القانون المصريّ تكشف عن حُبِّهم للغة العربيَّة وحرصهم على قواعدها؛ ويكفي التمثيل بكتابات المستشار طارق البشري ومنها دراسته:” منهج النظر في دراسة القانون مُقارنة بالشريعة”.
ولستُ في حاجة إلى تعريف قرَّاء الربيئة بمشاهير رجال القانون المصريّ مثل أحمد شوقي(ت1932م) أمير الشعراء الذي قضى سنتين في قسم الترجمة بمدرسة الحقوق؛ ثمَّ أرسله الخديوي توفيق سنة 1887م إلى فرنسا؛ حيث تابع دراسة الحقوق.
ومثل إسماعيل صبري باشا(ت1923م) الذي درس الحقوق بفرنسا، وتدرَّج في مناصب القضاء بمصر؛ فعيِّن نائبًا عموميًّا، فمحافظًا للإسكندرية، فوكيلًا لوزارة العدل، ووصفه خير الدين الزِّركلي بأنه كان من شعراء الطبقة الأولى في عصره وامتاز بجمال مقطوعاته وعذوبة أسلوبه!(وهو غير إسماعيل صبري أفندي المتوفَّى عام 1953م والملقَّب بأبي أميمة الذي لحَّن بعضَ شعره وغنَّاه مشاهير من المغنين والمغنيات بمصر، وكتب مسرحيات شعبية، وعاش في شبه خمول وانزواء، وربما عرف بإسماعيل صبري الصغير للتمييز بينه وبين معاصره إسماعيل صبري باشا! (يُراجع الأعلام للزِّركلي- ترجمة أبي أميمة جـ1/315).
ومثل حافظ إبراهيم(ت1932م) شاعر النيل- وهو شاعر مصر القومي كما وصفه الزِّركلي في كتاب الأعلام- الذي اشتغل مع بعض المُحامين في طنطا، وفي القاهرة مُحاميًا!(ولم يكن للمحاماة يومئذ قانون يقيِّدها؛ يُراجع الأعلام للزِّركلي- ترجمة حافظ إبراهيم- جـ6/76، وقد مات حافظ قبل شوقي ببضعة أشهر، ولكني رتَّبتُ الأسماء ترتيبًا ألفبائيًّا؛ حتى يسهل الاستدراك عند إحصاء الأدباء من مشاهير رجال القانون المصريّ).
ومثل عبد العزيز فهمي(ت1951م) عضو مجمع اللغة المصريّ الذي تعلَّم بالأزهر، ثم بمدرسة الحقوق بالقاهرة، واحترف المحاماة، وجُعِل من أعضاء الجمعية التشريعية، ثم وزيرًا لوزارة العدل عام 1925م، فرئيسًا لمحكمة الاستئناف الأهلية، فرئيسًا لمحكمة النقض(ولا ينال من شهرة عبد العزيز فهمي ومكانته اللغويَّة والقانونيَّة ما دعا إليه من كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينيَّة؛ لأن هذه الدعوة أثارت مشاعر الغيورين على العربيَّة؛ فقوبلت بالنقض! ولو أخرجنا عبد العزيز فهمي من مشاهير رجال القانون؛ لأخرجنا الدكتور طه حسين من مشاهير رجال الأدب؛ وقد كان كلاهما من أبناء المجمع اللغويّ المصريّ)!
ومثل قاسم أمين(ت1908م) الذي أكمل دراسة الحقوق في فرنسا، وعاد إلى مصر سنة 1885م؛ فكان وكيلًا للنائب العموميّ بالمحكمة المختلطة، فمستشارًا بمحكمة الاستئناف، واشتُهر بمناصرته للمرأة ودفاعه عن حريتها؛ فكان لكتابيه:” تحرير المرأة ” و ” المرأة الجديدة ” دَويّ في الأوساط الثقافيَّة المصريَّة بل العربيَّة!
ومثل محمد فريد(ت1919م) الذي تعلَّم في مدرستَي الألسن والحقوق، وولِي نيابة الاستئناف؛ ثم احترف المحاماة وانقطع إلى الخدمة العامة!
ومثل مصطفى كامل(ت1908م) الذي أحرز شهادة الحقوق من جامعة (تولوز) بفرنسا قبل بلوغه العشرين، ووصفَه خير الدِّين الزِّركلي في كتاب الأعلام بأنه كان فصيحًا ساحر البيان!(يُراجع الأعلام للزِّركلي- ترجمة مصطفى كامل- جـ7/238، وفيه: ترجمة أحمد شوقي جـ1/136، وترجمة إسماعيل صبري باشا جـ1/315، وترجمة عبد العزيز فهمي جـ4/24، وترجمة قاسم أمين جـ5/184، وترجمة محمد فريد جـ6/328).
ومثل توفيق الحكيم(ت1987م) أحد روَّاد الرواية والكتابة المسرحيَّة العربيَّة الذي تخرَّج في كليَّة الحقوق؛ واشتغل لفترة قصيرة بمكتب أحد المُحامين، ثم عمِل وكيلًا للنائب العامّ؛ فألَّف روايته:” يوميَّات نائب في الأرياف”!( للمزيد يُراجع: المُحاماة فنّ رفيع- تأليف محمد شوكت التوني المُحامي- المطبعة العالميَّة- القاهرة- مصر ط/1958م، ونجوم المُحاماة في مصر وأوربا- تأليف المُستشار عبد الحليم الجندي- دار المعارف- القاهرة- مصر ط/1991م).
ولكنَّ لغة رجال القانون والإفتاء ضعُفت كثيرًا في ظلّ المستوى التعليميّ والإعلاميّ؛ وقد أشرتُ إلى ذلك في مقالين سابقين من مقالات الربيئة حفظها الله!(يُراجع: لغة القاضي والمفتي- د.محمد جمعة الدِّربيّ- العدد 31- مجلة الربيئة- ، واللغة الفصحى في استعمال غرض السكنى- د.محمد جمعة الدِّربيّ- العدد 32- مجلة الربيئة).
ثمَّ عمَّقتُ الحديث عن لغة رجال القانون والإفتاء في كتابي الجريء: الضعفاء من رجال القانون: وثائق ومُذكِّرات في هَدْي اللسانيَّات(صدرت طبعته الأولى بالقاهرة عام 2025م).
وكان ممَّا أشرتُ إليه في الكتاب استعمال الاسم المنقوص النكرة في حالتَي الرفع والجرّ بإثبات الياء في آخره مثل قول المستشار المُساعد بمجلس الدَّولة هيثم محمد حليم في رسالته للدكتوراه:” فالفرد لا يشعر بالدَّافعيَّة نحو أداء أيّ عمل إلا لإشباع احتياجاته الخاصة من الناحيتين الماديَّة والأدبيَّة: مكافآت، ترقي(!)، إطراء… …أو لتلافي الانتقاص من تلك الاحتياجات: جزاءات، جمود وظيفيّ، توبيخ… … من حيطة وحذر وتأني(!) في فحص الوقائع وإصدار الأحكام… … وهي تتكوَّن من عدد متساوي(!) من مُمثلي الإدارة الحكوميَّة… … وتقديم دفاعه بنفسه أو بواسطة محامي(!)… … يجب أن يشتمل هذا القرار على بيان كافي(!) بأوجه الاتهام”(تُراجع: مجالس التأديب ورقابة المحكمة الإداريَّة العليا عليها- هيثم محمد حليم مُستشار مُساعد بمجلس الدَّولة- دكتوراه- كليَّة الحقوق- جامعة الإسكندريَّة- مصر ط/2009م. ص9، 49، 55، 56، 63، ولا يخفى تكرار الاستعمال، ولا يخفى كذلك الخطأ في حذف أدوات العطف بعد كلمة:(ترقي)، والاكتفاء بالفصلة؛ وذلك أحد آثار الترجمة، على النحو المفصَّل في كتابنا: الضعفاء من رجال القانون، وهو كتاب جريء لم يقتصر على المستوى اللغويّ بل تعرَّض للمستوى القانونيّ وتناقُض بعض الفتاوى والأحكام والقوانين).
ولم يقف إثبات ياء المنقوص عند حدود الطلاب والباحثين الذين قد تمرّ أخطاؤهم الإملائيَّة في زحام ملاحظات علميَّة أخرى، بل وقع في بعض الفتاوى التي لا تتجاوز صفحاتها أصابع الكفَّين؛ ومن ذلك ما جاء في فتوى إدارة الفتوى لوزارتَي التربية والتعليم والتعليم الفني والتعليم العالي والبحث العلمي والجامعات بمجلس الدَّولة المصريّ بالملف رقم(4/2/923) بتاريخ 3/8/2022م. ص4: ” ترم ثاني(!) فقط”!(ولا يخفى كتابة كلمة:(ترم) باللفظ الدَّخيل الشائع على ألسنة العوامّ؛ وكان في وُسع إدارة الفتوى استعمال الفصل الدِّراسيّ)!
والحقّ- وقد أشرتُ إلى ذلك في كتاب الضعفاء- أن إثبات ياء المنقوص النكرة في حالتَي الرفع والجرّ لا يُعَدّ من الأخطاء الفاحشة التي يتورَّط فيها رجال القانون؛ لورود نظائر الإثبات في بعض القراءات القرآنية مثل قراءة:(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي) ]الرعد/7[، وقراءة:(وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالي) ]الرعد/11[، وقراءة: (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقي) ]الرعد/34[، وقد ورد إثبات الياء في لغة بعض الفقهاء الفصحاء، وفي اسم أصحاب بعض المؤلَّفات النحويَّة المشهورة مثل:(ألفيَّة ابن مُعطي الزَّواويّ ت628ه)؛ ولهذا اتخذ مجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة في دورته الرابعة والخمسين قرارًا بصحة إثبات ياء المنقوص النكرة في حالتي الرفع والجر عند الحاجة(يُراجع: الفصول الخمسون لابن معطي(ت628ه)- تحقيق ودراسة محمود محمد الطناحي- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة- مصر ط1/1976م. ص 12، ومعجم الصواب اللغويّ: دليل المثقف العربيّ- د.أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل كان محمد جمعة الدِّربيّ واحدًا منهم- عالم الكتب- القاهرة- مصر ط1/2008م. المسألة رقم 394 جـ1/58، والمسألة رقم 4183 جـ1/632، والمسألة رقم 4423 جـ1/667، والمسألة رقم 4913 جـ1/739)؛ وأرجو أن تكون الإشارة هنا إصلاحًا لما فسَد في بحث: النشاط اللغوي العربي لبجاية- د.محمد جمعة الدِّربيّ- ضمن كتاب الربيئة الأول حول الحواضر العلميَّة بعنوان: بجاية مكة الصغيرة- تقديم وتنسيق بلخير بن جدو ود.حسن بوبيدي- جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين- مطبعة عمار قرفي- باتنة- الجزائر ط1/2022م. بلفظ:” تقتضي قواعد الاسم المنقوص كتابة:(ابن مُعطٍ) بلا ياء، ولكنَّ الكتابات الحديثة(!) تسامحتْ مع الأعلام مثل: حمدي، وقدري، ومجدي، و…”!
ولا شكَّ أن رجال القانون لا يعرفون هذه الشواهد القرآنيَّة ولا القرارات المجمعيَّة، ولا ريب أيضًا في ضرورة اتِّباع الفصيح المشهور، وإن كان غير المشهور صحيحًا أو فصيحًا!(يُراجع: اللغة الفصحى في استعمال غرض السكنى- د.محمد جمعة الدِّربيّ- العدد 32- مجلة الربيئة – مجلة الربيئة- نادي الرقيم العلميّ- جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين- الجزائر ط/ 2025م).
وفي المقابل يحذف بعض رجال القانون الياء من آخر الاسم المنقوص المعرفة!(وأرجو أن تكون الإشارة هنا إصلاحًا لما وقع في كتابنا: الضعفاء من رجال القانون ص 88 بلفظ: ولكن بعض رجال القانون يُثبتون(!) الياء من الاسم المنقوص المعرفة)؛ ويكفي التمثيل على حذف الياء من آخر الاسم المنقوص المعرفة بتوقيع محامي أكاديميَّة الفنون بالقاهرة على مُذكرة دفاعه بجلسة 24/11/2025م أمام المحكمة الإداريَّة للدِّفاع في الدَّعوى رقم(3423) لسنة 72 ق بلفظ:” وكيل الجهة الإداريَّة أ.أحمد بدري عبد الناصر المُحام(!)”!
وربَّما يكون الحذف تأثرًا بالرسم المصحفيّ؛ حيث جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى:(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)]الرعد: 9[ ، وقوله تعالى:(وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ)]غافر: 32[ ، وقولُه تعالى:(وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ)]الفجر: 9[ ؛ والأصل:(المُتعالي)، و(التنادي)، و(بالوادي)؛ وحُذفت الياء لرعاية الفاصلة القرآنيَّة(من نماذج تأثُّر العامَّة بالرسم المصحفيّ قولهم: مالي ومالْ فلان، وقد حدث ذلك في زمن الأصمعيّ ت 216ه على النحو المفصَّل في رسالتنا للماجستير المحفوظة بكليَّة دار العلوم بجامعة القاهرة بعنوان: تعقُّبات الأصمعيّ اللغويَّة، وقد يقع الحذف بسبب السجع كما في حديث أمِّ زرع: زوجي رفيع العِماد قريب البيت من النادِ).
ومن المحتمَل تأثُّر حذف ياء المنقوص:(المُحامي) بحذف ياء كلمة: (ثماني)؛ حيث سُمِع قول الشاعر:
لها ثنايا أربعٌ حِسانُ وأربـــــــــــــــــــــــــــعٌ فثغرها ثمانُ
وإن كانت هذه اللهجة التي تحذف الياء من كلمة:(ثماني)، وتجعل إعرابها على النون، غير شائعة في المستوى الفصيح، وخاصة بالعدد ثمانية فقط!(معجم الصواب اللغويّ: دليل المثقف العربيّ- د.أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل كان محمد جمعة الدِّربيّ واحدًا منهم- عالم الكتب- القاهرة- مصر ط1/2008م. المسألة رقم 464 جـ2/935).
ومن الراجح أن يكون الحذف في كلمة:(المُحام) تأثرًا بحذف الياء في الأعلام:(الحَكَم بن العاص ت32ه)، و(عمرو بن العاص ت43ه)، و(عمرو بن سعيد بن العاص ت70ه)؛ مع الاعتراف بأن بعض العلماء الذي روَوا حذف الياء من هذه الأعلام- وأكثرهم من المُحدِّثين- لم يجعلوا هذه الأعلام أسماء منقوصة من الفعل الناقص:(عصى يعصي)، أو الفعل:(عصا يعصو)؛ وإنما جعلوها من الفعل الأجوف الذي يتحوَّل أحيانًا إلى الناقص مثل: رجُل رائد ورادٌ، وشائك السلاح وشاكِ السلاح وشاكُ السلاح، ورجُل مالٌ ونالٌ ومائل ونائل(من المال والنوال)، وجُرُف هارٍ وهارٌ وهائر؛ فيكون (العاص) واحد (الأعياص) من قُريش!(يُراجع: رسم العاص لأبي الوفاء نصر الهوريني ت1292ه- دراسة وتحقيق صفاء صابر مجيد البياتي- الأجزاء المفردة(13)- مجموعة المخطوطات الإسلاميَّة- الإمارات العربيَّة المتحدة ط/2024م. ص44: 45، ويُراجع: مع الياء من اسم العلم العاصي- د.إبراهيم السامرائي- العدد 36- مجلة مجمع اللغة العربيَّة الأردنيّ- الأردن ط/1989م. ص325: 328).
ولم يقف التطوُّر اللغويّ في الاسم المنقوص عند حذف الياء الأخيرة أو إثباتها؛ فقد ذكرت كتب التثقيف اللغويّ تطورًا ثالثًا يتمثَّل في تشديد الياء بدلًا من حذفها؛ ومن نماذج هذا التطوُّر قول العوامّ في القرن الثالث الهجريّ:”عُود مُستويّ”، وقد اعترض أبو حاتم السِّجستانيّ(ت255ه) في كتابه لحن العامَّة على هذا التطور!(تُراجع مُقدِّمة لحن العوامّ للزُّبيديّ ت379ه، ولا يزال كتاب أبي حاتم في حكم المفقود؛ وقد بذل د.عبد العزيز مطر ود.رمضان عبد التواب ود. الغزالي محمد حامد ود. عامر باهر الحيالي ود. فائزة الإدريسي مُحاولات مشكورة في جمع مادة كتاب أبي حاتم؛ ويُراجع انتقاد هذه المُحاولات والاستدراك عليها في: نصوص من كتاب لحن العامة للسِّجستانيّ– د.محمد جمعة الدِّربيّ- عدد شوال- مجلة الأزهر- القاهرة ط/1438ه، ونصوص جديدة من لحن العامة للسِّجستانيّ- العدد الثاني- مجلة المخطوطات الثقافيَّة- معهد المخوطات العربيَّة- القاهرة- مصر ط/2019م).
وهذا الذي غيَّره العوامّ أمام أبي حاتم السِّجستانيّ ذكرتْه كتب التثقيف اللغويّ من بعده؛ لاستمراره على ألسنة العامَّة، بل أضافت إليه نماذج أخرى لتشديد المُخفَّف مثل: مُسترخيَّة، ومُغنيَّة، ومُغنيِّين، ومُكاريِّين، ونديَّة؛ وذلك كلُّه يُماثل ما يقع حاليًّا في لُغة رجال القانون المصريّ؛ إذ يجمع مُعظمهم كلمة:(المُحامي)؛ فيُثبت الياء في الجمع ويزيد شدَّة عليها؛ فيقال:(المُحاميُّون)، و(نقابة المُحاميِّين)؛ وكأن المُفرد عندهم:(المُحاميّ) نسبة إلى نفسه!
ولا يخفى أثر التشديد على مقاطع الكلمة شكلًا؛ حيث تتحوَّل كلمة:(مُستوٍ= مُسْ/ تَ/ ون= ص ح ص/ ص ح/ ص ح ص) إلى:(مُستويّ= مُسْ/ تَ/ ويّ= ص ح ص/ ص ح/ص ح ص ص)، وتتحوَّل كلمة:(المُحامي= الْ/ مُ/ حَا/ مي= ص ح ص/ ص ح/ص ح ح/ ص ح ح) إلى:(المُحاميّ= ال/ مُ/ حا/ ميّ= ص ح ص/ص ح/ص ح ح/ص ح ص ص)، وقد يؤثِّر التشديد على شكل المقاطع وعددها؛ حيث تتحوَّل كلمة:(المُحامين= ال/ مُ/ حا/ مين= ص ح ص/ص ح/ص ح ح/ص ح ح ص) إلى:(المُحاميِّين= ال/ مُ/ حا/ مي/ يِين)= ص ح ص/ص ح/ص ح ح/ ص ح ص/ص ح ح ص)!
ويبدو أن هذا التشديد المُؤثِّر في مقاطع الكلمة من قبيل الأسماء المنسوبة إلى نفسها مثل: أحمر وأحمريّ، ودَوَّار ودَوَّاريّ، وكُرسي وكُرسيّ، و… بل سُمع لفظ: ” مُستويّ” الذي أنكره أبو حاتم السِّجستانيّ(ت 255ه) بالتشديد في شعر فصيح للسيدة صفيَّة بنت عبد المطلب، ووُجد لفظ:” المُفتيِّين” بالتشديد- وهو مثل المُحاميِّين- جمعًا للفظ:” المُفتي” في الرسالة للإمام الشافعيّ القرشيّ(ت 204ه)؛ ممَّا دفع الدكتور عبد الناصر عيسوي إلى عدّ هذا التشديد لهجة قُرشيَّة محضة(يُراجع: شعر بني هاشم في الجاهليَّة وصدر الإسلام، جمع وتحقيق ودراسة- د.عبد الناصر عيسوي- الحضارة للنشر- القاهرة- مصر ط1/2011م. ص172: 175، ويُمكن أن يُضاف إلى الأمثلة التي أحصاها للأسماء المنسوبة إلى نفسها قول العرب: فلان شَجٍ وشَجيّ، وقد غاب هذا التخريج عن معجم الصواب اللغويّ- د.أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل كان د.محمد جمعة الدِّربيّ واحدًا منهم- عالم الكتب- القاهرة- مصر ط1/2008م. المسألة رقم 3122 جـ1/465، والمسألة رقم 4598 جـ1/693)!
وإذا كان- كما يقول الثعالبي(ت 429ه) في فقه اللغة وسر العربيَّة- من الجائز تركُ الأفصح لمُقتضٍ كالتوازن بسابقة أو لاحقة في سجع أو في الفواصل القرآنيَّة، أو لغير مُقتضٍ؛ فمن الأفضل لرجال القانون في العصر الحاليّ الالتزام بفصحى العصر أو بالصحيح الشائع، وتجنُّب الضرورات واللهجات القليلة، وبخاصة في لغة الكتابة؛ حفاظًا على المستوى اللغويّ العامّ؛ لا سيَّما أن مُعظم رجال القانون المصريّ حاليًّا لا يعرفون هذه اللهجات أو القراءات القرآنيَّة أو الضرورات الشِّعريَّة أو القرارات المجمعيَّة!
وبعد؛ فإن كلامي عن المنقوص عند رجال القانون ينبغي ألَّا يقتصر على الاسم المنقوص الاصطلاحيّ مُفردًا أو جمعًا؛ بل يجب أن يشمل المنقوص الأدائيّ في لغة القانونيِّين على المستويات الصوتيَّة والصرفيَّة والنحويَّة والدِّلاليَّة، وأكرِّر هنا ما أوصيتُ به في كتابي الجريء:(الضعفاء من رجال القانون)؛ إذ يجب تدريب المُوظَّفين بالمحاكم وإدارات الفتوى ودُور الإفتاء- وبعض هؤلاء المُوظَّفين من خرِّيجي كليَّات الحقوق- تدريبًا لُغويًّا؛ حتى لا يُورِّطوا الأكابر من القضاة والمُفتين في أخطاء لا تليق بمكانتهم؛ وحتى لا يتبرَّأ هؤلاء الأكابر من أخطاء مُوظَّفيهم، ويُمكن الاستعانة بمُراجعين أو مُستشارين لُغويِّين لمُتابعة الفتاوى والأحكام قبل توقيع القضاة والمُفتين عليها! بل ينبغي تدريس مُقرَّرات دَسِمة في اللغة العربيَّة لطلاب كليَّات الحقوق أو عَقْد دورات تدريبيَّة مُكثَّفة لهم قبل التخرُّج، ولا مانع من اشتراط إجادة التحدُّث بفصحى العصر ضمن شروط التخرُّج والترقية والقَيْد بنقابات المُحامين!
وأرجو أن يُمنَع القضاة والمُحامون من التحدُّث بالعاميَّة في أثناء سير جلسات المحاكم، وأن تُمنَع الجلسات السريعة المُفرِّطة في حقّ المُرافعات أمام دوائر المحاكم الإداريَّة ومحاكم القضاء الإداريّ بمجلس الدَّولة المصريّ؛ وأطالب أيضًا بتشكيل لجان من وزارة العدل المصريَّة لمُتابعة بيئة العدالة المصريَّة ومدى تنفيذها لقانونَي المُرافعات والمُحاماة، وبتشكيل لجان من المجامع اللغويَّة لمُتابعة الفصحى في بيئة القانون العربيّ؛ ألا هل بلَّغتُ؟