الحضارة تبنى بالوعي المشترك – أ.علجية عيش -الجزائر-
الحضارة تبنى بالوعي المشترك
رؤية حول كيف يُسْقِطُ العنف العقل
كيف يمكننا أن نبتكر نظاما يعامل الجميع على قدر المساواة وفي نفس الوقت يمنح الحرية في التفكير واتخاذ القرار؟
سؤال يبحث له عن إجابة من أجل رفع الغبار على كل التناقضات و مناقشتها بعقل منفتح على الأخر، لاستعادة الثقة للإنسان بعيدا عن الشكوك و في طريقة التفكير، بل إيقاظ فيهم روح الحوار بعيدا عن التعصب للفكر و الرأي، فالعقل وحده يفرز المشكلات و يفصلها عن بعضها البعض فبالعقل يميز الإنسان بين الخير و الشر و بين الحق و الباطل و بين المعقول و اللامعقول ( المنطق) فلا يعيش كالحيوان ، عندما نطلع على كتابات مفكرين و فلاسفة نجد البعض ينجرف و راءها و كأنها مذهب أو نصا دينيا ينبغي الالتزام به، رغم أن من طرحوا هذه الأفكار هم بشرٌ مثلنا يخطئون و يصيبون، فالأفكار كما يقول المفكر أرمستو تتحقق بالمشاركة للوصول ما يُراد تحقيقه، و يقصد بذلك الوعي المشترك الذي بدونه لا يمكن بناء حضارة و به نحافظ على هويتنا ، فالفكرة وحدها تبني و الفكرة وحدها قد تُدَمّر، و الفكرة المدمرة أو الفكرة القاتلة كما سمّاها المفكر مالك بن نبي رحمه الله غالبا ما تؤدي إلى العنف و الحرب ، فلا يكون هناك تقدمٌ و لا ازدهار .
و العنف بكل أشكاله ( فكري كان أو سياسي أو لفظي أو جسدي) كما يقالُ يُسْقِطُ العقل و يشله عن التفكير، و يجعل الفرد مدفوعا بقوى الشرِّ، عندما تكلم مالك بن نبي عن عالم الأشياء وهو كل ما يتعلق بالصناعة و الابتكار نقف وقفة تأمل أمام ما نشهده من تقنية و تطور تكنولوجي التي رفعت الإنسان إلى مستوى الرقيّ و هذا أمر إيجابي ، تفتر به الأمم و الشعوب في العالم، فالذي ابتكر السلاح (على سبيل المثال) ساهم في تدمير البشرية و اسكت صوت العقل، هو عالم نيتشه الأخلاقي الذي قال أن الإنسان الذي يمتلك القوة و السلاح إنسانة متفوق، و أن الخير فكرة مزيفة، و كل حقيقة هي وهمٌ ، و بالتالي الحقيقة غير موجودة ، ربما هو محق، لأننا اليوم و في عصر النووي من جهة و عصر الروبوت من جهة أخرى نعيش في عالم كله أكاذيب و سفسطة ، و الذي يملك القوة هو “السوبرمان” على حد قول نيتشه، و العالم اليوم يطبق نظرية الفوضى ، و هي تعني حدوث اضطراب و عدم القدرة على التنبؤ بالعديد من التسلسلات العلمية، ويراها البعض على أنها عبارة عن اضطراب، مثلما نراه في تقلبّات المناخ وحركة أمواج البحر والتي تؤدي إلى كوارث طبيعية.
فما يحدث في الساحة اليوم من حروب هو تراكمات تعود إلى الحرب العالمية الأولى ، هي أجندات وضعها علماء و رجال دين و سياسيين و قادة عسكريين، تهدد بالانفجار و لا يعرف نتائجها صوى صانعيها و الذين خططوا لها، وهؤلاء يمثلون “جماعات الضغط” (لوبي) lobby و كلُّ واحدٍ من هذه اللوبيات يبحث عن مُسَوِّغٍ لفكرته و سياسته و لدينه الخاص، فالثروة و السلاح عندهم عقيدة، و القوة هي القانون ، و يريد هؤلاء أن يؤكدوا للشعوب و أنظمتها أنهم وحدهم يتحكمون في العالم، و يحتكرون المجال، و لهم عيونٌ في كل مكان، و قد نقرأ نظرة الشرّ في أعينهم و نراه في سلوكاتهم، لم تعد البشرية تتأثر بمّا يحدث حولها و هي ترى شعوبا مضطهدة و أطفال يموتون تحت القصف و بعضهم يموت جوعا كأطفال غزة ، حروب هنا و هناك ، و الإنسانية وقعت على شهادة وفاتها، لقد فقد الإنسان الإحساس و أصبح يأكل لحم أخيه ( بالمفهوم الإنساني ) دون رحمة و كأننا نعيش حياة الغاب، أو أننا عدنا إلى العصور البدائية ، نشير هنا أن فكرة “أكل لحوم البشر” حقيقة تاريخية و هي من أوائل الأفكار البشرية، و قد مورست في جميع أنحاء العالم، و كانت عملية موحشة لكسب القوة و السلطة، حسب المؤرخ البريطاني فيليب أرمستو فإن فكرة أكل لحوم البشر كانت ممارسة عادية و هي تعود إلى أربع مائة (400) ألف سنة، و نحن هنا نتساءل: ما الذي يفرق آكل لحم أخيه عن الحيوانات المتوحشة الأخرى؟.
إننا في زمن غير الزمن القديم، و في زمن التنوير لم تعد قوّة الفكر متوقفة على شخص واحدٍ أو مجموعة من الأشخاص يريدون احتلال المكان و الحيّز، لأن العالم يزداد اتساعا، و تعقيدا ، بحيث يمكننا التواصل مع من يعيشون وراء البحار بالضغط على الزرّ، فقد قربت وسائل التواصل الاجتماعي بين الأفراد، بحيث تحول العالم إلى قرية صغيرة ، لذلك لا يظن ظانٌّ أنه يمكنه اليوم التحكم في العقول و التأثير فيهم و إقناعهم بمختلف الوسائل، فزمن “التدجين” قد ولّى، يطرح كثير من المفكرين سؤال ماذا قدمت المجتمعات إلى مخزون الأفكار الحالي ، هذه المجتمعات التي ظهرت وسط الجماهير بإيديولوجيات جديدة قائمة على العنف تستغل بها الآخر و تفرض عليه منطقها، فابتكرت قوانين جديدة و أخرى وضعت فتاوي لا صلة لها بالدين و الأخلاق، إن المشكلة هي مشكلة أفكار و كيف نُسَوِّقُهَا للأخر ، هي المشكلة التي تحدث عنها الفيلسوف مالك بن نبي، في كل كتاباته و دعا إلى إعادة النظر في التركيبة البشريَّة للمجتمع الإسلامي وكيف يمكن إعادة النظر في البناء الحضاري في إطار “براديغم إسلامي” ذلك عن طريق محاربة ما سمّاه بالقابليَّة للاستعمار وتصحيح الأفكار السلبيَّة أو الأفكار الميِّتة التي تعيق نمو المجتمع وتجعله مجتمعا مشلولا، مخدّرا، طاقاته معطَّلة وإبداعاته مجمَّدة، فالمجتمع الإسلامي كما يقول مالك بن نبي غير مستقرّ فكرا، إذ تسوده الفوضى ، فهذه الأفكار الميّتة في نظر مالك بن نبي أشد فتكًا بالمجتمع، و مصدرها هو انحطاط المجتمع، و يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نبتكر نظاما يعامل الجميع على قدر المساواة وفي نفس الوقت يمنح الحرية في التفكير و تقرير المصير الإنسان مصيره واتخاذ القرار؟
علجية عيش