حصريا

الجرائم الإلكترونية والشريعة الإسلامية : تحليل للمفاهيم والتطبيقات – أ.م.د محمد فهمي رشاد -مصر-

0 12

ملخص البحث: الجرائم الإلكترونية والشريعة الإسلامية

موضوع البحث:

يتناول هذا البحث دراسة تحليلية تأصيلية لظاهرة الجرائم الإلكترونية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية. فمع التسارع التقني الهائل وبروز تحديات معقدة مثل جرائم الذكاء الاصطناعي، والابتزاز الرقمي، والقرصنة المالية، تبرز الحاجة الملحة لبيان موقف الفقه الإسلامي من هذه المستجدات.

أهداف البحث:

يهدف البحث بشكل رئيسي إلى تكييف الجرائم الإلكترونية فقهياً باعتبارها “جرائم تعزيرية” تمس مقاصد الشريعة الضرورية (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال). كما يسعى إلى التحقق من مدى حجية الأدلة الرقمية (Digital Evidence) في القضاء الإسلامي، ووضع إطار للعقوبات الرادعة التي تتناسب مع طبيعة الفضاء السيبراني.

المنهجية المتبعة:

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لتفكيك مفاهيم الجريمة المعلوماتية، والمنهج الاستنباطي المقارن لربط النوازل الرقمية بالقواعد الفقهية الكلية والأدلة الشرعية، مع الاستئناس بالتشريعات القانونية المعاصرة لعام 2026 لضمان واقعية الحلول المقترحة.

أهم النتائج المتوقعة:

المرونة الفقهية: أثبتت الدراسة أن الشريعة الإسلامية تمتلك نظاماً جنائياً مرناً (نظام التعزير) قادر على استيعاب كافة صور الجرائم المستحدثة مهما تطورت أدواتها.

حجية الدليل الرقمي: التوصل إلى أن الدليل الإلكتروني الموثق يُعد قرينة قوية تقترب من رتبة اليقين، ويمكن الاعتداد به في إثبات الجرائم التعزيرية.

توسيع مفهوم الحرز: إعادة تعريف مفهوم “الحرز” في فقه السرقة ليشمل الحماية البرمجية وتشفير البيانات، مما يفتح الباب لتكييف السرقات الرقمية الكبرى.

التكامل الوقائي: الشريعة لا تكتفي بالعقاب، بل تضع منظومة وقائية تبدأ من الوازع الديني (الرقابة الذاتية) وتمر بالتشريعات الزاجرة.

الكلمات المفتاحية:

الجرائم الإلكترونية، الشريعة الإسلامية، التعزير، المقاصد الضرورية، الدليل الرقمي، السياسة الشرعية، الأمن السيبراني.

الجرائم الإلكترونية والشريعة الإسلامية: تحليل للمفاهيم والتطبيقات”

أولاً: هيكل خطة البحث

  1. مقدمة البحث

مشكلة البحث: اتساع نطاق الجرائم المعلوماتية (كالابتزاز، التزوير الرقمي، غسيل الأموال الإلكتروني) وضرورة إيجاد تأصيل شرعي لمواجهتها في ظل غياب نصوص تراثية مباشرة لهذه الصور المستحدثة.

أهمية البحث: تكمن في بيان مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب النوازل الرقمية، وتقديم إطار أخلاقي وقانوني يكمل التشريعات الوضعية.

أهداف البحث: تحديد مفهوم الجريمة الإلكترونية شرعاً، وتصنيف العقوبات (تعزيرية)، وبيان سبل الوقاية.

  1. المبحث الأول: التأصيل المفاهيمي للجرائم الإلكترونية في الفقه الإسلامي

المطلب الأول: تعريف الجريمة الإلكترونية وخصائصها في العصر الحديث.

المطلب الثاني: التكييف الفقهي للجريمة الإلكترونية (باعتبارها معصية توجب التعزير).

المطلب الثالث: علاقة الجرائم الإلكترونية بمقاصد الشريعة الضرورية (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال).

  1. المبحث الثاني: أنماط الجرائم الإلكترونية وتطبيقاتها الفقهية

المطلب الأول: الاعتداء على الأموال (السرقة الإلكترونية، الاحتيال المصرفي، القرصنة) وموقف الفقه من “شرط الحرز”.

المطلب الثاني: الاعتداء على الأعراض والحرمات (الابتزاز الإلكتروني، القذف عبر وسائل التواصل، انتهاك الخصوصية).

المطلب الثالث: الجرائم الماسة بأمن الدولة والمجتمع (الإرهاب الإلكتروني، نشر الإشاعات، التحريض).

  1. المبحث الثالث: الإثبات والعقاب في الجرائم الإلكترونية

المطلب الأول: وسائل الإثبات الرقمية (الدليل الإلكتروني) ومدى حجيتها في القضاء الإسلامي.

المطلب الثاني: العقوبات التعزيرية للجرائم الإلكترونية (عقوبات مقيدة للحرية، عقوبات مالية، عقوبات معنوية).

المطلب الثالث: التدابير الوقائية والزواجر الأخلاقية في الإسلام للحد من الجرائم الرقمية

  1. الخاتمة والنتائج

خلاصة البحث وأهم التوصيات (مثل: ضرورة سن قوانين وضعية مستمدة من روح الشريعة، وتفعيل دور “الرقابة الذاتية”).

أولاً: تعريف الجريمة الإلكترونية

التعريف الاصطلاحي الحديث: هي كل فعل غير قانوني يتم ارتكابه باستخدام الوسائل الإلكترونية (أجهزة الكمبيوتر، الهواتف الذكية، الشبكات، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي)، سواء كان الهدف منها الاعتداد على البيانات والمعلومات، أو استخدام الشبكة كأداة لتنفيذ جرائم تقليدية (كالسرقة والقذف).

التعريف بالمنظور الشرعي: يمكن تعريفها بأنها: “كل معصية شرعية تُرتكب عبر الوسائط التقنية الحديثة، تلحق ضرراً بأحد الضرورات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، مما يستوجب عقوبة زاجرة يقررها ولي الأمر (تعزيراً)”.

شرح التعريف: ربط الجريمة بـ “المعصية” يعيدها إلى أصل التكليف، وربطها بالضرورات الخمس يمنحها التكييف المقاصدي، بينما الإشارة للوسائط التقنية تمنحها الصبغة العصرية.

ثانياً: خصائص الجرائم الإلكترونية في العصر الحديث (رؤية لعام 2026)

تتميز الجرائم الإلكترونية بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن الجرائم التقليدية، وهي:

غياب الحدود الجغرافية (العالمية): الجريمة الإلكترونية جريمة عابرة للحدود؛ فقد يكون الجاني في قارة والمجني عليه في قارة أخرى، مما يضع فقهاء السياسة الشرعية أمام تحديات تتعلق بـ “الولاية القضائية” وتطبيق الأحكام على الجناة في بلاد غير إسلامية.

السرعة الفائقة والاتساع: يمكن للمجرم الإلكتروني في ثوانٍ معدودة استهداف آلاف الضحايا أو اختراق مؤسسات مالية كبرى، وهو ما يجعل ضررها “متعدياً” وواسع النطاق مقارنة بالجريمة الفردية التقليدية.

صعوبة الإثبات الرقمي: تعتمد هذه الجرائم على أدلة رقمية غير ملموسة (بيانات مخزنة، عناوين IP)، وهي قابلة للتعديل أو المحو السريع، مما يتطلب تطويراً في فقه “الإثبات” للاعتداد بالقرائن التقنية الحديثة.

تطور أدوات الجريمة (الذكاء الاصطناعي): في عام 2026، برزت “الجرائم الآلية” حيث تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتزييف العميق (Deepfake) أو التشفير التلقائي للبيانات لابتزاز الضحايا، مما يطرح تساؤلات فقهية حول “المسؤولية الجنائية” عند غياب المباشرة البشرية اللحظية.

التخفي والمجهولية: يوفر الفضاء السيبراني بيئة خصبة للجناة للتواري خلف هويات وهمية، مما يصعب عملية “التعزير” التي تتطلب تحديد الجاني بيقين، ويستدعي ذلك وجوب تطوير منظومة “الرقابة الرقمية” من منظور الحسبة.

ثالثاً: المقاربة بين الجريمة الإلكترونية والجريمة التقليدية

تتفق الجريمة الإلكترونية مع الجريمة التقليدية في وجود “الركن المعنوي” (القصد الجنائي) و”الركن المادي” (الفعل الإجرامي)، لكنها تختلف في “الأداة” و”مسرح الجريمة”. فالشريعة الإسلامية لا تنظر إلى “الآلة” المستخدمة بقدر ما تنظر إلى “الأثر المترتب” على الفعل؛ فإذا كان الفعل يؤدي إلى إتلاف مال أو هتك عرض، فهو محرم شرعاً بغض النظر عن كونه تم بـ “السيف” أو بـ “الكود البرمجي”

خلاصة المطلب:

إن الجريمة الإلكترونية هي تطور معاصر للمخالفات الشرعية، تفرض على الباحث الفقهي النظر في المقاصد والمآلات أكثر من الوقوف عند حرفية النصوص التراثية التي عالجت وسائل بدائية، مما يستدعي تفعيل باب “المصالح المرسلة” و”سد الذرائع” لحماية المجتمع الرقمي.

المطلب الثاني: التكييف الفقهي للجريمة الإلكترونية (باعتبارها معصية توجب التعزير)

إن التكييف الفقهي السليم للجرائم الإلكترونية يمثل حجر الزاوية في بناء النظام الجنائي الإسلامي لمواجهة هذه الظاهرة. بعد أن تم تعريف هذه الجرائم وبيان خصائصها، يتبين أن أغلبها يندرج تحت طائفة “جرائم التعزير”.

أولاً: تصنيف الجرائم في الفقه الإسلامي

يقسم الفقه الإسلامي الجرائم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

الحدود: وهي جرائم ورد فيها نص قرآني أو نبوي يحدد عقوبتها بدقة (كالسرقة، الزنا، القذف، شرب الخمر، قطع الطريق).

القصاص والدية: وهي الجرائم المتعلقة بالاعتداء على النفس وما دونها (كالقتل والجرح).

التعزير: هي كل معصية ليس فيها حد مقدر شرعاً ولا كفارة، وتُترك عقوبتها لتقدير القاضي أو ولي الأمر بما يحقق المصلحة والردع.

ثانياً: الأساس الشرعي لتكييف الجرائم الإلكترونية تعزيراً

تُعد الجرائم الإلكترونية من النوازل المستحدثة التي لم تكن معروفة في عصر التشريع الأول، وبالتالي لم يرد في شأنها نصوص تحدد عقوبات مقدرة (حدوداً) أو موجبات للقصاص. وعليه، فإن المنهج الفقهي القويم يقتضي إدراجها ضمن باب “التعزير” للأسباب التالية:

غياب النص المقدر: لا يوجد نص شرعي يحدد عقوبة لـ “اختراق موقع إلكتروني” أو “الابتزاز عبر منصات التواصل”، مما يجعلها تقع في دائرة العفو التشريعي المطلق من التحديد المسبق للعقوبة.

تحقيق المصلحة والردع: يهدف التعزير إلى إصلاح الجاني وردع غيره وحماية المجتمع، وهذه هي الأهداف ذاتها التي تسعى إليها التشريعات الحديثة لمكافحة الجرائم السيبرانية. يمنح نظام التعزير القاضي الإسلامي مرونة في اختيار العقوبة المناسبة (الحبس، الغرامة المالية، الجلد، التشهير الإلكتروني، إلخ) بما يتناسب مع جسامة الضرر الواقع في الفضاء الرقمي.

مبدأ سد الذرائع: أغلب الجرائم الإلكترونية تشكل ذرائع (وسائل) للوصول إلى محرمات كبرى (كأكل المال بالباطل، هتك الأعراض). والشريعة جاءت بسد هذه الذرائع، وتكييفها تعزيراً يعطي ولي الأمر الصلاحية لإغلاق هذه المنافذ الإجرامية بالعقوبات المناسبة.

ثالثاً: حدود القياس الفقهي في التكييف

رغم وجود شبه بين بعض الجرائم الإلكترونية والجرائم التقليدية (كالسرقة الإلكترونية والسرقة التقليدية)، فإن الاختلاف في “طبيعة المال المسروق” (معنوي/بيانات مقابل مادي/محرز) يجعل تطبيق الحد (قطع اليد) محل خلاف فقهي واسع. الرأي الراجح والمعتمد في القضاء المعاصر يميل إلى عدم تطبيق الحدود بالشبهات والاكتفاء بالعقوبات التعزيرية الشديدة التي تحقق الردع.

المطلب الثالث: علاقة الجرائم الإلكترونية بمقاصد الشريعة الضرورية (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)

جاءت الشريعة الإسلامية لحفظ الضروريات الخمس، وتُعد الجرائم الإلكترونية انتهاكاً مباشراً لهذه الكليات الأساسية، مما يؤكد على وجوب محاربتها شرعاً.

أولاً: حفظ المال

هذا هو المقصد الأكثر تعرضاً للانتهاك في الفضاء السيبراني:

السرقة والاحتيال الإلكتروني: اختراق الحسابات المصرفية، التصيد الاحتيالي (Phishing)، برامج الفدية (Ransomware) التي تشفر البيانات وتطلب المال. كل هذه الأفعال هي أكل لأموال الناس بالباطل، وتوجب التعزير الشديد لحفظ اقتصاد الأفرادوالدول

ثانياً: حفظ النفس

قد تبدو العلاقة بعيدة، لكنها وثيقة:

الابتزاز الإلكتروني: يؤدي الابتزاز والتهديد بنشر معلومات خاصة إلى ضغوط نفسية شديدة قد تدفع الضحية إلى الانتحار (القتل)، وهو اعتداء غير مباشر على النفس.

الإرهاب السيبراني: استهداف البنى التحتية الحيوية (محطات الطاقة، المستشفيات) يمكن أن يؤدي إلى وفيات جماعية، وهو اعتداء صريح على النفس.

ثالثاً: حفظ العقل

نشر الأكاذيب والتضليل: استخدام الروبوتات والحسابات الوهمية لنشر معلومات مغلوطة أو الترويج للمخدرات الرقمية أو الأفكار الهدامة، يؤدي إلى تشويش العقل والتلاعب بالوعي الجمعي

رابعاً: حفظ النسل والعرض (الحرمات)

القذف والتشهير: استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لقذف المحصنات والتشهير بالأبرياء وانتهاك خصوصياتهم، مما يهدم الأسر ويخلط الأنساب المعنوية (السمعة والشرف).

استغلال الأطفال: الجرائم المتعلقة باستغلال الأطفال عبر الإنترنت هي من أبشع الانتهاكات لمقصد حفظ النسل، وتستوجب أشد العقوبات التعزيرية.

خامساً: حفظ الدين

التطرف والإلحاد الإلكتروني: استخدام المنصات الرقمية لبث الفتن الطائفية، التشكيك في ثوابت الدين، والترويج للأفكار المتطرفة التي تخرج الأفراد عن جادة الصواب.

خلاصة المطلبين:

إن التكييف الفقهي السليم يضع الجرائم الإلكترونية في إطار التعزير، وهو إطار مرن وفعال. ويدعم هذا التكييف كون هذه الجرائم تشكل تهديداً مباشراً لمقاصد الشريعة الأساسية التي جاءت لحماية المجتمع وصونه من كل ضرر.

المبحث الثاني: أنماط الجرائم الإلكترونية وتطبيقاتها الفقهية

المطلب الأول: الاعتداء على الأموال (السرقة الإلكترونية، الاحتيال المصرفي، القرصنة) وموقف الفقه من “شرط الحرز”

يُعد الاعتداء على المال عبر الوسائط الرقمية من أكثر أنواع الجرائم انتشاراً، ويتطلب تكييفاً فقهياً دقيقاً، لا سيما فيما يتعلق بشرط “الحرز” اللازم لتطبيق حد السرقة.

أولاً: صور الاعتداء على الأموال إلكترونياً

السرقة الإلكترونية (Electronic Theft): تتمثل في الاستيلاء على بيانات مالية، أو تحويل أموال من حسابات بنكية دون وجه حق. هي أقرب صور الجرائم الإلكترونية للسرقة التقليدية.

المبحث الثاني: أنماط الجرائم الإلكترونية وتطبيقاتها الفقهية

 

أفرز التطور التقني المتسارع أنماطًا جديدة من الجرائم لم تكن معروفة في العصور السابقة، مستفيدة من الفضاء الرقمي وشبكات الاتصال الحديثة، وهو ما استدعى إعادة النظر الفقهية في توصيف هذه الجرائم، وبيان أحكامها الشرعية، وتكييفها ضمن القواعد الكلية للشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض. ويهدف هذا المبحث إلى بيان أبرز أنماط الجرائم الإلكترونية وتحليلها فقهيًا.

المطلب الأول: الاعتداء على الأموال (السرقة الإلكترونية، الاحتيال المصرفي، القرصنة) وموقف الفقه من شرط الحرز

أولًا: مفهوم الاعتداء الإلكتروني على الأموال

 

يُقصد بالاعتداء الإلكتروني على الأموال: كل سلوك غير مشروع يتم عبر الوسائل الرقمية والتقنية الحديثة، ويؤدي إلى الاستيلاء على أموال الغير أو إتلافها أو التحكم فيها دون إذن أصحابها، سواء أكانت أموالًا مادية أم أموالًا رقمية ذات قيمة مالية معتبرة.

ومن أبرز صوره:

 

السرقة الإلكترونية: كاختراق الحسابات البنكية، وسرقة الأرصدة الرقمية، والعملات الإلكترونية.

 

الاحتيال المصرفي الإلكتروني: مثل استخدام بطاقات ائتمان مزورة، أو انتحال الصفات للحصول على بيانات مالية.

 

القرصنة الإلكترونية: كاختراق الأنظمة وسرقة البيانات ذات القيمة الاقتصادية وبيعها أو استغلالها.

ثانيًا: التكييف الفقهي للاعتداء على الأموال الإلكترونية

 

اتفق الفقهاء على أن المال محل الحماية الشرعية يشمل كل ما له قيمة معتبرة شرعًا، ويمكن حيازته والانتفاع به على وجه مشروع. ومع تطور مفهوم المال، اتجه الفقه المعاصر إلى اعتبار الأموال الإلكترونية أموالًا متقومة، لما لها من قيمة حقيقية وآثار مالية ملموسة.

 

وعليه، فإن الاعتداء عليها يدخل في باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو محرم بنص القرآن الكريم:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.

ثالثًا: موقف الفقه من شرط الحرز في السرقة الإلكترونية

 

اشترط الفقهاء لإقامة حد السرقة تحقق الحرز، وهو المكان الذي يُحفظ فيه المال عادةً. وقد ثار جدل فقهي معاصر حول مدى انطباق هذا الشرط على الأموال الرقمية.

 

ويمكن تلخيص الآراء في الآتي:

 

الرأي الأول: اعتبار الأنظمة الإلكترونية المؤمنة (ككلمات المرور، والتشفير، والحسابات البنكية) بمثابة حرز شرعي، لأنها تؤدي ذات الغرض المقصود من الحرز التقليدي.

الرأي الثاني: عدم تحقق الحرز بالمفهوم الفقهي القديم، مما يمنع إقامة حد السرقة، ويكتفى بالتعزير.

 

والراجح فقهيًا أن شرط الحرز يتحقق عرفًا في البيئة الرقمية، إلا أن تطبيق الحد يظل محل احتياط شديد، ويُرجَّح الاكتفاء بالعقوبات التعزيرية التي يقدّرها ولي الأمر، مراعاة لتعقيد الإثبات وتداخل المسؤوليات التقنية.

المطلب الثاني: الاعتداء على الأعراض والحرمات (الابتزاز الإلكتروني، القذف عبر وسائل التواصل، انتهاك الخصوصية)

أولًا: مفهوم الاعتداء على الأعراض إلكترونيًا

 

الاعتداء على العرض هو كل فعل أو قول يمس كرامة الإنسان وشرفه وسمعته. ومع تطور وسائل الاتصال، ظهرت صور جديدة لهذا الاعتداء، منها:

 

الابتزاز الإلكتروني: باستخدام الصور أو المحادثات الخاصة للضغط على الضحية.

 

القذف والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

انتهاك الخصوصية: كاختراق الحسابات الشخصية أو نشر المعلومات الخاصة دون إذن

ثانيًا: الحكم الشرعي لهذه الجرائم

 

جميع هذه الأفعال محرّمة شرعًا، لما فيها من انتهاك صريح لحرمة الإنسان، وقد شددت الشريعة في حفظ العرض، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

ثالثًا: التكييف الفقهي والعقوبة

 

القذف الإلكتروني يأخذ حكم القذف التقليدي إذا توافرت أركانه الشرعية، ويترتب عليه حد القذف.

 

أما الابتزاز وانتهاك الخصوصية فهي جرائم تعزيرية، يعاقب مرتكبها بما يحقق الردع والزجر، وقد تتفاوت العقوبة حسب جسامة الفعل وآثاره النفسية والاجتماعية.

 

وقد أكد الفقه المعاصر أن النشر الرقمي أشد خطرًا من النشر التقليدي، لاتساع نطاقه وسرعة انتشاره، مما يبرر تشديد العقوبة التعزيرية.

المطلب الثالث: الجرائم الماسة بأمن الدولة والمجتمع (الإرهاب الإلكتروني، نشر الإشاعات، التحريض)

أولًا: مفهوم الجرائم الإلكترونية الماسة بالأمن العام

 

هي كل أفعال تُرتكب عبر الوسائل الإلكترونية وتهدد استقرار الدولة أو سلامة المجتمع، مثل:

 

الإرهاب الإلكتروني: عبر اختراق البنى التحتية، أو نشر الفكر المتطرف.

 

نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة.

 

التحريض على العنف أو الفتنة الطائفية والسياسية.

ثانيًا: الموقف الشرعي

 

تعد هذه الجرائم من أخطر الجرائم في الشريعة الإسلامية، لأنها تمس مقاصد عليا، وعلى رأسها حفظ النفس والدين والنظام العام. وقد حرمت الشريعة كل ما يؤدي إلى الفوضى والإفساد في الأرض، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.

ثالثًا: التكييف الفقهي والعقوبة

 

قد تُكيف بعض صور الإرهاب الإلكتروني على أنها حرابة إذا ترتب عليها ترويع الناس أو الإضرار الجسيم بالمصالح العامة.

 

أما نشر الإشاعات والتحريض، فهي جرائم تعزيرية، ويجب تشديد العقوبة فيها بحسب حجم الضرر وتأثيرها في الأمن والاستقرار.

 

وقد أجمع الفقهاء المعاصرون على مشروعية تدخل الدولة لسنّ القوانين الرادعة، وتنظيم الفضاء الإلكتروني بما يحقق مصلحة المجتمع ويدرأ المفاسد

خلاصة المبحث

 

يتبين من خلال هذا المبحث أن الجرائم الإلكترونية، رغم حداثة وسائلها، إلا أن جوهرها لا يخرج عن مقاصد الشريعة الإسلامية، التي جاءت لحماية المال والعرض والأمن العام، وأن الفقه الإسلامي بمنهجه المرن وقواعده الكلية قادر على استيعاب هذه الجرائم، وتقديم حلول شرعية عادلة تحقق الردع وتحفظ حقوق الأفراد والمجتمع.

المبحث الثالث: الإثبات والعقاب في الجرائم الإلكترونية

 

تُعد مسألة الإثبات والعقاب من أهم الإشكالات الفقهية والقانونية في الجرائم الإلكترونية، نظرًا لخصوصية البيئة الرقمية التي تُرتكب فيها هذه الجرائم، وما تفرزه من أدلة تقنية غير مألوفة في الفقه التقليدي. وقد أظهر الفقه الإسلامي مرونة واضحة في استيعاب وسائل الإثبات الحديثة، من خلال اعتماده على مقاصد الشريعة وقواعدها العامة، بما يحقق العدالة ويمنع الظلم ويصون الحقوق.

المطلب الأول: وسائل الإثبات الرقمية (الدليل الإلكتروني) ومدى حجيتها في القضاء الإسلامي

أولًا: مفهوم الدليل الإلكتروني

 

الدليل الإلكتروني هو كل بيانات أو معلومات رقمية تُستخلص من الأجهزة الإلكترونية أو شبكات الاتصال، وتُستخدم لإثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، مثل:

 

سجلات الحاسوب والخوادم

 

رسائل البريد الإلكتروني والمحادثات الرقمية

 

التسجيلات الصوتية والمرئية

 

عناوين بروتوكول الإنترنت (IP)

 

سجلات المعاملات البنكية الإلكترونية

 

ثانيًا: موقف الفقه الإسلامي من وسائل الإثبات الحديثة

لم يرد في الفقه الإسلامي حصر جامد لوسائل الإثبات، بل توسع فيها بناءً على قاعدة تحقيق العدل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

 

وقد اعتمد الفقه الإسلامي وسائل متعددة للإثبات، منها: الإقرار، الشهادة، القرائن، الكتابة، والخبرة. ويُعد الدليل الإلكتروني من قبيل القرائن القوية أو الكتابة الحديثة أو الخبرة الفنية.

ثالثًا: مدى حجية الدليل الإلكتروني في القضاء الإسلامي

 

اتجه الفقه المعاصر إلى القول بحجية الدليل الإلكتروني متى توافرت فيه الشروط الآتية:

 

السلامة التقنية: خلو الدليل من التلاعب أو التزوير.

 

النسبة إلى المتهم: ثبوت الصلة بين الدليل ومرتكب الجريمة.

 

المشروعية: الحصول على الدليل بوسائل مشروعة دون انتهاك للخصوصية.

 

قابلية الفحص والمناقشة: إمكان عرضه على الخبراء وتقييمه قضائيًا.

 

وعليه، يجوز للقاضي الاعتماد على الدليل الإلكتروني في الجرائم التعزيرية، أما في الحدود فيبقى الأمر أكثر احتياطًا، التزامًا بقاعدة: “ادرؤوا الحدود بالشبهات”.

المطلب الثاني: العقوبات التعزيرية للجرائم الإلكترونية

أولًا: مفهوم العقوبة التعزيرية

 

العقوبة التعزيرية هي العقوبة التي لم يُحدد الشارع مقدارها ولا نوعها، وترك تقديرها لولي الأمر أو القاضي، بما يحقق المصلحة العامة ويردع الجناة.

 

وبما أن غالب الجرائم الإلكترونية لا تندرج تحت حدود أو قصاص، فإن الأصل فيها هو التعزير.

ثانيًا: أنواع العقوبات التعزيرية في الجرائم الإلكترونية

  1. العقوبات المقيدة للحرية

 

وتشمل:

 

الحبس لمدة تتناسب مع خطورة الجريمة.

 

المنع من استخدام الوسائل التقنية أو ممارسة نشاط إلكتروني معين.

 

الإقامة الجبرية أو المراقبة الإلكترونية.

 

وقد أقر الفقه الإسلامي مشروعية الحبس التعزيري عند الحاجة، كما فعله الخلفاء الراشدون.

  1. العقوبات المالية

 

وتشمل:

 

الغرامات المالية.

 

مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة.

 

إلزام الجاني بالتعويض عن الأضرار.

 

ويستند ذلك إلى قاعدة: “الغُنم بالغُرم”، وإلى جواز التعزير بالمال عند جمهور من الفقهاء المتأخرين.

 

  1. العقوبات المعنوية

وتشمل:

 

التشهير القضائي المنضبط.

 

التوبيخ والإنذار.

 

الحرمان من بعض الحقوق أو الامتيازات.

 

وتُعد هذه العقوبات فعّالة في الجرائم الرقمية، لما لها من أثر رادع يتناسب مع طبيعة الجريمة.

المطلب الثالث: التدابير الوقائية والزواجر الأخلاقية في الإسلام للحد من الجرائم الرقمية

أولًا: أهمية الوقاية في المنهج الإسلامي

 

لا يقتصر المنهج الإسلامي على العقاب، بل يولي أهمية كبرى للوقاية، تحقيقًا لمقصد سد الذرائع ومنع وقوع الجريمة قبل حدوثها.

ثانيًا: التدابير الوقائية في الشريعة الإسلامية

 

تعزيز الوازع الديني

وذلك بترسيخ مراقبة الله تعالى في السر والعلن، قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهو من أهم وسائل الضبط المجتمعي، خاصة في الفضاء الرقمي.

 

حماية الخصوصية

نهت الشريعة عن التجسس وتتبع العورات، مما يحد من كثير من الجرائم الإلكترونية.

 

التربية الرقمية الأخلاقية

من خلال نشر ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية، وربطها بالقيم الإسلامية.

ثالثًا: الزواجر الأخلاقية

 

تشمل الزواجر الأخلاقية في الإسلام:

 

التحذير من خطورة الظلم والعدوان الإلكتروني.

 

بيان الإثم المترتب على إيذاء الناس رقميًا.

 

تعزيز قيم الأمانة، والصدق، وحفظ الحقوق.

 

وقد أثبتت التجربة أن الجمع بين الزواجر الأخلاقية والعقوبات القانونية هو السبيل الأمثل للحد من الجرائم الرقمية.

خلاصة المبحث

 

يتضح أن الفقه الإسلامي يملك منظومة متكاملة في التعامل مع الجرائم الإلكترونية، تبدأ بإثبات الجريمة بوسائل حديثة معتبرة شرعًا، ثم توقيع العقوبة التعزيرية المناسبة، ولا تنتهي إلا بتفعيل التدابير الوقائية والأخلاقية التي تحول دون تفشي هذه الجرائم، بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض.

الخاتمة والنتائج والتوصيات

أولًا: خاتمة البحث (خلاصة عامة)

 

تناول هذا البحث موضوع الجرائم الإلكترونية في ضوء الشريعة الإسلامية، بوصفه من الموضوعات المعاصرة ذات الأهمية البالغة، لما يشهده العالم من تطور رقمي متسارع أفرز أنماطًا جديدة من الجرائم، مست القيم الأخلاقية، وهددت أمن الأفراد والمجتمعات، وألحقت أضرارًا جسيمة بالأموال والأعراض والنظم العامة.

وقد سعى البحث إلى بيان المفهوم الفقهي للجرائم الإلكترونية، وتحليل صورها المختلفة، وتكييفها الشرعي، مع إبراز موقف الشريعة الإسلامية من وسائل إثباتها والعقوبات المترتبة عليها، وذلك في ضوء القواعد الكلية والمقاصد العامة للشريعة، التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض.

 

وأظهر البحث أن الجرائم الإلكترونية، رغم حداثة وسائلها، إلا أن حقيقتها لا تخرج عن كونها اعتداءً محرمًا شرعًا، وأن الشريعة الإسلامية بمنهجها المرن وقواعدها العامة قادرة على استيعاب هذه المستجدات، وتقديم حلول تشريعية متوازنة تجمع بين الردع والعدالة والوقاية.

ثانيًا: النتائج

 

أسفر البحث عن جملة من النتائج العلمية، من أبرزها:

 

شمول مفهوم الجريمة في الشريعة الإسلامية

حيث لا يقتصر مفهوم الجريمة على الأفعال التقليدية، بل يشمل كل سلوك يترتب عليه ضرر محقق أو محتمل، ولو تم عبر الوسائل الرقمية الحديثة.

 

اعتبار الجرائم الإلكترونية اعتداءً على المقاصد الشرعية

فقد ثبت أن هذه الجرائم تمس مقاصد الشريعة الخمسة، ولا سيما حفظ المال والعِرض والأمن العام، مما يوجب التصدي لها تشريعيًا وقضائيًا.

مرونة الفقه الإسلامي في التكييف الشرعي

أظهر البحث أن الفقه الإسلامي قادر على تكييف الجرائم الإلكترونية ضمن أبواب السرقة، والاحتيال، والقذف، والحرابة، أو التعزير، بحسب طبيعة الجريمة وآثارها.

 

حجية الدليل الإلكتروني في الجرائم التعزيرية

توصل البحث إلى أن الأدلة الرقمية تُعد من القرائن القوية أو الخبرة الفنية، ويجوز الاعتماد عليها قضائيًا متى توافرت شروط السلامة والمشروعية.

غلبة الطابع التعزيري للعقوبات الإلكترونية

حيث إن أغلب الجرائم الإلكترونية لا تتوافر فيها شروط الحدود، مما يجعل العقوبة التعزيرية هي الأصل، مع ترك تقديرها لولي الأمر وفق المصلحة العامة.

 

تقدّم البعد الوقائي في المنهج الإسلامي

فقد بيّن البحث أن الشريعة لا تكتفي بالعقوبة، بل تؤكد على الوقاية الأخلاقية والتربوية باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الجرائم الرقمية.

ثالثًا: التوصيات

 

في ضوء ما سبق، يوصي البحث بما يلي:

 

ضرورة سن قوانين وضعية مستمدة من روح الشريعة الإسلامية

بحيث تُراعى مقاصد الشريعة وقواعدها العامة، وتستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات العصر الرقمي، بما يحقق العدالة ويضمن حماية الحقوق.

 

تفعيل دور الرقابة الذاتية (الوازع الديني)

من خلال تعزيز القيم الإيمانية والأخلاقية في النفوس، وترسيخ مبدأ مراقبة الله تعالى في استخدام الوسائل الرقمية.

تطوير التشريعات القضائية في مجال الإثبات الرقمي

عبر الاعتراف الصريح بحجية الأدلة الإلكترونية، ووضع ضوابط فنية وقانونية دقيقة للتعامل معها.

 

تأهيل القضاة وأجهزة العدالة تقنيًا وفقهيًا

لتمكينهم من فهم طبيعة الجرائم الإلكترونية، والتعامل مع أدلتها، وتحقيق التكييف الشرعي السليم.

تعزيز التربية الرقمية الأخلاقية في المناهج التعليمية

وربط استخدام التقنية بالقيم الإسلامية، بما يحد من الانحرافات السلوكية في الفضاء الإلكتروني.

 

تفعيل دور المؤسسات الدينية والإعلامية

في التوعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية، وبيان آثارها الشرعية والاجتماعية والنفسية.

 

تشجيع الدراسات الفقهية المعاصرة

التي تعنى بالقضايا الرقمية المستجدة، وربط الفقه الإسلامي بالواقع التقني المتغير.

خاتمة ختامية

 

وفي الختام، يؤكد هذا البحث أن الشريعة الإسلامية ليست جامدة أو قاصرة عن مواكبة التطورات الحديثة، بل هي منظومة تشريعية متكاملة، صالحة لكل زمان ومكان، قادرة على معالجة الجرائم الإلكترونية برؤية متوازنة تجمع بين العدالة والرحمة، والردع والوقاية، وحفظ الحقوق وتحقيق الأمن المجتمعي.

مقدمة البحث

 

يشهد العالم المعاصر ثورة تقنية غير مسبوقة، غيّرت أنماط الحياة الإنسانية، وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى أصبح الفضاء الرقمي جزءًا لا يتجزأ من الواقع اليومي للأفراد والمجتمعات. وقد أسهم هذا التطور في تسهيل التواصل وتبادل المعلومات وتسريع المعاملات، غير أنه في المقابل أفرز تحديات جسيمة، من أبرزها ظهور الجرائم الإلكترونية بوصفها نمطًا جديدًا من الجرائم التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وتتسم بالخَفاء، وسرعة الانتشار، وصعوبة الإثبات.

وقد أصبحت الجرائم الإلكترونية تمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن الفردي والمجتمعي، لما تنطوي عليه من اعتداءات على الأموال عبر السرقة والاحتيال الرقمي، وانتهاكات للأعراض والحرمات من خلال التشهير والابتزاز، فضلًا عن الجرائم الماسة بأمن الدولة والمجتمع، كالإرهاب الإلكتروني ونشر الإشاعات والتحريض. الأمر الذي جعل هذه الجرائم من أخطر التحديات التي تواجه الأنظمة القانونية والقضائية الحديثة.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الماسة إلى دراسة هذه الجرائم من منظور الشريعة الإسلامية، بوصفها شريعة خالدة جاءت لتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وقامت على أسس العدل، وحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض. فالشريعة الإسلامية لم تأتِ بأحكام جامدة محصورة في زمان أو مكان، بل وضعت قواعد كلية ومقاصد عامة تمكّنها من استيعاب المستجدات والنوازل مهما تنوعت صورها وتبدلت وسائلها.

ومن هنا، تنبع أهمية هذا البحث الذي يسعى إلى بيان مفهوم الجرائم الإلكترونية في ضوء الفقه الإسلامي، والكشف عن مدى قدرة الفقه الإسلامي على التكييف الشرعي لهذه الجرائم، وتحليل أحكامها المتعلقة بالإثبات والعقوبة، مع إبراز الدور الوقائي والأخلاقي للشريعة في الحد من انتشارها. كما يهدف البحث إلى إزالة الشبهة القائلة بقصور الفقه الإسلامي عن معالجة القضايا التقنية الحديثة، من خلال إبراز مرونته، واتساع دائرته الاجتهادية، وقدرته على مواكبة التطور الرقمي.

ويأتي هذا البحث في إطار الجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يعتمد على النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأقوال الفقهاء، مع الاستفادة من الاجتهادات الفقهية المعاصرة، والدراسات القانونية الحديثة، بما يحقق رؤية متوازنة تجمع بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع التقني.

وقد اقتضت طبيعة البحث اتباع المنهج التحليلي الاستقرائي، القائم على استقراء النصوص والقواعد الفقهية، وتحليل التطبيقات المعاصرة للجرائم الإلكترونية، مع المقارنة – عند الحاجة – بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، للخروج بنتائج علمية تسهم في تطوير التشريعات، وتعزيز العدالة الرقمية، وحماية المجتمع من مخاطر الانحراف الإلكتروني.

خاتمة البحث

 

بعد هذه الرحلة العلمية التي تناول فيها البحث موضوع الجرائم الإلكترونية في ضوء الشريعة الإسلامية، يتضح بجلاء أن هذه الجرائم، على اختلاف صورها وتنوع وسائلها، ليست إلا امتدادًا لصور الاعتداء التي عرفتها الإنسانية قديمًا، وإن اختلفت الوسائل والأدوات. فجوهر الجريمة واحد، يتمثل في الاعتداء على حقوق الآخرين، والإضرار بالمصالح الفردية والعامة، وهو ما جاءت الشريعة الإسلامية لمحاربته ومنعه.

وقد برهن البحث على أن الفقه الإسلامي يمتلك من القواعد الكلية والمقاصد العامة ما يجعله قادرًا على استيعاب الجرائم الإلكترونية وتكييفها تكييفًا شرعيًا سليمًا، سواء أكانت الأموال، أم على الأعراض والحرمات، أم على أمن الدولة والمجتمع. كما أثبت أن الشريعة الإسلامية لا تقف عاجزة أمام التطور التقني، بل تتعامل معه بمرونة وحكمة، من خلال فتح باب الاجتهاد المنضبط، وربط الأحكام بمقاصدها وعللها.

وأظهر البحث أن الأصل في الجرائم الإلكترونية هو العقوبة التعزيرية، لما تتسم به هذه الجرائم من تعقيد تقني، وصعوبة في استيفاء شروط الحدود، مع التأكيد على ضرورة تحقيق العدالة، ومراعاة التناسب بين الجريمة والعقوبة، وعدم الإضرار بحقوق الأفراد أو انتهاك خصوصياتهم. كما بيّن أن الدليل الإلكتروني يُعد وسيلة إثبات معتبرة شرعًا في الجرائم التعزيرية، متى توافرت فيه شروط السلامة والمشروعية.

ولم يقف البحث عند حدود العقاب، بل أكد أن المنهج الإسلامي في مواجهة الجريمة يقوم على الوقاية قبل العقوبة، من خلال تعزيز الوازع الديني، وترسيخ القيم الأخلاقية، ونشر ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية، وهو ما يجعل الرقابة الذاتية خط الدفاع الأول في مواجهة الجرائم الرقمية.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن الشريعة الإسلامية تقدم نموذجًا متكاملًا لمعالجة الجرائم الإلكترونية، يجمع بين الردع والعدل، وبين الحزم والرحمة، وبين حماية الحقوق الفردية وصيانة الأمن المجتمعي. كما يؤكد البحث أن الحاجة ملحّة إلى تفعيل هذا النموذج في التشريعات المعاصرة، عبر سن قوانين وضعية مستمدة من روح الشريعة ومقاصدها، وتطوير آليات العدالة الرقمية بما يواكب التطور التقني المتسارع.

وفي الختام، يأمل هذا البحث أن يسهم في إثراء المكتبة الفقهية المعاصرة، وأن يكون لبنة علمية في طريق بناء منظومة تشريعية وأخلاقية قادرة على مواجهة تحديات العصر الرقمي، وتحقيق رسالة الشريعة الإسلامية في إقامة العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الإنسان في كل زمان ومكان.

الجرائم الإلكترونية والشريعة الإسلامية: تحليل للمفاهيم والتطبيقات” بحث من إعداد دكتور مساعد محمد فهمي رشاد مدرس مساعد التفسير وأصول الفقه (الشريعة الإسلامية) كلية الحقوق جامعة القصر الدولية وعضو هيئة التدريس المنصورة محافظة الدقهلية 16يناير 2026 1447ه‍

أولاً: المصادر والمراجع العربية

الجرائم الإلكترونية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: دراسة تحليلية مقارنة تتناول مفهوم الجريمة المعلوماتية وتكييفها الفقهي، صدرت عن المركز الديمقراطي العربي (برلين).

فاعلية القوانين والتشريعات العربية في مكافحة الجرائم الإلكترونية: بحث يتناول القيمة الاقتصادية للمعلومات وحمايتها كـ “مال” في المنظور القانوني والشرعي.

موقف الشريعة الإسلامية من جرائم الحاسب الآلي والإنترنت: بحث منشور في مجلة الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، يتناول الأركان الشرعية لهذه الجرائم.

شرح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات: (مثل القانون المصري رقم 175 لسنة 2018) والذي يعكس تطبيقات حديثة لمبادئ الحماية الجنائية المتوافقة مع السياسة الشرعية.

اتفاقية جامعة الدول العربية لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات (2010): مرجع أساسي للتعاون الإقليمي العربي في هذا المجال.

ثانياً: المصادر والمراجع الأجنبية (English)

The Model Of Islamic Criminal Law Enforcement Against Cyber Crime (2025): بحث حديث يحلل كيفية استخدام “القياس” لتصنيف اختراق الحسابات كجريمة “سرقة” وتشويه السمعة الرقمي كجريمة “قذف”.

Cybercrime and Islamic Law: Revisiting the Advantageous and Hiatus Horizons (2022/2025): دراسة تتناول الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للجرائم الرقمية في المجتمعات الإسلامية.

The Crime of Cybersecurity Violation from the Perspective of Islamic Jurisprudence (2025): يركز على الأدلة الشرعية من القرآن (مثل النهي عن الإفساد في الأرض) وتطبيقها على الأمن السيبراني.

A Qur’anic Perspective Through Cybercrime (2025): يسلط الضوء على المبادئ القرآنية في التواصل عبر الإنترنت مثل “التبين” و”نشر السلام” لمواجهة التضليل الرقمي.

Cyber Law and the Insanity Defence: A Comparative Study (2025): دراسة مقارنة تبحث في المسؤولية الجنائية بين القانون الدولي ومنظور الشريعة الإسلامية.

ثالثاً: التطورات والمواثيق الدولية (سياق 2025-2026)

اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية: تم اعتمادها في ديسمبر 2024، مع تحديد حفل توقيعها الرسمي في هانوي بأكتوبر 2025، وهي تشكل إطاراً دولياً جديداً يتقاطع مع التشريعات الوطنية المستمدة من الشريعة.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.