مفهوم التثاقف والعلاقة مع الآخر الثقافي والحضاري عند الدكتور “عبد الحميد أبو سليمان”. د.صالح محمد النصيرات -الأردن-
مفهوم التثاقف والعلاقة مع الآخر الثقافي والحضاري عند الدكتور عبد الحميد أبو سليمان
صالح محمد النصيرات [*]
مقدمة
تعد قضية العلاقة مع الآخر من وجهة النظر الإسلامية واحدة من أهم القضايا التي أثيرت في العقود الماضية. وقد ظهرت هذه القضية بشكل جلي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فمن تابع هذه القضية في الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، شاهد وقرأ الكثير من الكم الهائل من الكتب والبرامج التلفزيونية وتصريحات السياسين والمفكرين الأمريكيين، والمقالات الصحفية التي تناولت طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب من وجهة نظر الغربيين بشكل أساس. وقد ساهم خبراء وعلماء مسلمون في تجلية هذه القضية وبيان جذر تلك المشكلة.
ونظرا لأهمية البحث في هذه القضية وتقييم ما قيل على لسان الغربيين، والدور الكبير لبعض العلماء والمفكرين المسلمين وفي مقدمتهم المفكر الإسلامي المرحوم الدكتور عبد الحميد أبوسليمان، فإن هذا البحث سيتناول ذلك الدور وتجلياته وآثاره على العلاقة بين المسلمين و الغرب بشكل رئيس.
الإشكالية
لعل قضية العلاقة مع الآخر وموضوع التثاقف من القضايا التي كثر فيها الحديث والنقاش بقصد سبر أغوارها ، وطبيعتها في الواقع، وكذلك الأمل المعقود على المفكرين في تجلية وجهة النظر الإسلامية. ولأن مفهوم الآخر ينصرف غالبا إلى الغرب الأوروبي والأمريكي، لسببين تاريخي وواقعي. فالعلاقة بين الغرب والمسلمين علاقة قديمة جديدة تمتد منذ القرون الوسطى ممثلة في الآثار التي تركها العلماء المسلمون في الأندلس تحديدا على النهضة الأوروبية، مرورا بالحروب الصليبية فالاستعمار الحديث. وهذا النوع من العلاقة مازالت بين الفريقين حتى اليوم تشوبها الكثير من الشك والريبة. وترتفع وتيرة الحديث في الموضوع كلما وقع حدث كالأحداث التي تقع بين الفينة والأخرى. كما أن الوجود الإسلامي في الغرب عموما أصبح يتعرض للكثير من الشكوك حتى وصل الأمر إلى التوتر بين الطرفين ممثلا في محاولات قوى يمينة غربية القيام بأعمال تثير حفيظة المسلمين كقضية حرق القرآن الكريم، ونشر الصور الكاريكاتورية، والأفلام المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وزوجاته، والرموز الإسلامية بشكل عام. كما أن بعض الدول اتخذت مواقف عدائية من المسلمين، فسنت قوانين تحد من انتشار الحجاب، ووضعت أخرى شروطا للحصول على جنسية تلك الدول شريطة أن يتعهد المسلم بالاندماج الكلي في المجتمع، ويتقبل – عن رضا وطواعية- الرؤية الغربية للحياة، متجاهلين الخصوصية الدينية والثقافية للمسلمين. إن هذه الأعمال تتعارض بشكل أساسي مع أفكار العلمانية والديمقراطية والتنوير الذي تدعيه تلك الدول.
أهمية البحث وأهدافه
تبنع أهمية البحث من ضرورة تحرير مسألتي التثاقف والعلاقة مع الآخر من وجهة نظر إسلامية كما بيّنها العلاّمة الدكتور عبد الحميد أبو سليمان. إذ أن واقع العلاقة مع الآخر تشهد التباسا على مستوى التنظير والممارسة. فهناك من يريد الاستسلام للرؤية الغربية التي تخالف مبادىء الإسلام في هذا المجال، وفريق آخر يرى ضرورة الدراسة و التمحيص وبناء علاقة إيجابية مع الآخر في ضوء فهم للذات وللآخر. وهذا البحث يتناول بالمناقشة والنقد وجهتي النظر، أملا في الوصول إلى أرضية مشتركة مع الآخر دون التهاون في المعاني والمفاهيم الإسلامية الخاصة بهذا الموضوع.
يهدف هذا البحث إلى:
- عرض معنى التثاقف في الإطار الغربي ونقده ومناقشته في إطار الرؤية الإسلامية.
- الكشف عن جهود مدرسة إسلامية المعرفة في توضيح مفهومي التثاقف والعلاقة مع الآخر
- الكشف عن الجهود التي بذلها المفكر المسلم المرحوم الدكتور عبدالحميد أبو سليمان في نقد الرؤية الغربية من جهة وبيان الرؤية الإسلامية لمفهومي التثاقف والعلاقة مع الآخر.
- تقديم خلاصات عن رؤية المفكر أبي سليمان ووضعها في إطار إجرائي يساعد في توعية الآخر بطبيعة الرؤية الإسلامية إلى الآخر.
المنهجية
سيتخذ الباحث من منهج تحليل المحتوى أداته الأساسية في البحث. حيث سيتتبع الباحث جهود المفكر الراحل الدكتور عبدالحميد أبو سليمان كما تجلت في كتبه ومقالاته ومنشوراته التي تناولت هذه القضية. وهذا المنهج سيساعد في الكشف عن الأصول النظرية والمنطلقات الفكرية والثقافية والدينية للدكتور أبي سليمان، واستخلاص الآثار التي يمكن أن تتركها تلك الرؤية، والمساعدة في تطوير تلك الرؤية بما ينسجم مع الواقع المتجدد في العلاقة مع الغرب.
أولا: المثاقفة عرض ونقد
1-مفهوم المثاقفة في التاريخ الإنساني وتحولاته في العصر الحديث
لقي مصطلح “المثاقفة” اهتماما كبيرا لدى المثقفين والنقاد وعلماء الأنثروبولوجيا. وقد أرّخ لهذا المصطلح عدد من المهتمين. وهنا لابد من استعراض عدد من التعريفات لهذا المصطلح لتجلية ما رآه كثيرون غموضا و مراوغة في تعريفه.
المثاقفة لغة: هذا المصطلح مشتق من كلمة ثقافة، وهي كلمة إشكالية. وقد تعددت تعريفاتها، بحيث وصلت إلى ما يقرب من 80 تعريفا.
وقد كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي كتابا مهما هو مشكلة الثقافة. حيث تعرّض لأمور عديدة ترتبط بمفهوم الثقافة في اللغة و التاريخ والواقع المعاش. وقد قارب بن نبي مفهوم الثقافة من زوايا مختلفة: عقدية دينية وأيديولوجية سياسية، اقتصادية واجتماعية. ولعل مما يثير في نقاش بن نبي الإشارة إلى الأفكار و الاشياء وتطور العلاقة بينهما. كذلك الحال بالنسبة لمفهوم الثقافة كسلوك مرتبط بالواقع والسياق الاجتماعي الذي يخص شعبا أو أمة. إن تطور دلالة جذر الكلمة الأصلي “ثقف” من مجرد التهذيب و التمكن إلى الدلالة الحالية التي تحملها تلك الكلمة، جاء نتيجة طبيعية لتطور اجتماعي واقتصادي وعلمي. ولهذا يمكن أن نصل مع بن نبي إلى تعريف خاص له له امتداته التاريخية “فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها، بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة، وعواطف متشابهة، وبعيارة جامعة: هي كل مايعطي الحضارة سمتها الخاص ويحدد قطبيها: من عقلية ابن خلدون، وروحانية الغزالي، أو عقلية ديكارت، وروحانية جان دارك هذا هو معنى الثقافة في التاريخ.”[2]
أما الجابري فيعرفها بأنها” ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية بهويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطور بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء، وبعبارة أخرى إن الثقافة هي المعبّر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل”.[3]
وبغض النظر عن المصطلح الأصلي، فإن كلمتي المثاقفة والتثاقف تشيران إلى التفاعل بين طرفين. فتثاقف على وزن تفاعل، وهذا يشير إلى علاقة بين فردين أو أكثر. وفي معجم اللغة العربية المعاصرة نجد التعريف الآتي:
ثاقف تثاقفَ يتثاقف، تثاقُفًا، فهو مُتثاقِف • تثاقف الشَّخصُ: ادّعى الثَّقافة “إنَّه يتعالى ويتثاقف على الجماهير”. تثاقف الشَّخصان: تبادلا الثَّقافة “أمر يدلّ على تثاقُف حضاريّ- بينهما تثاقف متكافئ بعيد عن التبعيَّة.”[4]
هذه الإشارات اللغوية المهمة، تقدم لنا صورة عن علاقة غير محددة في طبيعتها وظروفها وتداعياتها. ولذلك، فإن هذا المصطح سيأخذ أبعادا مختلفة عن دراسته من زويا وتوجهات وأطراف مختلفة. فاللغوي -في المجمل- ليس معنيا بتقديم تفسيرات لظروف استخدام المصطلح، مالم ينتقل من حالة الوضع إلى حالة الاستعمال. أي من حالة جامدة جاءت من الاشتقاقات اللغوية لأصل المفردة، وفي حال الانتقال إلى الاستعمال، فإننا هنا نتحدث عن سياقات وظروف تجعل من استعمال المصطلح مرهونا بإرداة المتكلم. إذ يخرج المصطلح من حالة الوضع الساكنة إلى الحالة التداولية التي تمنحه المزيد من المعاني حسب السياق. ولهذا سنجد أن المفكر المسلم أو المفكر القادم من عالم عانى من العلاقات غير المتكافئة مع الآخر، سيستخدمه بطريقة مختلفة عن مفكر يفترض في نفسه أنه هو الوصي على هذا النوع من العلاقة، وهو من يقرر مستوى تلك العلاقة.
ولهذا، فإن الأيديولوجيا والدين وكذلك الخصوصيات الثقافية لدى المنتمين إلى تلك الأيديولوجيا أو الدين ستؤثر بشكل كبر على استلهام معنى المصطلح وبالتالي استخدامه. فوجود اختلافات بين مستخدمي المصطلح – كما سنرى- سيجعلنا نتفهم قول القائل بأن هذا المصطلح “مراوغ”، “فمفهوم المثاقفة مراوغ، فهو على الرغم من أنه معبر للأفكار، ومساعد في بنية المشارع والنظريات، وفي تغذية الذات بما يساعد في نموها وهو – من ناحية أخرى- يضع الآخر في موقع المستسلم الذي يجد نفسه بلا حرية في الاختيار، خاصة إذا كان فعل المثاقفة ذا طابع إكراهي، وهو ما نلاحظه في علاقة المستعمِر بالمستعمَر.”[5]
وفي نفس السياق، يعتقد الأنثروبولوجي جيرار لكلرك في مؤلفه الأنثروبولوجيا والاستعمار أنه “يمكن استعمال التثاقف للإشارة إلى الأنماط التي يتم بموجبها قبول مظهر ثقافي معين في ثقافة أخرى بحيث يتلاءم ويتكيف معها مما يفترض مساواة ثقافية، بين الثقافة التي تعطي وتلك التي تتقبل، والتكيف هو السيرورة التي تتحول بموجبها عناصر الثقافة المستعمرة والمسيطر عليها نحو حالة تتلاءم مع شكل الثقافة المسيطرة.”[6]
ويشير التلاوي إلى حالة تقترب مما ورد أعلاه” وقد أثار المصطلح -ولايزال- جدلا واسعا في العالم العربي، فالبعض يرى أنه غزو ثقافي، وأنه نتاج تأثير ثقافة غازية قاهرة، في ثقافة مستقبِلة مقهورة، والبعض الآخر يرى أن التثاقف عبارة عن لقاح وتلاقح، وربما تعني المثاقفة كل ذلك.” [7]
وتؤكد الباحثة الدكتورة نصيرة علاك ماسبق ذكره. فمصطلح “المثاقفة” تم إدخالة في نسيج الثقافة العربية ومحافل النقاشات النقدية بشكل يؤدي إلى مخاطر تفقده شرعيته.”[8] إننا إذن إزاء مفهوم لابد من تحريره من حمولاته الثقافية الخاصة بمن يفرضه، والتعامل معه بجدّية وعدم الخضوع لمآلات استخدامه دون وعي بها.
2- الذات والآخر
هذان مفهومان مهمان عند الحديث عن المثاقفة والتثاقف كفعلين يطرحان أسئلة كثيرة حول العلاقة بين الذات و الآخر. فعلى المستقبِل أن يجد أجابات على أسئلة من نوع: من أنا؟ وكيف تتحدد هويتي؟ ومن الآخر؟ لماذا عند الحديث عن الآخر تتجه الأنظار نحو الغرب؟ هل الغرب جغرافيا أم فكرة؟ هل للعلاقة التاريخية والمعاصرة والمتسمة بالعداء والاستعمار والاختلاف في العقيدة والفكر جعلت المسلم و العربي يعتبر “الآخر” هو هذا الأوروبي ولا أحد غيره؟
إن كثيرا من الكتابات تؤيد هذه الفكرة، وتجعل التاريخ والواقع وما نشأ خلالهما من علاقات بين العرب المسلمين و الغرب السبب في فهم كلمة الآخر من خلال ذلك السياق التاريخي. فالغرب جغرافيا وفكرة بالنسبة لعامة المسلمين.
ويرى الفرّاك أن مفهوم الغرب انتقل من الجغرافيا إلى الثقافة والأيديولوجيا ليتعلق بشكل حضاري متكامل وثقافي خاص متميز عن غيره، وفي طياته مجموعة من الدلالات ذات الأبعاد المختلفة:دينية وفلسفية ومعرفية وسياسية واجتماعية[9]
لقد كتب كثيرون حول هذا الموضوع من خلال مقاربات مختلفة: سيكولوجية وجغرافية وتاريخية. فمن الناحية السيكولوجية نجد من حاول ربط هذين المفهومين بنظريات فرويد النفسية عندما تحدث عن الثلاث: الأنا والأنا الأكبر والضمير. وما يهمنا هنا أن نحدد نظرة العرب والمسلمين إلى ذينك المفهومين.
أما تاريخيا، فقد نظر عدد من المفكرين العرب والمسلمين إلى الذات من خلال القيم العربية والإسلامية التي تحملها الذات العربية المسلمة والتي جاءت من الإسلام، وهي نفسها قيم معيارية متعالية تملك في طياتها نوعا من الإطلاق مقابل واقع نسبي متغير وغير ثابت. وسنرى لاحقا نظرة مدرسة إسلامية المعرفة لهذين المفهومين.
أما الآخر فهو في رأي كمال عبداللطيف لا تعبر عن ذات فردية منسخلة عن قيمها، بل هي مجموعة القيم التي جاء بها الغرب خلال عصر التنوير ومن خلال تجربته التاريخية، وما نتج عن ذلك من أنماط حياة اقتصادية واجتماعية وفكرية تختلف عن الأنا المسلمة[10]. والآخر بالنسبة للغرب جغرافيا وفكريا، فهو الإسلام كما يرى الجابري. وهذا في اعتقادنا يرتبط بطبيعة العلاقة بين المسلمين و الغرب والتي مرت بقرون من الاضطراب والعداء والحروب وعلى راسها الحروب الصليبية وحروب الاستعمار الحديث وما نتج عنها من حروب الاستقلال الطويلة.
3- المثاقفة والعلاقة مع الآخر: مساهمات مدرسة إسلامية المعرفة
راج مصطلح “المثاقفة” في العقود الأخيرة في كتابات المفكرين الإسلاميين. حيث نجد أن عددا من هؤلاء قد كتب مقالات ونشر كتبا بقصد تجلية المصطلح، وبيان جذره التاريخي، وكذلك علاقة الفكر الإسلامي الحديث به.
وقد عنيت مدرسة “أسلمة المعرفة” بهذا المصطلح لما له من أهمية -في نظر مفكريها- على العلاقة بين المسلمين والآخر.[11] إذ ان هذه العلاقة قد أخذت حيزا مهما في الانتاج الفكري والمعرفي لمفكري هذه المدرسة. ولعل من أهم الأسباب التي دعت إلى الاهتمام هو أن فكرة أسلمة المعرفة تنطلق من فكرة تقوم على نقد ومراجعة الفكر الغربي، ومحاولة إعادة صياغة العلوم الاجتماعية وتفكيكها، والإفادة منها بدلا من فكرة التبني الكامل التي دعا إليها مفكرون عرب من ذوي التوجهات العلمانية.
وقد كان لجهود مفكري هذه المدرسة دور كبير في تجلية هذا المصطلح، ونقله إلى السياق المعرفي الإسلامي، من أجل فهم أفضل يقود إلى وضوح الرؤية، وعدم الوقوع في فخ الاستمداد الثقافي دون اعتبار لخصوصيات المجتمعات العربية والإسلامية. ويحذر عرفان عبد الحميد من التبني الكامل لعملة التثاقف دون مراقبة ونقد وتحليل ” على أن عملية التثاقف والاستمداد الحضاري، بحسب تعريفنا لمصطلح “الأسلمة”، لابد وأن يخضع لرقابة عقدية، وعملية نقد وتحليل، وإعادة تأويل و تفسير وبناء وتركيب ليأتلف الغريب المنتحل وينسجم مع مسلمات العقيدة الإسلامية ومنهج القرآن الكريم في صياغة أمة لها خصوصيتها.”[12]
وعلى هذا المنوال يأت التحذير من سوء فهم العلاقة مع الآخر ” أما استيعاب الخبرة البشرية المعاصرة، فهي ليست استجداء ثقافيا لكرم المعطين، ولا سطوا علميا لبراءات المخترعين، وإنما طلب للعلم ولو في الصين”.[13] ويضيف عبدالحميد”إن التثاقف الحضاري والفكري بين مختلف الرؤى الفكرية لمن متطلبات العصر، فالفكر الإسلامي لابد أن يلتمس السبل و الوسائل للتعامل والتعايش مع تلك الرؤى الفكرية مع الحفاظ على هويته وحراسة شخصيته من الذوبان في بوتقة الآخر.”[14]
أما الدكتور إسماعيل الفاروقي فقد قدم تفصيلا لمفهوم المصطلح، إذ رأى أن عملية إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام هو ما نعنيه بكلمة “أسلمة” العلوم، و هي عملية تتم من خلالها صياغة المعلومات وتنسيقها وإعادة التفكير في المقدمات والنتائج المتحصلة” إلى أن يخلص إلى الهدف النهائي وهو إثراء التصور الإسلامي وخدمة أهداف الإسلام. [15]
وفي كتابه مقالات في إسلامية المعرفة يؤكد د. فتحي الملكاوي على أهمية تجاوز الخلاف على المصطلح والتركيز على الأفكار والمضامين والمفاهيم.[16]
أما الحديث عن العلاقة مع الآخر في الفكر الإسلامي المعاصر فقد انتشر بشكل لايمكن إغفاله. ولهذا اهتم به المفكرون الإسلاميون ومنهم الدكتور أبو سليمان، ونظروا في تاريخ المسلمين ومصادر الفكر الإسلامي من قرآن وسنة لتوضيح العلاقة مع الآخر التي ليست وليدة اللحظة في الفكر الإسلامي. ففي التاريخ الإسلامي نجد الكثير من العلماء والفلاسفة المسلمين الذين استفاضوا في الحديث، انطلاقا من طبيعة المرحلة التي عاشوها، خاصة بعد الفتح الإسلامي والاختلاط الكبير بين العرب الفاتحين وشعوب البلاد المفتوحة.
وقد تأسس الحديث عن العلاقة مع الآخر على ما ورد في القرآن الكريم من آيات تحث المسلمين على الحوار وبناء علاقات إيجابية معه. كذلك تحليل الممارسات النبوية في هذا المجال الحيوي التي بينت طبيعة تلك العلاقات بين المسلمين والآخر ووضعت منهجا نبويا يحتذى به.
فقد وردت آيات مهمة في هذا المجال منها قوله تعالى ” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون” (آل عمران:64) . فهذه الآية الكريمة صريحة في دعوة الآخر المتمثل في أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى حوار بنّاء قوامه البناء على المشترك بين المسلمين وغيرهم، والمؤسَس على الإيمان بوجود الله سبحانه، والقيم التي تضمنتها الكتب التي نزلت عليهم.
إن كلمة “سواء” في الآية القرآنية الكريمة لها دلالة عظيمة، فهي إشارة إلى التكافؤ بين المتحاورين ونفي وجود فريقين أحدهما غالب و الآخر مغلوب. فكانت” تلك الكلمة الجامعة ارضية فكرية وأخلاقية وسلوكي، لتنظيم الاختلاف وبناء المشترك…. إنها دعوة لمراعاة المقاصد الكبرى التي نصّت الشرائع السماوية على حفظها إن وجدت، وعلى المطالبة بها إن غابت”[17]
ودعوة القرآن الكريم أيضا الطائفتين السابقتين إلى الإيمان ” قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون” (البقرة:126).
هذه الدعوات المتكررة إلى الإيمان بالله ورسله وكتبه تنسجم مع الرؤية التوحيدية التي نادت بها الكتب السماوية قبل تعرضها للتحريف. ورب سائل يسأل: لماذا يركز القرآن الكريم على هذه الدعوة؟ وهل نصارى ويهود هذه الأيام معنيون بهذه الدعوات؟ وهل لديهم الجرأة والقناعة لمقاربة هذه الدعوة ومناقشتها وعدم الافتراض بأنها لاتنسجم مع مبدأ حرية الاختيار؟
ولعل من المفيد أن نسأل أيضا: ماهي منطلقات الحوار؟ ومع من يتم الحوار؟ هل سيجري مع مع رجال دين أم ساسة علمانيين؟ وما هي أهدافه؟ وكيف يتم الحوار؟ وهل يحكم الدين سياسات الدول ويعبر عنها بشكل واضح حتى يتحاور الساسة مع رجال الدين والمفكرين من ذوي الخلفيات الدينية؟ وبتعبير آخر هل سيكون الحوار على الأسس العقدية أم على التعايش والقبول بالآخر؟ وهل الهدف هو التوقف عن تبادل الاتهامات ووصم المسلمين تحديدا بالإرهاب، ومنح مسلمي الغرب الحرية لممارسة شعائرهم ضمن القانون المعمول به في تلك البلاد من أجل تحقيق تفاهم يؤدي إلى سلام عالمي؟
إن جزءا كبيرا من الخلافات بين المسلمين والآخر المسيحي واليهودي تغذيه مشاعر دينية خاصة في استثمار الصهيونية للدين لتعزيز فكرة السيطرة على فلسطين ومقدسات المسلمين والمسيحيين. فنحن نرى صعودا للتيارات اليمينة المتدينة في الدول الأوروبية وأمريكا وكذلك في دولة الاحتلال. ونرى أيضا وجود قوى وأحزاب متدينة لها ممثلوها في دوائر القرار السياسي. وهذا يجعل قضية الحوار مع هؤلاء ضرورة، وقد يحقق أهدافا مهمة عندما تصدق النوايا من الأطراف جميعها.
لقد استعرض الدكتور أبو سليمان في كتابه “الإنسان بين شريعتين:رؤية قرآنية في معرفة الذات ومعرفة الآخر” الأسس الفكرية والعقدية التي حكمت العلاقة بين الغرب والمسلمين، بل أيضا مع العالم الآخر غير المسلم. وأسهب في الحديث عن الرؤية الغربية للحياة والتي تأسست على الصراع الدارويني “البقاء للأصلح” والمادية المغرقة في الأنانية، والتي نتج عنها الاستعمار بكل اشكاله. والسؤال هو: هل سيتخلى الغرب الأوروبي والأمريكي عن هذه الرؤية من خلال الحوار والتثاقف؟
ثانيا: التثاقف والعلاقة مع الآخر: المنطلقات الفكرية عند أبي سليمان
1- رؤية أبي سليمان للتثاقف
سنقوم في هذا الجزء بتحليل رؤية الدكتور عبد الحميد أبو سليمان للتثاقف والعلاقة مع الآخر كما وردت في كتبه ومقالاته والتعرف على المدى الذي يمكن للمسلمين الذهاب إليه في هذا المسعى. يُعد الدكتور عبد الحميد ابو سليمان أحد أهم مفكري الأمة في العصر الحديث. حيث كان من روّاد مدرسة إسلامية المعرفة التي نشأت في أواخر القرن الماضي، وأخذت على عاتقها القيام بمهمة رائدة وجليلة ألا وهي البعث الحضاري من خلال تجلية الأسباب التي أدت إلى الحال التي نراها اليوم في بلاد المسلمين. ففي مقالة كتبها الدكتور أبو سليمان في وقت مبكر، شرح بالتفصيل المقصود بإسلامية المعرفة، وحلّل بموضوعية وصراحة متناهية أسباب التراجع الحضاري للأمة. فهو يتساءل عن الأسباب الموجبة لطرح فكرة إسلامية المعرفة إن كانت للبحث النظري أم لوجود قضية. ويعدد جوانب تلك القضية واشكالها، فهناك -برأيه- التخلف و الضعف والاجتهاد والغياب الثقافي والحضاري للأمة. ويربط ذلك التخلف المتنوع المجالات بانحطاط المعرفة وجمودها عند المسلمين. هذا كله أدى إلى مصائب وتراجعات للأمة في الاقتصاد والسياسة والثقافة. فنحن كما يرى أبو سليمان نعيش حالة من الانفصام بين الماضي والحاضر، والقيم والواقع.[18]
فالهدف الأول كما يراه أبو سليمان لمدرسة إسلامية المعرفة البحث في المشكلات التي أدت إلى التراجع الحضاري و التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر، وأزمة المعرفة الإسلامية. وخلال العقود اللاحقة تم تطوير الأهداف التي تنشد المدرسة تحقيقها.
2- المنطلقات الفكرية لمساهمات الدكتور أبي سليمان
قبل الشروع في الحديث عن مساهمات الدكتور أبي سليمان في مجال المثاقفة والعلاقة مع الآخر، لابد من استعراض المنطلقات الفكرية التي تشكل أساس رؤيته لهذا الموضوع الحيوي.
فكما تقول نادية مصطفى عن أسباب دراسة المنجز الفكري للدكتور أبي سلمان ” لأن منجز عبدالحميد أبو سليمان ليس مجرد كتاب يُقرأ، أو محاضرات يُستمع إليها، ولكن خبرة عملية حية في نطاق مدرسة فكرية هو ركن من أركان تدشينها وإدارتها وتطويرهاعبر أربعين عاما.[19]
إذن نحن نتحدث عن فكر لم يأت من خلال التأمل والتنظير البعيد عن الواقع، بل فكر جاء نتيجة اشتباك مباشر مع الواقع، وتطوير الأدوات والوسائل العملية لتحقيق ثمرات ذلك الفكر على أرض الواقع.
إن أهم منطلق لمشروع الدكتور أبي سلمان هو الرؤية الإسلامية الكونية ، وقد بسطها في كتاب مستقل بهذا العنوان. فهو يعتقد بأنه لابد من إعطاء موضوع الرؤية أولوية واهتماما، لأن تلك الرؤية تحدد الغايات وتوفر الدافع الأساس والأول والأكبر لكل فعل وحراك إنساني وحضاري. وهي في ذات الوقت تساعد الأمة في استعادة دوافعها وغاياتها وحراكها الإسلامي الإعماري الخَيّر.[20]
والرؤية الإسلامية الكونية هي رؤية توحيدية أخلاقية إعمارية خيرية حضارية تعبّر عن الفطرةالإنسانية السوية في بؤرة الوعي الإنساني، لتهدي مسيرة الحياة الإنسانية وترشهدها، وهذه الرؤية الإسلامية متناقضة مع الرؤية الغربية التي تمثل خروجا على الفطرة كونها لا تؤمن بوحي ولا توحيد. ولهذا فإن هذا منطلق سليم تنسجم مع طبيعة الإنسان وفطرته، وتحقق له السعادة التي يبحث عنها البشر اليوم، “فمن اتبّع هداي فلا يضل ولا يشقى” (طه:123).
ويضيف -رحمه الله- قائلا”والرؤية الكونية يجب أن تكون واضحة وجلية وإيجابية وسهلة الفهم والتمثل والإدراك، وبعيدة عن التناقض وعن الخرافية والسفسطة والتعقيد والإغراق في لغة التجريد والتنظير حتى تقوم بوظيفتها لتكون قوة ضميرية عقيدته تربوية فاعلة ومحركة للفرد و المجتمع.”[21]
لكن أبا سليمان يعتقد بأن هذه الرؤية قد تعرضت إلى تشوه وتحولت من الوضوح و البيان، إلى حالة أخرى بحيث أصبح من العسير الاهتداء بها، إلا بإزالة التشوه، وإعادة النضارة إليها كما جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى.
فبهذا الوضوح والبيان، يقدم أبو سليمان فهمه لطبيعة الرؤية الكونية وذلك لاعتقاده بأن مبادىء الرؤية الكونية الإسلامية قد قد تعرضت للضبابية بعد صدر الإسلام والخلافة الراشدة ومهمة المفكر هي كشف الغشاوة والضبايبة عن تلك المبادىء. لأن الضبابية أدت إلى خفوت الرؤية الإسلامية وغياب فاعليتها وآثارها الإيجابية على الفرد و المجتمع، فانهار البناء الإسلامي وتحولت أمة الرسالة من القوة الروحية والفكرية والعلمية إلى أمة مستعمَرة ومضطهَدة، والأهم من ذلك وقوفها بباب الآخر تتسول منه وتعيش على فتات أفكاره ورؤاه.
3- مبادئ الرؤية الكونية الإسلامية عند أبي سليمان
إن من المفيد التذكير بأن الرؤية الكونية لدى أي معتقد أو دين، لها مبادئ خاصة تميزها على غيرها من المبادئ و الملل الأخرى. والمبادىء الأساسية هي التي تمنحها ذلك التميز. وهو تميز إيجابي لايعني بحال إنكار ما لدى الآخرين من فضائل يشترك فيها الناس جميعا. ويرى أبو سليمان أن التوحيد يقف على رأس تلك المبادئ إذ هو رأس الإسلام، والموجه للجهد البشري للوصول إلى الغاية التي يسعى إليها في هذه الحياة، ليحقق قيم الاستخلاف والقيام بواجب عمارة الارض. والتوحيد مفهوم شامل يدركه الموحد بفطرته. فهو يعني له الإيمان المطلق وبلاريب بوحدانية الخالق سبحانه، حتى يكون الله سبحانه لا غيره موجها ومرشدا لعقل المؤمن وقلبه.
ولتحقيق الاستخلاف الذي يمثل قيمة مهمة جدا في الرؤية الكونية الإسلامية، ، فإن هناك متطلبات أساسية لتحقيقه وفي مقدمتها قيمة العدل، الذي هو اسم من أسماء الله الحسنى. ولأن العدل مفهوم شامل لمعاني الوحدة الإنسانية والتي تقوم على وحدة النوع الإنساني و كرامته عند الله سبحانه “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”(الحجرات:13). فلابد من التعامل على أساس تلك القيمة العليا ولتحقيق تلك الوحدة.
وبهذ الحسم يأتي قوله تعالى أيضا “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”(المائدة:8). و بدون العدل لاتتحقق حياة ملؤها السلام وغايتها إسعاد الناس. لذلك جاءت الآيات لتدلل على أهمية القسط ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.”(الحديد:25). وهذه الآية عظيمة الشأن كونها تدلل بوضوح وجزم أن العدل والقسط مدار الرسالات جميعها. وبذلك تتاسس الحياة على وحدة البشرية بوحدة الغاية والقصد .
أما الحرية فهي نتاج طبيعي لعدل الخالق سبحانه. فلا حساب ولا عقاب على من لم تتح له حرية الرؤية والنظر، واختيار الدين الحق عن قناعة تامة. ولا يحدث ذلك إلا في مناخ الحرية . “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي”(البقرة:256). و من المبادىء المهمة ايضا مبدأ الأخلاقية، والتي هي تعبير عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وهي الإيمان والتوحيد. فالإنسان خلق للعبادة، والكون خُلق مسخرا لخدمة هذا الإنسان.
و ومن تلك المبادىء أيضا مبدأ السلام. فهو غاية ومقصد عظيم تتحقق من خلاله حياة تقوم على استبعاد العنف وتجريم التجاوز والعدوان والاعتداء والظلم، فإن الإسلام برؤيته التوحيدية قد دعا معتنقيه إلى العمل على تحقيق السلام على هذه الارض “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله” (الأنفال:61). وعظمة هذه الآية أن كلمة السلم وهي تذكر وتؤنث عند اللغويين، أشير إليها بضمير المؤنث “لها”،ليفهم البشر أن السلام هو القاعدة والأصل في العلاقة بينهم في هذه الحياة، وأن الحرب هي الاستثناء.[22]
4- المنهجية الفكرية الإسلامية عند أبي سليمان
يعتقد أبو سليمان بأن المنهجية الإسلامية تشكل عنصرا رئيسا في توجيه المسلم فكريا وتساهم في ترشيد خطواته. وهذه المنهجية لا تتحقق إلا “بتحرير العقل المسلم من الانبهار والضياع في خضم عباب الفكر الغرب، ولا يتحقق إلا بالتعامل الواعي والمستقل والإفادة من تجارب الأمم الأخرى دون انتهاك للأسس التي يقوم عليها الفكر الإسلامي بالمفهوم الشمولي الصحيح للحضارات المعاصرة، والانتقاء الواعي النافع، وهكذا يتم الاتصال الحضاري بين الأمم على مر التاريخ.”[23]
ولهذا السبب وضع الدكتور أبو سليمان إطارا عاما لمنهجية الفكر الإسلامي تكون من عدة عناصر هي: تكامل الغيب والشهادة، ومصادر الفكر والمنهجية والمنطلقات الأساسية للمنهجية الاسلامية. وهذه العناصر مهمة لتطوير منهج للبحث يهتدي به الباحثون في مجال الفكر الإسلامي.
ويتمثل التكامل من خلال عدة مبادىء منها الغائية الأخلاقية لخلق الإنسان، ودور المسلم للقيام بمسؤلياته في الاستخلاف وعمارة الأرض، معتمدا على الإيمان والثقة بالله، وكذلك أهلية الإنسان للقيام بتلك الأدوار من خلال فهم الوحي الذي يزوده بما يحتاجه من عالم الغيب. فعالم الغيب ليس متاحا للإنسان دون وحي إلهي يطلعه على ذلك الغيب. ولذلك زوده الله سبحانه و تعالى بالعقل لفهم عالم الشهادة. وقد جعل أبو سليمان مصادر المنهجية متمثلة في ثلاثة مصادر مهمة هي: الوحي والعقل والكون. وهذه المصادر المهمة هي التي توفر للإنسان المعلومات والمعارف والقيم التي تقوده لتحقيق موعود الله سبحانه. ومن تلك المصادر اختار أبو سليمان منطلقات مهمة هي:الوحدانية والخلافة والمسؤلة الأخلاقية. أما مجال أداء المنهجية فقد جعلها شاملة من حيث المجال والوسيلة.
إن نظرة فاحصة لهذه المنهجية تؤكد علو كعب المفكر أبي سليمان، وقدرته المميزة على وضع الحلول المناسبة للخروج بالعقل المسلم من التقليد للسابقين والتي تحدد دائرة عمل العقل المسلم زمانيا ومكانيا. وهذا الفعل يؤدي إلى إلى الجمود الذي شهدناه على مدى قرون. ومهمة المفكر المسلم تفعيل تلك الرؤية لإعادة الحيوية للعقل المسلم في عصر اختلطت فيه الرؤى والمناهج، وغلب عليها الإستيراد من الآخر دون تبصر عميق بمآلات الاعتماد على ذلك الآخر.
إن هذه الرؤية المنهجية تحقق للباحث والمفكر المسلم بما هي عليه من وضوح وأصالة وتفاعل إيجابي مع الآخر، البصيرة الواعية والروح الناقدة التي تخرجه من إسار النظر بعيدا عن كتاب الله سبحانه وتعالى، حيث يجد المسلم غايته في الحياة، وتحدد له مسؤولياته ومهماته بوضوح لا لبس فيه، وكذلك تجعله يستخدم بكفاءة وفعالية تلكم الملكات والقدرات التي أودعها الله فيه، كما تمكنه من القيام بوظائفه ومهماته متوكلا على الله واثقا به، مما يجعل الطريق واضحا وسالكا، بدلا من التخبط والعشوائية والخضوع لإملآت الأخر الذي نصّب نفسه وصيا على العلم والمناهج، وجعلها مرجعيات للباحثين بصورة تخالف ما يدعيه هذا الآخر من احترام وتقدير لمخالفيه.
أما مجال عمل المنهجية الإسلامية فواسع وشامل وكذلك الحال بالنسبة للوسائل. وقد قدّم أبو سليمان مقترحات عملية تحقق تلك المنهجية، فاقترح تبويب النصوص القرآنية والحديث النبوي، وقدم أيضا ما سماه مقدمات العلوم الاجتماعية. وهي مقدمات ضرورية للباحث المسلم ومنها: أبعاد الوجود الإنساني والغائية والقصد في نظام الكون و الحياة، وموضوعية الحق والحقيقة في طبائع النفوس والعلاقات الاجتماعية الإنسانية.[24]
5- شروط المثاقفة كما يراها أبو سليمان في ضوء مبادىء الرؤية الكونية الإسلامية والمنهجية الإسلامية
يلزمنا عند الحديث عن المثاقفة أن نتحدث عن عدد من الشروط التي يجب توفرها لتحقيق علاقة صحية مع الآخر في ميدان مهم أصبح الحديث عنه أكثر من ممارسته عمليا.
قدمنا في الصفحات السابقة الرؤية الكونية الإسلامية والمنهجية الفكرية كما فهمهما المفكر أبو سليمان. وتبين لنا بوضوح أن من يروم علاقة تثاقف مع الآخر، عليه أن يدرك أهمية هذين الأمرين قبل الشروع في هذه العملية.
فالرؤية الكونية الإسلامية توفر للمفكر المسلم منهجا واضحا يسدد له الطريق، ويضعه في موقف المعتز بهذه الرؤية التوحيدية الشاملة. وهذا يمكّن المفكر من الدخول إلى معترك علاقة مع الآخر بفهم سليم لذاته وما يؤمن به. ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه. فمن فقد الفهم السليم لما يؤمن به، وما يمكن أن ينير له دربه، فسيخبط خبط عشواء. وهذا يعني انه سيدخل في جحر الضب، لقلة الزاد وضبابية الرؤية.
أما المنهجية الإسلامية، فهي توفر للباحث والمفكر المسلم أداة مهمة في البحث العلمي المنهجي. وغياب المنهجية قد توقع المفكر في حبائل المنهجيات الأخرى خصوصا وأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بفكر الآخر وتنطلق من رؤيته الكونية المخالفة للتوحيد، وربما رفعت الإنسان إلى مرتبة الألوهية، ونصبته حاكما على الحياة. كما أن تلك الرؤية مادية خالصة، تُجرّد الإنسان من الفطرة التي فطره الله عليها، فتنظر إليه نظرتها إلى الحيوان، كما أنها تجعله يّقدم على البحث في غيبيات لا قدرة له على معرفتها والتعامل معها. فالفكر الغربي عموما يجعل من الغيب خرافة، ولا يؤمن إلا بالمحسوس. فالوضعية الغربية هي رؤية ومنهج في آن واحد. وهي المرجعية التي لا يتطرق إلى قدرتها على البحث في عالمي الغيب والشهادة.
ومن متطلبات المثاقفة أيضا وجود خطاب متسق، ومنسجم مع الثقافة والخصوصيات المرتبطة بها، وكذلك خطاب مدرك لطبيعة المرحلة، وواع لما عند الآخر، حتى لايقع فريسة سهلة للخطاب الأكثر انتشارا وذيوعا، والأعلى صوتا. وهذا المتطلب تحدث عن الدكتور أبو سليمان في بحث مطوّل عن الخطاب الإسلامي المعاصر، كما تحدث آخرون.
يتساءل الدكتور أبو سليمان عن قدرة الخطاب الإسلامي التقليدي على تقديم الرؤية الإسلامية الشمولية للناس، وينساءل عن جدوى خطاب إسلامي لم يؤسس على الرؤية الكلية الإسلامية، ولايتخذ من المنهجية الإسلامية وسيلة صالحة للوصول إلى العقول القلوب. خطاب منفصل عن مصادره الأصلية، وليس لديه القدرة على الإفادة من الجوانب العظيمة في الخطاب القرآني والخطاب النبوي الكريم. ويضيف قائلا: وهل مثل هذا الخطاب التجزيئي المنفصل عن الواقع، والمتأثر بخطاب له سياقاته الزمانية والمكانية، قادر فعلا على تأسيس حياة إسلامية تحكمها مبادىء الشورى والعدل الذي جاء ليعدّ الإنسان لخلافة الله سبحانه على الأرض؟
فأبو سليمان إذن يطالب بتطوير خطاب كلي ذي أبعاد قرآنية، إنسانية تخاطب البشر بلغة يفهمونها، ويدركون معها حاجتهم إلى القيم التي أرساها القرآن الكريم في سبيل تعايش سليم مبني على الروح والوجدان والحب وليس على الماديات والعداء واستلاب قيم الآخر، وغزوه ليكون سوقا استهلاكية لمادياته وقيمه النابعة من رؤيته المادية للحياة.
“إن على مفكري الأمة أن ينتبهوا إلى طبيعة المنظومة الإسلامية العقديو والثقافية، وأن ينتبهوا إلى طبيعة المنظومات الأخرى، حتى لا يخبطوا من جديد ويقعوا في شباك التلاقح العشوائي بسبب التقليد الأعمى، الذي دفعنا ثمنه فيما مضى بشأن الحضارة اليونانية والذي مانزال ندفعه حتى اليوم بسبب انبهارنا بالجانب المادي في الحضارة الغربية التي هي نقيض لمنطلقات الحضارة الروحية الاستخلافية الإعمارية الخيّرة لنبقى بسبب إشكالنا العقدي والوجداني معها تلاميذ وعالة على تلك الحضارة ولمدة تزيد على قرنين من الزمن.”[25]
ثالثا: العلاقة مع الآخر: وجهة نظر أبي سليمان
1- نظرة الغرب للمسلمين
أخذت العلاقة مع الآخر الغربي تحديدا مساحة كبيرة من السجال بين المفكرين والمثقفين المسلمين منذ نهاية القرن التاسع عشر وامتدت حتى اليوم. وقد بدأت تلك العلاقة يوم قرر الغرب من جهته التوجه إلى العالم
الإسلامي بقصد احتلاله ونهب خيراته وفرض وصايته عليه. ولم يأل الغربيون جهدا في محاولاتهم الدؤوبة لفهم هذا العالم، وتلمس نقاط القوة و الضعف في هذا الكيان الجغرافي الكبير والمتنوع ثقافيا ومعرفيا وحضاريا.وقد تبين للغرب نفسه قضية تلازم العلاقة بين الوحي الإلهي والتقدم الحضاري عند المسلمين.
ولأن الغرب يريد إقناع المسلمين المستعمَرين بفضله عليهم، فكان عليه أن يقوم بأمرين: فصل الحضارة الإسلامية عن الوحي ورفض الاستسلام لفكرة فضل العرب المسلمين على النهضة الحديثة. وذلك حتى لايرى المغلوبين -وهم العرب المسلمون- أنفسهم أكثر تقدما وتحضرا من الغالب الجديد. وهذا لا يـاتى إلا بمعركة فكرية يقودها مستشرقون وتلاميذ لهم بين المسلمين[26].
أما المسلمون فقد اختلفوا في فهم هذه العلاقة وطريقة التعامل معها. فانقسموا إلى ثلاث فرق: المنادين بالذوبان وأخذ الحضارة الغربية وقيمها بقضها وقضيضها، وهؤلاء مسلمون تعلموا في الغرب أو تأثروا بالوجود الاستعماري للغرب على أرض المسلمين. وفريق ثانٍ رأى ضرورة الاستفادة من الغرب وتقدمه من خلال تطويع الفكرة الإسلامية وإدخالها ضمن الرؤية الغربية مع شيء من الاستقلالية في قضايا محددة. أما الفريق ثالث فقد رأى أن العلاقة مع الغرب لايمكن أن تكون على قاعدة الذوبان أو الاستسلام لمنطق القوة والغلبة. فكانت ردة فعلهم الرفض الكامل لذلك المنطق، والعمل على بعث الروح الإسلامية ومقاومة هذا الاستعمار الثقافي و هيمنة الرؤية الغربية للعالم[27].
ويبدو أن الصراع بين الغرب و المسلمين تحول إلى صراع إسلامي -إسلامي. أي بين تلك التوجهات المختلفة التي تمثلها تلك الفرق، حيث استنفذ المسلمون الكثير من طاقتهم في هذا الخلاف الذي مازالت آثاره إلى اليوم.
2-أبو سليمان ومتطلبات العلاقة مع الآخر
أسهب الدكتور أبو سليمان في حديثه عن الغرب لقناعته بأن فهم الآخر متطلب مهم وسابق لإقامة أي نوع من العلاقة مع هذا الآخر. ويعزو انحراف الغرب إلى “انحرافه عن شريعة الله سبحانه وتعالى، فارتد إلى جاهلية تحمل في طياتها إنكارا للروح وإعلاء للمادة والحيوانية. وهذا أدى إلى بناء علاقة مع الآخر تقوم على الاستعمار الذي نتج عنه نهب الثروات، وقتل الملايين، واستعباد شعوب بأكملها. ولم يكتف الغرب بذلك، بل وبسبب تلك النظرة المادية، تفككت الاسرة، وانحلت عرى العلاقات الإنسانية، وأصبح معيار علاقة الغرب بالآخر محكوما بالغلبة والتحكم بالآخر.”[28]
إن هذا الفهم العميق لرؤية الغرب لذاته ونظرته إلى الآخر والتي تنطلق من فكر داروني يقوم ابتداء على منطق الغلبة والافتراس، له دلالة مهمة لفهم الممارسات الغربية بحق الشعوب المستضعفة والتي ابتليت بالاستعمار الغربي دهرا. وفي مقابل ذلك، نرى قناعة وانحيازا واضحا لرؤية الإسلام الحضارية ومنطلقات تلك الرؤية المنسجمة مع تعاليم الأسلام التي تؤكد على كرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة، في ظل شريعة ربانية لا تميز بين بني البشر على أي قاعدة من لون أو عرق أو لغة أو جنسية.
لقد أحسن المفكر الدكتور أبو سليمان في بسط رؤيته للغرب دون مجاملة أو مواربة. وهذه الرؤية لاتنفي وجود خير في تلك المجتمعات، ولا تلغي ما حققه الغرب من تقدم مادي وتقني كبير، ولاتحجبه عن إمكانية إقامة علاقة معه على اسس وقواعد تقوم على تغيير رؤية الغرب للآخر.
وفي مقابل تلك الرؤية الغربية للعلاقة مع الآخر، يتحدث الدكتور أبو سليمان عن منهجية إسلامية واضحة للعلاقة مع الآخر وتقوم على أسس قرآنية وممارسات نبوية تمثلها سيرة الرسول الكريم مع الآخر، وكذلك ما فعله الفاتحون المسلمون في البلاد المفتوحة.
و تستند رؤية الدكتور أبي سليمان للتعامل مع الآخر على الإفادة من التجربة الغربية في هذا المجال. فمفتاح التعامل مع الغرب يتمثل في العمل المؤسسي الذي يقوم على إجراء الدراسات والبحوث، والتواصل مع المراكز التي تهتم بهذا الموضوع. وهو ما فعله الغرب حين أنشأ المراكز الاستشراقية وأقسام الدراسات الإسلامية، وكذلك استثمار جهود بعض الباحثين العرب والمسلمين في هذا المجال. وعلى نفس المنوال، يعتقد الدكتور أبو سليمان أن من تلك الحلول العمل المؤسسي والجاد من خلال إنشاء مراكز البحوث وتطوير البرامج الأكاديمية التي تقوم على دراسة الغرب دراسة علمية لفهم فلسفته في الحياة، ومرجعياته وأهدافه وتوجهاته.[29]
ولعل من أهم مزايا هذا المفكر الكبير أنه لم يتحدث عن القضايا المهمة حديث المنظّر الذي يقدم وجهة نظر دون تقديم الحل المناسب. ولذلك فقد عمل على إنشاء تخصص فرعي متخصص في دراسات الغرب في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا والتي أدار دفتها لعشر سنوات، ليكون نواة لقسم متخصص في الدراسات الغربية.
وهو بهذا يضع الكرة في مرمى المفكرين المسلمين، ويضعهم أمام مسؤولياتهم للقيام بما تمليه عليهم التحديات التي تواجه الأمة، أملا في مستقبل مشرق يحقق للأمة ما وعدها الله به سبحانه من الاستخلاف والتمكين.
الخاتمة
في هذا البحث تناول الباحث قضيتي التثاقف والعلاقة مع الآخر من خلال تحليل لمحتوى عدد من المؤلفات والبحوث التي كتبها الدكتور عبد الحميد أبو سليمان وتناولت الموضوعين محل البحث. حيث استعرض الباحث مفهوم التثاقف في القديم والحديث، وما يثور حول هذا المفهوم من غبار كثيف يكاد يحجب الرؤية عن فهمه. ولم يقتصر الباحث على النظر في كتابات الإسلاميين، بل نظر أيضا فيما قدمه غيرهم من مساهمات مهمة في توضيح هذا المفهوم الذي اعتبره بعض الباحثين مشكلا وعصيا على فهم جوانبه المختلفة.
وقد بدا للباحث أن ما قدمه الدكتور أبو سليمان يرقى إلى أن يكون منهجا متكاملا في هذين الموضوعين. وعندما نقول منهجا متكاملا، فإننا نقصد تكامل العناصر التي يمثلها هذا المنهج. فهو ينطلق ابتداء من إطار نظري يستند إلى فهم عميق لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والسيرة النبوية، إضافة إلى فهم عميق للآخر الذي ستتم معه عمليتي التثاقف وبناء العلاقات، وهو فهم تجاوز فيه الفهم التقليدي كما عرضنا. والإطار النظري في كتابات أبي سليمان يمثل فلسفة ناضجة وواعية لما يجب قوله وفعله لتحقيق النجاح في بناء علاقة مع الآخر تستند إلى الموضوعية والحيدة والشمول. ولم تبق هذه الفلسفة حبيسة الكتب و المقالات لتبقى مجرد ترف عقلي جامد، بل تم تحويلها إلى مؤسسات فاعلة تعمل بجد من أجل تحقيق تلك الأهداف.
إن المتأمل فيما كتبه الدكتور أبو سليمان، سيجد أيضا أسسا تستند إليها تلك الفلسفة المشار إليها. فهو يسهب في حديثه عن قضيتين غابتا عن كثير من علماء المسلمين في عصرنا الحاضر وهما: الرؤية الكونية والمنهجية الإسلامية. وهو إذ يفعل ذلك، فإن يرد المسلمين إلى مصادر الرؤية الكونية والتي بسطها القرآن الكريم. ووضع أبو سليمان كذلك للقارىء منهجا للنظر في كتاب الله سبحانه وتعالى لاستخراج تلك الرؤية، فهو يضع مبادىء تلك الرؤية التي يجب أن تكون واضحة، جليّة، وإيجابية وسهلة الفهم والتمثل والإدراك، وبعيدة عن التناقض والخرافية والسفسطة والتعقيد.
أما المنهجية الإسلامية، فقد استخلص في بحوثه سمات تلك المنهجية، ومتطلبات التعامل الواعي مع الآخر. حيث أكّد على أهمية خروج العقل المسلم من أزماته التي تحيط به، وتحرره من التقليد للسابقين والانبهار بما قدمه الآخرون. إن المنهجية الإسلامية لها إطارها المتفرد والمتميز. فهي منهجية تستمد مزيتها من عدة أمور لا تتوفر إلا لعقيدة التوحيد القائمة على التكامل بين عالمي الغيب والشهادة، وفهم قرآني للإنسان وقدرته على الإنجاز لعمارة الأرض وتحقيق شروط الاستخلاف.
ولعل أهم مايميز هذه المنهجية أيضا أنها تعتمد مصادر تختلف عن الآخر. فهي منهجية يتكامل فيها الوحي الرباني والعقل الإنساني والرؤية التوحيدية للكون المنظور. كما خلص الباحث إلى أن الفهم “السليماني” للمنهجية الإسلامية شمولي في مجاله ووسائله. وهذا الفهم ضروري لإخراج العقل المسلم من النظرة التجزيئية التي فتتت جهود الكثيرين، وكانت مسؤولة بقدر كبير عن التخلف الذي أصاب العقل المسلم.
لقد اقترح أبو سليمان أيضا تطوير خطاب إسلامي يتناسب مع الواقع الجديد الذي تشكل في عالم الحداثة والعولمة، بحيث ينطلق هذا الخطاب القيم التي أرساها القرآن الكريم، ويخاطب البشر بلغة مفهومة، ولتحقيق تعايش سليم يعلي قدر الروح والوجدان، ويتعالى على الماديات ومفاهيم استلاب ثقافة الآخر وتحويل بلاده إلى سوق استهلاكية لثقافته. إنه خطاب شمولي موضوعي ناضج، يتوسل بالحقائق والمعلومات والقيم الإنسانية الرفيعة.
لقد لاحظ الباحث أن لدى مفكرنا الكبير اعتزازا كبيرا بالتوحيد الذي يبني ذاتا تحمل على عاتقها الخروج من الأزمة التي يعيشها مسلمو اليوم. هذا الاعتزار تمثل التحذير المستمر من الدخول في جحر الضب، والشعور بالنقص و الدونية تجاه ما قدمه الآخرون من قفزات كبيرة في مجال العلوم الفيزيائية والاجتماعية. إن القارىء لينبهر من قدرة المفكر أبي سليمان على التحليل الموضوعي لما قدمه المسلمون وما يمكن أن يضيفه الفهم الإسلامي للحياة الإنسانية التي تسيطر عليها اليوم مادية داروينية. وعلى الرغم من هذا الاعتزار، إلا أن مفكرنا لم يبخس الآخر حقه، فكان تحليله سابقة في الفكر الإسلامي الحديث. حيث كثيرا ما وجدنا تغييبا لإنجازات الآخر، بل وتحقيرا لها باعتبارها منجزات مادية صرفة، لذلك فقد اشاد أبو سليمان في مواطن كثيرة بما قدمه الغرب للإنسانية في مجال التقدم التقني والعلمي.
إن تجربة المفكر الكبير عبد الحميد أبو سليمان تمثل نقلة نوعية في الفكر الإسلامي المعاصر. فهي تجربة تعتمد الجديّة والمسؤولية، كما أنها بنيت على قناعة بقدرة المسلمين اليوم على الإنجاز، مما يبعث روحا من الأمل في نفوس المسلمين.
إن أعظم مزية للمفكر أن ينتقل بنظرياته من مجال القول إلى مجال الفعل. وهذا ما فعله الدكتور أبو سليمان في قيادته للمؤسسات التعليمية، ومبادراته الكثيرة التي قام بها مع أخوانه وأصدقائه من المفكرين و لعلماء لاختبار تلك الأفكار بشكل عملي مما يساعد في تطويرها وتعديلها حسب نتائج العمل.
وبناء على ما تقدم، يقترح الباحث التوصيات الآتية:
- نشر ما قدمه الدكتور أبو سليمان على نطاق واسع وترجمة أعماله إلى لغات الشعوب الإسلامية واللغات الأخرى.
- عقد دورات متخصصة للشباب المسلم لتوعيتهم بما توصل إليه الدكتور أبو سليمان في بحوثه ودراساته، وللاستفادة من منهجه العلمي.
- العمل مع الجامعات العربية والإسلامية على وضع مساقات تدريس تتناول الرؤية الحضارية والمنهجية الإسلامية في البحث، تتضمن جهود الدكتور أبي سليمان ورفاقه الذين عملوا على هذه الرؤية و المنهجية.
- العمل على تطوير ما قدمه الدكتور أبو سليمان من حلول عملية للتطورات والظروف المستجدة وكذلك التحديات التي تواجه الأمة، والبناء عليها من أجل تحقيق الأهداف التي سعى إليها.
*دكتوراه في مناهج وطرائق تدريس اللغات من معهد فرجينيا للتقنية 1999م. نائب مدير المركز الوطني للمناهج في الأردن سابقا.باحث في التربية والفكر الإسلامي. البريد الإلكتروني:s.nusairat@gmail.com
[2] بن نبي، مالك، مشكلة الثقافة. دمشق: دار الفكر. 1399ھ/1979م.
[3] الجابري، محمد عابد. “العولمة والهوية الثقافية“مجلة فكرونقد، عدد 6، شباط(1998)، ص6.
[4] مادة ثاقف، معجم اللغة العربية المعاصرة (اون لاين). تم الاسترجاع في 19أكتوبر 2022.
[5] مقدمة، نحو مثاقفة واعية مع الآخر، إسلامية المعرفة، عدد76(1 أبريل،2014).
[6]كلرك، جيرا، الأنتروبولوجيا والاستعمار، ترجمة جورج كتورة، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ط2،(1990)، ص87.
[7] التلاوي، جمال نجيب، المثاقفة عبدالصبور وإليوت، دراسة عبر حضارية، ترجمة ماهر مهدي وحنان الشريف. المنيا: دار الهدى للنشر والتوزيع (2005)، .
[8] علاك، نصيرة، حلول مصطلح (المثاقفة) على الثقافة العربية الراهنة -إشكالية التاصيل- مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية،عدد55 (يناير2019).
[9] الفرّاك، أحمد، المسلمون والغرب والتأسيس القرآني للمشترك الإنساني. هيرندن-فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
[10] عبداللطيف، كمال، الحداثة والتاريخ، بيروت: أفريقيا والشرق. 1999.
[11] أنظرفي هذا الصدد كتابات عرفان عبد الحميد، عبدالحميد أبو سليمان، فتحي ملكاوي .
[12] عبدالحميد، عرفان فتّاح، إسلامية المعرفة ومنهجية التثاقف مع الغرب،مجلة إسلامية المعرفة، عدد 5(صفر 1417ھ/1996م) ، ص16.
[13] هيئة التحرير. نحو مثاقفة واعية مع الآخر. مجلة إسلامية المعرفة، عدد.76 (أبريل 2014).
[14] عرفان عبد الحميد فتاح، “إسلامية المعرفة ومنهجية التثاقف الحضاري مع الغرب”، مصدر سابق ،ص11.
[15] الفاروقي، إسماعيل. “أسلمة المعرفة” مجلة المسلم المعاصر، عدد 32(أكتوبر1982).
[16] الملكاوي، فتحي. مقالات في إسلامية المعرفة. عمان:المعهد العالمي للفكر الإسلامي.2018.
[17] الفرّاك، المسلمون والغرب والـتأسيس القرآني للمشترك الإنساني. مرجع سابق، ص44-45
[18] أبو سليمان، عبد الحميد. “إسلامية المعرفة” مجلة المسلم المعاصر، عدد31،(يوليو،1981)
[19] مصطفى، نادية (محرر). “قراءة في فكر أعلام الأمة” في رؤية ومنهاج الدكتور عبدالحميد أبو سليمان”. فرجينيا: مركز الإسلام المعاصر: جامعة شنندوا. (2021)، ص13
[20] أبو سليمان، عبدالحميد. “الرؤيةالكونية الحضارية القرآنية: المنطلق الأساسي للإصلاح الإنساني“. القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي دار السلام للنشر والتوزيع. ط1، 2009، ص25.
[21] المرجع السابق، ص25.
[22] المرجع السابق
[23] المرجع السابق، ص 35.
[24] المرجع السابق، ص33-41
[25] أبو سليمان، عبدالحميد، “الخطاب الإسلامي المعاصر وتشوهات الخلط والتسطيح”. في الخطاب الإسلامي: دعوة للتقويم وإعادة النظر. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. .2006. ص120-121
[26] الشامي، علي. أيديولوجية المغلوبين أو موقف المسلمين من غلبة الغرب. مجلة الفكر العربي، عدد42، السنة 7 (حزيران 1986).
[27] الشامي، علي، المرجع السابق.
[28] أبو سليمان، عبد الحميد. الإنسان بين شريعتين…. رؤية قرآنية في معرفة الذات ومعرفة الآخر.القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط1،(1423ھ/2003م)
[29] أبو سليمان، المرجع السابق.