الأمثال العربية من الخرافة الى التهذيب ! – د.محمد سالمان -مصر-
الأمثال العربية من الخرافة إلى التهذيب !
د . محمد سالمان ( مصر )
تمثل الأمثال العربية ركنا أصيلا في منظومة الأدب العربي ، فهي تراث أدبي ونتاج فكري ولها من الأهمية جانب كبير ، ويمكن دراستها على أكثر من وجه كالجانب الفكري أو الجانب النفسي أو الاخلاقي أو حتى اللغوي .وهي في كل هذه الجوانب دالة على البيئة ،و دالة على الفكر ،و تمثل خبرات الحياة الاجتماعية .
وليست الأمثال حِكرا على أدبنا العربي وليست وقفا على الناطقين بالضاد وحدهم ، بل هى موجودة في مختلف لغات العالم ولدى سائر الشعوب ، وكأن الله سبحانه قد ألهم الفطرة الإنسانية أن تعي في ضميرها تلك الأقوال النافعة والوصايا الجامعة لتكون مصباحا للمتأخرين ، ويتناقلها اللاحقون عن السابقين .
و للمثل والأقوال السائرة ضوابط ومعايير وفي ذلك قول إبراهيم النظام : يجتمع فى المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحسن التشبيه ، وجودة الكناية ، فهو نهاية البلاغة ( مجمع الأمثال 7/1 ) .
يمتاز المثل العربي بالاحتفاظ بصياغته اللغوية ويرجع ذلك إلى إيجاز لفظه مع وفائه بالمعنى المطلوب ، ومن هنا كان جمال الأمثال وروعتها وسحرها وطلاوتة بلاغتها ولذلك قال المبرّد : الأمثال يُستجاز فيها ما يُستحاز فى الشعر ( المقتضب 4/ 261) ، وهو ما سبق أن ذكره أبو عمرو بن العلاء فى قوله : الأمثال تُؤدّى على ما فَرط به أول أحوال وقوعها ( لسان العرب ز و ل ) ، وقد بنى السيوطي في الأشباه والنظائر فصلا على ” أن الأمثال لا تُغيّر ” ( الأشباه والنظائر 104/1) .
ويلاحظ أن الأمثال قديما وحديثا لها خصوصية ثبات اللغة وقِدمها الموثوق وإحكامها في سبك العبارة ، و وكذلك شذوذوها – أحيانا – عن أصل اللغة ، وغموضها أحيانا أخرى ، الأمر الذى جعلها بعيدة عن الاستشهاد النحوي ، وهو ما جعل طه حسين يقول : الأمثال بطبيعتها أدب شعبي مضطرب متطور ، يصحّ أن يؤخذ مقياسا لدرس اللغة ومقياسا لدرس الجملة القصيرة كيف تتكوّن ، ومقياسا بنوع خاص لعبث الشعوب بالألفاظ والمعاني ( في الأدب الجاهلي 354) وعلى هذا فالامثال تمثل مادة فسيحة للدراسات اللغوية والبلاغية والنحوية بما تحمله من خصائص أسلوبية لا توجد إلا في الشعر كالشذوذ عن القياس اللغوي مثلا ، ولهذا حديث أخر .
ولهذا كثُرت التصانيف في الأمثال و خُصّصت لها كتب بعينها مثل ” أمثال العرب ” للمفضل الضبي ،و ” الأمثال ” لأبي فيد السدوسي ،و ” الأمثال ” لأبي عبيد القاسم بن سلام ، و ” جمهرة الأمثال ” لأبي هلال العسكري ،و ” الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة ” لحمزة بن علي الأصفهاني ، و ” المستقصى في أمثال العرب ” للزمخشري ، و ” مجمع الأمثال ” للميداني ، وغيرها.
ارتبطت بعض الأمثال بالخرافات والأساطير ، وحيكت حولها القصص والروايات في محاولة لتقريب المعنى المقصود .
والخرافة كما تذكر كتب اللغة هى الحديث المُستملَح من الكذب ، وقيل : إن خرافة كان رجلا من بني عذرة ،و قيل كان من جهينة اختطفته الجن ، فكان يُحدّث الناس بأحاديث مما رأى فيعجب الناس منها ، فكذّبوه فجرى على ألسُن الناس حتى قيل ” أمحل من حديث خرافة ” ، وقال الميداني : أن خرافة اسم مشتق من اخترف السمر أى استظرفه . وظاهرة الخرافة أو الأكاذيب المُستملَحة ظاهرة في الأدب العربي القديم حتى أن المبرّد أفرد لها بابا في كتابه ” الكامل ” تحت عنوان باب ” من تكاذيب الأعراب ” ،ولكن تظهر تلك الظاهرة بوضوح فى الأمثال وخاصة ما ورد منها على لسان الحيوانات ، وهى ظاهرة موجوده أيضا في الآداب الأخرى كاليونانية والهندية و الفارسية، والمصرية القديمة ، وأوضح مثال لذلك كتاب ” كليلة و دمنة ” الذي ترجمه ابن المقفع وما حكاه على لسان الحيوان من قصص وحكايات وغرائب .
والأمثال التى وردت على لسان الحيوان لها مغزى فكري وأخلاقي وتربوي، و لم ترد عبثا بقصد التسلية أو ملء اوقات الفراغ ، فهي تشبه كليلة ودمنة فى هدفها الأخلاقى والتعليمي بهدف غرس قيم معينة فى نفوس الناس ، وهى ايضا تشبه أحاديث الأمهات لأبنائها بهدف التربية وفق قيم أخلاقية معينة .
ففى المثل ” كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ” ( أمثال العرب 177) والتى وردت على لسان إحدى الحيات وهى قصة طريفة حكاها المفضّل الضّبي من أن أخوين كان لهما إبل أراد أحدهما أن يرعى الإبل فى واد تحمية حيّة ، لم تترك الحيّة رجلا يرعى بالوادى إلا أهلكته ، وعندما نزل الاخ الوادى بإبله ، أهلكته الحيّة ، فطلب أخوه الثأر منها ، وعندما التقى بالحيّة طلبت منه الصلح مقابل أن يرعى بالوادى وإن تعطيه كل يوم دينارا ، فقبل الرجل وأعطاها المواثيق والوعود ، وبعد فترة تذكّر ثأر أخيه وهو يرى كل يوم من قتل أخاه ، فعمد إلى فاس ،و ضرب الحيّة ، لكنه أخطأ الضربة ووقع الفأس على جحرها فأثر فيه ونجت الحية من القتل ، فقطعت عنه الدينار اليومي ، فلما رأى الرجل ذلك تخوّف من شرّها ، فعاود معها الاتفاق إلى ما كانوا عليه من قبل ، فقالت ” كيف اعاودك وهذا أثر فاسك ” ويُضرب عند إخلاف الوعود ثم العودة إليها ثانية ولكن بعد فوات الأوان ، تلك قصة تهدف إلى التعليم بضرورة الالتزام بالعهود ، وعدم الخيانة .
وكذلك المثل ” في بيته يُؤتى الحَكَم ” ( مجمع الأمثال 442/2) قال الميداني : هذا مما زعمت العرب على ألسُن البهائم، قالوا : إن الأرنب التقطت ثمرة ، فاختلسها الثعلب ، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضبّ ، فقالت الأرنب: يا أبا الحِسل – كنية الضبّ – فقال : ” سميعا دعوتِ ” . فقالت : أتيناك لنختصم إليك ، قال : ” عادلا حَكّمتما ” . قالت : فاخرج إلينا ، قال : ” في بيته يُؤتى الحَكَم ” . قالت : إني وجدت ثمرة ، قال : ” حُلوة فكليها ” . قالت : فاختلسها الثعلب ، قال : ” لنفسه بغى الخير ” . قالت : فلطمته ، قال : ” بحقّك أخذتِ ” . قالت : فلطمني ، قال : ” حرّ انتصر ” . قالت : فاقض بيننا ، قال : ” قد قضيت ” !! فذهبت أقواله كلها حكما وأمثالا . تلك القصة القصيرة وما بها من حوار بين الثعلب والضبّ أوردها العرب كي تغرس قيما معينة كضرورة اللجوء للحاكم العادل عند الخصام ، وضرورة احترام الحاكم وتبجيله بأن يؤتى إليه ولا يأتي أو ضرورة انتصار الحر لنفسه ، وكذلك البحث عن الخير للنفس ، كلها قيم ومبادئ اجتماعية يجب أن تُعلّم للناشئة .
وكذلك من أمثالهم ” أكرهُ من خِصلتي الضبع ” ( مجمع الأمثال 74/3) فقد ذكروا أن الضبع صادت مرة ثعلبا ، فلما أرادت أن تأكله ، قال الثعلب : مُنّي علىّ أم عامر – كنية الضبع – فقالت الضبع : قد خيّرتك يا أبا الحصين بين خصلتين . فاختر أيهما شئت ، فقال الثعلب : وما هما ؟ فقالت الضبع : إمّا أن آكلك ، وإمّا أن أمزّقك ، فضربت العرب بخصلتيها المثل لما لا خيار فيه ، وكلاهما أسوأ من الأخر .
كذلك من أمثالهم أيضا ” أجرأ من خاصي الأسد ” ( مجمع الأمثال 324/1 ) قالوا إن حرّاثا كان يحرث ، فأتاه أسد ، فقال : ما الذي ذلّل لك هذا الثور حتى يطيعك؟ قال الرجل : إني خصيته ، قال : وما الخصاء ؟ قال الرجل : ادن منّي أُركه ، فدنا منه الأسد منقادا ليعلم ذلك ، فشدّه وثاقا وخصاه . وهو مثل يُضرب للشجاعة من ناحية ، ويُضرب أيضا بعدم الانخداع والانسياق وراء قول الآخرين حتى تتيقن من صدقهم .
وكذلك المثل ” إنما أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض ” ( مجمع الأمثال 40/1) التي تحكي عن ثلاثة ثيران (أبيض، أسود، أحمر) يعيشون في مرعى واحد ويحمون بعضهم بعضا من أسد مفترس ، لكن يخدع الأسد الثورين الأسود والأحمر، ويقنعهم بأن الثور الأبيض هو العائق الوحيد لوحدتهم ، ويعدهم بأكله ليصفو لهم المكان ،و يوافق الثوران ويسمحان للأسد بأكل الثور الأبيض ، ثم يعود الأسد ويقنع الثور الأسود بأنه يريد أكل الثور الأحمر (لتقارب اللون) ، فيوافق الأسود و بالفعل يفترس الأسد الثور الأحمر ،و هنا لم يبق أمام الأسد إلا الثور الأسود وحيداً ، فيصرخ الأخير يائساً ” إنما أُكِلتُ يوم أُكل الثور الأبيض ” و هو مثل يغرس قيمة اجتماعية عليا وهي أن في الاتحاد قوة ، وفي الخذلان ضعف ومذلة
هكذا حوّل العرب أمثالهم إلى هدف تعليمي واخلاقي من خلال العبارات الموجزة ،و الصورة المعبّرة معتمدين على البيئة العربية وما بها من خرافات واساطير .