حصريا

أمهات الأرض سلطان – أ.صلاح باحث -العراق-

0 5

 

أمهات الأرض

سلطان صلاح

باحث من العراق

 

منذ أن شنّ الكيان اللقيط حربه الأخيرة على غزة الأبية، انكمشت مشاكلنا في أعيننا وتضاءلت همومنا أمام عظمة همّها، حتى غدت راحتنا منوطة براحتها، وتعبنا رهينًا بتعبها. تلك المدينة الصامدة، التي ما بخلت بفلذات أكبادها، وقدّمتهم قرابين للحرية، وحُصونًا للدفاع عنّا وعن الأمة جمعاء.

هنالك، تجلّت صورة الصبر في أبهى معانيه؛ فغزة تمنع أبناءها من الهجرة والفرار، وتأبى عليهم العقوق والجحود، وتُغريهم ببذل النفيس في سبيلها. أمهات العالم –كل العالم– يتحيّرن أمام هذا البر العظيم الذي يقدّمه أبناء غزة المقاومة، ولعلّ قارئ أدب المقاومة يذكر عندها أم سعد، الشعب والمدرسة، كما وصفها غسان كنفاني.

لقد خلد كنفاني أم سعد في روايته، وجعلها أيقونة للتضحية والصمود والبسالة، امرأةً تُقدّم أبناءها لأجل فلسطين، وتحرّض على القتال من أجل الحرية، وتذمّ من يتردّد في اتخاذ القرار، وتدعو إلى ترك الأمور لأهلها من أصحاب البنادق، سادة النضال الفدائي. كانت نموذجًا للمرأة التي لا تكتفي بالصبر، بل تؤثّر في قرار زوجها، حتى إذا استكان بعد الهزيمة أيقظت فيه العزم، وألزمته طريق المقاومة، حتى أذعن للحق. وقال عنها كنفاني قولته المشهورة:

«هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلّف وفلسطين تأخذ».

ولم تكن أم سعد صورةً متخيلةً من نسج الخيال الروائي، بل كانت نموذجًا حيًّا خالدًا تحت اسم أم حسين، تلك التي شيّعت جنازة كنفاني بعد اغتياله. وقد قال عنها:

«أم سعد امرأة حقيقية أعرفها جيدًا، وما زلت أراها دائمًا وأحادثها وأتعلّم منها، وتربطني بها قرابة ما. لقد علّمتني أم سعد كثيرًا، وأكاد أقول إن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلّتا فلسطينيتين رغم كل شيء».

هكذا، صارت أم سعد رمزًا خالدًا للمربية المقاومة، في فلسطين وفي كل بقاع الأرض، امرأة تنفق عمرها لتُعلّم الأجيال أن الحرية أساس الحياة، وأن الكرامة أثمن من الروح. ومن قصصها ما رواه كنفاني:

«جاءت الطائرة مطلية باللون، وحلّقت على علوٍّ منخفض، وأخذت تزخّ رصاصها على الشارع. سمعت أم سعد صوتًا معدنيًا كالرنين يملأ الطريق، وفي اللحظة التالية تقدّمت نحو الإسفلت، فرفعت بين أصابعها قطعة حديد ذات أربعة رؤوس مسنّنة».

ثم تحرّض على المقاومة فتقول:

«ندوّرها ونلمّها ونقذف بها إلى الرمل».

فاندفعت النساء، ثم اندفع الأولاد من بعدهن، كالسيل الهادر الذي لا يوقفه سدّ.

وبين ضجيج المدافع وأزيز الطائرات، يتصاعد صوت أم سعد حاضرًا لا يغيب، يحدو الرجال والنساء والأطفال إلى الصمود، ويحرّض على مقارعة المحتل حتى آخر نفس، لتبقى كلمة الحرية عاليةً، وراية المقاومة خفّاقةً، وأم سعد مثالًا خالدًا لكل أمٍّ مؤمنةٍ بأن الأرض لا تُفتدى إلا بالدم، وأن الحرية لا تُنال إلا بالتضحيات الجسام.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.