حصريا

وعي الاختلاف والتضحية بالأنانيات

0 132

وعي الاختلاف والتضحية بالأنانيات

د إسماعيل الحسني

نحن مختلفون ومستخلفون في الأرض ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نكون متماثلين. المطلوب منا أن نكون على بال بأننا نحن البشر نعيش في ظلال نسق من الفروق المتنوعة التي نبه القرآن الكريم على ضرورة استيعابها: منها الفروق الموجودة في موجودات الكون، كاختلاف السماوات والأرض، لقوله تعالى: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب » وقوله: «وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه». ومنها الفروق الموجودة بين الأزمنة كقوله تعالى: «وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار». ومنها الفروق الموجودة بين الألسنة كقوله تعالى: «واختلاف أسلتكم» ومنها الفروق الموجودة بين الشرائع والقوانين، وما يحتكم إليه البشر من أعراف وتقاليد، لقوله تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون»، ومنها الفروق الموجودة في الأفعال البشرية، سواء كانت قولية، مجسدة فيما نتفوَّه به بألسنتنا، وما نكتبه بأنامل أيدينا، أم كانت مجسدة فيما نمارسه بأعضائنا المختلفة؛ وهذا واضح في قوله تعالى: «إنكم لفي قول مختلف» وقوله: «وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله». ومنها الفروق الموجودة بين العقائد والنحل والمذاهب، لقوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم»، ومنها الفروق بين المدارك والفهوم والأجيال، لقوله تعالى: «وهو الذي جعلكم خلفاء في الأرض ورفع بعضكم على بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم» ، ومنها الفروق بين الألوان، لقوله تعالى: «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم» .

وعليه، لما كان الوعي الفروقي بالاختلاف من المعطيات الأساسية في وجودنا، لم يكن من سبيل أمام البشر جميعا إلا أن يتدافعوا تدافعا سلميا من أجل تحقيق مقصد التعارف بينهم؛ التعارف العلمي الذي يفضي إلى معرفة بعضنا ببعض من الجوانب المتعددة التي تتكون منها الفعالية الإنسانية: جانب عالم العواطف والمشاعر والأماني، وجانب الأفكار والقيم والتصورات، وجانب الغرائز والشهوات، وجانب الأذواق والاختيارات، وجانب الألسنة والألوان، وجانب الأعراف والعادات، وجانب الواقع بتعقيدات عناصره وبتشابك مكوناته.

إن هذا التعارف تكليف ديني إسلامي من التكاليف التي تتحطم على صخرة الاعتصام به كثير من أنانياتنا الضيقة، لأن الاختلاف والخلاف ليسا من قبيل المقاييس التي نحدد بها الكرامة الإنسانية، وإنما المقياس هو التقوى كما نصت عليها الآية الكريمة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم»، أي أكرم الناس من كان واعيا بمقدار ما راكمه من تعارف، سواء كان من قبيل ما اكتسب ويكتسب فيه من أخطاء أو كان من قبيل ما كسب ويكسب فيه من إنجازات.

يبدو أن إنجازاتنا الراهنة  نحن المسلمين في مضمار التدافع السلمي وفي باب التعارف العلمي لا ترقى كثيرا إلى ما يطلبه منا الدين الإسلامي. لأننا لم ننجح كما ينبغي في التدبير الأنسب لخلافاتنا، ليس فحسب في مجال اختياراتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإنما في كثير من مجالات تفكيرنا وتفهنا وفهمنا لديننا الإسلامي، وفي كيفيات تنزيل أحكامه في واقعنا الحديث والمعاصر والراهن. هذا واقع تشهد له كثير من مناطق البلاد العربية التي اخترقت خارجيا، وفككت داخليا، وأصبح العنف والعنف المضاد الحكم الذي لا راد لقضائه، كما تدل على ذلك الأخبار المسموعة والمشاهدة والمقروءة. ولما كان هذا هو الواقع الذي لا يرتفع بالشعارات العاطفية والخطابات الحماسية، فإن الخطوة الأولية هو الاعتراف العلمي به من لدن نخبتنا المجتمعية لا القفز عليه. المطلوب هو فهم الواقع واستيعابه من أجل القيام بمراجعة ضرورية لنظامنا الفكري والخلقي، وإعادة بناء كثير من مقاييس أحكامنا وتقويماتنا، حتى تكون متسقة مع مقاصد ديننا، ومع منطق وروح عصرنا. ولا يتحقق ذلك إلا بقدرة متجددة على تحمل أعضاء نخبتنا لاختلافها وخلافاتها.

هذه هي التضحية المكلفة التي نحتاجها في الوقت الحاضر، على الأقل من أجل الحفاظ على وجودنا، باعتبارنا أمة، وباعتبارنا مجتمعات لها خصوصيتها وتلويناتها المتعددة في هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف. نعم هي تضحية مكلفة لأن الأمر يتعلق أساسا بالتضحية بأنانياتنا – وما أكثرها- وبحب معظمنا لمصالحه الشخصية.

لا بد في نظري من أن يستفرغ كل واحد منا جهده في تحمل غيره المختلف عنه والمخالف له. والغرض الأساسي هو أن نعيش – أولا و قبل كل شيء – في سلام فيُسالم بعضنا البعض الآخر: هذه هي معادلة التضحية التي تتطلب منا فكرا خلاقا وتقتضي منا الروح الإبداعية التي تمكننا من الرؤية الواضحة بأن هناك نور نتلمسه أمامنا، وأن هناك شعاع ضياء يضيء خطواتنا في مستقبل الأيام الآتية.

المطلوب في وقتنا الراهن أن نجعل من تحمل بعض المسلمين لبعض وظيفة أساسية يقوم عليها نظامنا الفكري والخلقي لأنه بدون القيام بهذه الوظيفة نزيد في إغراق أنفسنا في مستنقعات العنف المادي وغير المادي الذي يلوث بيئتنا الفكرية والأخلاقية.

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.