حصريا

” هل المرجعيّة الشرعيّة الحالية لا زالت ثقة عند المرأة المسلمة؟”

” هل المرجعيّة الشرعيّة الحالية لا زالت ثقة عند المرأة المسلمة؟”

لم تتأخّر المرأةُ المسلمةُ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الرجوع إليه في كلّ شاردة وواردة، في كلّ صغيرة وكبيرة، مهمّة وغير مهمّة. في أيّ شيء نغّص عليها دنيتها وآخرتها، لجأت إليه، وشكت له، ووضعت نفسها بين يدي الوحي تنتظر إنصافها… لماذا ياترى؟؟ لأنها وثقت بالمرجعيّة الشرعيّة ثقة مطلقة، وجدت عندها الحلول دوماً، وجدت الدعم، وجدت المساندة.. السيرة النبوية الصحيحة حافلة،بالمواقف الخالدة التي وقفت مع المرأة، وأعادت حقها، وردعت ظالمها. وثقت المرأة المسلمة آنئذ بالمرجعية الدينية على أنها ستحميها للأبد. وسأورد مثالاً يبيّن كيف تصرّفت المرجعيّة الشرعيّة حال تعرّض الصحابية السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها لمناكفة بريئة من سيدنا عمر رضي الله عنه -(لن أتناول مسألة حقوق المرأة المهدورة بل مثالي عن المناكفات)- حين التقى بها في حجرة أم المؤمنين السيدة حفصة عليها السلام ، بعد رجوعها من الحبشة مع من رجع من المهاجرين إليها. مازحها قائلاً: ” سبقناكم بالهجرة، فنحنُ أحقّ برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم” فغضبت وقالت:” كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار – أو في أرض- البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله-(وضعوا تحت هذه الجملة عشرة خطوط، هذه الجملة لوحدها تستحق مني مقالاً آخراً يتناول وعي المرأة الديني والدعوي والجوهري في سبب وجودها في الحياة)- وأيم الله لا أطعم طعاماً، ولا اشرب شراباً حتى أذكر ماقلتَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نُؤذى ونُخاف. وسأذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد”. فلمّا جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قالت له : ” يانبيَّ الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال: فما قلتِ له؟ قالت: قلتُ له كذا وكذا. قال: ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان”.(١) هذا المثال الساطع يبيّن التالي: – سهولة الرجوع إلى المسؤول الشرعي ليبيّن الحقّ حال الالتباس. – عدم احتجاب المرجعيّة الدينيّة لحظة عن النساء. – ثقة النساء المطلقة بالمرجعيّة الدينيّة وأنها لن تحابي أحداً. لفتني أن مناكفته أغضبتها، وردّت بمنطق يفقه المسألة، ولم تعتبره مزاحاً وتركته يمرّ مرور الكرام، أقول هذا لثقتي المطلقة بسيدنا عمر رضي الله عنه، فهو الملهم العبقري، الراشد والمدرك لدور المرأة المهاجرة، وحاشاه أن يغمطها حقها والمهاجرين للحبشة، لكنه يمازحها فقط، رغم ذلك لم تسكت السيدة أسماء رضي الله عنها وشكت مناكفته هذه للمرجعية. وهنا ملاحظة لي: ما أكثر المناكفات المازحة المستفزّة للمرأة هذه الأيام!!! مناكفات خطيرة، تستفز غيرة المرأة الطبيعية، وتسبب لها الألم ، مناكفات تجرحها وفي آخر الأمر يعتذر أصحابها ولكن بعد فوات الأوان. مناكفات بمظهر البراءة وتنطوي غيها اتهامات خبيثة لفطرة المرأة، وهضم لحقوقها وتعدّ على أنوثتها، لا تجد المرأة السوية مرجعية شرعية تساندها في رفضها لها، أو تردع السفهاء ممن ينشروها. لا أحكي عن الحقوق المهدورة التي تفشل المرجعية الشرعية في استرجاعها للمرأة وكفّ ظلم الرجال عنها، لا، إنني أحكي عن المناكفات الجارحة التي تثير غضب المرأة وتزعجها وتنتشر فلا تجد مرجعية تحميها منها. بالعودة للسيدة أسماء، لم تتوانى لحظة عن الهروع إلي مرجعيتها الشرعية، لتدعمها وتأخذ حقها ممن أغضبها، فدعمها رسول الله بعد أن استوضح منها “جوابها” هذا أعجبه، وزادها من المسك والحق كلاماً، أذهب غيظها وأرضاها…. جرأتها وقوة شخصيتها وأنفتها تقبّل مناكفة سيدنا عمر رضي الله عنه ، كله يدل على عظمة الصحابيات الفاهمات لدورهن الجهادي والدعوي وشهودهن قيامة الإسلام كتفاً بكتف شقيقها الرجل. حين تثور المرأة في أيامنا بسبب ادّعاءات تافهة ومناكفات خبيثة، تحتاج مرجعية شرعية تدعمها، تساندها، تردع المستفزين، تشعرها بأن دينها يحميها وهي معه مصانة وقوية ومحمية؛ للأسف الشديد لا تجد المرأة هذه المرجعية الشرعية المنصفة الداعمة إلا ما رحم الله!!!!. لا تجد المسؤول الشرعي الذي يقف بوجه ظالمها. لا تجد مرجعية شرعية تمسك بيدها وتهدّيء روعها لا تجد مرجعية شرعية مؤهلة لأن تقف في وجه المناكفين بطريقة جدية. بل تجد مرجعية شرعية تحابي الرجل، وتقف معه، تتعاطف معه تبرر ظلمه، تعذره، وتسامحه على حسابها !!! تجد مرجعية شرعية تعتب عليها لشكوتها إياه، وتلوي أمامها الشفتين علامة قلة الحيلة وانعدام الحل ! تجد مرجعية تحمّلها عبء مزاحه المتكرر عن التعدد، وتلومها لأنها تصغّر عقلها، وتنصحها بالصبر على نزواته وبغضّ الطرف عن عنفه وتقصيره. هذه الاستجابة الفاشلة للشرعية الآنية تعاكس وتضاد الاستجابة الشرعية أيام العهد النبوي والراشدي مما أدّى إلى فقدان المرأة لثقتها بالمرجعية الشرعية الحالية. حين فُتحت خيبر، وتحصّل المسلمون على خيرات ضخمة، طالبت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن رسولَ الله بزيادةالنفقة، فتدخل سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر ناصحيْن لبنتيهما، بل حتى أنّ سيدنا عمر رضي الله عنه طالب أم المؤمنين السيدة أم سلمة بذلك، فغضبت منه وانزعجت جداً وأسمعته ما جعله يتراجع عن ذلك مؤاخذاّ نفسه، قالت : ” عجباً لك ياابن الخطاب! قد دخلت في كلّ شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه؟؟؟؟” (٢) فأثنت عليها باقي أمهات المؤمنين شاكرات لها صنعها. هذه الثقة بالمرجعية الشرعية، والفقه والإدراك بقيمة وحقوق المرأة في الإسلام، كانت حاضرة في هذا الموقف، وثقتها بأنّ المرجعية ستقف معها وتدعمها فيما ذهبت إليه من أن هذا حقها ولها أن تطالب به، ومالبث الآيات الكريمة أن نزلت تخيّر أمهات المؤمنين بين الزيادة والمفارقة أو البقاء مع الصبر على شظف الدنيا لزوجات نبي عظيم، سيكافئهن في الجنة بعظيم الجزاء الذي يكرمهنّ فيه. أن ترفض المرأة وتثور وتهرع للمرجعية الدينية لتمسك بيدها وتردع ظالمها، هي حاجة أساسية تفتقدها حالياً، ولا أعمّم طبعاً، فطيب الذكر كريم السيرة الداعية الموفق محمد الغزالي رحمه الله هو مرجعية في زمننا ، وطالما تصدى للظلم الواقع على المرأة، وصرخ محذراً من إهمال هذا الجانب، مشدداً على ضرورة استيعابها وحمايتها كما كان السلف يحرصون على ذلك، خوفاً من ردة فعل لها غير سوية، وخوفاً من العدو المتربّص بها يخطط لاستغلال كل الثغرات الله المستعان والحافظ وحسبنا الله ونعم الوكيل.

—-*—–

المراجع

١)فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، مكتبة دار السلام، ط٣ ، كتاب المغازي، باب٣٨. ٧: ٦٠٥، ٦٠٦.ح:٤٢٣٠،٤٢٣١. (٢)طبقات ابن سعد، ج٨ص ١٤٥.

روعة محمد سليم النابلسي من بيروت لبنان باحثة وداعية حائزة على الماجستير في الفكر الإسلامي من كلية الدراسات الإسلامية – المقاصد – بيروت. وبصدد إعداد أطروحة الدكتوراه

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.