حصريا

مهرجان الحجّ الهندوسي- الأسطورة في طقس (كومبه ميلا)- خولة مرتضوي

مهرجان الحجّ الهندوسي- الأسطورة في طقس (كومبه ميلا)

خولة مرتضوي

باحثة في مقارنة الأديان والإعلام الجديد

khawlamortazawi@gmail.com

إنَّ لفظة “طقس” تُشير إلى الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطارٍ احتفالي، فمن حيثُ الأصل اللغوي تأتّي لفظة Rite في اللاتينيةRitusوتعني مجموع الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها، فالطقس إذن يُعّرف بأنَّهُ مجموعةٌ من “القواعد” التي تنتظم بها ممارسات الجماعة، إمّا خلال أداء شعائرها التي تُعدّها مقدّسة أو من خلال تنظيم أنشطتها الاجتماعية والرمزيّة وضبطها وفق “شعائر” منتظمة في الزمان والمكان.

ولقد أولى عالم الاجتماع الأمريكي “ايرفينغ قوفمان” لطقوس التفاعل في الحياة اليومية اهتمامًا أساسيًا في مقارباته السيكولوجية للممارسات “البسيطة” في حياة الناس اليومية، مبيّنًا ما يقعُ فيها من انتظام، وما تختفي وراءها من نُظُم رمزية تُسَيّر عمليات التواصل الأكثر شيوعًا بين الأفراد في الحياة اليومية. وتكمُن فائدة دراسات “قوفمان” السيكولوجية في أنّه كشف عمّا وراء “فوضى” الممارسات اليومية، من أنشطة منتظمة، ينخرطُ فيها الناس ويتقيّدون بها دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من انتظام رمزي.

وكما نعلم فإنَّ الكثير من أتباع الأديان يتَّبع طقوسًا مختلفة ويمارسونها بشكلٍ كبير ومُلاحظ، الأمر الذي يجعل هذه الطقوس علامةً مميزة لهذه الأديان، ومن أبرز الطقوس التي يُمارسها أتباع الديانة الهندوسية هو طقس الـ”كومبه ميلا” (कुम्भमेला) (بالإنجليزية: KumbhMela)، وهو عبارة عن حج[1] هندوسي يحدُث مرة كل 12 سنة، ويؤديه ما بين 60 إلى 70 مليون حاجّ هندوسي، ويتنقل الحجيج بين عددٍ من الأنهار المقدسة، حيثُ تعتبر الأنهار مصدرًا رئيسيًا للحياة في الهند، وللمياهِ عند الهندوس أهميتها الدينية الخاصة وتلعب دورًا محوريًا في العديد من الاحتفالات والطقوس.وتُستخدم الأنهار للاستحمام من منطلق ديني، حيثُ يُعتقد أنَّ الاستحمام في الأنهار المقدسة تُبرئُ من كُلِّ الذنوب وتُزيل من النفوس الخوف من الموت.

ومن أبرز الشعائر الدينية في حج الـ”كومبه ميلا” الذي يبدأ في توقيته المحدد الدوري من الساعة السابعة صباحًا إلى الساعة السابعة مساءً؛ هو إقامة الصلاة والتمسُّح بالرماد، وإشعال البخور الديني.

وبشكلٍ عام يُعتبر الحج من أقدَم الممارسات الأُممية في هذا الكون، أما حج الـ”كومبه ميلا” تحديدًا، فقد عرَفَهُ أهل الهِند في الأزمنة الفيداويَّة والأُسطوريَّة، ويهدِف هذا الطقس الديني إلى زيارة عددٍ محددٍ من الأنهار المقدسة وهي:ملتقى نهر الغانغ (يقع بين الهند وبنغلادش)، نهر ساراسفاتي أو ساراسواتي في مدينة الله آباد بالهند، نهر جامونا (يقع بين الهند وبنغلادش).

فعلى سبيل المثال، تُعتبر السباحة في نهر الغانغ من أبرز الممارسات الدينيَّة المقدَّسة عند الهندوس، فهم يعتقدون أنَّ أحد آلهتهم واسمه (شيفا) قد سبَحَ وغطَسَ فيه، ذات الشيء يتكرر بالنسبة للأنهار المقدَّسة الأُخرى، فكُل نهر منهم مرتبط عندَ الهندوس باعتقاد ديني معيَّن، ورُغم أنَّ كُل هذِهِ الأنهار تُعتبَر من أكثر الأنهار حول العالم تلوُثًا بسبب استحمام ملايين الحجيج فيها، إلا أنَّ الهندوس لا يأبهون بذلك إطلاقًا، بل يعتقدون بأنَّ من يضع في يدِهِ قطراتٍ معدودة من ماء إحدى هذه الأنهار المقدَّسَة فإنَّهُ لن يستطيع الكذِب أبدًا.

إنَّهُ يتوجَّب على الهندوسِي لأداء طقس الحج الهندوسي بنجاح؛ أن يترُك أُسرته وأقاربه، وألّا يتواصَل ولا يُفكِّر بهم طِيلَة مدَّة الحج. ويُحَدَّد مِيقات الحج المكانِي بمسافَة تُقدَّر بكيلومتر واحد مِن بين الحاج، وفي هذا الميقات يتعيَّن على الحاجّ أن ينزَع كافَّة ملابسه ويغتسِل ويلبِس ملابِس الإحرام والتي تكون عبارة قميصٍ طويلٍ وإزارٍ باللون الأصفر، ويصطحِب معهُ عصًا مصنوعَة من القصَب الهِندي ويربِط في أعلاها آنية مخصصة للماء، ويخرُج وهو يُرتِّل ورد الحَجّ الخاص وهو: “هاري كريشنا، هاري راما”، ومعناها: أيتها الرادها[2]، يا طاقة متعة الإله، أتضرع إليكِ أن تمنحيني نعمتكِ وأن تُشغليني بخدمة محبة الإله.

ويُعتبر مشي الحاجّ إلى أماكِن الحج الهندوسيَّة واجِبٌ على البرهَمي وهو عبادة تطوُعيَّة عند غيره من الطوائف. تبلُغ أعداد الحُجاج الهندوس ما بين 60-70 مليون حاجّ وهذه النِسَب تدُل على ثاني أكبر نسبَة من الحجيج في ديانات العالم، حيثُ تعد نسبة الحجاج البوذيين هي الأولى مقارنة مع أي ديانة أخرى وتصِل أعداد حُجاجها إلى أكثر من 150 مليون حاجّ.

ويبدأ الحج الهندوسي عند وصول الحجيج لإحدى الأنهار المقدَّسة (مُلتقى نهر الكنج، ونهر جامونا، ونهر ساراسفاتي أو ساراسواتي في مدينة الله آباد)، ويقومُ مجموعَةٌ من الرُهبان الهندوس بافتتاح مراسِم الغطس الديني ويتميَّزُ هؤلاء عن غيرهم بلباسهِم الذي يطغى عليه اللون الأصفر (يميل إلى لون الزعفران)، ويُطلَق على اليوم الأول لحج الـ كومبه ميلا بيوم ضوء القمر الجديدوهو أقدَس أيَّام الحج الهندوسي.

وهكذا تبدأ فعاليات السباحة والغطس الجماعيَّة التي يُشارك فيها الرجال والنساء والأطفال، حيثُ يرتلون مجموعة من الأناشيد الدينيَّة بشكل متواصِل، ويختتمون مراسِم الحج بعددٍ من الاحتفالات التي ينظمونها حول مكان السباحة.

ويوجد قسمين من مزارات الهندوس في حج الـكومبه ميلا، فالأول يرتبط بمجموعة من الأنهار المقدَّسة، أما الثاني فيرتبِط بالمعابد الهندوسيَّة المخصصة لآلهتهم، فهذا الحج يرتبِط لديهم بعددٍ من الأساطير القديمة المتعلقَة بالآلهة وأبرزُها أسطورة الثالوث الهندوسي المقدَّس (شيفا وفشنو وبراهما).

وتخضع ممارسة الطقوس الهندوسية وأهمها الـكومبه ميلا، إلى جملةٍ من الشعائر والمراسِم المعقّدة تُترجمها رموزُ الجماعة القولية منها والحركية، وتتحقق من خلالها غايات التواصل وتُشبع لديهم حاجات رمزية أساسية، ويعودُ طقس الـكومبه ميلا الشهير إلى الأسطورة التالية:حيثُ تحكي واحدة من أشهر الملاحم الأسطورية الهندية التي تُعرَف باسم Samudramanthan (بالسنسكريتية: समुद्रमन्थन) وتعود إلى آلاف السنين، وتحديدًا في العصر الفيدي؛ أنَّ الآلهة والشياطين توصلَت لاتفاقٍ مؤقت يقضي بالتعاون على خَضِّ رحيق الخلود في محيط اللبن الأولي وتقسيمه بالتساوي بينهم. لكن عندما ظهرت الكومبه (أي القارورة) التي تحوي الرحيق المقدّس، هربت الشياطين بها ولحقت بهم الآلهة. وتحاربت الآلهة والشياطين على هذا الرحيق المقدّس 12 يومًا وليلة في معركة سماوية طاحنة للحصول على القارورة-لذلك يُقام مهرجان وحج الـكومبه ميلا الكامل كلّ (12) سنة- وخلال المعركة سقطت نقاطٌ من الرحيق على عددٍ من الأماكن المعينة؛ هي أماكن حج الـكومبه ميلا الحالية، لذا يقوم الحجاج بزيارة الأماكن التي سقط عليهاهذا الرحيق المقدّس بشكلٍ دوري ويأخذ هذا الطقس الديني شكل المهرجان المُفعم بالمرح والنشاط والروحانية، وسنويًا يزدادُ عدد الحُجاج بشكلٍ متوازٍ مع ازدياد عدد سُكان الهند بطبيعة الحال، كما يُعتبر هذا الحج انعكاسًا لارتفاع معدل التدين في الطبقة الوسطى من المجتمع الهندوسي.

 

وعطفًا على حديثنا عن الطقس الهندوسي الشهير؛ حجالـكومبه ميلا (कुम्भमेला) وأسطورتها التاريخية التي انبثقت عنها، يقول المفكر العربي فراس الواح المتخصص في الميثولوجيا وتاريخ الأديان في حديثه عن (الطقس والأسطورة) في مجلة معابر الإلكترونية: “إنَّ العُروة الوثقى التي تجمع الطقس بالأسطورة قد جعلت الباحثين يتأملون في طبيعة الصلة بين الإثنين وأصلها. فهل تنشأ الأسطورة عن الطقس؟ أم ينشأُ الطقس عن الأسطورة؟ أم أنهما تجليان مختلفان لظاهرة واحدة؟”.

وبحسب ما ذكرهُ البيروني في كتابه: (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة): “فإنَّ الحج الهندوسي تطوعٌ وفضيلة، وليس مفروضًا عليهم، وهو القصدُ إلى أحد البلاد المطهرة لديهم أو أحد أصنامهم المعظمَة، أو الأنهار المقدسة، فيغتسلون بها، ويؤدون فروض الطاعة لمعبودهم، ويُسبِّحون له، ويدعون، ويحَلّقون رءوسهم ولحاهم”.

الجدير بالذكر أنَّ مهرجان حج الـ”كومبه ميلا” القادم نُظم هذا العام من 15 يناير حتى 3 مارس، وكان آخر حج للكومبه ميلا قد نُظِّم في عام 2007، حيث يتجمع الهندوس في مناطق مختلفة من شبه القارة الهندية بين شهري يناير وفبراير كل ثلاث سنوات، وذلك لممارسة الحج النصفي “الحج الصغير” للكومبه ميلا، ويُطلق عليه اسم: “إردتكومبه ميلا”، لكنهم يعودون في العام رقم 12 للحج الأكبر تحديدًا في مدينة الله أباد، وقد وصل عدد الحجاج الهندوس في هذا الحج الصغير عام 2001 إلى نحو أربعين مليونً حاج في يوم الاغتسال الرئيسي.

[1]اصطلاحًا: الحج هوما يُعرّف بأنَّهُ رحلة طويلة إلى مزار أو ضريح ذو أهمية قدسية في ديانةٍ ما،حيثُ يُمارس العديد من أتباع ديانات العالم طقوس الحج بطرق شتى،وُقبَل الحجيج موزعة في أصقاع الأرض،ويُسمى الشخص الذي يؤدي هذه الطقوس بالحاج،وفي العادة يتم الترحال (الحج) بشكل أفواجٍ وجماعات،لتكـون القافلة ذات هيبة روحية وتعليمية،ويُصاحب الحجيج بعض التهليل والتمجيد حسب المعتقد والديانة.

[2]رادها: هي في الخيال الهنديّ شخصيّة أسطوريّة محاطة بهالة من الغموض. ولقد أصبح اسمها مألوفًا منذ القرن الثاني فصارت تُذكرُ شعرًا في أغلب القصائد الإيروسيّة -أدب المواخير- كي تصير في القرن العاشر الميلادي منبعًا لجميع الأغاني.ويُقال إنّها شاعرة وراقصة، لذا أصبح الرقص من بين يديها سمة أنثروبولوجيّة رمزيّة في خيال الهنود. وهي كذلك صديقة كريشنا وحبيبته ولذلك مُنحت مكانًا في هيكل الآلهة أيضًا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.