حصريا

عمل أهل المدينة وتطبيقاته في الموطأ

0 339

عمل أهل المدينة وتطبيقاته في الموطأ

بقلم: د.محمد قاسمي

توطئة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد:

ترمي هذه المقالة إلى بيان التمازج الوظيفي بين متون الحديث الشريف وشروحها الفقهية، وذلك من خلال جهود الإمام ابن العربي المالكي (ت 543هـ) في الإبانة عن أصول الإمام مالك من خلال بياناته المقتضبة لفقهه في شرحه للموطأ، وقد وقع الاختيار على أصل عمل أهل المدينة لكونه أصلا مخصوصا بمالك دون غيره، ولكون العبارة فيه محل اختلاف خارج المذهب، مع كون التصور الفقهي له عند الإمام واضحا وجليا.

وفيما يلي بيان للمقصود في عناصر المقالة:

عملُ أهل المدينة أصلٌ كامنٌ في فقه العلماء قبل الإمام مالك:

اختلف الأصوليون في طريقة بحث هذا الأصل، فمنهم من بحثه بعد الإجماع مباشرة، لما له من الصِّلة الوثيقة به، وهناك من بحثه في سياق الحديث عن الإجماع، مثل الإمام الشوكاني رحمه الله، غير أنني سأبحثه مستقلا عن الأدلة الأخرى، لاعتبار المالكية له دليلا مستقلا تقوم به الأحكام الشرعية.

ويقصد بعمل أهل المدينة ما عليه من العمل والإجماع في مسائل الحلال والحرام، مما قد يخالفهم فيه بعضهم ممن ليسوا من أهل المدينة. ومعلومٌ أن المدينة دار الهجرة، وفيها استقرت الدولة الإسلامية، ولُقِّبت بدار السنة، وفيها اجتمع كثيرٌ من الصحابة الأنصار والمهاجرين، وقد انتهى علم أولئك المجتهدين إلى فقهاءٍ أفذاذ؛ عُرفوا بالعلم والعمل وزكَّاهم القريب والبعيد، وهم الفقهاء السبعة “سعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ”[1]، وقد جمعهم بعضهم في قوله:[2]

إذا قيل من في العلم سبعة أبحـر*** روايتهم في العلم ليست بخارجـة

فقلهم عبيد الله عروة قاســم   ***   أبو بكر محمد سليمان خارجة

وقد انتهى فقههم إلى فقهاءٍ أفذاذ منهم الإمام مالك رحمه الله، والتعريف الذي سبق قد يُردُّ عليه بأمورٍ، لكن وجب التنبيه على أمور مهمة وهي:

ذهب بعض الباحثين إلى أن عمل أهل المدينة شابَهُ غموضٌ كثيف، من ذلك ما قاله الإمام الشافعي _رحمه الله_: “وما عرفنا ما نريد بالعمل إلى يومنا هذا، وما أرانا نعرفه ما بقينا”[3]، وقول الإمام الزركشي: “ولم تزل هذه المسألة موصوفة بالإشكال”[4]، ومن المعاصرين يقول الدكتور أحمد نور سيف: “إن ظهور العمل ومصطلحاته المختلفة في الفقه المدني قبل مالك، ثم إبراز مالك هذا الأصل في قضاياه ومصطلحاته المختلفة تدل على أن الاعتداد بهذا الأصل والاحتجاج به كان مأخذا معتبرا عندهم في الاستدلال من قديم، لكن حقيقة هذا الاستدلال ودرجته عند المدنيين، أو عند مالك، ليس من اليسير تحديدها بصورة منضبطة الحدود و المعالم “[5].

وقد بين الشعلان في كتابه أصول فقه مالك أن السبب في هذا الغموض والإشكال، هو عدم ذكر المتقدمين تعريفا لعمل أهل المدينة.

وبعد عرضه لمجموعة من الجهود في تعريف العمل، ونقده لها في غالبها، لما تَحْمِلُهُ من اختصار أحيانا أو تعميم، خَلُصَ إلى تعريف اعتبره اجتهادا منه في استيعاب ما ذكره الإمام مالك في هذا الأصل وهو: “ما اتفق عليه العلماء والفضلاء بالمدينة كلهم في زمن مخصوص سواء أكان سنده نقلا أم اجتهادا “[6].

وقد ذكر المؤلف تبريرات لما تضمنه التعريف تدل على صحته وتماسكه.

 

حجية عمل أهل المدينة

اختلف الأصوليون في حجية العمل بناء على اعتباره من طرف البعض إجماعا، وهو عندهم قطعا لا يصدر عن البعض، لكن عن الكافة، وهذا كما عبر الدكتور الشعلان أنه وهم وخطأ شنيع. وقد أورد ابن خلدون _رحمه الله_ في (المقدمة)، أن مالكا لم يدَّعِ قطُّ؛ أن العمل هو الإجماع.[7]

وفي سياق التدليل على حجية هذا الأصل أُورِد بعض النقول عن بعض أعلام المذهب المالكي:

  • أبو الفضل القاضي عياض: نقل ابن أبي مدين عنه _رحمه الله_ أمثلة من الفقه تدل على حجية العمل، انطلاقا مما ورثه الفقهاء من فقه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعدها قال رحمه الله:”… فهذا النوع من إجماعهم حجة قطعية وإليه رجع أبو يوسف، وهذا الذي تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا “.[8]
  • ابن رشد الحفيد: في (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، عند الكلام على حجية الجمع في الحضر، يقول: “وأحسب أن مالكا رحمه الله إنما أراد بعض هذا الحديث، لأنه عارضه العمل فأخذ منه البعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء “[9].

وقد خالف في حجيته بعض الأصوليين، منهم: الأئمة الثلاثة، وعده الإمام القاضي محمد بن محمد بن أمير الحاج الحلبي الحنفي صاحب” التقرير والتحبير” قول المحققين من أصحاب مالك، وذكره عبد الوهاب في الملخص في أصول الفقه، ونسبه له الإمام الشوكاني رحمه الله في إرشاده.[10]

ولعل عدم احتجاجهم به كما تقدم، هو عدم اعتباره إجماعا، وهو لا يصدر عن البعض قطعا، ونعود إلى “صاحب أصول فقه مالك”، فقد أحسن إيرادأقوال المانعين، وأقوال المحتجين، والرد على بعضها، وخلص إلى نتائج علمية مهمة منها:

  • أن العمل النقلي المنقول عن أهل المدينة حجة بلا خلاف، لأنه من باب الأخبار المتواترة وهي حجة قطعا.
  • العمل الاجتهادي المتفق عليه عند أهل المدينة أو أغلبهم، وهو حجة عند معظم الفقهاء، غير أنه في مذهب مالك على قولين:
  • أنه ليس حجة، وذهب إليه جماعة من مالكية العراق.
  • أنه حجة عند مالك، وهو رأي جماعة من مالكية المغرب، استنادا على ما جاء في رسالة الليث بن سعد.

وهذا ما رجحه الباحث فاتح زقلام وتابعه عليه الشعلان في الكتاب السابق.

أقسام عمل أهل المدينة

لم ينص الإمام مالك على أقسام العمل، وإنما هو صنيع المتأخرين عنه من أتباعه، لبيان أهميته وحجيته، ردا على المخالفين في هذا الباب.

وقد آثر الدكتور الشعلان تقسيمه بالنظر إلى اعتبارات معينة:

  • الاعتبار الأول: من حيث مستنده، وفيه: عمل سنده النقل عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ويسمى بالعمل النقلي، وعمل سنده الاجتهاد، ويسمى العمل الاجتهادي.
  • الاعتبار الثاني: أقسامه من ناحية زمنه، وفيه: العمل القديم، وحدده ابن تيمية رحمه الله قبل مقتل عثمان رضي الله عنه والعمل المتأخر، وهو يعد عصر الخلفاء الراشدين المهديين في عصر التابعين وتابعيهم.
  • الاعتبار الثالث: أقسامه من ناحية الاتفاق عليه وعدمه، وفيه: عمل اتفق عليه أهل المدينة ولم يعلم له مخالف، وعمل اختلف فيه أهل المدينة لكن خالفهم فيه غيرهم.

وهذه الأقسام ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين.

  • الاعتبار الرابع: أقسامه من ناحية وجود خبر مقارن له، أو عدم ذلك، وكون الخبر موافقا للعمل أو غير موافق، وفيه: العمل الذي يكون وحده أي لا يوجد خبر يقارنه، والعمل الذي يكون معه خبر يوافقه، والعمل الذي يكون معه خبر يخالفه، والعمل الذي يكون معه خبران أحدهما يوافقه والآخر يخالفه.[11]

الفترة الزمنية المعتبر فيها عمل أهل المدينة.

لا يشك باحث أن القسم الأول من عمل أهل المدينة المتصل بالنقل، يدخل ضمن التواتر، وهو نوع لا يمكن تكراره، فلا خلاف في حجيته عند مالك، لأنه من باب الرواية، وهي محصورة زمنيا في عصر من عصور الرواية، لذا فالفترة متضحة مؤطرة الخيرية كما أشار ابن تيمية.

غير أن الخلاف يكمن في القسم الثاني المرتبط بالقسم الاجتهادي للعمل، فهو صادر عن عملية اجتهادية لمجموعة من الفقهاء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في الفقه، وهذا القسم يُتَصور وجودُه قديما وحديثا، لكونه مرتبطا بالاجتهاد والمجتهدين وهو باب لا يمكن إغلاقه في أي عصر من الأعصار.

غير أن الفترة الزمنية التي يمكن أن يعتبر فيها العمل حجة هي فترة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ثم ما عداها من الفترات فلا يعتد بها، لأن المدينة صارت بلدا كالبلدان، وتعدد المجتهدون وتوزعوا في الأمصار، فصار اجتهاد غيرهم كاجتهادهم، وإجماعهم لا يعتد به دون إجماع غيرهم.

تطبيقات أصل (عمل أهل المدينة) في الموطأ وبيان القبس له

لا شك أن الحديث عن هذا الأصل فيه أخذ ورد بين القائلين والمانعين، وأحسن منهج لإثباته، أن نورد أمثلة من تطبيقاته عند صاحب المذهب نفسه في كتابه النفيس الموطأ، وذلك درء للشبهة وبيانا للحق.

ص:148، باب المسح على الخفين: أورد ابن العربي في معرض شرحه لأحاديث الباب، خلافا فقهيا في المسح على الخفين مما له تعلق بمدة المسح، وقد بين أن مالكا _رحمه الله_ لا يقول بالتقيد بالمدة، لأن الحديث الوارد في المسألة مخالف لما عهده ونقل عن أهل المدينة، وإقامة النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده قريبا من أربعين سنة ما مسح منهم على الخفين، وأصل الخلاف هو اضطراب واختلاف الروايات عند مالك وأشدها هي التي ذكرت الآن.

وما يعنيني الآن هو اعتماد مالك في هذه الرواية عنه على عمل الخلفاء وأهل المدينة، والتحقيق في المسألة أن المسح رخصةٌ نبوية وعطيةٌ رحمانية امتنَّ بها على خلقه تيسيرا لهم وتسهيلا عليهم في عبادته والتنسك بشرائعه.

ص:189-190، كيفية الآذان: اختلف الفقهاء في تربيع التكبير وتثنيته، ومذهب الجمهور التربيع، غير أن مذهب مالك رحمه الله التثنية، والدليل عنده عمل أهل المدينة، وقد قال ابن العربي في هذا السياق: “وخذوا أخذ الله بكم ذات اليمين ما مهدناه لكم أصلا، فيما تقدم من أن عمل أهل المدينة فيما طريقه النقل أصل لا يزعزع”.

ص:211، يقول ابن العربي رحمه الله “ومن آيات القرآن طويل وقصير، ومنها ما ينقطع، ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه كقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، على مذهب أهل المدينة، فإنهم يعدونها آية، وينبغي أن تعول في ذلك على نقل السلف وما تقلدوه”.

ص:388، يقول ابن العربي: “وأما التكبير في صلاة العيد قبل القراءة، فاختلف فيه العلماء اختلافا كثيرا، وليس فيه حديث صحيح يعول عليه، لكن يترجح مذهب مالك رضي الله عنه على غيره في عدد التكبير فيه بالأصل الذي مهدناه لكم من نقل أهل المدينة للعبادات وهيآتها”.

خلاصـــة:

إن اعتداد المالكية بأصل عمل أهل المدينة لم يكن من فراغ في التطبيق الفقهي، ولم يصدر عن عوج في المنهج الأصولي، بل له دواع علمية، وأصول فقهية، في تصرفات النبي_ صلى الله عليه وسلم_ في المدينة وما نقل عن الأصحاب والتابعين وتابعيهم، وخاصة ما اعتمده مالك في فقهه، وما استدل عليه أتباعه، ونصروه في مصنفاتهم، ولعلنا إذا رمنا المادة العلمية الفقهية في هذا الباب لاحتجنا إلى أسفار وكتب، لكن حسبنا الإشارة بما يفهم به المقصود وتبلغ به الغاية.

 

[1]– معرفة علوم الحديث: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري تحقيق: السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2: 1397هـ -1977م: (ص 43).

[2]– إعلام الموقعين عن رب العالمين: شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، ط1، سنة: 1411هـ -1991م: (2/ 42)

[3]اختلاف مالك والشافعي مع الأم (7/231) انظر أصول فقه مالك ص1037.

[4]أصول فقه مالك ص 1038.

[5]عمل أهل المدينة ص315.

[6]أصول فقه مالك ص1042.

[7]المصدر نفسه ص 1051

[8]الصوارم والأسنة في الذب عن السنة: للشيخ ابن أبي مدين الشنقيطي ص 129 ط1 دار الكتب العلمية ط1 سنة 1407/1987

[9]الصوارم ص 130

[10]المصدر نفسه: ص132-133

[11]أصول فقه مالك صفحات من 1087 إلى 1096.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.