حصريا

معالم الهوية المحلية و الكونية – أ.ميساوي أحمد

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”s” paddings=”” animation=”fadeIn”]أديب جزائري و أستاذ متقاعد[/cl-popup]

تتحدد معالم الهوية بما يملك المرء من خصائص فردية، و ما يبتغيه من صفات تميزه عن غيره، حيث يتماهى وسط معايير عامة، و يُعبِّر عن انتمائه إلى جماعات بعينها، والفرد بقدر ما تتقلص هويته لتعبر عمّا يخصه وحده بحيث تندمج في حقيقته الذاتية، بقدر ما تتسع إلى درجة الحلول في هذا العالم فتذوب نرجسية الشخص، وينشطر كيانه، فيتوحد مع الحقائق و يفنى في جميع الذوات ويتبلور انتماؤه الكوني الشامل .
و تمثل الثقافة، النواة المرجعية التي يعتمد عليها الفرد في بناء شخصيته و تكوين هويته، فهي لذلك، مؤشر يتحدد على ضوئه سلوك الفرد و يتشكل نمط حياته من خلال تبني مجموعة من القيم و الركائز في إطار نسق ثقافي مجتمعي شامل، فدور كايم يرسخ فكرة الكينونة الجمعية للشخص انطلاقا من التركيب الفكري و بناء الشعور الذي لا يميز الفرد إلا في الإطار العام لانتمائه إلى الجماعة، و هذا الكائن الجمعي – في حقيقته- عنصر حيوي في المنظومة الثقافية للهوية و التي تُعدّ الهوية العرقية إحدى مكوِّناتها المعلنة باعتبارها مرجعا لتعبير ثقافي مشترك، يقوم على حقائق ثقافية معيارية صحيحة، قد تشكل قاعدة إنطلاق للهوية الجماعية،والهوية العرقية في شعور الأفراد، هي تأكيد الإنتماء إلى فئة تجمع بينهم روابط العرق المقدسة ( الدين – اللغة – – العادات – المصير..) .
اللغة و الهوية : من الراجح أن فقدان اللغة يمثل ضياع الهوية، و الفرد حين يحصل على رصيد لغوي مكتسب من خلال بيئته الأصلية، يكون قد أصَّل كيانه الثقافي المرتبط بالبيئة التي انحدر منها و يعيش وسطها،و هذا يعني، تكوين وشيجة تواصل و اندماج و تعايش مع أفراد آخرين جمعتهم ظروف مشتركة، و نشأ لديهم الدافع الذي يفرض عليهم الانتساب إلى وجود خاص يتعلقون به و يدافعون عن مكوناته التي تواضعوا على تأسيسها، ثم الحفاظ و الحرص على استمراريتها و تطويرها.
إن اهم عنصر في بناء الثقافة هو اللغة، ذلك لأنها وسيلة التفاهم بين الناس، و إن أجلَّ تراث اجتماعي لأية جماعة بشرية يكمن في لغتها، فهي أعظم مؤسساتها، والأكثر أهمية لخدمة مصالحها و تحقيق تطلعاتها، و إذا عجزت عن تأدية هذه التصورات و المطامح، فإن كل شيء بعد ذلك يعزُّ على الأمة ممّا يُعرضها لأشكال لا تحصى من الخطر الذي يصيب هويتها في الصميم. و لعل أخطر محاولات طمس اللغة، ما تسعى إليه بعض القوى الأجنبية التي تعتمد مبدأ التسلط و القهر لبسط نفوذ لغتها، و هي و إن لم تفلح في القضاء نهائيا على لغات الجماعات المحلية، إلا أنها أفلحت في خلق واقع لغوي مزدوج انتقل إلى عامل مواجهاتي سبّب ازدواجا في الإنتماء، يقول مصطفى صادق الرافعي : لا جرم،كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحوّل الشعب أول ما يتحوّل إلا من لغته…، و هو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، و رجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ لا صورة محققة في وجوده، و ما ذلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، و لا انحطّت إلا كان امره في ذهاب و إدبار، و من هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المُستعمرَة، و يركبهم بها، و يَستلحِقَهم من ناحيتها، فأمرهم من بعدها لأمره تَبَعٌ. ). 1
و اللغة وَحدة جوهرية تعمل على ترسيخ شعور الفرد بالانتماء إلى جماعته الطبيعية، وإن انتقل إلى أخرى أجنبية – لعامل من العوامل – ثم عاد وفي منطقه ما يدعو إلى الرّيبة، فإنه يكون مثار سخط من وسطه الذي يدعوه إلى تقويم لسانه او يَحسب نفسه خارج نطاق الهوية، و في ذلك تداعيات اجتماعية و نفسية هو في غنًى عنها، و للرافعي أيضا في هذا المعنى رأيه إذ يقول : ..و كان صاحب السعادة يكلِّم الباشا بالعربية التي تلعنها العربية، مرتفعا بها عن لغة الفصيح ارتفاعًا مُنحطًّا نازلا بها عن لغة السوقة نزولا غاليا، فكان يَرنضخ لكنةً أعجمية، فبينما هي في بعض الألفاظ جرسٌ عالٍ يَطِنُّ، إذا هي في لفظ آخر صوتٌ مريض يئنُّ، إذا هي في كلمة ثالثة نغم موسيقي يرنُّ، و رأيته يتكلّف نسيان بعض الجمل العربية ليَلوِيَ لسانه بغيرها من الفرنسية فكانت وطنيةُ عقلِه تأبى إلا ان تُكذِّب وطنية لسانه، و هو بإحداهما زائف على قومه، و الأخرى زائف على غير قومه ) إ.هـ 2
فالمرء إذًا، متعلق بمحليته وكل حديث يصدر منه منطوقا او مكتوبا، إلا كان مرتبطا بالمحل الذي ينتسب إليه ووسيلة الصلة في ذلك هي اللغة التي يوظفها في حديثه أو كتابته.

الثنائية التلازمية: العروبة / الإسلام
بغضّ النظر عن الجدل الحاصل حول موضوعية و صواب تركيب هذه الثنائية، فوضعية التأصيل الإسلامي تنطلق من محيط عربي و بيئة عربية، لا يماري في الأمر مُمارٍ، ذلك ان الوحي اختار النزول في جغرافية عربية بلغة عربية على نبي عربيٍّ، و الخطاب إنما وُجِّه فيه إلى العرب…والإسلام –حتما –سيظل عربيا لأن احكامه تُستمدّ من القرآن كما هو في أصله العربي، ذلك أنه يستحيل نقله في أية ترجمة أخرى، لأن أية ترجمة – مهما كانت متقنة- لا تستطيع الإلتزام الدقيق بمضامين عباراته نظرًا لأسلوبه البياني الرفيع، الذي يمثل أسمى مظاهر الخصوصية في اللغة إلى درجة أن جميع العلوم الاسلامية – تستلهم – على الدوام – من هذا المصدر قواعدها و مبادئها ..

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. sami ramadane يقول

    ارغب في الاطلاع اكثر

  2. محمد عادل يقول

    مقال في المستوى ، تحياتي للأستاذ القدير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.