حصريا

مضامين الفكر التربوي التعليمي عند أبي حامد الغزالي – أ.موسى جخدم

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب”]الأستاذ: موسى جخدم

كلية العلوم الإنسانية والإسلامية والحضارة

جامعة عمار تليجي*الأغواط.[/cl-popup]

الغزالي وآراؤه المتعلقة بالتربية والتعلم :
1/ التعريف بأبي حامد الغزالي :
من المرجح أن الغزالي ولد بطوس من أعمال خرسان ببلاد فارس سنة 450هـ- 1058م وأنه توفي في الطابران عام 505هـ 1111م ومن المرجح أيضاً تسمية الغزالي ترجع إلى مهنة والده وهي غزل الصوف وهناك من يقول أنها نسبة إلى غزالة وهي بلد ينسب إليها.

وقد درس الغزالي في نيسابور على يد الإمام أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين وإمام الشافعية وأخذ عنه المذاهب وطرق الجدل، كما درس علم الكلام والحكمة والفلسفة وقرأ للفارابي وأبن سينا وغيرهما …

وعينه الوزير السلجوقي أستاذاً بالمدرسة النظامية التي بناها ببغداد لنشر المذهب السني بعد أن أنشأ الفاطميون الأزهر بالقاهرة لنشر المذهب الشيعي.

وقد قام الغزالي بالتدريس في المدرسة النظامية عندما رحل إليها سنة 484 وكان عمره آنذاك 34 سنة واستمر بالتدريس بها طيلة أربع سنوات زهد بعدها في الدنيا وآثر العزلة ورحل إلى البلد الحرام في طلب الحج وذهب بعدها إلى دمشق حيث اعتكف للزهد والتصوف فترة من حياته وأقام فترة في الإسكندرية لكنه عاد أخيراً إلى مسقط رأسه طوس ليقضي بقية عمره في وعظ الصوفية، وأشتغل بتأليف الكتب والمؤلفات منها ما هو في الدين والفلسفة والجدل والفقه والأخلاق.

ومن أشرها كتاب “إحياء علوم الدين” الذي تضمن عدة أجزاء وضع من خلاله نظاماً تربوياً كاملاً وشاملاً. كذلك من أهم مؤلفاته في مجال التربية “رسالة الأخلاق” حيث أسس فلسفته الأخلاقية على قواعد المعاملة الطيبة وتهذيب الروح والتحلي بالفضائل وربط بين السعادة والفضيلة. ويعتبر الصوفية أن كتابه “ميزان العمل” مرجعاً مهماً في التربية.

أما رسالته “أيها الولد” فهي آراء تربوية مباشرة خصصت لتوجيه بعض النصائح التربوية النفسية التي تناولت علاقة المتعلم بعمله وزملائه وبالمجتمع الذي يعيش فيه، وهذه النصائح يمكن أن تعد مادة لميثاق تربوي أخلاقي إسلامي للعلاقة بين الولد ومعلمه، وقد كتبت هذه الرسالة “أيها الولد” باللغة الفرنسية ثم عربت إلى العربية ثم ترجمت إلى الألمانية عام 1837 وإلى التركية عام 1951 وقد كانت عقيدة الغزالي ثابتة فيا يمكن أن تؤديه التربية الخلقية من تعديل في طباع الصبي الصغير وتهذيب أخلاقه وأن الطفل يحتاج إلى مدرب عالم بطبيعة النفس البشرية وبنقائصها ورسائل إصلاحها وتهذيبها.

2/ أفكاره المتعلقة بمعنى التربية:

من خلال ما سبق عرضه تبين لنا أن التربية هي عبارة عن طريق يتوصل بها إلى نمو قوى الإنسان الطبيعية والعقلية والأدبية فينطوي تحتها جميع ضروب التعليم والتهذيب التي من شأنها إنارة العقل وتقويم الطبع وإصلاح العادات وإعداد الإنسان لينفع نفسه وغيره.

والغزالي في تعريفه للتربية يري بأنها تطوير وصقل للمكلات والاستعدادات الموجودة لدى الفرد فمعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه، ومن ثمة فإن التربية ليست عملية خلق الأشياء معدومة عند الإنسان ولكنها عملية صقل وتطوير وتهذيب لما هو موجود عنده من استعدادات وقدرات فدور التربية أشبه بدور الزراع أمام النواة.. وليس معنى ذلك أن الغزالي يقلل من أهمية ودور التربية بل يرى أنه بالرغم من أنها لا تضيف ملكات أو قدرات جديدة للإنسان إلا أنها ضرورية ضرورة الزارع للأرض والفلاح للبذرة والمتعلم للمرشد أو المربي. فالتربية لا تضيف للإنسان جديداً ولكنها تصقل وتطور ما هو موجود لديه بالقوة والفطرة الأصلية.

وللتربية عند الغزالي منهج خاص بها لأنه بدون المنهج المتبع تصبح الدراسة لأي موضوع أو ظاهرة مستحيلة لذلك عنى بـ:

  • تركيزه على النشء بصورة خاصة ووضعه لشروط محددة لتربيتهم وتكونهم الروحي والمادي تختلف كل الاختلاف عن الشروط والظروف الخاصة بتعلم الكبار.
  • نزعته الواقعية التي تتجلى في تخيله عن كثير من العبارات الغامضة التي يستعملها بالنسبة للكبار، ووضعه شروطاً تتماشي وطبيعة الصغار بالنسبة للعملية التربوية وتركيزه على مسايرتهم ومسايستهم بالعطف والحب والتفهم والمكافآت مما يكشف عن فهم عميق لديه للطفولة ولخصوصية المرحلة التي تمثلها على كل المستويات النفسية والمعرفية والروحية والتكوينية.
  • إيمانه بأن التربية الخلقية والدينية بصورة خاصة إما أن تكون في الصغر أو لا تكون إطلاقاً.

3/ أفكاره المتعلقة بالتعلم:

التعلم عند أبي حامد الغزالي هو اكتساب العلوم واجتلابها إلى القلب لذلك لابد أن يكون مطلوباً لذاته وذريعة إلى التقرب من الله تعالى ولا يتوصل إلا به وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي والسعادة الأبدية وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل ومن أهداف التعلم عنده أنه أصل السعادة في الدنيا والآخرة لكونه أفضل الأعمال وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشئ بشرف ثمرته.

ويذكر أيضاً أنه إذا كان العلم أفضل الأمور فإن تعلمه طلباً للأفضل وتعليمه إفادة للأفضل .

وفي بيان وظائف المرشد يرى أن المعلم باشتغاله منصب التعليم فقد تقلد أمراً عظيماً وخطراً جسيماً فليحفظ آدابه ووظائفه.

ذلك أن العملية التعليمية التربوية تقوم على أربع عناصر أساسية هي المربي والمتربي وموضوع التربية ووسيلتها أو منهجها لذلك يركز الغزالي على المعلم أو المربي باعتباره العنصر المتحكم في العناصر الثلاثة الأخرى لذلك ينصح المعلم بأن يتحلي بصفات منها:

  • الشفقة على المتعلمين.
  • الاقتداء بصاحب الشرع (صلى الله عليه وسلم) فلا يطلب على الإفادة أجرا ولا يقصد جزاء.
  • ألا يدع من نصح المتعلم شيئاً وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها.
  • أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريقة الرحمة لا بطريق التوبيخ.
  • إن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه كمعلم اللغة العربية إذ عادته تقبيح علم الفقه أو معلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث… إلخ.
  • أن يقتصر بالتعلم على قدر فهمه فلا يلقن إليه ما لا يبلغه عقله.
  • أن يكون المعلم عاملاً بعلمه لكي لا يكذب قوله.

4/ الغزالي والنظريات الحديثة في التعلم:

1) الغزالي ونظرية التعلم الشرطي:

عرفنا من خلال ما سبق أن نظريات التعلم تهدف إلى الكشف عن كيفية حدوث التعلم وكذا صياغة القوانين وتحديد الشروط التي يتم بها اكتساب أنماط جديدة من السلوك والتفكير.

وبما أننا لسنا في صدد المقارنة بين آراء الغزالي في التعلم وآراء أصحاب النظريات الحديثة فإننا نكتفي بالقول بأن النظرية الشرطية ترى أن كل نشاط للكائن الحي يمثل رد فعل تحكمه قوانين، اتجاه عامل محدد من عوامل العالم الخارجي. ومن هذه القوانين التكرار، الانطفاء التدعيم …

والغزالي تحدث في أكثر من مرة عن الإشراط كوسيلة للتعلم الحيواني والإنساني، وإن لم يفصل أو يحدد قوانينه وآلياته بالصور التي نعرفها اليوم.

فهو يصف تعلم الخوف عند الطفل بالطريقة الشرطية فيقول : “إن الصبي إن كان في بيت فدخل عليه سبع أو حية ربما كان لا يخاف وربما مد اليد إلى الحية ليأخذها ويلعب بها، ولكن إذا كان معه أبوه وهو عاقل خاف من الحية وهرب منها، فإذا نظر الصبي إلى أبيه وهو ترتعد فرائسه يحتال في الهرب منها قام معه وغلب عليه الخوف ووافقه في الهرب فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة – لأنه يعرف ما تخلفه الأفعى من أضرار – وأما خوف الابن فبمجرد التقليد أي بإشراط تم عند الطفل بين موقف الأب والحية .

2) الغزالي والنظرية الإرتباطية:

يلتقي الغزالي مع النظرية الارتباطية، التي يعد ثورندايك أبرز ممثليها في أكثر من نقطة.

وخلاصة هذه النظرية أن التعلم بصورة خاصة والسلوك بصورة عامة يقوم أساساً على سلسلة من الارتباطات بين المثيرات والاستجابات، تتولد وتتطور نتيجة لعدة عوامل مثل عامل الأثر، وعامل التدريب وعامل التكرار، لذلك نجده صاغ قوانين تميز نظريته منها قانون التدريب، قانون الاستعداد… (وبما أن طبيعة التعلم قائمة – عند ثورندايك – على الارتباطات العصبية بين المثيرات والاستجابات فإن الغزالي يتفق معه في دور الأثر المريح أو الملائم في تعزيز التعلم وتنشيطه ودور الأثر المزعج في تثبيطه.

إتفاقه معه في مفهوم التكرار الهادف ودوره كعامل أساسي لتحقيق العادة والتعلم.

.

3) الغزالي ونظرية الاستبصار:

ترى المدرسة الشكلية – نظرية التعلم عن طريقة الاستبصار “بأن السلوك ليس ظاهرة آلية ومجزأة وسلبيه بل هو حقيقة كلية ودينامية قبل كل شئ لأنه سلوك يصدر عن كائن حي ميزته الأساسية إدراكه المعطيات المجالية التي تحيط به، تلك المعطيات التي لا تقف منها موقفاً سلبياً بل يؤثر فيها بقدر ما يتأثر بها.

ومن هنا يرى بأن دراسة السلوك والتعلم ليس سوى دراسة الإدراك.

والغزالي يرى بأن التبصر “الإدراك هو وسيلة للمعرفة المباشرة والسريعة لأنه يتعدى الحدود الحسية إلى آفاق تجريدية عقلية وروحية محضة..

5) تربية الولد:

اهتم الغزالي في كتابه “أحياء علوم الدين” و”أيها الولد” بتربية الولد وعرض آراء كثيرة فيما يخص تربية الصبيان منها:

  • أن نشغل وقت الفراغ حتى يبعد الصبي عن العبث والمجون، وخير طرائق شغل هذه الأوقات تعويد الولد القراءة وخاصة قراءة القرآن وأحاديث الأخيار وحكايات الأبرار.
  • يتهذب الصبي عن طريقة تعليمه الدين وقيامه بالعبادات اللازمة ومعرفة علوم الشرع وتخويفه من السرقة وأكل الحرام ومن الكذب والخيانة والفحش.
  • ينصح الغزالي بمراعاة التوسط والاعتدال في تهذيب أخلاق الصبية وينصح بإبعاد الصبي عن قرناء السوء وبعدم تعويده على التراخي والكسل أو التساهل في التعامل معه ويصر على إبعاده عن التدليل والتنعم.
  • كما أهتم الغزالي بموضوع اللعب بالنسبة للصغار فهو وسيلة يعبرون بها عن فطرتهم وينصح بأن يلعب الصبي لعباً جميلاً بعد انصرافه من الكتاب إذ يرى أن اللعب مجرد نشاط تلقائي يقوم به الصغار فحسب ولكن له ثلاثة وظائف أساسية، بحيث يساعد على ترويض جسم الصغير وتنمية عضلاته وتقويتها كما أنه يساعد على إدخال السرور في قلب الصغار وثالثاً هو مريح للصبية من تعب الدروس من الكتاب.

لأنه أدرك أهميته في هذه المرحلة السنية وربطه بين الترويح واللعب وبين صحة الطفل وسلامته الجسمية والنفسية والعقلية: “إذا أنصرف الصبي فليأذن له أن يعلب لعباً جملاً يستريح إليه من تعب الكتب، فإن منع الصبي من اللعب فإن إرهاقه بالعلم يميت قلبه ويعطل ذكاءه” وهذا مطابق تماماً لأحدث الاتجاهات التربوية من تعليم الطفل عن طريق اللعب والنشاط فاللعب من وجهة نظره وسيلة يعبر بها عن فطرته وصمام أمام ينفذ منه ما يتراكم على الصغير من متاعب أثناء عملية التعليم، فاللعب يجدد النشاط ويدفع إلى العلم الذاتي… ونصح الآباء في تربية أبنائهم أن يحببوا إليهم المشي والحركة والرياضة.

وتناول أيضاً أساليب العقاب والثواب ونصح بأن لا يعجل بعقاب الطفل بل أن يعطي الفرصة لكي يصلح أخطاءه بنفسه ويرى أن طريق تأديب الأطفال ينبغي أن تختلف بإختلاف أعمارهم وأمزجتهم ودرجة حساسيتهم”.

واهتم بتأثير القدوة في التربية كما اهتم بواجبات المعلم وأن يأخذ المتعلم بالرفق والتشجيع والترغيب في العلم وأن يتسم في معاملته بالصبر والحنو والشفقة وأن يبذل لهم محبته.

وأكد على ضرورة العناية بميول الطفل واهتماماته وأعماله الذاتية والاستفادة من نشاطه التلقائي وفاعليه ” ‘إن نقل الطالب إلى ما يدل نقله على وجود ذهنه يزيد انبساطه وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه”.

كما ركز على الفطرة ودور البيئة في تربية الطفل فذكر أن الطفل يولد معتدلاً صحيح الفطرة وأن البيئة هي التي تغير من طبيعته وعلى المربي أن يلتزم الاعتدال في التربية.

وقد أشار الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين إلى الاختلافات بين الأطفال والصبية فيما يعرف بمبدأ الفروق الفردية في أمزجتهم ودرجة حساسيتهم واعتبر المعلم كالطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد لقتل أكثرهم وأمات قلوبهم” .

ويضيف حجة الإسلام طرحه العديد من النصائح في تربية الطفل تتعلق بخصائص نموه وتنشئته تمتد إلى الكثير من دقائق الحياة وهي:

  • أن لا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة.
  • أن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون.
  • أن يمنع من النوم نهاراً فإنه يورثه الكسل.
  • أن يعلم آداب الأكل.
  • أن يعود على أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع في المشي ولا يرخي يديه.
  • أن يمنع من الفخر على أقرانه بشئ يملكه والده .

أما فيما يتعلق بتربية البنت وتعليمها فلم يحصرها على الرجل “الصبي” فقط بل طالب الزوج بتعليمها أحكام الدين فإن لم يعرف ناب عنها في سؤال العلماء، ويذهب إلى أبعد من ذلك حيث أعطاها حق الخروج للتعلم والاستفادة إذا قصر زوجها في تعليمها بل وعصيانه حين يمنعها من ذلك.

ولعل المشكل الحقيقي المطروح بالنسبة لتعليم البنت والمرأة عند الغزالي يكمن في اختلافهم حول مكان التعلم وكيفية حدوده وليس حول مبدئه الذي لا تخفي فوائده على أحد.

 

ثالثا: قيمة آراء الغزالي في التربية والتعلم:

لا شك أن الغزالي من نوابغ الإسلام وعقوله الكبيرة، ومن قادة الفكر الإسلامي ورجال الإصلاح والتجديد الذين لهم الفضل الكبير في بعث الروح الدينية وإيقاظ الفكر الإسلامي وذلك لما أسهم به من اراء التقت وسبقت في كثير من الأحيان الآراء التربوية المعاصرة والحديثة لأنه لم يهمل عناصر العملية التربوية التي تقوم على أربع عناصر أساسية هي المربي وموضوع التربية ووسيلتها ومنهجها، لذلك ركز على المعلم أو المرشد باعتباره أهم العناصر في عملية التربية والمتحكم في العناصر الأخرى المتربي والمنهج والمادة.

فالمعلم بصفته متصرفاً في قلوب البشر … يفرض عليه بالتالي حفظ آدابه واحترام وظائفه المتمثلة في الشفقة على المتعلمين وعدم المبالغة في عقابهم والمساواة بينهم في التكوين والمعاملة دون تميز بينهم على أساس الجنس أو المادة أو العلاقات الخاصة.

ومن جهة أخرى تظهر قيمة آراء الغزالي في كونه لا يغفل تلك الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم المتمثلة في تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق، وأن يقلل علاقته من الانشغال بالدنيا وأن لا يتكبر على العلم ولا يتآمر على المعلم بل يلقي إليه زمام أمره وأن لا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة ولا نوعاً من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع به على مقصده وغايته، كما أنه لابد أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة بل يراعي الترتيب.

والترابط والوقوف على النافع منها والضار، وتلك هي آراء ومبادئ الغزالي في التربية والتعليم وهي أراء ركزت على إقامة علاقة تعليمية بين المعلم والمتعلم واشتراطه للأمانة وغزارة العلم والثقافة العامة والتدرج بالمتعلم ودراسة نفسيته واستعداداته العقلية والتدرج معه وفقاً لتلك الاستعدادات، وإذا كان البعض قد يختلفون حول مدى نجاحه أو فشله في تلك المهمة وفي الوسائل والأهداف التي حددها فإن أحداً لا يستطيع أن يجادل في أن الغزالي قد خرج من محاولته الإصلاحية تلك بنظرية كاملة ومتكاملة للتعلم والتربية التي التقت في كثير من جوانبها مع النظريات الحديثة المعاصرة بل وتسبقها كما رأينا في الفصول السابقة، وبالتالي ترفعه إلى مصاف المفكرين العالميين البارزين.

ونادى الغزالي بضرورة ربط التربية والتعلم بالجانب العلمي أو التطبيقي ذلك الجانب الذي يهتم به كما رأينا إلى حد جعله لا يقلل بالنسبة للبعض عن الطرق النظرية الأخرى للتعلم.

وعلى الرغم من كل الإسهامات التي أضافها حجة الإسلام للتربية والتعلم فإنه يبدو للبعض أنه مغال في اهتمامه لربط التعلم والتربية بل والسلوك الإنساني كله بالدين.

هذا إن دل إنما يدل على إيمان هذا الأخير بأن سعادة الإنسان تتمثل في وصوله إلى الله عن طريق تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه وأمته بالعمل الصالح تلك المهمة التي لا تتحقق إلا بالعلم.

ويذهب حجة الإسلام أيضاً إلى أن دور التربية لا يقتصر على تكوين وتهذيب الصغار فقط بل يتعداه إلى الراشدين والكبار. كما يرى من جانب آخر لأن التعلم كان ولا يزال المحور الأساسي لكل تربية تماما كما أن التربية ظلت ولا تزال انعكاسا لفلسفة كل أمة وتجسيداً لمبادئها الروحية والمادية في الحياة.

تلك إذا بعض آراء الغزالي في التربية والتعلم وعلاقتها بالسلوك الإنساني، وهي آراء ساهمت بشكل كبير وفعال في المجالات التربوية ومازالت إلى الآن منبع يستفيد منه كل طالب ومتعلم وهذا إنما يدل على مدى عمق وخصوبة الفكر الإسلامي بالنسبة للمواضيع التربوية والتعليمية بصفة خاصة والمواضيع الأخرى بصفة عامة.

خاتمة:

وأخيراً يمكن القول بأنه ليست هناك قضية حضيت بالاهتمام والانشغال قدر ما حضيت به قضية الفكر التربوي، الذي يدل على تقدم الأمم لأنها تهتم وتعمل قدر جهدها واستطاعتها على إثرائه والوصول به إلى أرقى درجة ممكنة. لأنه ببساطة يمثل عائدها الثري وذخيرتها وثروتها التي لا تقبل النفاذ.

وما أبو حامد الغزالي إلا واحد من أولئك الذين وضعوا بصماتهم فيما حواه التراث الفكري الإسلامي من أفكار ونظريات ساهمت بشكل كبير في هذا المجال المستلهم من مصدر التشريع الإسلامي – كتاب الله وسنة رسوله – لأن التربية والتعلم أشرف الأعمال الإنسانية بالنسبة لطالبه وللقائم عليه لأنه محي النفوس من موت محقق ومهذب أخلاقها من فساد مؤكد.

ولقد جاء المفهوم الإسلامي للتربية والتعلم الذي يعتبر الغزالي أحد ممثليه البارزين بدوره صورة صادقة لفلسفة الإسلام ولأهدافه الروحية والمادية التي سعى إلى تحقيقها في الحياة، لذلك تميزت بالطابع الواقعي الذي لم يجعل منها مجرد نظرة لا صلة لها بالحياة، بل جعلها تقوم على التوسط والتكامل في كل شئ.

 

قائمة المراجع

قائمة المراجع

القران الكريم

المراجع العربية :

  1. إبراهيم ناصر علم “الاجتماع التربوي”، دار الجيل، ط2، بيروت، 1996، لبنان.
  2. إبراهيم عصمت مطاوع “أصول التربية” دار الفكر العربي، ط 1995 ، 7.
  3. أبو حامد الغزالي “إحياء علوم الدين”، ج1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، 1991، الجزائر.
  4. أبو حامد الغزالي “إحياء علوم الدين” ج4، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، 1991، الجزائر.
  5. إجلال محمد سري “علم النفس العلاجي” عالم الكتب، ط2، القاهرة، 2000، مصر.
  6. تركي رابح “أصول التربية والتعليم “ديوان المطبوعات الجامعية، ط2، 1990، الجزائر.
  7. جودت عبد الهادي، “علم النفس التربوي” الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2000، الأردن.
  8. حمانة البخاري “التعلم عند الغزالي”، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط2، 1991.
  9. رشيد أور لسان، “التسيير البيداغوجي في مؤسسات التعليم “، قصر الكتاب، ط2، بدون تاريخ، البليدة.
  10. سعد مرسي أحمد “تطور الفكر التربوي” عالم الكتب، ط11، القاهرة، 1986، مصر.
  11. سهام محمد بدر “اتجاهات الفكر التربوي في مجال الطفولة” المكتبة الإنجلو مصرية، القاهرة، 2002، مصر.
  12. طيبي إبراهيم “الفكر التربوي عند أبي حامد الغزالي وجون ديوي”، 1983، الجزائر.
  13. عبد الرحمن النقيب “التربية الإسلامية رسالة ومسيرة” دار الفكر العربي، القاهرة، 1990، مصر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.