حصريا

كتب أعجبتني – عبد العزيز الميمني الراجكوتي الهندي

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”s” paddings=”” animation=”fadeIn”]هو عبد العزيز بن عبد الكريم بن يعقوب الميمني الراجكوتي الأثري.[1] ولد في راجكوت وإليها انتسب، وتوفي في مدينة كراتشي يوم الجمعة 26 من ذي القعدة 1398 هـ الموافق 27 من تشرين الأول 1978 م.[2]
كان مختصًا في معرفة المخطوطات العربية في الهند.[3]
التحق عبد العزيز الميمني بالكتّاب، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم استكمل دراسته العالية في “لكهنو” و “رامبور” و “دلهي”، والتقى بشيوخ كثيرين من أمثال الشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخرزجي السعدي، وقد أجازه برواية الحديث النبوي، ونذير أحمد الدهلوي، ومحمد طيب المكي.
وبدأ الميمني حياته بالكلية الإسلامية ببيشاور، حيث قام بتدريس العربية والفارسية، ثم انتقل منها إلى الكلية الشرقية بمدينة لاهور عاصمة إقليم البنجاب، ثم استقر بالجامعة الإسلامية في عليكرة، وظل يتدرج بها في المناصب العلمية حتى عين رئيساً للأدب العربي بالجامعة، ومكث بها حتى أحيل إلى التقاعد، لكنه لم يركن للراحة فلبى دعوة جامعة كراتشي بباكستان، ليتولى رئاسة القسم العربي بها، وأسندت إليه مناصب علمية أخرى، فتولى إدارة معهد الدراسات الإسلامية لمعارف باكستان، وظل يعمل في هذه الجامعة حتى وفاته.[/cl-popup]

هذه المقالة من انتقاء هيئة التحرير في نادي الرّقيم العلمي ونحن نعلم أن الإنتقاء من بين أطايب المقالات عسير، ومرادنا إذاعة شخصية الكاتب ودلالة الناس عليها لينتفعوا منه، وهو عبد العزيز الميمني الراجكوتي الهندي ..تتمة الترجمة
كتب أعجبتني (*)
لما جئتُ لأول مرة من “كاتهياوار” إلى مدينة “دهلي” بدأت أدرس الصرف والنحو على الطريقة التقليدية وكنت لا أعرف الفارسية والأردية، وقد ضيّعتُ ثلاث سنوات حتى وصلت إلى مرحلة “شرح الجامي [على الكافية] “. ثم وفقني الله الطريق السوي، وعرفت أني كنت أمشي على غير هُدىً، فتركت الطريقة التقليدية، ولم أكلّف الأساتذة إلا قليلًا، واعتمدت على جهودي الشخصية، ودرست هذه الكتب مع شروحها بإمعان النظر فيها:
في الصرف: شروح الشافية.
في النحو: شروح الألفية، والمفصل، والأشباه والنظائر، وبعض المتون الخطية، مثل لب الألباب للأسفرايني، وتسهيل الفوائد، وغير ذلك.
وبهذه الطريقة استرحتُ من نحو الفقهاء والمناطقة. وقد نفّرْتني من النحو بعض المسائل الخاطئة في “الكافية”، منها: “لا يضاف موصوف إلى صفته، ولا صفة إلى موصوفها، “وجامع الغربي” ونحوه شاذ”، والحقيفة أن اللغة العربية مليئة بمثل هذه الإضافات؛ وهناك بعض المسائل الأخرى التي فتحوا فيها باب التأويل، وأوقعوا طالب النحو في مشكلة الخصام والدفاع عن رأيٍ أو ضده، يبذل فيها جهوده بدون جدوى. هذه الأمور دفعتني إلى سوء الظن بهذه الكتب، فإن الطالب يقصد إصلاح لغته لا أن ينحاز إلى فريق دون فريق.
ثم أرشدتني دراسة “المفصل” و”كتاب” سيبويه إلى الأدب. والبحث عن الشواهد النحوية هداني إلى الدواوين وشروحها. ثم عرفت أني قد ضلِلْتُ الطريق في دراسة الأدب. يجب أن نحفظ أولًا مفردات اللغة. بل نحفظ قبل ذلك أبواب الثلاثي المجرد، وهذا من أصعب الأمور، لأن القياس لا يفيد شيئًا في هذه الأبواب؛ ثم نظرت في الكتب التالية وحفظتها من أجل معرفة المفردات اللغوية:
كفاية المتحفظ.
فقه اللغة للثعالبي.
الألفاظ الكتابية للهمذاني.
نظام الغريب … وغير ذلك، ثم بعدها:
إصلاح المنطق.
تهذيب الألفاظ … وغيرهما.
وقد حفظت في تلك الأيام المعلقات العشر وعدة قصائد أخرى تعدّ من أجود القصائد العربية وتبلغ في رتبتها مرتبة المعلقات، أما المجاميع الأدبية والدواوين الشعرية التي حفظت معظمها فهي:
ديوان المتنبي.
ديوان الحماسة (كلاهما كاملًا).
جمهرة أشعار العرب.
المفضليات.
نوادر أبي زيد.
الكامل للمبرد.
البيان والتبيين.
أدب الكاتب (مع شرحه “الاقتضاب”).
كنت درست الحماسة وديوان المتنبي ومقامات الحريري وسقط الزند على الأستاذ المرحوم الشيخ نذير أحمد الدهلوي، ومن خصائصه أنه كان يترجم النصوص العربية إلى اللغة الأردية بأسلوب جميل يَجلّ عن الوصف، وكان قادرًا على نظم الشعر العربي بارعًا فيه، وأظن أن مقدرته الأدبية كانت موهبة من الله ولم تكن مَدينةَ للكتب، وكان متواضعًا معي إلى حد كبير، والأسف أنه كانت المفارقة بيني وبينه بسبب بيت من أبيات “سقط الزند”. توجد في “سقط الزند” ثلاثة أبيات (1):
وعلى الدهر من دماء الشهيديـ … ـــن عليٍّ ونَجلهِ شاهدانِ
فهما في أواخر الليل فجرا … نِ وفي أوليَاتِه شَفَقَان
ثبتا فِي قميصه ليجيء الـ … حشر مستعديًا إلى الرحمنِ
قرأ الشيخ نذير أحمد “ثبتًا” -على أنه مصدر- بدلًا من ” ثبتا” (فعل ماضٍ، صيغة مثنى المذكر الغائب)، فقلت له: إذن يصير هذا البيت نثرًا، ثم بينت مرادي بتقطيع الشعر حسب قواعد العروض، فقال الشيخ:
شعر مي كويم به از آب حيات … من ندانم فاعلاتن فاعلات
(أنا أقول الشعر أحسن من ماء الحياة، ولا أعرف فاعلاتن فاعلات)،
فقلت:
“ولكني أعرف “فاعلاتن فاعلات” هذه، فماذا أفعل”؟. حدثت هذه الواقعة سنة 1906 – 1907 م، ثم لم أذهب إليه، وإن كنت أتوقع من كرمه وتواضعه أنه لا يبخل عليَّ في إعطائي الفرصة للاستفادة منه.
ومما يدلّ على قدرة الشيخ نذير أحمد على نظم الشعر العربي أنه تقرر في كلية سينت استيفنس (بدلهي) مرةً أن يزورها الأمير حبيب الله خان، فوقع الاختيار على قصيدة من ديوان أبي العتاهية -الذي كان مقررًا آنذاك في الدراسة بمرحلة الكلية المتوسطة- لتنشد أمام الأمير، مطلعها (2):
لَا يَذهبنَّ بك الأمَلْ … حتى تقصَّر في الأجَلْ
فقال الطالب -الذي تقرر أنه سينشدها في الحفل- للشيخ نذير أحمد: “أنا أنتهي من إنشاد هذه الأبيات خلال ثلاث دقائق، زد عليها بعض الأبيات من عندك”. فقال الشيخ في نفس البحر والقافية وأجاد:
اللهُ قدَّر في الأزَل … أن لا نجاة بلا عملْ
النصح ليس بنافِعٍ … والسيف قد سبق العذل (وكم مثلِها فارقتُها وهي تَصفِر)
ولم أذكر ما ذكرت مما وقع فيه السهو أو انحرف عن سَنَن الصواب ونهج السداد والعياذ بالله إزراءً بهم أو غضًّا منهم أو تنديدًا بالهَفوات، أو وضعًا من رَفيعات أقدارهم بالسقطات، وكيف وما استفدت إلا من تصانيفهم ولا انتفعت إلا بتآليفهم، وما اهتديت إلا بأنوارهم ولا اقتفيت إلا لواحِب آثارهم، وما حملت ذلك إلا على الغلط من الناسخين لا من الراسخين أو أنهم لفرط اهتمامهم بالإفادة لم يَتفرَّغوا للمعاودة والمراجعة، فهم القدوة وبهم الأسوةُ رحمنا الله تعالى وإياهمٍ وجَزاهم عن جِدّهم وجُهدهم خيرًا، ولو ذكرتُ لكل كتاب صُنف في اللغة نموذجا لطال الكلام وسَلِس النظام؛ فلما رأيت مسلكَ التناول من هذه الكتب شائكًا وَعْرًا قلتُ لنفسي (1) “أطِري فإنك ناعلة” وسُقت هذا الكلام أمام شروعي في الكتاب مَزجرةً لكل ناقص وقد قيل:
لا تَهنَّأ من تمنَّى مَع نفسٍ جاهلة … أن يساوي من تَعنَّى في نفيس الجاه له
وأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه ومقربًا من رحمته فقد فسرت فيه عدة آيات من كتاب الله تعالى وقطعة صالحة من غرائب أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأحاديث الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين وأرجو من عميم فضله أن يُسيّر هذا الكتاب في الآفاق ويُهِب عليه قَبولَ القَبول ويَعْصِم من الزلل والخلل والخطأ والخَطَل وهو حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
عبد العزيز الميمني

__________
(1) سقط الزند 96 (ط، بيروت 1963 م).
(2) انظر ديوانه 314 (تحقيق شكري فيصل).
__________
(*) نشر هذا المقال بالأردية في مجلة “الندوة” الصادرة بلكنو، عدد نوفمبر 1941 م. ثم أدرج في كتاب “مشاهير أهل علم كي محسن كتابي” (ص 104 – 109) نقلًا عن المجلة. وقام بتعريبه محمد عزير شمس، وعلق عليه في مواضع.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.