حصريا

فلسطين رؤية حضارية و مقاربة ائتمانية-أ.د.بدر الدين زواقة-الجزائر-

0 118

فلسطين – رؤية حضارية و مقاربة ائتمانية

أد بدرالدين زواقة – جامعة باتنة 1 – الجزائر

أستاذ مشارك سابقا بجامعة أم القرى – مكة- المملكة العربية السعودية

أستاذ زائر بعدة جامعات وطنية و عالمية.

تعتبر الرؤى التجزيئية للقضايا و الأحداث مأزقا معرفيا عاني منه الإنسان منذ القديم ،باعتبار تنشئته و موقعه الثقافي و الاجتماعي .

ومن بين هذه القضايا المهمة و الأساسية في تاريخ الإنسان قديما و حديثا، الموقف من المدن المقدسة – مع تحفظي على هذه التسمية – التي أخذت حيزا في الصراع السياسي و الأيديولوجي لقرون من الزمن.

فكان هذا البحث محاولة لقراءة متكاملة و مقاربة حضارية شاملة لفهم ظاهرة فلسطين من خلال تتبع ما كتبه فلاسفة الحضارة ،من بينهم مالك بن نبئ وعبد الوهاب المسيري و طه عبر الرحمان ….

و الهدف من ذلك تجاوز التفاصيل و الجزئيات و اختصار الجهد المعرفي و الثقافي  في فهم “فلسطين” موقعا وميقاتا ، و الارتقاء بها من منطقة صراع إلى  نقطة تواصل إنساني حضاري ، وهذا لا ينفي بالضرورة الحقوق الطبيعية و الشرعية و القانونية للشعب الفلسطيني المرابط .

  • مالك بن نبي و الرؤية الحضارية:

يعتبر مالك بن نبي من المفكرين القلائل الذين ينطلقون من الرؤية السننية الحضارية الشاملة في تشخيص الأحداث و الظواهر ، فهو لا يتوقف عند الجزئيات و التفاصيل و حتى الأشخاص بل يتعاطى معهم من خلال جوهر الأزمة و سببها.

فهو يرى أن أزمة الأمة حضارية بامتياز تتعلق بموقعها من الشهود و الشهادة على الناس.

  • الظاهرة اليهودية:

يعتبرها مسألة ذات متغيرات معقدة لا يمكن تفسيرها بالسطحية ،فهو مثلا  يقول : “ثم إني كنت أرى في تاريخ إسرائيل ظاهرة محيرة: عندما أزفت ساعة الشتات، أي الخروج الثاني لهم خارج فلسطين، توجه اليهود نحو أوروبا التي لا تزال حينها متوحشة ودون تجارة،[1]
وهذه الرؤية الثاقبة يندر من ينطلق منها ، لهذا فهو يعتمد على التحليل الأنثروبولوجي و الاجتماعي و حتى النفسي للأحداث .

فهو يعتبر أن اليهود هو روح أوروبا، لهذا يفسر المسالة اليهودية و علاقتها بأوروبا من خلال هذه الأرضية، قائلا:” غير أن هذه التمثيلية وهذا التظاهر أثارا تعجبي، ففكرت: تغلق المساجد في الجزائر وتحدث ملاحقات في فلسطين ولا يندد أحد. تغلق محال في برلين، فيستتبع الحدث سخطا عاما.[2]

ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ميزانية وفد الجامعة العربية إلى الأمم المتحدة عام 1948؛ لقد كان هذا الوفد يتصرف فيما يقرب من نصف مليون دولار خلال إقامته بباريس، لم ينفق منها شيئاً في نشر أية وثيقة لعرض مسألة فلسطين على الرأي العام العالمي، بينما أغرق اليهود إغراقاً بدعايتهم. هذا التفاوت الهائل بين الوسائل التي بأيدينا والنتائج التي نحصلها منها، هو صورة نموذجية لجميع ألوان النشاط الإسلامي العام.[3]

  • فلسطين و القابلية للاستعمار .

يعتبر مالك بن نبي الاستعمار نتيجة سببية وحتمية تاريخية لتخلف الأمة و تعلقها بالوهم في التعاطي مع الأحداث ،فهو يعتبر احتلال فلسطين نتيجة لما آلت اليه الأمة من تخلف و تأخر عن ركب الحضارة ….و الذي حدث ليس بالضرورة مؤامرة، بل هو تدافع إنساني بخلفية أيديولوجية.

و يحلل الظاهرة بقوله :”إن الأسباب العميقة لكارثة فلسطين ليست أسباباً عسكرية وسياسية فحسب، فلقد كشفت الهزيمة عن نقائصنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، تلك التي تعاني منها بلادنا، وليس يكفي أن نعرف أخطاءنا التي وقعنا فيها، وأن نكشف عن نقائصنا، بل المهم أن نفيد منها درساً لعلاجها”.[4]

فهو ينبه في كتبه للفجوات التي نعاني منها، وهي في الغالب ذاتية استغلها اليهود من خلال الاستثمار في المؤسسات الدولية و التحكم في مفاصل أوروبا من خلال الفكرة اليهودية التي أثرت في الفكرة المسيحية.

  • فلسطين و العرب:

قدم الأستاذ مالك بن نبي رؤية و تصورا لما يجل أن يكون عليه العرب في مواجهة الغطرسة الصهيونية من خلال:

  • التحول من البداوة إلى الحضارة و تفعيل شروط النهضة:

و يقول في هذا المجال “وكان من نتائج قضية فلسطين أيضاً أن تطرقت هذه الفكرة إلى مجال الاهتمام الرسمي، يشهد بذلك تجربة الإصلاح الزراعي في سورية، فللمرة الأولى في العالم الإسلامي الحديث تواجه مشكلة الإنسان والتراب والوقت، وينص عليها في دستور قومي، وقد كان في حسبان هذه التجربة أن تعمل على تحضير البدوي المترحل، وأن تجهد في تكييف التراب في ضوء الحالة العامة للشعب، فالمشكلتان في الواقع مرتبطتان، إذ أنه لا يمكن للبدوي أن يستقر ما لم يربط مصيره بالتراب، ومن أجل هذا نص الدستور السوري على تخصيص ملايين”.[5]

  • تفعيل المؤسسات القومية مثل الجامعة العربية :

فهو يعتقد بضرورة الاهتمام بالدور الحضاري لهذه المنظمة الذي أصبح شكليا، فهو يصف بعض الجهود و الممارسات بالعبث، بقوله:” ورثنا عنها التنافس على المقاعد الأولى، حتى في لجان الإنقاذ في كارثة فلسطين في البلاد الإسلامية.[6].

ومع هذا ينتظر منها المزيد من التدافع و التموقع بقوله :”وعلى الرغم من الكارثة التي أصابتنا في فلسطين، فإني أعتقد أن الجامعة العربية تستطيع أن تسترد هيبتها، إذا ما اهتمت بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، ورسمت خطة تستهدف تحسين مستوى المعيشة. فيجب أن نحرر شعوبنا من خوفها”.[7]

  • طه عبد الرحمان و الرؤية الائتمانية :

النظرية الائتمانية عبارة  عن نظرية أخلاقية تتأسس على حقائق الإنسان التي اشتركت فيها الأديان وتوارثتها الحضارات ،سواء هذه الحضارات بأصولها الدينية أو أنكرت هذه الأصول[8]

  • المرابطة رؤية فلسفية متجددة:

“المرابطة المقدسية هي المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدسة لتتصدى لتدنيسها و تعيد إيها قداستها ،و تلازم الفطرة المؤصلة لتتصدى لتزييفها و تعيد إليها أصالتها”[9].

  • مبدأ رد الظواهر إلى الآيات[10]
  • مبدأ توارث الأثار الروحية للأعمال.
  • مبدأ رؤية الإرادة الإلهية في العالم.

الشكل التالي يلخص معالم المرابطة المقدسة[11]:

.

 

 

.و بالعودة إلى الاختيار المنهجي للكتاب، وإلى اتجاهه الإيديولوجي، يبدو أن طه عبدالرحمان فضل الكشف عن أجندته السياسية التي طالما أخفاها بغلاف ( فلسفي) شفاف، والواضح أنها تصب، منهجيا، في الاتجاه العرفاني وتصب، سياسيا، في الاتجاه الصحوي ببعديه الإخواني والخميني. وكلا الاتجاهين يخططان، منذ تأسيسهما، لنقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة، حيث الميلاد والبعثة النبويين، إلى القدس حيث اتجاه الإسراء بالنبي. فالإسراء بالنبي ( ص) من المسجد الحرام (مكة) إلى المسجد الأقصى (القدس) يتجاوز، من المنظور الطاهوي، الطابع الإعجازي، ليؤسس لمشروع إيديولوجي ينقل مركز الحضارة الإسلامية من مكة إلى القدس.

  • القبلة معنى متجدد كوني :

 

تناول طه عبد الرحمان مفهوم “القبلة” من خلال الأبعاد الإنسانية و لحضارية لها، فهو لا يفصل بين القبلات ،و يعطيها نوعا من التكامل و التفاعل و الترابط بينها .

ذلك أن الرؤية الإنسانية التي يقرها الإسلام و يتفاعل معها لا تتوقف عند عالم الأشياء و المحسوسات بل ترتفع إلى مستوى الأفكار و القيم .قائلا: “فما لم يستحضر المصلي في قلبه سابق التوجه إلى قبلة المقدس، وهو يولي وجهه شطر القبلة المكية، فلا يستطيع أن يتحقق بكمال التوجه، فحينها يجوز القول أن حاضر التوجه إلى البيت الحرام هو من ماضي التوجه إلى المسجد الأقصى”[12].

  • فلسطين رؤية ائتمانية:

تميز طه عبد الرحمان بهذا العرض النادر في تعاطيه مع القضية الفلسطينية باعتبارها قيمة و أرض و إنسان ، و اختصر الاحتلال الإسرائيلي ب:

  • احتلال الأرض و إيذاء الله.

يمكن القول بأن إيذاء الله ،عند الإسرائيليين ،يشهد به تاريخهم الطويل ،إذ أن ذاكرتهم التوراتية و التلمودية تحفظ أن أسلافهم منذ أن خرجوا من مصر ،و هم ينقضون المواثيق و العهود التي أخذها الحق سبحانه منهم ،و يخالفون أوامره و نواهيه ،ويؤذون أنبياءه ورسله اليهم ،حتى كأنهم في حرب سجال معه [13].

كما نحصي من أساليبهم الإحلالية ما يأتي :أولها “الإحلال الثابت و ذلك ببناء المستوطنات و الجدران و الطرق الالتفافية ،و الثاني “الإحلال المتوسع “و يتم بطريق الضم و الإلحاق و الثالث “الإحلال المتدرج” و يقوم في تطبيق القوانين الإسرائيلية وممارسة الطقوس اليهودية و الرابع “الإحلال المطلق “زمانا ومكانا .[14]

 

  • احتلال الفطرة و إيذاء الإنسان :

لئن كان الإسرائيليون لا يستحيون من الاله ،فبأن لا يستحيوا من الإنسان من باب أولى، و اذا كانوا قد آذوا الاله في أخص صفاته ،فبأن يؤذوا الإنسان في أخص صفاته من باب أولى، و لما اتخذ هذا الأذى صورة الاحتلال ،لزم أن يكون إيذاؤهم عبارة عن احتلال أخص ما يميزه ،وهو بالذات فطرته التي يصنع تراثه الأصيل ،و الفطرة عبارة عن ذاكرة التي تحفظ القيم و المعاني المبثوثة في روح الإنسان منذ خلقه”[15].

 

الشكل التالي يلخص أهم محاور هذه المقاربة الائتمانية[16]:

 

 

 

خاتمة:

الرؤية الحضارية لقضية فلسطين تسمح لنا من الناحية المنهجية و الموضوعية  التعاطي معها لفهم :

  • جوهر الأزمة  و أبعادها :فهي في الأصل صراع متعدد الأبعاد ، باعتبار دخول المتغيرات سياسية و اقتصادية و اجتماعية.
  • مركزية المسألة الإنسانية و ضرورة ثقافة التعايش كرؤية ومنهد وهدف في الحوار الإنساني الحضاري .
  • فلسطين تبقى قبلة بمفهومها الحضاري العام ، تتجسد فيها البعد الثقافي بين الشعوب ، و في تصوري أن الإسلام مؤهل من خلال الأحكام و المقاصد و السنن للقيام بهذا الدور .
  • التدافع سنة من السنن الله في خلقه ، و فلسطين  لا يمكن تحريرها إلا بالعدة السياسية و الاقتصادية  و العسكرية .
  • الأمة الإسلامية عندما فقدت معنى القبلة في العبادة ضيعت بالضرورة قبلة بوصلة الشهود الحضاري.
  • قضية فلسطين تلخص واقع الامة و هي مقياس ومعيار مستوى الحضاري للامة .

المراجع:

  1. الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور – الممارسة – سبل المواجهة)، يوسف العاصي إبراهيم الطويل، صوت القلم العربي، مصرالطبعة: الثانية، 1431 هـ – 2010 م،ج4 .
  2. وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، دار الفكر معاصر بيروت-لبنان / دار الفكر دمشق – سورية

الطبعة: 1431هـ = 2002م / ط1: 1986م

  1. مذكرات (العفن) ،الك بن نبي ترجمة: نور الدين خندودي، دار الأمة، الطبعة: الأولى، 2007 ص 87.
  2. شروط النهضة، مالك بن نبي دار الفكر-دمشق، 1986م، ص 98.
  3. انظر “البروتوكولات واليهوديَّة والصِّهيونية”؛ عبدالوهاب المسيري، ص (18)، القاهرة: دار الشروق، ط 1، 2003.
  4. من مقالة: “عندما تتحول الصِّهيونية إلى نكتة”، نُشِرت في موقع الجزيرة، 7 – 4 – 2009. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/EDFF7225-0ECB-4585- B237 -CF86F0C2C7A1.htm
  5. البروتوكولات واليهودية والصِّهيونية”، ص (218).
  6. من كتاب المسيري “مَن هم اليهود؟ وما هي اليهودية؟ أسئلة الهُويَّة وأزمة الدولة اليهوديَّة”، ص (347)، القاهرة: دار الشروق، ط 5، 2009. مقالة “نهاية إسرائيل”، نُشِرت في موقع الجزيرة 18- 9 – 2009.
  7. مقالة “نهاية إسرائيل”، نُشِرت في موقع الجزيرة 18- 9 – 2009

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/E6F1079D-89C6-4E7B-AB16-D1D376D0A9A3.htm

  1. “البروتوكولات واليهودية والصهيونية”، ص (250 – 251). طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة : مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية – منشورات مركز مغارب- ط:1 – 2018

 

[1]مذكرات (العفن) ،الك بن نبي ترجمة: نور الدين خندودي،دار الأمة الطبعة: الأولى، 2007 ص ص79.

[2] مذكرات (العفن) ،المرجع نفسه  ص 87.

[3] الكتاب: وجهة العالم الإسلامي، المرجع نفسه ،ص 91.

[4] وجهة العالم الإسلامي ص 145.

[5] وجهة العالم الإسلامي ص 151.

[6] شروط النهضة،مالك بن نبي،دار الفكر-دمشق ،1986م،ص 98.

[7] وجهة العالم الإسلامي ص 146.

[8] ]  طه عبد الرحمان – ثغور المرابطة : مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية – منشورات مركز مغارب- ط:1 – 2018 – ص: 11

[9] طه عبدالرحمان ،ص37.

[10] ص 45-46-47.

[11] ص 62.

[12] طه  عبد الرحمان- ثغور المرابطة – ص: 69

[13] طه  عبد الرحمان- ثغور المرابطة – ص 21.

[14] المرجع السابق ص 21.

[15] المرجع السابق ص24.

[16] المرجع السابق ص35.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.