حصريا

عن الحاجة إلى فقه النوازل

مقال بعنوان:  عن الحاجة إلى فقه النوازل.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على محمد أفضل خلق الله الهادي للحق والمرشد للصواب، القائل:” من

يرد الله به خيرا يفقه في الدين.”[1]

وبعد:

يعتبر الفقه من أشرف العلوم وأجلها، وشرفه هذا وقيمته اكتسبها لتعلقه بفعل المكلف وقوله، وبيان حكمه

الشرعي، ثم اعتماده على الأدلة الشرعية لتحقيق ذلك، سيما وأنه عرف بكونه معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة

من أدلتها التفصيلية، وهو أيضا الأثر المترتب عن النص، أو المأخوذ منه وهو بلا شك الحكم الشرعي.

هذا وقد عرف الفقه ظهور مذاهب فقهية عدة منها ما كتب له البقاء والإستمرار كالمذهب المالكي والحنفي

والشافعي والحنبلي، ومنها من لم يحصل له ذلك، حيث ذهب بموت صاحبه. وما فيما يخص القسم الأول الذي

كتب له البقاء فقد كان للإمام دور فيه، ثم للتلاميذ والطلاب أيضا دور في نشره والإسهام في بقائه، وذلك من خلال

تدريسه وتعليمه أولا، ثم من خلال التأليف فيه، وغيرها من العوامل التي ساهمت في استمراره.

ومن المذاهب التي عرفت انتشارا واسعا مذهب إمام دار الهجرة، هذا المذهب الذي ظهر بالمدينة المنورة وامتد

لعديد من البقاع الأخرى، فتشكلت بذلك مدارس عدة له كالمدرسة المصرية والعراقية والمغربية الأندلسية، وقد

كانت لكل مدرسة مميزات تفردت بها عن الأخرى أو فاقت غيرها فيها. ومما ميز المدرسة الأندلسية المغربية-

وإن كان بدرجة أكبر- اهتمامها بالنوازل الفقهية سواء من خلال جمعها، أو ببيان أحكامها والقول الفصل فيها.

فظهرت بذلك موسوعات فقهية كبرى في هذا النوع من الفقه كالمعيار للونشريسي، والنوازل الجديدة الكبرى

للوزاني وقبلها المنح السامية أو النوازل الصغرى له دائما، ثم نوازل الإمام اللخمي، والإمام ابن رشد والقاضي

عياض وغيرهم من السادة الفقهاء.

وقبل الحديث عن الأسباب التي تحتم على الأمة الإسلامية الإهتمام بفقه النوازل سواء دولا كانت، أو مؤسسات تعمل

 

تحت إمرة هذه الدول( وزارات جامعات..)، أو باحثين ومختصين، يجدر بنا أن نتطرق لهذا المصطلح بالتعريف

 

والشرح- ولو باعتباره مركبا إضافيا دون الإشارة إلى معناه باعتبار الإفراد- وذلك بسوق بعض من أقوال من اهتموا

 

وتعرضو له بالشرح والبيان، ومن هؤلاء أخص بالذكر الباحث بوعرفة عبد القادر الذي قال عنه:” فقه النوازل: هو

 

معالجة إشكالات الراهن المعقد المرتبط بالظواهر الإجتماعية والسياسية للمجتمع (…)، ويطلق أحيانا على الفقه الذي

 

يشتغل على النوازل.”[2] وجاء في تعريف هذا المفهوم أيضا في موقع ويكيبديا ما يلي:” فقه النوازل هو علم شرعي

 

يقصد به معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي.”[3] وممن تناولوه بالتعريف فضيلة الدكتور جميل حمداوي، وقد

 

قال عنه الآتي:” هو نوع من الإجتهاد فيما لا نص فيه.”[4] وقال عنه الدكتور عبد المجيد قاسم عبد المجيد ما يلي:”

 

العلم بالاحكام الشرعية العملية للمسائل المستجدة.”[5] وأختم هاته التعريفات بتعريف للدكتور جميل حمداوي – وهذا

 

طبعا لمزيد من الإيضاح ليس إلا- حيث قال عنه الآتي:” عبارة عن فتاوى للمشاكل والأسئلة والنوازل والوقائع التي

 

لا نص فيها من القرآن والسنة.”[6]

 

إن الناظر في كل هاته التعريفات يجدها تتفق على أن فقه النوازل هو إيجاد حكم شرعي للقضايا المستجدة في الواقع

 

سواء تعلقت بالفرد، أو بالجماعة، وسواء تعلقت بالعبادات، أو المعاملات، وغيرها من أبواب ومسائل الفقه.

 

هذا وقد يتداخل في هاته النوازل الجانب السياسي مع الثقافي والإجتماعي وكذلك الإقتصادي والديني وغيرها من

 

الجوانب، وهذا العامل بالذات يحتم على من يريد التصدي للمستجدات بالإجابة ضرورة توفر شروط الإجتهاد

 

والمجتهدين فيه، وإلا تسبب لنفسه في الضلال و لغيره في الإضلال، وهو أمر حذر منه الحبيب المصطفى في حديث

 

قبض العلم المشهورالذي قال فيه ما يلي:” إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ

 

العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا َفأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.”[7]

 

وبالرجوع لشروط المجتهد- أو الفقيه الذي يريد التصدي للجواب عن النوازل والأقضية- فقد تباينت أراء السادة

 

العلماء الذين تناولوها بين موسع فيها، وبين مضيق، بل أحيانا هناك من اشترط شروطا تخالف في بعضها ما اشترطه

 

غيره، لكن العبرة في كل ذلك هو حرص أولئيك العلماء رحمهم الله أحياء، أو أمواتا، على حماية الشريعة وسد ثغر

 

من شأن خصومها النيل منها من خلاله، وهو الأمر الذي أكد عليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:” يحمل هذا العلم من كل

 

خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتاويل الجاهلين.”[8] وفيما يلي بعضا من هذه الشروط وإن

 

بشكل مقتضب:

 

– حفظ كتاب الله عز وجل وسنة الرسول عليه السلام وأحاديثه، أو على الأقل حفظ المتعلق منهما بالأحكام الشرعية.

 

– العلم باللغة العربية ومباحثها من نحو وبلاغة وصرف وغير ذلك، وهو أمر أكد عليه شيخ المقاصد الإمام الشاطبي،

 

حتى أنه رهن براعة وتفوق المجتهد( الفقيه المفتي إن صح التعبير) وقدرته على إصابة الحق بمدى إلمامه باللغة

 

العربيية وضبط مباحثها. وهذا أمر ليس غريبا سيما وأن الشريعة عربية، ومن مقاصد الشارع قصد وضع الشريعة

 

للإفهام.

 

– ضبط علم أصول الفقه والتمكن منه، سيما وأن قيمته ودوره بالنسبة للفقيه كبير جدا، فلا استنباط للأحكام ولا إجابة

 

على النوازل خصوصا غير المنصوص على حكمها في القرآن والسنة والإجماع وغيرهاِ إلا بامتلاك هذا العلم، ولعل

 

تعريف العلماء له كفيل بتحديد قيمته وأهميته بالنسبة للمجتهد.

 

– معرفة مواضع الإجماع، وأماكن الإختلاف بين الفقهاء. أما بالنسبة للأولى فذلك طبعا تفاديا لإعطاء جواب مخالف

 

لما أجمع عليه سلف الأمة وعلماؤها. وبالنسبة للثانية فلا امتلاك للفقه ولا براعة فيه إلا بمعرفتها، حتى أنه جاء في

 

الأثرعن قتادة  بأنه من لم يعرفها لم يشتم رائحة الفقه. وفي ذات السياق قال الإمام الشاطبي رحمه الله في هذا السياق”

 

وبإحكام النظر في هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الإجتهاد، لأنه يصير بصيرا بمواضع الإختلاف، جديرا

 

بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له، ولأجل ذلك جاء في حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال:( يا عبد الله بن مسعود،

 

قلت لبيك يا رسول الله ، قال أتدري أي الناس أعلم؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف

 

الناس وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف في أسته.)”[9]

 

– معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية والعمل بمقتضاها واستحضارها سواء في مرحلة استنباط الأحكام والتوصل إليها،

 

أو في مرحلة تنزيلها، وهذا الشرط أكد عليه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الموافقات. قال رحمه الله

 

تعالى:” إنما تحصل درجة الإجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن

 

من الإستنباط بناء على فهمه فيها.”[10]

 

– فقه المجتهد للواقع الذي يعيش فيه ومعرفة أدق تفاصيله في مختلف جوانب الحياة، وهذا طبعا بناء على التشابك

 

الحاصل فيها وتأثير ذلك في الأحكام التي تعطى للنوازل، ولعل الدارس لكتب النوازل والفتاوى يلمس ذلك فعلا، ذلك

 

أنه غالبا ما يؤثر الواقع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي في أراء المفتي وأجوبته. ولعل ما قام به عمر من وقف

 

لحد القطع عام المجاعة كما جاء في السيرة خير دليل على ذلك والأمثلة التي تؤصل لهذا الشرط كثيرة، يصعب

 

حصرها.

 

هذا وبالإضافة إلى هذه الشروط فقد ذكر السادة الفضلاء من علماء الفقه وأصوله والمقاصد وغيرهم شروطا أخرى

 

تنظاف لما ذكر سواء تلكم التي تتعلق بالجانب المنهجي، أو تلكم التي تتعلق بالجانب الأخلاقي، وهذين النوعين معا

 

لهما أهمية أيضا ولابد من تحققهم في الشخص الذي يريد أن يتصدى للإجتهاد والتوقيع عن رب العالمين وإزالة العي

 

الذي قد يلحق المستفتين جراء ما يحصل لهم من نوازل في مختلف جوانب ومجالات الحياة سواء بشكل فردي، أو

 

بشكل جماعي.

 

وبغض النظر عن العوامل التي أفرزت لنا هذا النوع من الفقه المسمى بفقه النوازل، إلا أن كل الدارسين تقريبا

 

لتاريخه والمهتمين به يتفقون على أن هذا الأخير يحضى بأهمية كبرى، وهذه الأهمية والقيمة حتمت وتحتم علينا اليوم

 

الإشتغال على هذا الفقه، سواء من حيث إخراج ما لا يزال منه في عداد المخطوطات، أو بالإشتغال على ما حقق منه

 

وخرج للوجود من خلال بحوث ورسائل الماجستر والدكتوراه، ثم الإهتمام به بتدريسه داخل المعاهد والجامعات

 

ومحاولة الإستفادة من مناهج شيوخه رغبة في امتلاك الصناعة الفقهية واستلهام آلياتهم افي ذلك، ناهيك عن التعريف

 

به من خلال المؤتمرات والندوات التي تعقد في ربوع العالم الإسلامي، ولما لا تخصيص ندوات لمعالجة التراث

 

المتعلق به، خصوصا وأنه لا نهضة- كما هو متفق عليه- لأي أمة إلا بالإهتمام بماضيها وعدم إهماله والعمل على

 

الإستفادة منه، سيما الثابت منه، بل حتى المتغير أحيانا كثيرة.

 

إن حاجة الأمة الإسلامية إلى الإهتمام بفقه النوازل من خلال الأساليب والأشكال التي ذكرت ترجع إلى عدة عوامل

 

وأسباب كلها تؤكد على ضرورة الإشتغال بهذا النوع من الفقه وعدم إهماله. وحسبي ما سأذكره في هذا المقام من هذه

 

الأسباب،  ولعل أول عامل يدل على أهمية فقه النوازل، كونه يعتبر ثروة فقهية وقضائية وتشريعية غطت تقريبا جل

 

مجالات الحياة سواء الفردية، أو الجماعية، وبالرجوع إليها تحل كثير من الإشكالات الراهنة كما حلت في وقتها رغم

 

ما يوجد من اختلاف في الواقع، لكن هذا لا يمنع من استصحابها والعمل على الإستفادة منها، لا اطراحها بحجة أنها

 

غير مقدسة ومصدرها الفهم البشري النسبي.

 

وعن هاته المزية ذكر الدكتور جميل حمداوي ما يلي:” فقه النوازل ثروة فقهية وقضائية واجتهادية مهمة لبناء الأحكام

 

الشرعية وفق المذهب المالكي.”[11] وفي نفس السياق يقول الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري رحمه الله في تقديمه

 

لنوازل الإمام الوزاني ما يلي:”ودونوا فيه مؤلفات قيمة تختلف وتتفاوت حجما ومضمونا وتوسعا واختصارا وإيجازا

 

وتفصيلا، وخلفوا بذلك تراثا إسلاميا عظيما، وإنتاجا فكريا هائلا، وعطاء علميا وافرا، تزخر به المكتبات العامة و

 

الخزانات  الخاصة.”[12] وقال أيضا في نفس السياق:” وأصبحت مراجع متداولة بين العلماء وعونا على أداء رسالتهم

 

العلمية والدينية في الفتاوى والأحكام الشرعية.”[13] وفي نفس الإتجاه جاء قول الدكتور اسماعيل الخطيب في مقال له

 

بعنوان فقه النوازل من خلال كتاب المعيار الجديد، وهو كالآتي:” تعتبر كتب النوازل من أهم المصادر في دراسات

 

الإجتهادات الفقهية، ومعرفة مستوى الإجتهاد لدى الفقهاء، كما أن هذا النوع من المصنفات يزودنا بالكثير من

 

المعلومات عن المستوى العلمي لمختلف العصور، ويمدنا بمعلومات عن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية

 

وغيرها.”[14]

 

إن النوازل الفقهية إضافة إلى ما ذكرت تعتبر أيضا مادة تاريخية واجتماعية وحضارية تسعف الدارسين والباحثين

 

لمعرفة التفاصيل والحيثيات المتعلقة بتاريخ منطقة الغرب الإسلامي- وهذا طبعا عندما يتعلق الأمر بنوازل المذهب

 

المالكي- وأهم الاحداث التي عاشتها إضافة إلى معرفة  مميزات مجتمعات هاته المنطقة، وما يتعلق بجانبها الحضاري.

 

يقول الدكتور جميل حمداوي عن هذا العامل الذي يحتم الإهتمام بفقه النوازل:”  ويعني هذا أن فقه النوازل عبارة عن

 

وثائق ومواد تاريخية واجتماعية وفكرية لقراءة الواقع والعصر على حد  سواء.”[15] ويقول  أيضا في نفس السياق:”

 

ويمكن للمؤرخين الإستفادة من فقه النوازل، مع تجريد النازلة من معطياتها الفقهية  والتركيز على ما هو تاريخي.”[16]

 

وعن علاقة النوازل الفقهية بالتاريخ والإجتماع والحضارة، يقول الدكتور محمد حجي  ما يلي:” كذلك كانت الدراسات

 

تعتمد أساسا على كتب النوازل والتراجم والفهارس والدواوين الأدبية، ولا تعير اهتماما لغيرها  من المصادر التي هي

 

إلى المجتمع أقرب وبه ألصق، أعني ما كتبه الفقهاء والقضاة والمفتون. وأول من تنبه إلى أهمية  كتب الفقه والنوازل

 

كمصدر أساسي لتاريخ الأندلس الإجتماعي والإقتصادي هما المستشرقان لوبيث أورتيث ( صاحب البحث القيم عن

 

دخول المذهب المالكي إلى الأندلس) و سالفادور فيلا( الذي نشر فصول الزواج من كتاب المقنع -للقاضي بن مغيث

 

الطليطلي).”[17]  ودائما يقول الدكتور حجي عن قيمة النوازل الفقهية التاريخية أيضا:”لكتب النوازل سمات تمتاز بها

 

وتزيد من أهميتها كمصدر لتاريخ المجتمع الأندلسي، فهي تمتد من حيث الزمان امتداد العهد الإسلامي من القرن الثاني

 

إلى أخر القرن القرن التاسع وتغطي مختلف جهات الاندلس سواء الحواضر الكبرى أو المدن الصغرى.”[18]

 

إن التأمل في هاته الأقوال يدل على أن النوازل الفقهية تعتبر مصدرا موثوقا في معرفة تاريخ هاته المنطقة التي

 

برعت في هذا الفقه، وتفادي الإشكال الذي وقعت فيه كثير من المصادر التاريخية التي اعتمدت ما كتبه الغربيون

 

وخصوصا  المستشرقون والذي تطرح حوله أكثر من علامة استفهام حول درجة صحته وصدقة، وهو أمر يحفز

 

الباحثين على الإعتماد عليها وتبنيها في كتاباتهم التاريخية.

وليست القيمة العلمية للنوازل الفقهية مقتصرة على ما ذكر قبل، بل تتعداه  لجوانب أخرى، ومنها ما تسهم به

الأخيرة من وتضطلع به من دور جسيم في الرد على المتربصين بالشريعة الإسلامية والمناوئين لها، فهي تؤكد

صلاحية الشريعة المحمدية لكل زمان ومكان وقدرتها على مواكبة التطورات الحاصلة واستيعاب المتغيرات

والمستجدات، وخصوصا وأنه كما أشرت سابقا يعتبر فقه الواقع من المصطلحات التي تطلق على فقه النوازل.

وعن هذا الدور يقول الدكتور جميل حمداوي:” فقه النوازل يتغير في أحكامه الشرعية والإجتهادية في الزمان

والمكان، ويعني هذا أن الشريعة الإسلامية صالحة للإنسان والمجتمع في كل زمان ومكان.”[19]

وعن نفس الدور الذي يؤكد أهميتها يقول نفس الباحث:” فقه النوازل هو فقه الإجتهاد في القضايا المستجدة الشائكة

والمعقدة قصد البحث عن الأجوبة والفتاوى الفقهية المناسبة لحل مختلف المشاكل التي يعيشها الإنسان المغاربي

في عصر من العصور التاريخية.”[20]

ولعل أكبر دليل يظهر القيمة للنوازل الفقهية، هو كون المتصدي لها ينال بذلك الأجر والثواب سواء في حال

الإصابة، أو حتى في حال الخطأ، مادام  قد سعى في تحصيل الحكم الذي يناسبها وبذل جهده من أجل موافقة قصد

الشارع فيه، وهذا ما دل عليه حديث الرسول عليه السلام القائل فيه:” إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران

وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.”[21]

إن انخراط الفقهاء والعلماء المجتهدون في الإجابة عن أحكام النوازل، يجعل من فقه النوازل بوابة لتجديد الشريعة

وتحقيق نبوءة الرسول عليه السلام التي نص عليها الرسول الكريم في الحديث المشهور الذي قال فيه:” إن الله

يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها امر دينها.”[22]

ختاما لهذا المقال، إن الحديث عن أهمية النوازل الفقهية طويل، والمؤشرات التي تدل على، والأسباب والعوامل

التي تحتم علينا الإهتمام به كثيرة حتى أنه يصعب حصرها، وعليه فإنه ينضاف إلى ما أشرت إليه قبل أمر يزكي ما

ناقشته وهو أن الفقهاء النوازليين يسهمون بشكل كبير في  إنارة السبيل أمام الناس ويوضحون لهم أحكام الشرع

حتى يعبدوا الله عن علم وبصيرة وفق منهج إسلامي واضح، وعليه فلو ترك أهل الحل والعقد القيام بواجبهم الذي

كلفهم به الشارع لوقع الناس في تخبط، فيكونون بين خيارين اثنين، الأول تصرف الناس وفق أهوائهم، وهو مناقض

لمقصود الشريعة الذي جاءت من أجله وهو إخراج الناس من داعية أهوائهم، والثاني استفتاء الجهال وطلب الأحكام

منهم، ومعلوم أن نتيجة هذا الثاني واضحة وهي الضلال  والإضلال كما نص على ذلك الرسول الكريم في حديث

قبض العلم وهو حال الناس اليوم سواء ممن يتصدرون للفتوى أو المستفتين.

 

وكتبه الفقير إلى رحمة ربه وعافيته الأستاذ محمد الإدريسي يومه 04 صفر 1441 هجرية، الموافق ل04 أكتوبر

2019 ميلادية، بمدينة برشيد وسط المغرب.

 

 

[1]– أخرجة أبو خيثمة زهير بن حرب النسائي في كتابه العلم، ج1/ ص7، باب من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، ط2، سنة 1983،المكتب الإسلامي بيروت.

[2]– مقال للباحث بوعرفة عبد القادر بعنوان: فقه النوازل المفهوم والحاجة الونشريسي أنموذجا، موقع شبكة الجزيرة ( مدونات الجزيرة) بتاريخ 12/ 10/ 2016م.

[3]– موقع ويكيبديا، صفحة تم تحديثها يوم 28 يوليوز 2018م.

[4]– فقه النوازل في الغرب الإسلامي، ص 9.

[5]– مقال للدكتور عبد المجيد قاسم عبد المجيد، بعنوان فقه النوازل وفقه الواقع، مقاربة الضوابط والشروط، مؤتمر الفتوى واستشراق المستقبل.

[6]– فقه النوازل في الغرب الإسلامي، ص 46.

[7]– أخرجه الإمام البخاري، ج1/ ص 31، باب كيف يقبض العلم، رقم الحديث 100، ط1، سنة 1422 نجرية، دار طوق النجاة للنشر.

[8]– مسند الشاميين للطبراني، ج1/ 344، باب ابن جابر، عن علي بن مسلم البكري، رقم الحديث 599، ط1، 1984، مؤسسة الرسالة، بيروت.

[9]– الموافقات، ج 4/ ص 95، سنة 2003م، المكتبة العصرية، صيدا- بيروت.

[10]– المرجع السابق، ج3/ ص 63.

[11]– فقه النوازل لجميل حمداوي، الصفحة 44.

[12]– النوازل الجديدة الكبرى للوزاني، ج1/ ص3. طبعة وزارة الاوقاف والشؤون الغسلامية المغربية.

[13]– المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.

[14]– مجلة دعوة الحق، عدد 340 رمضان – شوال سنة 1419 هجرية/ يناير – فبراير 1999م.

[15]– فقه النوازل لجميل حمداوي، الصفحة 44.

[16]– المرجع السابق، نفس الصفحة .

[17]– نظرات في النوازل الفقهية للدكتور محمد حجي، الصفحة 169.

[18]– نظرات في النوازل الفقهية للدكتور محمد حجي ، الصفحة 174.

[19]– فقه النوازل للدكتور جميل حمداوي، الصفحة46.

[20]– المرجع السابق، نفس الصفحة.

[21]– أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ج9/ ص108، رقم 7352.

[22]– أخرجه الإمام أبو داود في سننه، باب ما يذكر في مائة القرن، ج4/ ص 102، المكتبة العصرية صيدا – بيروت، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.