حصريا

سلوان القارئ : ما أرخص العرب لولا غزة-أ.بلخير بن جدو-الجزائر-

0 65

قديما ما قيل : “ما أرخص الجمل لولا الهرة” ومورد المثل يشرح ويُبين عن المضرب، وهو أن العرب زعمت فيما تزعمه أن أعرابيا ضل له بعير، فوجد عليه، حتى إنه من شدة الوجد أقسم إن عثر عليه ليبيعنّه بدرهم! ثم إنه عثر عليه وندم على يمينه – والحكمة كثيرا ما تحذر من يمين الفرح والحزن، لأن العقل عندهما يزول أو يكاد – فاحتال ليمينه بأن قرن في بيع البعير هرةً بألف دينار، وأنه لا يبيع البعير مفرداـ بل مقرونا بالهرة…فانظر لحيلته، وانظر كيف أرخص بعيره وكيف أغلاه…

وهذا المثل ليس ببعيد عن حالة العرب، فقد صار أمرهم إلى رخص لولا غزة، وهذا الغرب الكافر لا يهمهم أمر العرب ولا يكترثون له، لأننا صرنا في هوان لا يُعبأ بنا، وهم يمسكون بنواصينا، يجروننا إلى حيث يريدون، ينهبون خيراتنا ويتحكمون في غذائنا، حتى إسلامنا وتراثنا درسوه وصنعوا لنا ما يجعلهم في مأمن منّا…

إن اليد ترتجف لا تكاد تثبت واللسان مُنعقدٌ لا يكاد ينطلق والهمّ مُشتت لا يكاد يجتمع، أحاول عبثا أن أسطِّر ما يجول في خاطري ولو متفرقا، لعل الله أن يمُنّ علينا بانتصار أسيادنا، فيجتمع القول وينتظم…

إن في غزة شَبَهٌ من موسى عليه السلام (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) كل الدنيا تجتمع وتخطط وتتآمر -عربها وعجمها- كيف يقضون على هذه العصبة التي ما يُنقم منها إلا أنها تدافع عن أرضها ودينها، وصار المُتجرِّم عليها هو صاحب الحق، واستحال أهل الأرض إلى مجرمين يجب أن يطردوا عنها.. دونك فاعجب.

ويزداد المشهد قسوة بخذلال العرب وخيانة الجار، والخيانة فرعٌ من كفر (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل)

في الحديث (يُرفع لكل غادر يوم القيامة لواء يقال له : هذه غدرة فلان بن فلان) هذه في آحاد الناس، فكيف في عصبة وأمة مظلومة !؟

ونحسب أن العصبة المجاهدة في غزة ممن تروّت بالقرآن وتشبعت به، فاستحضرت عظمة الله وأسمائه وصفاته وتجلياته، ونهلوا من معين القرآن العقدي فتربوا على التوكل على الله وحده واستعانوا به ولجأوا إليه، وهذا من أعظم أسرار القرآن : يقول ابن تيمية فيما معناه : (الخطاب العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدرًا وصفةً) إ.هـ كلام ابن تيمية  أي: أن العلم بالله وصفاته وخبر الملأ الأعلى، وأعمال القلوب وما يتعلق بها، أعظم من التشريعات العملية، ولذلك تجد ذكر التوكل على الله في سبعين موضعا، فالقرآن يربيك عقديًا، والعصبة المجاهدة في غزة أصحاب حمولة فكرية فلا يشبهون الحركات التحررية التي نعرف إلا في المعنى العام.

اشتهر من أساليب العلماء في الثناء قولهم :  (لم ير مثل نفسه) فكأنهم يقولون هو عظيمٌ من حيث لا يدري ذلك، وأهل غزة أعظم مما قد يتخيّله مُتخيِّل، ومهما وصفوا انفسهم – أو وصفهم واصفٌ- فهو أقصر مما يقومون به، وفي التاريخ يَقِلّ نظيرهم، وإلا؛ فكيف لعصابةٍ تنطلق من تحت الأرض لتُهلك أعتى الجيوش، بأسلحة متواضعة، إن هذا لشيءٌ عُجاب

إن أهل غزة هم التفسير العملي لقوله تعالى  {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}

فقد يغلب الواحد مائة من مثله او أقوى، ويؤيده الله بالقوة ونفاذ البصيرة وسداد الحيلة، ما يُعجز عدوَّه…

لقد رأينا التفسير العملي لقوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا )

ورأى العالم أجمع الطمانينة على وجوه الأسرى في مشاهد لا تقبل المغالطة ولا المجاملة، وهذه تربية قرآنية تدل على الحمولة الفكرية لأهل غزة، وفي التاريخ أمثلة تشهد لهذا

فقد شهد النصارى بسماحة الاسلام، قال توماس ارلوند في “الدعوة الى الاسلام” (وأغلق اهل

حمص ابواب مدينتهم دون جيش هرقل، وابلغوا المسلمين ان ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الاغريق وتعسفهم) “نظرات في دراسة التاريخ الاسلامي” للحجي

—-.

يجادل المرجفون في جهاد اهل غزة، وهذه انهزامية غير معهودة تدل على خواء فكري رهيب،

فالحديث عن جهاد الدفع ليس داخلا في محلّ النِّزاع، فالعقلاء متفقون على وجوب الدفاع عن الأوطان حتى بهيمة الأنعام تدرأ عن محيطها كل متهَجِّمٍ، أما جهاد الطلب الآن فالحديث عنه ينفيه الواقع؛ وليس هو بمَنفيٍّ في ذات الأمر، لأننا عن حماية أنفسنا عاجزون؛ فأراضي المسلمين مستباحة :حقيقةً أو حكمًا، والمسلمون في حالةٍ من انهزاميةٍ مريرةٍ تجعلنا نخضع للعهود والمواثيق الدولية، وإلا؛ فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أغار على بني المصطلق، وهم غافلون، وقد جعل هذا ابن العربي المالكي دليلا على بقاء جهاد الطلب، ولهذا يتأكد القول :أن جهاد الطلب يبقى حبيس عزة المسلمين، مادمنا في ذلة وضِعة وانهزامية قال ابو فهر محمود شاكر : (وكل ما نسميه (حضارة) مما تداولته أمم الأرض منذ أقدم الأزمان دال على أن (الحضارة) بناء متكامل، لا تستحقه أمة إلا بعد أن تجتاز مراحل كثيرة معقدة التركيب، حتى تنتهي إلى أن يكون لأهلها سلطانٌ (كامل) على الفكر، وعلى العلم، وعلى عمارة الأرض، وعلى أسباب هذه العمارة من صناعةٍ وتجارة، وعلى أسباب كثيرة من القوة، ترغم سائر الأمم على الاعتراف لها بالغلبة والسيادة، وإذا صح هذا، وهو صحيح إن شاء الله، فالذي لا شك فيه أن عالمنا نحن اليوم ليس له سلطان (كامل) على هذه الأصول والشروط التي يستحق حائزها أن يسمى ما هو فيه (حضارة)، والذي لا شك فيه أيضا أن عالم الاستعمار الذي نصارعه، هو المستحق اليوم، والى أجل محدود، أن يسمى ما هو فيه (حضارة) لأنه يملك هذا السلطان على الفكر والعلم وعمارة الأرض وعلى الصناعة والتجارة وعلى أسباب قوة باغية ترغم العالم على أن يعترف له بالغلبة والسيادة) إ.هـ من الجمهرة 2/1076.

وعلينا الآن بأنواع أخرى من الجهاد، كالجهاد بالقرآن والحجة والبيان (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) أي بالقرآن، وجهادٌ هو الصَّدع بالحق لا يُخشى في ذلك لومةُ لائم، وجهاد الدعوة عموما… النَّبيَّ ﷺ قَالَ: جاهِدُوا المُشرِكينَ بِأَموالِكُمْ وأَنْفُسِكُم وأَلسِنَتِكُم.) تأمل وألسنتكم !! ويدخل في هذا الشعر والخطابة، وحتى المرئيات والسمعيات مع تطور الوسائل وتنوعها..

وبعدُ:  فالحديث عن جهاد الطلب؛ مؤجّلٌ الى الحين الذي قصده ابن قيم الجوزية بقوله : …وجهاد الطلب الخالص لله؛ يقصده سادات المؤمنين!!)… والسلام

وكتب المُتحنِّنُ إليهم : بن جدو بلخير – التحرير-

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.