حصريا

تسوُّر التفسير

0 82

تسوُّر التفسير

هذا بابٌ من العلم والتنبيه عظيمٌ خطير، ولا أزعم أني اقتحمته متسوِّرا إياه كجراءة المتسوِّر على التفسير ولكني جعلت من كلام الدكتور مسعود صحراوي (1) -زاده الله توفيقا- متنًا عامًّا أتفيّأ بظلاله وأستنّ بسننه حتى يُردَّ عن ذلكم الذي استسهل كلام الله فذهب يفسِّره ويُبين عن مراد الله …ولا أدّعي من أني سأحيط بالموضوع، فدون ذلك خرط القتاد وسيل من المداد في التنبيه على خطر التفسير، وما يجب أن يمتلكه المفسر من أدوات حتى يجترئ على قرآن ربّ العالمين، وإنما يكتب في هذا من هو أمثلُ مني وأعلم، ودرَك مراد الله على قدر ما يبلغ علم المفسر واجتهاده وتمكنه من هذه الشروط، وليس لي من عملٍ إلا تقريب كلام الدكتور، والتدليل له؛ نصرةً لقوله، وأزرًا لمراده، وما أردت لرأيي أن يستبدّ بنفسه فإنه الخطل، ولكني أردت أن ينطوي تحت كلام عالمٍ معاصرٍ فهو مظنة الصواب
وأوَّل ما ينبغي على المفسِّر امتلاكه : الإتقان لعلوم اللسان العربي، وكلما أوغل في هذه العلوم وتمرّس فيها وتترّس بها، كان ذلك أمنع من الزيغ والخروج عن سنن اللسان العربي الذي نزل به القرآن، يقول الشاطبي : فلا يستقيم للمتكلمِ في كتاب اللَّه أو سنّة رسولِ اللّهِ أن يتكلَّف فيهما فوق ما يسعُهُ لِسَانُ الْعربِ، وليَكُن شَأْنه الاعتنَاء بما شَأْنُه أن تعتني الْعَرب به، والوقوفَ عندَ ما حَدَّتْهُ) ومن تأمّل صنيع محمد عبده في تفسيره لسورة الفيل من أن ما أصاب القوم هو وباء الجدري، علم أن هذا من الخروج عن سنن العرب، ولأن الأصل أن يُحمل كلام العرب على ظاهره، إذ الأصل الظاهر والحقيقة لا التأويل والمجاز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأصل أن يُحمل كلام الله على ظاهره) وظاهر الكلام يُعرِّفه ابن تيمية أيضا فيقول : (هو ما يسبق العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة !!؟)
وطبَّق ابن القيم رحمه الله هذا التقعيد في قوله تعالى (وكلَّم الله موسى تكليما) فقال : (رفع سبحانه توهُّم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكَّد الذي لا يشك عربيُّ القلب واللسان أن المراد إثبات تلك الحقيقة)إ.هـ
والقرآن؛ وإن كان عربيا إلا أنه استقلّ بدلالاتٍ للألفاظ لم يعهدها العرب، فكأنه جدّد فيها بما يلائم رسالة القرآن التي هي الإسلام، وهذا مما لا ينبغي للمفسّر أن يغفُل عنه، لأن للقرآن سياقات اختصَّ بها جعلت الألفاظ تؤدي معنًى غير الذي عُهد بها، قال الزركشي: (ليكن محطَّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوُّز ) وقال أيضا : (دلالة السياق أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئا أنكره) ولذلك فضّل الزركشي كتاب الراغب الاصفهاني : (ومن أحسنها كتاب المفردات للراغب الأصفهاني وهو يتصيَّد المعاني من السياق) أنظر كيف يركّز على السياق !!
ومن رام التبحّر في مسألة السياق بلاغيا فعليه، بـدلائل الاعجاز” للجرجاني – وهو يرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي- ، بل هذا هو جوهر “نظرية النظم”، وقريبٌ من هذا ما ذكره “محمود شاكر” وهو يردّ على صنيع اليازجي في “نجعة الرائد” ومن ينتهج منهجه من أصحاب الاستكثار والحشد للألفاظ، قال : ( فما كل أحدٍ يصبر على تتبع الكلام المبعثر في الشعر والنثر ثم جمعه وتأليفه ثم النظر في أصوله ومبانيه ثم تمحيص المعاني المختلطة وردّ كل قرينة منها إلى أختها) إ.هـ كلام محمود شاكر، فإن اللغة ليست هي مجرد الحشد كما رام اليازجي صنعه، بل هي الفقه بانتظام الكلام، ولأجل هذا -والله أعلم استدل الدكتور مسعود صحراوي- بقوله تعالى (الذين جعلوا القرآن عضين) كأنهم يَفصلون الكلام بعضه عن بعض؛ خروجا منهم عن المجال المفاهيمي للقرآن!، يقول الجرجاني مُلخصًا : (فقد اتضح إذا اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدة، ولا من حيث هي كلم مفردة ، وأن الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ)
وهنا لابد من التعريج على كلام ابن الانباري في الاضداد: (كلام العرب يُصحح بعضُه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يُعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوعُ اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد)
كل هذا يجعلنا ندرك فقه السلف في تفضيل تفسير القرآن بالقرآن، فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، ثم تفسيره بالسنة، فإنها الذِّكر الذي نزلت معه، ثم بتفسير السلف من الصحابة فإنهم عاصروا التنزيل، وهم العرب الأقحاح، وهذا صنيع ابن كثير في تفسيره والطبري في تأويله، ومن أجل هذا نالا مكانا عليَّا بين التفاسير الأخرى
وفي مُركّز كلمة الدكتور مضامين عديدة من العلوم التي وجب على المفسر أن ينتبه لها ويتحرَّاها
كمبتكرات القرآن اللفظية، كما يعبّر عنها ابن عاشور! وأوضح مثال كلمة “قرآن” فهي أصلا تطورٌ دلاليٌّ لم تعهد العرب إطلاقه!
وللقرآن عاداته يقول الطاهر بن عاشور : يَحقّ!! على المفسر أن يتعرَّف عادات القرآن من نظمه وكلمه، وقد تعرَّض بعض السلف لشيءٍ منها، فعن ابن عباس رضي الله عنه: كل كأس في القرآن فالمراد بها الخمر.
ثم نسب للزمخشري والرازي : أن من عادة!! القرآن أنه ما جاء بوعيد إلا أعقبه بوعد، وما جاء بنذارة إلا أعقبها ببشارة. ويكون ذلك بأسلوب الاستطراد والاعتراض لمناسبة التضاد))

ولحكمةٍ بالغةٍ نزل القرآن مُنجّما يتحيّن أسبابًا ليعالجها، ثم يجعل من هذه الأسباب منارة يُهتدى بها في قابل العصور، فإن العبرة؛ وإن كانت بعموم اللفظ وتتعدّى خصوص السبب إلا أن السبب شارحٌ ومُوَجِّه
والمُرتجى ممن يتكلم في علوم القرآن أن يأخذا نصيبا من العلوم التي نتجت بفعل الاحتاك مع الغرب، فإن الحكمة ضالة المؤمن؛ وهو أحقُّ بها، ولن يَعدِم منهم خيرا، فإنه يُستعان بعلومهم ومصطلحاتهم لدفع افتراءاتهم أحيانا، يقول الباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو : (الجرجاني يعتمد في أسرار البلاغة على العلوم التي كانت سائدة في عصره!.) وقد استعان كثير من العلماء بعلم الكلام والمنطق حتي عِيب عن الرازي إدخال المنطق في البلاغة، وهو شيءٌ يحتاج إلى مزيد بحثٍ قبل الإسراع إلى الذمّ، فإن لها نفعا من زاويةٍ ما. على أنّ هذا لا يعني أن يُنسى أن القرآن كلام الله أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فليس القرآن نصّا تاريخيا أو أدبيا حتى تسلط عليه أدوات النقد بحرية كما لو كان نصا بشريا، كما كان يفعل أركون وشيعته وهو بابٌ خبيث فتحه المستشرقون، تقول عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ في معرض ردها على جولدتسيهر : ( دارسُ القرآن مسلما أو غير مسلم، مُلزمٌ منهجيًا بأن يُنظر فيه بوصفه وحيًا؛ حيث لا مجال لفهم نصٍّ -أيَّ نصٍّ- بمعزلٍ عن طبيعته، والمصدر الذي يقرر مُبلغُه أنه تلقاه عنه )

وبعدُ
فقد استبدّ المتقدِّمون بالعلم، فليس على متأخِّرٍ إلا الاستثمار بالشرح والتخريح وإقامة القواعد وكشف الأبعاد
قال الجرجاني : (واعلمْ أنَّكَ لا تَشْفي العلَّةَ، ولا تنْتهي إلى ثلجِ اليقين؛ حتى تتجاوزَ حدَّ العلم بالشيء مُجْملاً إلى العِلْم به مُفصَّلاً، وحتى لا يُقْنِعَك إلا النَّظرُ في زواياه والتغلغلِ في مكامنه، وحتى تكونَ كمن تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعَهُ وانتهى في البحث عن جوهرِ العُود الذي يُصنَع فيه، إلى أن يعرِف منْبِتَه ومجرى عُروق الشَّجر الذي هو منه)
والتفسير ليس كأحدٍ من العلوم حتى يتسوّره أيّ أحد من العلماء! فليس كل عالمٍ هو أهلٌ لعلم التفسير خاصة…لأن القرآن في الأصل يعالج قضايا فكرية عميقة، فينبري للعقائد يصححها ويجدّدها ويسعى لتصحيح المفاهيم، ويعطي تصوّرات لحيوات الناس ومعايشهم …القرآن ليس معجزةً حسية كالتي كانت بين يدي الأنبياء والرسل من قبلُ، ولعل هذا وجهٌ من وجوه خلوده واستيعابه لسائر الناس وجميع العصور
يقول الطاهر بن عاشور : (من مزايا القرآن كونه مما يُتلى، فان ذلك أرفع من كون المعجزات الأخرى أحوالا مرئية، لأن إدراك المتلوِّ إدراكٌ عقليٌّ فكريٌّ، وهو أعلى من المدركات الحسية، فكانت معحزة القرآن أليق بما يُستقبل من عصور العلم التي تهيأت إليها الإنسانية)
من أجل هذا عظَّم السلف كلام الله تعظيما شديدا، قال الخليل بن احمد : لَحَن أيوب السِّخْتِيَاني في حرفٍ! فقال : استغفر الله؟!!
وبعدُ: فكلمة الدكتور متنٌ مركّز، ولا أدّعي أني في هذه العجالة قد استفضت في بسطها، بل هي تحتاج إلى مزيدٍ من الإبانة عن الإشارات التي قصد الدكتور التنبيه إليها، والمرجوُّ من طلبته أن يعمدوا إلى ذلك – في سائر مقالاته- فإنه من البرّ-
والقرآن كتابٌ علومه لا تنضب، وبحرٌ كنوزه لا تفنى، وليتحذَّر الذي يريد أن يمتح منه أن يستسهل لفظه أو يألفه من تكراره، فيظنّ أن تفسيره على طرف الثمام فإن هذا من عظيم الفرية على الله وعلى كلامه المقدس

والسلام
وكتب
المُتحنِّنُ إليهم
بن جدو بلخير

كلمة الدكتور مسعود صحرواي نشرها على الفيسبوك : وهذا نصها : : (1) من نظر في آي القرآن الكريم نظر فهم وتدبر وهو خالي الوفاض من الأدوات، وأهمها علمُ اللسان العربي ولم يستوفِ إتقان قواعده وقضاياه العلمية القديمة والمستجدّة، واستبدت بلسانه وقلمه العُجمة اللغوية، وجهل أو تجاهل دلالات الألفاظ في عصرالتنزيل ولم يُلمّ بأسرار البيان العربي، كما يفعل بعض المعاصرين… فقد تسؤّر التفسير وليس بمؤتمن على فهم القرآن.
ومن اكتفى بالسياق الجزئي الخاص للآية القرآنية دون قراءتها في ضوء ما يشاركها في الموضوع والمجال المفاهيمي، وبترها عن سياقها القرآني العام، ولم يربط المعاني بأشباهها ونظائرها،وهم الذين قيلَ فيهم: […الذين جعلوا القرآن عضين…] (الحجر، 91) أو غفل عن أسباب النزول… فهو من المتسوّرين للتفسير والفقه والفكر الإسلامي، وليس بمؤتمن على القرآن خصوصا والدين عموما، وربما كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وهو مجانب للمنطق السليم ومتنكر للمنهجية العلمية القرآنية مهما ادّعى الفهم والعلم أو تدثّر بدثار الحداثة والتجديد…

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.