حصريا

الفعل تَغَيّا فى عربيّة المعاصرين د.محمد جمعة الدِّربىّ

الفعل تَغَيّا فى عربيّة المعاصرين د.محمد جمعة الدِّربىّ

       يجب على المعاجم أن  تسجِّل الاستعمالات اللغوية الواقعية سواء كانت قديمة أو حديثة من خلال الاعتماد على المادة الحية وقواعد البيانات المعجمية ، واستثمار الحواسيب والمدققين أو الخبراء المهتمين بصناعة المعجم، ومتابعة المقرَّرات التعليميَّة والانتقادات والاستدراكات والمؤسسات المتصلة بالمعاجم؛ فالمعجم الناجح يرجع إليه القارئ المثقف ليسعفه بما يسدّ الحاجة إلى تحرير الدلالة للفظ شائع أو مصطلح متعارف عليه. ولم يرد الفعل (تغيّا) فى المعاجم الحديثة  مع أنه من الحاضر الحىّ الشائع فى عربية المعاصرين!

      ففى صفحات الشبكة العنكبوتية عبارات مثل: ” كان يرمى من وراء قوله إلى غاية يسعى إلى تحقيقها، وهدف يتطلع إلى وصوله، ومقصد (يتغيَّا) نيله وبلوغه”[1]. وفى مجلة البيان عبارات مثل : ” أن تكون كلمة الله هى العليا؛ فهذا فقط هو الجهاد. وكل عمل باسم الجهاد لا (يتغيّا) هذه الوجهة نظريًّا ويطبقها عمليًّا فهو إلى الإفساد أقرب… … جملة معانٍ محددة (يتغيّا) استقطابها لإذاعتها “[2]. وفى مجلة البحوث الإسلامية عبارات مثل: ” فيحملنا ذلك على ردها بمنهج دفاعىّ (يتغيّا) التبرير فحسب”[3]. ولم يقتصر استعمال الفعل على لغة الصحافة[4]؛ حيث ورد فى كتب يحمل بعضها أصولًا أكاديمية[5]، واستعمله بعض الشعراء[6]، وأكثر من استعماله رجال الفتوى والقانون[7].

     وهذا أحد رجالات المعاجم والتحقيق يقول فى مقدمته للمعجم الوجيز: ” وإذا كان المجمع قد تريَّث فى إصدار هذا المعجم، وشُغل عنه حينًا بالمعجم الوسيط حتى استقرَّ مادة ومنهاجًا، وبالمعجم الكبير حينًا آخر حتى استبان طريقه بصدور الجزء الأول منه ؛ فقد كان فى تقدُّم هذين المعجمين ما يرسم صورة هذا المعجم الوجيز، ويتيح للجنة التى وضعته مادة غزيرة تختار منها ما يلائمه بحسب الغاية التى (تغيّاها)، والغرض الذى استهدفه… … ولقد اختارت لجنة الوجيز من مادة الوسيط ما رأت فيه الوفاء بحاجة الطالب … … وأدخلت اللجنة فى مادة المعجم ما رأت ضرورةً  إلى إدخاله من الألفاظ المولَّدة أو المعربة أو الدخيلة أو المحدثة التى أقرَّها المجمع وارتضاها الأدباء ؛ فجرت بها ألسنتهم وأقلامهم”[8].

      وقد كان فى وُسع معاجمنا الحديثة  إثبات هذا الفعل اعتدادًا بالاستخدام اللغوىّ المعاصر الذى أُخِذ به  فى كثير من الكلمات[9]، وكان فى الإمكان قبوله على سبيل المطاوعة لا سيما وأن بعض هذه المعاجم أثبت (غَيّا) متعديًا بمعنى: نصب الغاية وأقامها، أو جعل لفلان غاية، أو جعل للشىء نهاية[10]، أو قبوله قياسًا على كثير من الأفعال مثل: تأمَّل، وتبحَّر، وتبرَّج، وتبرَّز، وتبصَّر، وتترَّب، وتثبَّت، وتثقَّب ، وتجبَّر، وتجرَّد، وتجسَّد، وتجلَّد، ، وتجمَّع، وتجنَّب، وتجهَّز، وتحدَّب، وتحدَّر، وتحرَّج، وتحرَّز، وتحزَّب، وتحسَّب، وتحسَّر، وتحشَّد، وتحنَّث، وتخرَّج، وتخنَّث، وتدبَّر، وتدثَّر، وتدرَّج، وتدنَّس، وتذكَّر، وتذمَّر، وترجَّح، وترصَّد، وترقَّب، وترهَّب، وتزلَّج، وتزيَّن، وتستَّر، وتسحَّب، وتسحَّر، وتسعَّر، وتسلَّح، وتشبَّث، وتشرَّب، وتشعَّث، وتشكَّر، وتشمَّر، وتشمَّس، وتشنَّج، وتشهَّد، وتصبَّر، وتصدَّر، وتصفَّح، وتطلَّب، وتطهَّر، وتعبَّد، وتعجَّب، وتعذَّر، وتعسَّر، وتعصَّب، وتعطَّر، وتعقَّب، وتعمَّد، وتعمَّق، وتعنَّت، وتعهَّد، وتغلَّب، وتغمَّد، وتغيَّر، وتفتَّح، وتفجَّر، وتفرَّس، وتفسَّح، وتفطَّر، وتفقَّد،وتفكَّر، وتفكَّك، وتفلَّت، وتقدَّس، وتقرَّب، وتقزَّز، وتقشَّر، وتقطَّر، وتقعَّر، وتقلَّب، وتكبَّد، وتكبَّر، وتكثَّر، وتكدَّر، وتكسَّب، وتكسَّر، وتكلَّف، وتلبَّث، وتلبَّد، وتلبَّس، وتلطَّخ، وتلفَّف، وتلقَّب، وتمرَّد، وتمرَّس، وتمسَّح، وتمكَّن، وتنزَّل، وتنصَّح، وتنكَّب، وتنكَّر، وتهجَّد، وتهيَّأ، وتوسَّع.

     وفى اللغة أفعال على وزن تفعَّل معتلة الآخر بالألف المقصورة  مثل: تألَّى، وتأنَّى، وتعرَّى، وتغطَّى[11]، وبعض هذه  الأفعال رُسِمت ألفه- مثل تغيّا- بالمد؛ ففى المعجم الوسيط: تأيّا بالمكان: تأنَّى وتلبَّث، وتأيّا الشىءَ: قصده واتجه إليه، وتبيّا الشىءَ: تعمَّده وقصده، وتحيّا منه: انقبض وانزوى، وتزيّا بكذا: تهيّأ وتلبَّس، وتعيّا بالأمر وتعيّا عليه الأمرُ: أعجزه[12].

      وبعد؛ فأرجو أن يحفِّز كلامى مجمع اللغة المصرى الموقَّر على إثبات الفعل تغَيّا فى الطبعة القادمة من المعجم الوسيط[13] ، أو فى حرف الغين الذى سيصدر – ضمن ما سيصدر- من أجزاء المعجم الكبير[14]، وعسى أن يكون قريبًا.


[1] راجع هذه  العبارة ونماذج أخرى فى:

http://www.alukah.net/literature_language، http://tafsir.nethttp://ahlalloghah.com    

[2] مجلة البيان – المنتدى الإسلامى – ع 229/23- ع 138/.4.

[3] مجلة البحوث الإسلامية –  الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – السعودية- ع 77/ 368.

[4] راجع بحوثًا عن لغة الصحافة فى مجلة  مجمع اللغة المصرى ط/1983م.جـ51/29 ، 55، 63، 79، 125، 139، 179.

[5] السنة قبل التدوين –  محمد عجاج الخطيب –  دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت ط3/1980 م . جـ1/51، وفن المقال الصحفى فى أدب طه حسين- د. عبد العزيز شرف- الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة ط/1986م. جـ1/235، والمنامات فى الموروث الحكائى العربى – د. دعد الناصر- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت ط/2008م. ص109، ونكت وتنبيهات فى تفسير القرآن المجيد للبسيلى(ت830 هـ)-  تحقيق محمد الطبرانى- مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء ط/ 2008 م. جـ1/100، والمعجزة  الكبرى القرآن- الإمام محمد أبو زهرة- دار الفكر العربى- القاهرة (د.ت) ص503 ، ومن الجديد فى الشعر العربىّ الحديث التذكير بالقرآن- د.السعيد عبادة- عدد رجب – مجلة الأزهر- مجمع البحوث الإسلامية- القاهرة ط/1438ه. ص1445.

[6] راجع قصيدة :  خلالُك الزُّهر، وقصيدة: مُرجفًا يتغيّا الثواء فى: http://www alfaseeh.com،http://aljsad.org/showthread.                                

[7] فتاوى  دار الإفتاء المصرية – المكتبة الإلكترونية الشاملة جـ1/179، وراجع : القضاء الدستورىّ فى مصر- د. يحيى الجمل – دار النهضة العربية- القاهرة ط/2010م. ص 256.

[8] مقدمة  مصطفى حجازى للوجيز ص (ح)، ولم يرد الفعل تغيّا فى جذره اللغوىّ من هذا المعجم الطلابىّ على الرغم من وروده فى مقدمته التى تمثِّل- أو يجب أن تمثِّل- الجانب النظرىّ لما فيه من إجراءات تطبيقية ! وأرجو أن يضاف هذا إلى بحثى: ملاحظات نقدية حول مادة المعجم الوجيز ومنهجه – ع 8– مجلة اللغة – مركز البحوث العربية والإفريقية – القاهرة ط/2010م.

[9] أعدَّ الدكتور عمرو مدكور إحصاءات بما ورد فى الوسيط والوجيز والكبير  من مصطلحات وأعلام ومعرَّب ودخيل ومولَّد ومحدَث  وكلمات أقرَّها مجمع اللغة المصرىّ؛ راجع بحثه: معاجم مجمع اللغة العربية ص231 – 285.

[10] كذا فى الطبعات الثلاث للوسيط (غ ى ى) ، وفى الطبعة الأولى زيادة بلفظ: ” يقال: الغاية لا تدخل فى المُغَيّا “، وخلت الطبعتان الثانية والثالثة من هذه الزيادة ! وانظر معجم متن اللغة للشيخ أحمد رضا(غ ى ى) وفيه الفعل غَيّا ، ولكن بفتح الياء بلا تشديد، ولعله من الطباعة! وأما معجم اللغة العربية المعاصرة – وقد كنتُ واحدًا من فريق عمله – فلم يذكر فى مادة  (غ ى ى ) أىَّ مدخل فعلىّ!

[11] راجع مزيدًا من الأفعال فى ديوان الأدب للفارابى(ت350ه)- تحقيق د.أحمد مختار عمر- مطبوعات المجمع – القاهرة ط/1974- 2003م. جـ2/437- 466، جـ3/285-287، جـ4/242.

[12] راجع الطبعات الثلاث للمعجم الوسيط (أ ى ى)، (ب ى ى ) ، (ح ى ى)، (ز ى ى)، (ع ى ى)، والمعجم الكبير(حرف الهمزة) ط1/1970م. جـ1/668،( حرف الباء) ط1/1981م. جـ2/743، ( حرف الحاء) ط1/2000م. جـ5/951.

[13] وإنى أشفق إشفاقًا كبيرًا على مَن  سيُصدِّر لهذه الطبعة مِن مكتب المجمع ؛ فهل سيلقِّبها بالطبعة الخامسة مجاملة للطبعة الدَّعيَّة الصادرة بمساندة المجمع عن مكتبة الشروق الدولية ، أو سيلقبها بالطبعة الرابعة إصلاحًا لما أفسده السابقون؟!

[14] فى عام 1956م نشر المجمع جزءًا من هذا المعجم عدَّه مجرَّد تجربة دعا المتخصصين فى اللغة من عرب ومُستعربين إلى  قراءتها وتسجيل ما يمكن أن يلاحظوه عليها، وفى عام 1970م صدر الجزء الأول الذى يضم مداخل حرف الهمزة، وتلته حروف أخرى، وقد صدر حتى الآن (١٤٤٠ه- ٢٠١٩م) حرف الراء فقط!

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.