حصريا

الفراسة القرآنية. الأستاذة: نصيرة سعيد

0 127

الفراسة القرآنية. الأستاذة: نصيرة سعيد

من اختلطت روحه بروح القران تدبرا وخضوعا وتدارسا، وجوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلّم تعايشاً، لن يكتسب الملكة اللغوية فحسب، بل ملكة تفرسية إن صح التعبير في الفهم عن الناس وفهم نفوسهم وانفعالاتها، والأمثلة في القران والسّنة تثرى في الكلام عن الناس في شقهم النفسي الغائر في العمق، لدرجة أن الله سبحانه وتعالى يكشف لك الحجب عن نزيف وتقرح وانبساط كثير من الأنفس بتعابير متناهية في الشفافية !

فحسبك أن تقرأ هذا البيان القرآني في قول الله تعالى: ” فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (مريم 23)”، لتعيش مع مريم مأساتها، وفراغ يدها من دليل براءتها،وقدر النزيف والتهاب روحها، وحين تقرأ قوله تعالى: “فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (القصص 24)”،يتجلّى أمامك حبّ موسى للتواري والنّجوى مع ربه،انكسارهوخضوعه وحاجته إليه.

وتعال إلى قول الله تعالى: ” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)لتدرك أنك في حضور نفس نهشَ المرض لحمها وعظامها، فكان مَنْطقها مُعجز يمثّلُ صبرها واحتسابها ومرارةآلامهَا وفقدها،ولكنّهالم تطلب الشفاءَ تأدّبًا ولمْ تطلبِ العوضَ تصبّرًا.

وأمّ موسى، ثورة عاطفية بلغت أوجّها ” وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (القصص 10) ، عدم اتّزان أسعفه سداد عقلها ” وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (القصص 11) “في ذات الظرف. 

وبلقيس الذكية، نفس ذوّاقة للجمال جعلها تذعن كلّ الإذعان، ” قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ
 فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (النمل 44).

ويقول سيّد قطب رحمه الله عنها وعن نفسية المرأة الكاملة في مثل هذه المواقف: “وهكذا كانت بلقيس ( امرأة ) كاملة،تتّقي الحرب والتدمير، وتستخدم الحيلة والملاطفة، بدل المجاهرة والمخاشنة، ثم لا تسلّم لأول وهلة،فالمفاجأةالأولى تمر ولا تُسلم،فإذا بهرتها المفاجأة الثانية، وأحسّت بغريزتها أن إعداد المفاجأة لها دليل عناية (الرجل) بها،ألقت السلاح، وألقت بنفسها إلى الرجل الذي بهرها، وأبدى اهتمامه بها، بعد الحذر الاصيل في طبيعة المرأة والتردد الخالد في نفس حواء !” (فصل التصوير في القصة، كتاب التصوير الفنّي في القرآن).

وأنت تقرأ: “وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ( الحجر97)تصل إليك حرائقهذا الصّدرِ الضيّق المكلوممن مجرد كلام، وفي قول الله تعالى عن يوسف عليه السلام: “ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (يوسف 77) “، تدرك مدى قدرة هذا النبي على الاستعصام بالصمتفي موقفه هذا واستعصامه بالله مع امرأةالعزيز، لم تغرهِ الأنوثة الطّاغية والتهافت المسعور ولم يثنهِ تغلّق الأبواب والتّهيّؤ المبتذل، وكأنها صبغة نفسية فيه، وأمّا هيَ فليس أجملَ تفرّسا في نفسيتها وأحسن تدبرا لقول الله تعالى: ” وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ( يوسف 23) “من كلام مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: ” وأعجب من هذا كلمة (وَرَاوَدَتْهُ) وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها، لون بعد لون؛ ذاهبة إلى فن، راجعة من فن؛ وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها؛ ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها؛ كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها، ثم قال: (عَنْ نَفْسِهِ) ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: “إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغرائه وتصبنيه، مقبلة عليه ومتدلّلة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، ثم قال: {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} ولم يقل “أغلقت” وهذا يشعر أنها لما يئست، ورأت منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالًا عدة، وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الأغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط، (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده, فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد اهتياجها وغليانها..” (مقال سموّ الحب، وحي القلم).

وحين تقرأ ” كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * (مريم 1-4)، لتهيّأت لك نفس متأمّلة رحومة منكسرة فقيرة إلى الله غنية عن الناس.

وإن كان العجب في هذه القراءات النفسية لبني الإنسان، فالأعجب منها التحدّث عن الدّواب: ” حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (النمل 18) في إشارة إلىفقه نملة قال عنها العلماء:  “ما أعقلها من نملة وما أفصحها”.، وقال عنها الإمام ابن القيم في مفتاح السعادة: ” ويكفي من فطنتها ما قص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل، وقد رأت سليمان عليه السلام وجنوده”،فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة،
النداء، والتنبيه والتسمية، والأمر والنهي، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والاعتذار.

وكان ذوق سليمان عليه السلام شُكر نعمة الله على حضور هذا السّمو البلاغيّ والعقلي ” فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (النمل 19)،بنفس منشرحة باسمة متصالحة مع نفسها سهلة لينة متواضعة معجبة بأضعف المخلوقات، فاسحة لها سبل الكلام والإفصاح حتّى وإن حيز لها أعظم ملك.
وفي السنة النبوية شواهد كثيرات على الذوق النبوي والفقه المحمّدي، فكان الظاهر لمحمد – صلى الله عليه وسلم – هو صورة الباطن،فلا يفهم مَن حوله إلا من سرّ أعماقهم، بتوجيه ظواهر أفعالهم- وإن كانت انفعالية – توجيها حسنا مستنداعلى خيرية العمق، أمثلة كثيرة من الرّحمة المهداة تعلّمنا فقه التبصّر نذكر منها واحداً: عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندَ بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفةٍ فيها طعامٌ، فضربت التي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم، فسقطت الصَّحْفةُ، فانفَلَقَتْ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: (غارت أمُّكم)، ثم حبس الخادمَ حتى أُتِي بصَحْفَةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَةَ الصحيحة إلى التي كُسرت صَحْفَتُها، وأمسَكَ المكسورة في بيت التي كسَرَتْ(رواه البخاري)..

ولم يكتف القرآن بتعليمنا سُبلَ اختراق النفسيات فحسب لإدراك مكنوناتها وجمالها وأحزانها ومسرّاتها وانفعالاتها ، بل علمنا – كذلك – سبل مواساتها ومداراتها وتخيّر أحسن الألفاظ بما يليق بها، (لا تحزني، لا تحزن إنّ الله معنا، وكلي واشربي وقرّي عينا، واصبر لحكم ربّك فإنّك بأعيننا، ولقد نعلم أن صدرك يضيق بما يقولون، إن الله مع الصابرين، إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين … ).

قارئ القران مأمور بالتدبر وهو إذ يتدبر ينال فقه التدبر في أحوال الناس ونفوسهم في كلّ أطوارها وتطوراتها،ومن تشبع بالقران والهدي النّبويّ يحسّ بالنفوس ويحتويهاإذ وصلت إليهإبانة الله على أعماقها من خلال بيان كتابه، ويصل لهالفهم عن أنفاسها قبل الفهم عن كلماتها، من تشبع بروح القران والهدي النّبوي تشبّه بهما بطريقة وصلهما واتصالهما بالمؤمنين !

وعند أمير البيان فيلسوف الحب والجمال، من غزير البيان ما يجعلك تصل إلى فائدة، أنّه أحسن منْ ملكَ القدرة على الإبانة عن النّفوس بجميل البيان، أهو القرآن والهدي النّبوي ؟!

الرجل العظيم في فنه، قالب إنساني لا إنسان؛ فلا يقاس إلا ليقاس عليه غيره “.

كم من امرأةٍ جميلةٍ تراها أصفى من السماء، ثمَّ تثورُ يوماً فلا تدل ثورتُها على شيءٍ إلا كما يدل المستنقع على أنَّ الوحلَ في قاعه؛ فاغضبِ المرأة تعرفها”.

آهٍ لحوادث الحب، كأنّما هي تقع لتغير من الحياة في أيام قليلة مايغيّر العمر الممتد في سنوات متطاولة “.

 

أيّها الصديق أنت الجسم الثاني لروحي ، وكما في قلبكِ لي فإنّه في قلبِي لك “.

” ويُخيّل إليّ من طغيان آلامي أن كلّ ذي حزن فعندي أنا تمام حزنه، ويُخيّل إليّ أنّي أفصح من نطق به !”.

” عندما أنظر إلى ازدهاء الشفق بألوانه ، وأصباغه كأنه صورة جديدة في الخلق،عُرضت ليراها أهل الأرض ، أحسبني على مرمى السَّهم من جنة في السماء، فُتحت أبوابها و لاحت أطراف أشجارها وعندما أتأمل انبثاق الفجر ، يخيل إليَّ من جماله و روعته أن الوجود في سكونه و خشوعه نفسٌ كبرى تستمع مصغية إلى كلمة من كلمات الله لم تجيء في صوتٍ ولكن في نور”.

” الجمال هِبة الله فليس لامرأة فيه عمل ؛ ولكن العجيب أن أكثر ما يكون من عمل المرأة هو في إفساد هذه الموهبة ؛ كأن الجمال غريب حتى عن صاحبته ، تُفسِدها بالجهل إن كانت جاهلة، وتُفسِدها بالعلم إذا كانت عالمة، وتُفسِدها بِلا شيء إذا كانت هي لا شيء “.

” المرأة للرجُل نفس لنفس ، لا متاعٌ لشاريه “.

“لا يريد الهمّ منك أكثر من أن تريدَه، فيأتي ! “. ” في قلب الرجل ألف باب يدخل منها كل يوم ألف شيء ولكن حين تدخل المرأة من أحدها لا ترضى إلا أن تغلقها كلها”. 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.