حصريا

الشيخ الغزالي وجهاد الدعوة

0 190

الشيخ الغزالي وجهاد الدعوة

بقلم الأستاذ: نوح دربال

الدعوة تحتاج رجالا يحملون همها، فينسخون آلاما ويحيون آمالا ….. ولا تحتاج إلى من يركبون ظهرها، فيلدون أوزارا ويحيون أوجاعا، والغزالي ممن أحسبه حمل الهم، ونسخ، الألم، وأحيا الأمل.

العظماء يعيشون لغايات عظيمة تُطوى في سبيلها السفاسف المادية طياَّ، فالسيل الهادر يشقُّ طريقه ولا يبالي بالغثاء إذ يعتريه، والدعاة إلى الله يشقون طريقهم في خضم الحياة غير مبالين بالأصوات الملفتة من هنا وهناك عن الهدف المرسوم، وهؤلاء الدعاة المبلغون جم غفير، لكن حظوظهم من إحراز النجاحات متفاوتة، فلا غرو في ذلك فالعقول ليست سواء، والطرائق في تحقيق ذلك ليست كذلك، وللإخلاص في الأعمال كلمته في ترجيح الكفة وقسمة الأنصبة والحظوظ من ذلك، والشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ ممن حباهم الله تعالى بحظ وفير ونصيب كبير من تلك النجاحات وذلك التوفيق، فقد كان صاحب فكر ثاقب وذهن متَّقِد وقريحة عجيبة وقلم سيَّال، فارس الدعوة بامتياز، رُبَّان معرفة غير هيَّاب ولا خوَّار، فنظرته الثاقبة وتشخيصه الدقيق للعلل والأسقام أكسبته تمرسا عجيبا في إعطاء الحلول، ووصف الدواء، وضبط الجرعات على قدر الحاجة، فكانت كتباته تقع على المتلقي فتترك في نفسه ذوقا عجيبا، وتسكب في روحه أحساسا لا مثيل له، فتحيي فيه مواتا قديما، كما يحيي المقرور لمسة دفء، والهيمان لحظة إلف، فلم تكن كتاباته تسويدا للصحائف وجرات قلم تصول وتجول في بياض الأوراق، فالكل يشهد لقلم الغزالي أنه نفاذ للهدف مصيب للمقتل، في وقت كانت في الدعوة إلى الله جعجعة أكثر من الطحين، وصيحات وطبول ورايات أكثر من الرجال، كان الشيخ يتأمل ذلك الواقع ببصيرته الثاقبة ليتجاوز صفوف المنادين، ويتجاهل جعجعات الصائحين، ليستنهض الهمم، ويستثير المشاعر، ويستصلح الأوضاع، فقد كان مهموما بقضايا أمته، وهو صاحب هموم داعية، ومشغول الفكر على مستقبل مسيرتها، وهو القائل: ( إنني أتوجس خيفة على مستقبل الدعوة  الإسلامية، ولذلك لن أنئ أكتب، وأنصح، وأحذر)، إنه لا يكتب من أجل الكتابة فقط، ولا يخط من أجل إنفاد اليراع وحسب، لقد كانت الحروف تتسابق في صحائفه ويجود بها قلمه، والقلب مشغول بذلك الغراس من الأفكار والحروف، هل لها ثمر مرجو، أم أنها في بوار الأرض قد ألقيت؟ فالبذرة قد تكون صالحة جيدة، بيد أن إلقاءها في الأرض البوار لن يولد للزارع إلا حصاد الخسار، كما أن الرصاصة قد تنطلق من السلاح بقوة كبيرة، بيد أن عدم التصويب في المكان المرجو يجعلها تتهاوى في مكان بلا فائدة، والشيخ رحمه الله كان ممن لا يرسلون الحب قبل التأكد من خصوبة الأرض، وكان لا يضغط على الزناد إلا بعد تحديد المرمى، لذلك كان كلامه مفتاحا لمغاليق القلوب، ولذة في النفوس المشتاقة اشتياق المعلول الكاره للطعام للذة في فيه.

أأ

إن الأقلام السيالة لا تنفع إن كان حاملها جبانا رقيعا، أو متملقا وضيعا، كما أن الخيل الكرام لا تنفعها السُّرُج والقنا، إذا لم تعتلي الكرامَ كرامُ، والدعوة لله لا تحتاج رجالا واهوا القوى، مهازيل النفوس، رجالا تتطامن الحقائق أمامهم فلا يبالون، وتلطم الخالية والعاطلة الرجولة أمامهم فلا يغضبون، لكنها تحتاج رجالا مزمجرين بالحق في وجه أي كان، وهذا ما كان من الشيخ رحمه الله، فمن تشبع من كتاباته يجدها تنضح بنبذ المداهنة في الحق واستلطاف الباطل، وفي ذلك يقول: ( وقد بلينا في ميدان الجهاد بنفر يتهيبون الأوضاع الباطلة كما يتهيب العميان المسير على شاطيء البحر، ويتهربون من مغارم البطولة كمل يتهرب الأطفال من مغارم المناظر المهولة … فما الذي أقحمكم إذن في ساحة لستم لها؟ وما تعنيكم أمرا لا تطيقون؟).

والضربات المتهاوية على رأس الأمة والتي جعلتها تجثو على ركبتها، جعل عمل الدعاة مضاعفا ومسؤولياتهم تزداد، والغزالي من السباقين لحمل هذا العبء على كاهله، فلا يخفى على ذي لب تلك الجهود التي بذلها رحمه الله في بيان مكائد الخارج وخطورة مخططاتهم، وفضح نواياهم، وما أكثر السهام التي أرسلها لتصيب المقاتل في المغبوش على قلوبهم، وما أكثر الوقدات التي لدغ بها نفوس الغافلين من الأمة لتريها ما يحاك ضدها من وراء الحدود والبحار، فقد كان مشغولا بإماطة اللثام عن الوجه الحقود الكنود المضمر ضد الإسلام وأهل ممن يتقنعون بلباس الزيف من الأخوة الإنسانية، وكان حرصه على إزالة القذى من عيون المبهورين من بني أمته بالحضارة الغربية المزيفة والتابعين لها النعل حذو النعل، أشد حرصا من كشف سوأة الحضارة المزيفة، لأنه لا معنى للضياء أمام الأعمى مسلوب البصر.

وفي مقابل ذلك كان فكره غير شارد عن علل الأمة الداخلية، وهو الذي أفنى عمره لبيان أسقام الأمة وكشف أسبابها وإعطاء الترياق المناسب لها، ومن العلل التي يراها أشد فتكا بالجسد المسلم، علة الفهم السقيم للإسلام، والفكر المعتل تجاه تعاليمه، وكتبه في جلها لا تخلو من بيان هذه العلة، وإيضاح هذه الجفوة بين الدين والفهم القاصر لتعاليمه، فمن تتبع كتبه يجدها ملأى ببيان الوجه الصحيح للإسلام وإزالة الركام الهائل من الرواسب المتعفنة التي طغت على صفحة الإسلام وأذهبت نصاعته وصفاءه، ومن روائع ما قال في هذا الأمر: ( إن الكفر المنتشر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا إلى الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم )، لقد أشهر قلمه وقيض وقته لمحاربة هذه الجرثومة المستشرية في جسد الأمة، إذ أورثتها الهزال وألزمتها السقام، وحال الأمة الإسلامية قبل الغزالي، من لدن انحطاطها إلى يومنا كحال المخدر الفاقد الصواب، يقوم تارة ويسقط أخرى، فالصواب عنده ضائع والحقائق في فكره مقلوبة، تترنح كالمخبول الذي لا يدري أين يسير ولا إلى أين يمضي، فالإسلام قد غاب شرعه في التحكيم، وهجرت تعاليمه في النظم والقوانين، فألقيت هذه التعاليم في الرمال العفراء واستعيض مكانها القوانين الشرقية أو الغربية الردية، والغرائز قد أطلق وحشها من عقاله تحت مسمى المدنية المقيتة، فصار التطويح بالرجال إلى الأرض أيسر ما يكون بالشهوات المسمومة، والصعلكة في زوايا الأرض والعجز عن امتلاك زمام الحياة استحال تدينا، والمتبطلون في الأرض والذين صكتهم الدنيا بقوائمها فلا تستفيد منهم الإنسانية فتيلا، صاروا عبادا زهادا، والعلمانية أرزت بالإنسان المتحضر أن تحكمه قوانين السماء، فأرجعوا التخلف للدين، ونسبوا الجمود والتراخي المنكور للإسلام، وطائفة أخرى لم يحصد منها الإسلام إلا الشوك، ترى أن الإسلام مظاهر وقشور، وأن التدين لحية معفاة وثوب مقصر، وأكل باليد، وجلوس على الأرض، واكفهرار للوجه، واستثارة غبار الخلافات القديمة وإذكاء جذوة الجدالات القديمة التي نبت الربيع على دمنتها، واستحضار نقاشات القرون الغابرة وقذفها في الأفواه تلوكها كاللبان، كل هذا صار علما وما سواه من علوم الدنيا والحياة سفسطة لا معنى لها، والمادية التي زحفت من الخارج واكتسحت العقل المسلم وصيرته عبدا للخميصة والخميلة، فصار إلهه ومعبوده هو الدينار، وصارت بهارج الدنيا عنده هي القيم وهي المباديء وكل الأصول … وسط كل هذا العاجاج والقتام، وأمام كل هذه الرياح والعواصف الهوج التي تضرب شجرة الإسلام محاولة اقتلاعها من جذورها واستئصال شأفتها، حتى لا يبقى من الإسلام إلا الرسم والاسم، أقول أمام هذا كله كان الشيخ رحمه الله متألقا في الدفاع عن حياض الدين ورد شبهاته، ولست أزعم أنه حامل لواء الدعوة وحده في زمانه، لكنني متأكد أنه كان في زمانه من القلائل الذين تألقوا بين ركام السواد، وتزلفوا بذل الغوالي في جهادهم الدعوي.

لذلك فقد أوغرت هذه المواقف منه صدور الكثير، فأقاموا عليه حربا ضروسا من شتى الجبهات التي فضح لوثتها قلم دعوته وجهاد كلمته، غير أن ذلك كله ما أخرس له صوتا ولا جفف له قلما، والحق أن الرجل كان فذا في مواقفه، شامخا في الدفاع عن الحق، وأقل ما يقال عنه أنه كان أمة في الدعوة، ومدرسة في التربية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.