الحروف الأبجدية العربية “إيحاءاتها وأسرارها” أ.حفيظة البشير جنيدي – الجزائر-
سلسلة ثراء اللغة العربية
١/ الحروف الأبجدية العربية “إيحاءاتها وأسرارها”
مدخل
الحرف العربي لبنة الكلمة، ووتر المعنى، فإذا جاور الحرف أخاه، وامتزج الصوت بالصوت، بعثت الكلمة حيّةً تتنفّس، وتنتقل بين الألسنة والآذان، تحمل معانيها وتخفي أسرارها..
والحرف في العربية يجيء على هيئته، دالًّا على ما وُجد له، ففيه من صلابة الحجر، وفيه من رِقّة النسيم وعذوبته، وفيه من اللين، وفيه من القسوة، وفيه من الرهبة…
فمثلا:
في الألف استقامة وعلو.
وفي الباء حضنٌ وانفتاح (أب، باب…)
وفي الجيم جرس الاجتماع والجَنّة (جامع، جن، جنان، جنة…)
وفي الدال سرعة ودلالة (دولاب، دلالة…)
وفي الراء خفق واضطراب (ريح، رعد…)
وفي السين صفير مهموس (همسة، هسهسة…)
أما الميم ففيه الامتلاء واللين (أم، ميل…)
والنون خاتمة مطمئنة وبداية جديدة (نور، نهاية…)
وأما القاف والطاء والضاد، فهي حروف الصلابة والشدّة..
وأما الواو والياء ومعهما الألف، فهي حروف ممدودة، تمدّ النفس بالمعنى مدًّا، وتغني الكلمة بنغمة، ولحنٍ ممتدّ يفيض سعةً ورحابة.
وها هي الحروف التي افتُتحت بها بعض سور القرآن المجيد برهانٌ وإعلان، أن المعجزة نُسجت من هذه الحروف التي ينطقها الناس صباح مساء، وهم عاجزون عن الإتيان بمثلها…
فسبحان من جعل الحرف العربي روحًا قبل أن يكون صوتًا، ورمزًا قبل أن يكون رسمًا، ومعنى قبل أن يكون لفظًا، فيه من الإيحاء ما يجاوز الأذن إلى القلب، وفيه من الأسرار ما يرفع اللسان العربي إلى مقام لا يدانيه فيه لسان!
وهذا بعض ما في الحروف من إيحاءات وأسرار، وللحديث بقيّة، فإنّ في ثراء العربية كنوزًا لا تنفد، وأبوابًا لا تُحصى..
وهذه المقالة إنما هي المدخل إلى سلسلةٍ نمضي فيها – بمشيئة الله – بين ظلال الكلمة وأعماق المعنى، نكشف عن مكنونات اللغة، ونستضيء بما أودع الله فيها من سرّ البيان وعجائب الدلالة.
حفيظة البشير جنيدي
٢١/ربيع الأول١٤٤٧ ** ١٤/سبتمبر-أيلول/٢٠٢٥