حصريا

التفسير و التفسير النقلي – د. خديجة الدالاتي

التفسير في اللغة الإيضاح والتبيين ، وفي لسان العرب : الفَسْر: كشف المغطى ، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل . وقد جعل ابن منظور التفسير والتأويل بمعنى واحد : ويعرّف التأويل بأنه ردُّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر(1) . و عرّفه أبو حيان النحوي (654-754 هـ) في البحر المحيط بأنه : لغة : الاستبانة والكشف ، ومنه قيل للماء الذي ينظر فيه الطبيب : تفسرة . واصطلاحاً هو علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية (2 ) . وهو عند الزركشي علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ (3 ) . نشأة التفسير وتطوره : نزل القرآن الكريم بلغة العرب ، وعلى أساليبهم في الكلام : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) (4) ، وكان الصحابة يفهمون كلام الله جملة لا تفصيلاً ، أي يفهمون ظاهره و أحكامه ، أما معرفة دقائقه وبواطنه فكانت معرفتهم بها تتفاوت بتفاوت علمهم بلغتهم، فإن أشكل عليهم شيء ، رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفسِّرَه لهم ، وفي صحيح البخاري أربعمئة وخمسة وسبعون حديثاً شريفاً فسَّر فيها النبي صلى الله عليه وسلم آيات من الذكر الحكيم ، كقصة عدي بن حاتم ( ت 67 هـ ) الذي وضع تحت وسادته عقالاً أبيض وعقالاً أسود عند نزول الآية الكريمة : ( وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر… ) (5 ) ، و لمّا كان بعض الليل نظر – أي عدي بن حاتم – فلم يستبينا – أيْ العقالان – فأخبر رسول الله بذلك ، فقال له : (( إنَّ وسادَكِ إذاً لَعَريضٌ ، أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك )) (6 ) . وفي رواية أخرى ، قال : (( إنَّكَ لعَرِيضُ القَفَا أنْ أبْصَرتَ الخيطين )) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا ، بل هو سوَادُ اللَّيل وبيَاضُ النَّهار )) (7 ) . مصادر التفسير في عهد الصحابة : 1-القرآن الكريم نفسه حيث إن آياته يفسر بعضها بعضاً ، وما أُجُمِل في موضع منه قد يبين في موضع آخر . 2-السنة النبوية الشريفة ، فقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من آيات القرآن كما مر بنا آنفاً . 3-أقوال الصحابة : فكان الصحابة الكرام إذا لم يجدوا التفسير في القرآن ، ولم يسمعوه من رسول الله رجعوا في ذلك إلى اجتهادهم (( لأنهم عاينوا نزول القرآن ، ولأنهم كانوا من خُلَّص العرب يعرفون عاداتهم والألفاظ ومعانيها ، ومناحي العرب في كلامهم ، معتمدين في ذلك على الشعر الذي هو ديوان العرب )) (8 ) . ومن أشهر الصحابة الذين عُنُوا بتفسير القرآن ، ترجمان القرآن ابن عباس (ت 68هـ) . وقد اشتهر عدد كبير من الصحابة بالتفسير ، منهم : أبو بكر (ت 13هـ) ، وعمر (ت 23 هـ) ، وأُبَيّ بن كعب (ت 30هـ) ، وابن مسعود (ت 34 هـ) ، وعثمان (ت 35 هـ ) ، وعلي (ت40 هـ) ، وأبو موسى الأشعري (ت 42هـ) ، وزيد بن ثابت (ت 45هـ) ، وعبدالله ابن الزبير (ت 73هـ) ، رضي الله عنهم أجمعين . وقد أكثر المفسرون من وضع التفاسير ما بين مختصر ومبسوط ، ولوحظ أن كل من برع في فن من فنون العلم يكاد يقتصر تفسيره على الفن الذي يغلب عليه ويهتم به . (( فالزَّجَّاج ( ت 311 هـ ) و الواحديّ ( ت 468 هـ) يغلب عليهما الغريب ، والثعلبي (ت 427 هـ) يغلب عليه القصص ، والزمخشري (ت 538 هـ) يغلب عليه علم البيان ، والإمام فخر الدين الرازي (ت 606 هـ) علم الكلام وما في معناه من العلوم العقلية )) . وبهذا ظهر التفسير العقلي الذي بدأ أولاً على هيئة محاولات فهم شخصي، وترجيح لبعض الأقوال على بعض ، وكان هذا أمراً مقبولاً مادام يُرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية ، ثم ظلت هذه المحاولات تزداد وتتضخم متأثرة بالمعارف المختلفة والعلوم المتنوعة والآراء المتشعبة والعقائد المتباينة ، حتى وُجِدَ من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة لا تكاد تتصل بالتفسير إلا عن بعد عظيم ، فتشعبت مذاهب الخلاف الفقهي ، وأثيرت مسائل الكلام ، وظهر التعصب المذهبي قائماً على قدمه وساقه في العصر العباسي وقامت الفرق الإسلامية بنشر مذاهبها والدعوة إليها ، وترجمت كتب كثيرة من كتب الفلاسفة ، فامتزجت كل هذه العلوم وما يتعلق بها من أبحاث بالتفسير حتى طغت عليه ، وغلب الجانب العقلي على الجانب النقلي ، وصار أظهر شيء في هذه الكتب هو الناحية العقلية ، وإن كانت لا تخلو مع ذلك من منقول يتصل بأسباب النزول ، أو بغير ذلك من التفسير بالمأثور . ويشمل التفسير بالمأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته ، وما نقل عن التابعين ، من بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم . إذن ، فالتفسير بالمأثور يشمل ما كان تفسيراً للقرآن بالقرآن ، وما كان تفسيراً للقرآن بالسنة ، أو تفسيراً للقرآن بالموقوف على الصحابة رضوان الله عليهم ، أو المَرْوِيّ عن التابعين . أما التفسير بالرأي فهو عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفةِ المُفَسِّر لكلام العرب ومناحيهم في القول ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالتها ، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي ووقوفه على أسباب النزول ، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن الكريم . ثم دخل على التفاسير ما يسمى بالإسرائيليات وهي الروايات المأخوذة عن اليهود والنصارى في أخبار أممهم السابقة وقصص أنبيائهم ، وإن كان الجانب اليهودي هو الذي اشْتُهِرَ أمره ، وغلب على الجانب النصراني بسبب غلبة اليهود في ذلك الوقت واختلاطهم مع المسمين في بلادهم ، وفيما بعد ، عندما دخل بعض اليهود في الإسلام ، قاموا بتفصيل قصص الأنبياء التي وردت في القرآن بإيجاز على سبيل العظة والعبرة ، بناءً على ما ورد في التوراة والإنجيل (9 ). … (1)- لسان العرب : مادة (فسر) . (2)- تفسير البحر المحيط ، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي : 1/13 . (3)- البرهان في علوم القرآن ، الزركشيّ : 1/13 . (4) – سورة إبراهيم : 14/4 . (5)- البقرة : 2/187 . (6)- صحيح البخاري ، الحديث رقم 4239 . (7)- صحيح البخاري ، الحديث رقم 4240 . (8)- البرهان في علوم الإتقان , المقدمة : 16 . (9)- سنتناول موضوع الإسرائيليات في مقالة لاحقة بمشيئة الله . …

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.