حصريا

البقَرَة المُقدَّسَة بَينَ الطَقسِ والأُسطُورَة: خولَة مُرتضوِّيْ- باحَثة في الدين المُقارن

إنَّ لفظة “طقس” تُشير إلى الكيفية التي يتمّ بها أداء الأنشطة المقدّسة وتنظيمها في إطار احتفالي، فمن حيثُ الأصل اللغوي تأتّي لفظة Rite في اللاتينية Ritusوتعني مجموع الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها، فالطقس إذن يُعّرف بأنَّهُ مجموعةٌ من “القواعد” التي تنتظم بها ممارسات الجماعة، إمّا خلال أداء شعائرها التي تعدّها مقدّسة أو من خلال تنظيم أنشطتها الاجتماعية والرمزيّة وضبطها وفق “شعائر” منتظمة في الزمان والمكان.

ولقد أولى عالم الاجتماع الأمريكي “ايرفينغ قوفمان” لطقوس التفاعل في الحياة اليومية اهتمامًا أساسيًا في مقارباته السيكولوجية للممارسات “البسيطة” في حياة الناس اليومية، مبيّنا ما يقع فيها من انتظام، وما تختفي وراءها من نُظُم رمزية تُسَيّر عمليات التواصل الأكثر شيوعًا بين الأفراد في الحياة اليومية. وتكمُن فائدة دراسات “قوفمان” السيكولوجية في أنّه كشف عمّا وراء “فوضى” الممارسات اليومية، من أنشطة منتظمة، ينخرط فيها الناس ويتقيّدون بها دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من انتظام رمزي.

وكما نعلم فإنَّ الكثير من أتباع الأديان يتَّبع طقوسًا مختلفة ويمارسونها بشكل كبير ومُلاحظ، الأمر الذي يجعل هذه الطقوس علامةً مميزة لهذه الأديان، ومن الملاحَظ في هذا المضمار أنَّه من أبرز طقوس الهندوسية هو تقديس أتباع هذا الدين للبقرة وإجلالهم لها، حيثُ يُنظر لها على أنَّها أمٌ معطاءة و رمزٌ من رموز الوفرة بسبب إنتاجها الحليب ومشتقاته وغيرها من الفوائد المادية البحتة.

ويحتل لبنُ البقر مكانًا هامًا في التقاليد الدينية للشعوب الهندوسية، وتتجولُ الأبقار بحرية في تلك الدول وعلى رأسها الهند؛ بسبب قدسيتها، ويُعتبر من حُسن الحَظ تقديم طعام للبقرة قبل الفطور. وفي عددِ من المناطق التي يحرَّمُ فيها ذبحُ البقر بالهند، يُمكن أن يُسجن الشخص الذي قَتَلَ أو آذى بقرة، ويواجه عقوبات قانونية ونبذًا اجتماعيًا كبيرًا، حيثُ لا يُسمح بذبح البقر إلا ضمنَ حُدود معينة في ولايات الهند باستثناء ولايتي غرب البنغال وكيرلا، وبسبب القوانين والعادات فإنَّ المنبوذين فقط يأكلون البقر الميت ويستغلون جلودها.

وتخضع ممارسة الطقوس الهندوسية وأهمها تقديس البقر، إلى جملةٍ من الشعائر والمراسِم المعقّدة تُترجمها رموزُ الجماعة القولية منها والحركية، وتتحقق من خلالها غايات التواصل وتُشبع لديهم حاجات رمزية أساسية، ولمعرفة قصة طقس البقرة المقدسة الشهيرة في الهندوسية “الأسطورة التاريخية”، أُورد أنَّهُ جاء في الموسوعة العربية العالمية التالي: تأتي النصوص المُسماة بيورانا؛ أي المعرفة التقليدية، وهي المجموعة التالية الكُبرى للمعرفة التقليدية للهندوسية والحوار الديني. والبيورانا الرئيسية هي 18 مجموعة موسوعية للقصص والأساطير، وقد جُمعت بين القرنين السادس والحادي عشر الميلاديين، وهي تُنمّي الأفكار الهندوسية الكلاسيكية من خلال قصص الآلهة والأبطال في السهول المقدسة والجبال والأنهار في الهند. وأقدم بيورانا اسمها هاريفامشا 34 أي؛ سلسلة نسب هاري، وهي نوعٌ من الفهرس للمهابهاراتا. وتُعدّ هذه أول النصوص التي أتت بسرد مُفصَّل للإله “كريشنا” وهو إله قطيع البقر، الذي أصبح أكثر الآلهة شعبية ومحبةً عند الهندوس، وبذلك تحولت الأبقار من مستوى الحيوان الوضيع إلى مستوى الكائن المقدَّس المُبَجّل.

فالديانة الهندوسية الفيدية (القديمة) كانت تروّجُ لأكل النباتات بدلًا من اللحم والبيض والسمك، حيثُ أنَّ تقديس البقر عند الهندوس لم يكُن موجودًا منذ البداية، إنما ظهرَ عندما أدرك الأفراد أهمية هذه الحيوانات (الأبقار) في الحياة اليومية، وذلك بالإضافة إلى أنَّ الإله “كريشنا” غالبًا ما تمّ تصويره إلى جانب بقرة، فاعتُبِر أنَّهُ حامي البقر.

من جانبه قال حكيم الهند؛غاندي في مقالٍ بعنوان “أمي البقرة”، نُشر بمجلة Bhana journalعام 1964م: “علينا حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية، فهي هدية الهند إلى العالم، وهي إحساسٌ برباط الأخوة بين الإنسان وبين الحيوان، فالفكر الهندي يعتقد أنَّ البقرة أمُّ الإنسان، وهي كذلك في الحقيقة، كما أنَّ البقرة خيرُ رفيقٍ للمواطن الهندي، وهي خيرُ حمايةٍ للهند، وعندما أرى بقرة لا أعُدُّني أرى حيوانًا، لأنى أعبدُ البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمامَ العالم أجمع، وأمي البقرة تتفضَّل على أمي الحقيقية من عدّة وجوه، فالأم الحقيقية تُرضعنا مُدة عام أو عامين، وتتطلب منا خدمات طول العمر نظيرَ هذا، ولكن أمُّنا البقرة تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تتطلب منا شيئًا مقابل ذلك سوى الطعام العادي. وعندما تمرضُ الأم الحقيقية تُكلفنا نفقاتٍ باهظة، ولكن أمُّنا البقرة تمرضُ فلا نخسرُ لها شيئًا ذا بال، وعندما تموتُ الأم الحقيقية تتكلفُ جنازتُها مبالغ طويلة، وعندما تموتُ أمُّنا البقرة تعودُ علينا بالنفعِ كما كانت تفعلُ وهي حيّة، لأننا ننتفعُ بكل جزءٍ من جسمها حتى العظم والجلد والقرون”.

وأضاف غاندي: “أنا لا أقول هذا لأقللَ من قيمة الأم، ولكن لأُبَيِّنَ السبب الذي دعاني لعبادة البقرة. أنَّ ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعُدُّ نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين”.

وجاء في العدد ذاته من مجلة Bhana journal مقالٌ تحت عنوان: “صلاةٌ إلى البقرة” يضمُّ نصًا من “ساماويدا” وهي الأغاني التي ينشُدها المُنشدون الهندوس أثناء إقامة الصلوات وتِلاوة الأدعية، وجاءَ في هذا النص التالي: “أيتها البقرة المُقدسة، لكِ التمجيد والدعاء في كلٍ مظهرٍ تظهرين به، أُنثى تُدرِّين اللبن في الفجر وعندَ الغَسَق، أو عِجلًا صغيرًا، أو ثورًا كبيرًا، فلنُعِّد لكِ مكانًا واسعًا نظيفًا يليقُ بكِ، وماءً نقيًا تشربينه، لعلَّكِ تنعمين هُنا بالسعادة”.

يتضح من ذلك كُله مدى تقديم الجانب المادِّي عندَ الهندوس على الجانب المعنوي خاصة في هذا الطقس، حيث لوحظ من خلال هذه النصوص على سبيل المثال: مدى تصغير دور الأم الحقيقية ومقارنتها بالبقرة التي وصفُوها بالأم المعطاءة؛ قليلة المطالب كثيرة المنفعة في حالتي: السلامة والمرض، وفي ذلك قال الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه (فقه الزكاة): “يبدو أنَّ عِظَم المنفعة في هذا الحيوان هو الذي جعل بعضُ البشر -كالمصريين قديمًا، والهندوس إلى اليوم- يتخذون من هذه البهيمة المستأنسة الذلول إلهًا يُقدَّس ويُعبد، وتُقدَّم لهُ القرابين!”.

وحسب المعتقد الهندوسي فإنَّ الأبقار تُعتبر إحدى أهمِّ الحيوانات، وكانت قديمًا تشكل جزءًا تكامليًا في حياة الفرد، فهي تزودهُ بالحليب ومنتجات الألبان الأخرى التي تُعَدُّ جميعها مصادر مهمة جدًا للمواد والمكملات الغذائية، كما كان للأبقار أهمية بالغة في الأعمال الزراعية، فكانوا يُحمّلون بالمحاريث من أجل فلحِ الأرض، وكانت عربة الأبقار تُستخدمُ أيضًا كوسيلة للتواصل والسفر، حيثُ لم يكُن هناك قطارات ولا حافلات ولا خطوط جوية، وحتى روَث الأبقار كان ومازال يُستخدم في العديد من الأغراض في البيوت الريفية، حيثُ يُعد مصدرًا ممتازًا للسماد الطبيعي، كما يعمل الروث المجفف كوقود جيد جدًا يستخدمه الناس في المناطق الريفية للطهي في أفران “chulha”، وهي أفرانٌ مصنوعة من الطين.

وعطفًا على حديثنا عن الطقس الهندوسي الأشهر “البقرة المقدسة” وأسطورتها التاريخية التي انبثقت عنها، قال المفكر العربي “فراس السواح” المتخصص في الميثولوجيا وتاريخ الأديان في حديثه عن (الطقس والأسطورة) في مجلة معابر الإلكترونية: “إنَّ العروة الوثقى التي تجمع الطقس بالأسطورة قد جعلت الباحثين يتأملون في طبيعة الصلة بين الاثنين وأصلها. فهل تنشأ الأسطورة عن الطقس؟ أم ينشأُ الطقس عن الأسطورة؟ أم أنهما تجليان مختلفان لظاهرة واحدة؟”.

وبحسب فراس السواح، فإنَّه في مطلع القرن العشرين نشأت نظرية الأصل الطقسي للأسطورة، وساهم في صياغتها عددٌ من الباحثين المتأثرين بالمعطيات الجديدة لعلم الأنثروبولوجيا الناشئ. وترى هذه النظرية أنَّ الأسطورة هي ناتج من نواتج الطقس الأسبق عليها في تاريخ الدين. فالطقوس المؤسَّسة منذ زمن مغرق في القدم تفقد بمرور الأيام معناها وغاياتها، فتتحول إلى إجراءات غامضة لا يعرف ممارسوها والقيِّمون عليها مدلولاتها ومضامينها. وهنا تأتي الأسطورة لكي توضح أصل الطقس ومعناه، وتقدم تبريرًا مقنعًا لتلك الإجراءات التي تتناقلها الأجيال. وعلى سبيل المثال: فأسطورة الإله آتيس، الذي خَصَى نفسهُ تحت شجرة الصنوبر، ونزَفَ حتى الموت، ليست في تفسير أصحاب هذه النظرية إلا تبريرًا لطقوس الخِصاء التي كان كهنة هذا الإله يمارسونها؛ وتجد أنَّ أسطورة قيام الطياطنة بتمزيق الإله ديونيسوس حيًا، وهو في هيئة الثور التي حوَّل نفسه إليها هربًا منهم، ليست إلا تبريرًا للطقس الذي كان يقوم أتباعُ هذا الإله بموجبهِ بتمزيق ثورٍ حيٍّ والتهامُه في ذروة الانفعال الطقسي؛ إلخ.

وفي الختام يُمكن القول أننا لا نستطيع ادِّعاء أسبقية الأسطورة على الطقس، ولا لهذا على تلك، لأنَّ كليهما ناتجٌ عن مواقف وأفكار دينية مبدئية؛ تتشكل لدى الإنسان من إحساسهِ بوجود عالمٍ ماورائي، قائمٌ خلفَ المظاهر المتبدِّية لعالمِ الحياة اليومية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.