حصريا

إلى أين يسير الغرب ؟ أ.د. موفق سالم نوري / العراق

إلى أين يسير الغرب ؟ أ.د. موفق سالم نوري / العراق

قال الله تعالى : ( َقدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ) ( سورة النحل الآية 26 )

هل يمكن تدبر مصير الغرب وثقافة الغرب وحضارة الغرب في ضوء تدبر هذه الآية الكريمة ؟ كيف سيأتي الله الغرب من قواعده، وقد خالفوا سُننه ونواميسه في خلقه ؟ وكيف سينهار علي الغربيين سقف حضارتهم وثقافتهم؛ وهم في غيِّهم سادرون؟

هذه المقالة تتبُّعٌ منطقي واستقراءٌ واقعي لِما يمكن أن يؤول إليه مصير الغرب في ضوء عناصر قوته وتفوّقه !

الإنجاب :

لا خلاف في أن حضارة الغرب الحالية ترتكز على العلم والقوة ( التفوق المطلق ) أي أن قاعدة الغرب وقاعدة حضارته وقاعدة ثقافته هما : العلم والقوة، فبفضل الحضارة الغربية يعيش العالم اليوم عصر العلم وحضارة العلم وقيم العلم، والعلم منح الغرب قوته المتفاقمة وتفوّقه المطلق، وذلك ما منحه أيضاً هيمنة كبيرة على العالم ، فالعلم قاعدة الغرب الرّصينة والمتينة والرّاسخة ، والعلم وما أثمره هو عنصر القوة في الحضارة الغربية. ومن هنا علينا تدبر كيف أن الله تعالى سيأتي الغرب من قواعده، أي من حيث هو قوي !

نشأ العلم في أوربا في أجواءٍ معادية للدين، أو قل إن الكنيسة الأوربية اختارت أن تقف في الصف المعادي للعلم، فقد أسست الكنيسة الأوربية كثيراً من مفاهيمها على مقدمات خرافية وأسطورية، ولمّا بدأت الحركة العلمية في أوربا بالنمو والازدهار؛ فإن ذلك قاد إلى تفنيد كثيرٍ من هذه المقدمات، وأثبت بطلانها، ما جعل الكنيسة في موقفٍ حرج ، فهي إذا ما سمحت باستمرار نمو الحركة العلمية وتوسع مجالاتها، فإن ذلك سيقوِّض كثيراً من مفاهيمها ويزعزع مكانتها في نفوس مؤمنيها وما يترتب على ذلك من متغيرات خطيرة، وهكذا وجدت الكنيسة نفسها في مواجهة حتمية مع الحركة العلمية، فأعدمت العلماء وأعدمت كتبهم، ظناً منها أن ذلك سيحفظ مكانتها وقيمها ومفاهيمها من أن تُتَقوَّض ، لكن الأزمة تفاقمت في الحقيقة بين الطرفين؛ ما أكسب الحركة العلمية الأوربية طابعاً إلحادياً فاقداً للإيمان مكتسباً سمة العلمانية ، فسار كل من العلم والإيمان في طريقين مختلفين، وهذه واحدة.

ففي بدايات القرن العشرين أعلنت أوربا ( موت الإله ) بموت الإيمان في نفوس الأوربيين، الأمر الذي مهد لنمو اتجاهات فكرية وفلسفية معادية للدين والإيمان بهذا القدر أو ذاك كالماركسية والوجودية والليبرالية والبراجماتية وغيرها من فلسفات وأفكار ونظريات .

إذن هكذا نجد أن العلم والفلسفة اختارا في أوربا طريقاً إلحادياً، طريقاً خالية من أية أبعاد روحية حقيقية، وفي ظل هذا الغياب للقيم الروحية نمى الاتجاه المادي واتسع تأثيره في الحياة الأوربية، وترسخت البراجماتية أساساً للحياة في الحضارة الغربية بما يزيد من هيمنة البعد المادي على تفكير الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وهذه ثانية .

وكان من أبرز مخرجات الحركة العلمية الأوربية أيضاً نقل معطيات العلم إلى الميدان العملي واستثمارها استثماراً واسعاً في الصناعة، فبدأت التكنلوجيا تأخذ مكانها الفاعل والمؤثر في الحياة الاقتصادية، وظهر نمط الإنتاج الواسع، الذي فتح الشهية للربح الوافر عند الرأسماليين، فأصبح الربح الهدف الذي ما زال لا يدانيه هدف آخر، الربح ثم الربح أولاً وآخراً، وقبل كل شيء وبعد كل شيء، وهذه ثالثة .

ويحتاج تحقيق الربح إلى سياسات تساعد في تحقيق أعلى منسوب للأرباح، وهنا تطلب الأمر تنمية سياسات استهلاكية عالية الجاذبية، فظهرت على السطح الأدوات الرئيسة المحفزة للاستهلاك؛ الدعاية والإعلان من جهة والموضة من جهة أخرى، فقد أسهمت الدعاية والإعلان في تحقيق شره شديد للاستهلاك، وأصبح هذا النشاط – أي الدعاية والإعلان – علماً يستند إلى أسس ونظريات وفلسفات تتفنن في استدعاء رغبة الأشخاص للاستهلاك وتحفزها بقوة .

وتزامن مع هذا ظهور ما يُعرف بالموضة، فأصبحنا في مواجهة موديلات سنوية لكل شيء، ليفضي ذلك إلى ضرورة تبديل كل شيء بين سنة وأخرى؛ السيارات والأثاث والألبسة، وفضلاً عنه برزت أنماطاً جديد للتسويق والعرض عرفت بالمولات أو الماركتات الكبيرة التي أصبحت جاذبة بقوة للمستهلكين بما اتسمت به من فنون عرض وجذب وتحفيز للرغبة الشديدة للتبضع، ونشير هنا إلى ظهور مقولة ( إن متعة المرأة الأساسية هي التبضع ) وهذه المقولة كشفت عن سلوك مستجد في الحياة الإنسانية، لم يكن مألوفاً قبل قرن من الزمن، ما يشير إلى القدرة الكبيرة للسياسات الإعلانية والدعائية على تغيير السلوك والمفاهيم التي يؤسس عليها الإنسان حياته، وحتى عادات تناول الطعام تغيرت هي الأخرى بما يساعد على تحقيق مزيد من الاستهلاك، وهذه رابعة .

إن تفاقم النزعة الاستهلاكية يستدعي ضرورة حصول الأفراد على موارد مالية عالية تواكب الجديد في كل شيء، وهنا أخذ الجميع يتشبثون بالعمل، حتى غدا أهم من كل شيء، أهم من النفس، وأهم من الأسرة ، وأهم من القيم والأخلاق، فالعمل العمل، ولابد من المزيد منه، حتى استحوذ على المساحة الأكبر من وقت الأشخاص وتفكيرهم، وبدا كأنه الكرة الزجاجية الوحيدة التي ينبغي الحفاظ عليها من دون أن تنكسر في مواجهة مجالات الحياة الأخرى، وهذه خامسة .

وهو ما ترتب عليه تأخر سن الزواج عند الشباب والشابات، بسبب الانهماك في العمل، وترتب عليه أيضاً تحديد حتمي في الإنجاب، فلم يعد ثمة وقت كافِ لتربية عدد كبير من الأطفال، وليست هناك موارد عالية لإعالة أسرة كبيرة، فالرفاهية تقتضي أسرة صغيرة، حتى استقرت الحال على أسرة من ثلاثة أفراد لا غير ، زوجان وطفل واحد، أو حتى زوجان وكلب أو قطة !! فقد حدثني أحد الزملاء أنه كان ضمن وفد في زيارة لإحدى الجامعات الألمانية، وقد استضافتهم رئيسة القسم إلى بيتها، وفي البيت تلفت الضيوف يميناً وشمالاً فلم يروا أطفالاً وكانت السيدة في عقدها الخامس، هنا تطفلت إحداهن وسألتها : يبدو أنكما تزوجتما في سن متأخرة! فردت بالنفي، فسألتها : فأين الأطفال إذن ؟ فردت : لكننا نملك كلباً !! ولا يسعنا أن نعد ذلك حالة خاصة أو حالة فردية ، بل هي في الواقع أوسع من ذلك بكثير !

ومن ناحية أخرى بدت الحياة الزوجية والأسرية عبئاً ملحوظاً ، لذا كان لابد من البحث عن وسائل أخرى أقل كلفة لإشباع حاجات الجسد البيولوجية إلى الاتصال الجنسي ، وهنا أتاحت الليبرالية والحرية المشرعة الأبواب الفرصة المناسبة للعلاقات الجنسية خارج إطار الحياة الزوجية، فقد نجح الرجل في استدراج المرأة إلى خارج المنزل تحت ذرائع شتى كحرية المرأة وحقها في العمل واستقلالها الاقتصادي وحقوق الإنسان وما إلى ذلك ، فوقع الاختلاط بين الجنسين في مجالات العمل وفي غيرها، وأتاحت الليبرالية أيضاً للمرأة قدراً متزايداً من الحرية في السلوك الشخصي، فإذا بها تتمتع بكامل حريتها الشخصية عند البلوغ، فلها وحدها حرية اتخاذ القرار في فعل ما تشاء بما في ذلك التصرف بجسدها، وهنا بدأ العري يأخذ مداه الواسع في حياة المرأة بفضل مصممي الأزياء وما يطرحونه من موضات سنوية، فقد تسابق هؤلاء على توسيع المساحة المكشوفة من جسد المرأة .

وفي هذه الأوساط من الاختلاط والعري، ومع تفاقم تكاليف الزواج ومشكلاته الكثيرة، تراجعت الرغبة في الحياة الأسرية واتسعت دائرة العلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية، فحلت الصديقة بديلاً عن الزوجة ، في حياة مفعمة بالمتعة واللذة من دون أعباء مادية مرهقة، ومن دون الأطفال ومشكلاتهم، وعندما تقع أية مشكلة عويصة بوسع الشاب أن يركل صديقته خارج المنزل من دون أية مشكلات تتعلق بالانفصال؛ فلا طلاق ولا كنيسة ولا أية أمور أو تكاليف مادية، حياة سهلة ميسورة مترعة باللذة الجسدية من دون تعقيد أو تكاليف مرهقة أو منغصات تربية الأطفال، وعلى هذه الأسس انخفضت معدلات الإنجاب انخفاضاً ظاهراً .

وبالتزامن مع ذلك بدأت تتسع دائرة العلاقات الجنسية الشاذة ( المثلية ) أيضاً، لتتفاقم معها أزمة الإنجاب ، فمفهوم الأسرة على أبواب تغيير جذري،والأسرة التقليدية على شفير الهاوية، وأن وظيفة الاتصال الجنسي الذي يهدف إلى الإنجاب في مواجهة خطر حقيقي، وهذه سادسة.

ومن الطريف أن نشير هنا إلى آخر صيحة في عالم اللذة الجنسية باختراع ريبوتات بوسعها ممارسة الجنس قريبا مما يفعله الإنسان الحقيقي بعد ما ملّ الغربيون من الدمى التي كانت تؤدي هذا الغرض أيضاً، بل إنني أتوقع أن تصدر في الغرب تشريعات تبيح الزواج بالحيوانات أيضاً، فالليبرالية تساعد على الانخراط في تجريب كل شيء من دون أي تحفظ، واعتفد أن ذلك يحتاج إلى عقد من الزمن لا غير!

تقول غابرييلي ثانهيسر ( 34 سنة ) وهي موظفة مصرفية في برلين وتسكن مع صديق لها : إنها لا تريد الإنجاب، فهي تحب النوم براحة تامة ومن دون إزعاج الأطفال، وتريد أن تقرأ كثيراً ومن دون مشكلاتهم. ويؤكد صديقها اندرياس غيرهمان ( 37 سنة ) الأفكار نفسها، وهما في الحقيقة يبغيان تحقيق أعلى متعة للجسد في مجتمع مادي القيم، متعة من دون مشكلات الحمل والولادة ومشكلات الأمومة والأبوة، ولنا أن نقول إن هذا الأنموذج يمثل التيار العام الذي يسود في الغرب الآن، لقد تراجع الإنجاب إلى نسب مخيفة حقيقة تهدد حياة الغرب تهديداً حقيقياً .

( لماذا توقفت أمم أوربا وشعوبها عن إنجاب الأطفال، وبدأت تقبل اختفاءها من هذه الأرض بمثل هذه اللامبالاة الظاهرة ؟ ) هكذا يقول باتريك بوكانن في كتابه موت الغرب ( ص 59 ) وتحس الزفرات تفلت منه من دون إرادته حسرة على مصير القارة العجوز، وهو يمهد لذلك بنص مهم من التوراة يقول : ( وسوف تتركون قلة في العدد ، بينما كنتم كالنجوم في السماء كثرة، ذلك بأنكم لم تطيعوا صوت الله ربكم ) ( سفر التثنية 28 ) وهذا ينم في الحقيقة عن فهم عميق لما يحيق بالغرب. وهنا ثمة أرقام تضمنتها الإحصائيات الرسمية والدراسات الرصينة، منها على سبيل المثال : إنه بلغ تعداد نفوس أوربا في عام 2000 نحو 728 مليون نسمة، وسينخفض تعدادهم في عام 2050 إلى 600 مليون نسمة، أو بحسب تقديرات أخرى إلى 558 مليون نسمة بسبب انخفاض معدل الولادات .

وفي روسيا مثلاً بلغ معدل الولادات 1,35 لكل امرأة مما يعني أن عدد سكانها سينخفض من 147 مليون نسمة في عام 2000 إلى 114 مليون نسمة في عام 2050 . وسيهبط عدد الأطفال من 26 مليون إلى 16 مليون طفل . وبالمقابل سيرتفع عدد كبار السن من 18 مليون إلى 28 مليون مسن ، بل إن هناك أرقاماً أكثر تشاؤماً في ضوء معدل ولادات يبلغ 1,17 فقط ، وأن معدل الوفيات أكثر ب70% من معدل الولادات، إنه فعلاً مجتمع يتجه بخطى راسخة صوب قبره .

وفي بريطانيا كذلك فإن الإنكليز لا ينجبون أيضاً ما يكفي من الأطفال لإعادة إنتاج أنفسهم ، وهذه هي المرة الأولى التي سيصبح فيها السكان المحليون الرئيسون أقلية في بلدهم طواعية منهم من دون حروب او مجاعات أو أوبئة !!

وبموازاة ذلك وتأكيداً له ثمة أرقام تتعلق بظاهرة الإجهاض أو قتل الأطفال فور ولادتهم؛ ففي أمريكا يقتل سنوياً مليون طفل بين إجهاض أو قتل متعمد فور الولادة، وشهدت اسبانيا في عام 1980 ما يزيد على مليون ونصف المليون حالة إجهاض !!

إذن فالغرب في مواجهة أزمة ديموغرافية حادة تهدد وجوده في الصميم ، وهذا طبعاً تأسس على القاعدة الأولى وهي العلم والانطلاقة التي نشأ عليها في أوربا بصحبة الليبرالية والبراجماتية ومجافياً للدين والإيمان .

وهنا ثمّ سؤال يطرح نفسه على مجتمع في أعلى درجات الثقافة والوعي : فأين الوعي إذن ؟ ألا يدرك الأوربيون خطورة هذا المنهج على مستقبل وجودهم حقيقة ؟ هنا جاء الرد من داخل فلسفة الغرب نفسه أي البراجماتية ، فمصلحة الفرد ومنفعته المباشرة والقريبة تتقدم على مصلحة الأمة وما يهددها من خطر سيقع بعد قرن من الزمن مثلاً !! وهنا يفقد الرد الحماسة اللازمة، فلا يبالي الأفراد بالمصير القادم والمحتوم !! ولم تفلح حكومات الغرب حتى الآن في إيجاد السياسات المناسبة التي تحفز الرغبة في الإنجاب لدى شعوبها ، ولاسيما إن هذه الشعوب لا تحركها الشعارات الطنانة ، بل تحركها البراجماتية التي تتحسس المنفعة المباشرة من أي فعل أو فكرة، وليست مستعدة للتضحية بالمكاسب المباشرة من أجل نتائج سوف تبرز بعد حين من الزمن ولا تمسها مساً مباشراً، فقد كيّف الغربي حياته مع واقعه الحالي وهو يستمتع بها استمتاعاً عالياً وليس مستعداً للتفريط بذلك .

إن أهم ما سيترتب على هذا التغير الديموغرافي هو التغير الثقافي الكبير الذي ينتظر الغرب، فهذا التراجع في أعداد السكان الأصليين يعني بالنتيجة تراجع النصرانية وتراجع عدد معتنقيها في الغرب ، وسيحل محلها الإسلام بصورة تدريجية، وذلك ما سيتضح أكثر في ضوء المداخلة اللاحقة في هذا المقال ، وستتراجع أعداد الكنائس تراجعاً ملحوظاً وستحل الجوامع والمساجد بديلاً عنها، بل إن الكنائس نفسها ستتحول إلى مساجد وجوامع، وذلك قد بدأ فعلا. إذ تتحدث التقارير عن إغلاق 20 كنيسة سنوياً في بريطانيا، وفي الدنمارك أغلقت 200 كنيسة أبوابها حتى عام 2015، في حين أغلقت 515 كنيسة أبوابها في ألمانيا في العشر سنوات الأخيرة، ومن المتوقع إغلاق ثلثي الكنائس الكاثوليكية في هولندا البالغة 1600 كنيسة في العشر سنوات القادمة مقابل إغلاق 700 كنيسة بروتستانتية في الأربع سنوات القادمة، كل ذلك بسبب قلة الموارد المالية اللازمة لإدامة عملها أولاً وقلة المرتادين إليها ثانياً، وهو ما سنشير إليه تباعاً، وهنا شهد الأمر إقبال المسلمين على شراء الكنائس في أوربا وتحويلها إلى مساجد !!

ورب قائل يقول فما موقف الكنيسة إزاء كل هذه التغيرات ؟ ألا يجدر بها أن تتبنى مواقف وسياسات تحد من هذا الانحدار الذي يهدد وجودها في الصميم ؟ أقول إن أعداد الكنائس التي تم إغلاقها يحمل في طياته الجواب المفحم ، فمؤمني الكنيسة هم في الحقيقة في تراجع كبير جداً فبحسب الاحصائيات التي أعدتها مراكز أبحاث مرموقة فإن مرتادي الكنيسة في فرنسا هم 4،5% من السكان ، وبلغت نسبتهم في الدنمارك 6% وفي ألمانيا 11% وفي بريطانيا 21% وفي اسبانيا 25% ، وهذه النسب المتدنية تكشف أن الغربيين لم يعودوا يتفاعلون مع الكنيسة بالدرجة التي تقود إلى تغيير نمط حياتهم من جديد بحيث تستعيد أوربا قابليتها على الإنجاب ، لماذا ؟ فالكنيسة نفسها منخرطة في هذا التحول السلبي في نمط الحياة ، فهي بدأت تقر الزواج المثلي ، بل إن القس الأمريكي روبتسون لا يرى بأساً أن يأتي إلى اجتماعات الكنيسة مصطحباً بيده الفتى الذي يمارس اللواط معه، ولم ترَ كنيسته بأساَ في انتخابه أسقفاً لها. ثم إن الكنيسة منهمكة في دفع تعويضات لذوي الأطفال الذين اغتصبهم قساوسة الكنيسة حتى بلغت قيمة هذه التعويضات عشرات المليارات، فكيف يتم الوثوق بها، وفي سياق الانجرار نحو التحول السلبي الديموغرافي فإن الكنيسة أجازت الإجهاض، كل ذلك يؤشر إنه لم يعد للكنيسة دور في تعديل مسار هذا التحول الديموغرافي والثقافي !

وهنا أقول بثقة إن هذه الحال التي وصلت إليها أوربا هي نتيجة وحصيلة لتحولات اقتصادية واجتماعية وفلسفية كبرى في الواقع الأوربي، وإن العدول عن هذه الحال يحتاج إلى انعطافة كبرى في واقع القارة العجوز، وذلك ما فات وقته ولم يعد ممكناً البتة !! وإلى هذا الحد فإن أوربا هي ضحية الإلحاد والليبرالية والبراجماتية ، تلك المفاهيم التي تأسست عليها الحركة العلمية الأوربية. انتهت إلى هنا المقاربة الأولى .

الهجرة :

أما القاعدة الثانية من قواعد البنيان الأوربي فهي القوة، القوة الغاشمة المهيمنة التي تجلت في صور كثيرة لعل أبرزها تلك السياسات الاستعمارية المقيتة التي هيمن فيها الغرب على العالم الإسلامي لعقود طويلة من الزمن، حرم فيها العالم الإسلامي من فرصته الحقيقية في التطور وتحقيق النهضة، وما تزال تلك السياسات نفسها فاعلة وكأنك تحس أن ثم قراراً دولياً استعمارياً لا يسمح بتحقيق النهضة في معظم أنحاء العالم الإسلامي، فساد التخلف وفرض نفسه في معظم مناحي الحياة وتفشى الفقر والبطالة في أنحاء كثيرة من بقاعه ، ولاسيما في بلاد العرب ، وثمة قناعة راسخة في الوعي الجمعي العربي أن الغرب مسؤول مسؤولية مباشرة عما يعاني منه العرب، وأن الحكومات القائمة ما هي إلا صنيعة للغرب تنفذ سياسات تهدف إلى ترسيخ حالة التخلف والنكوص الحضاري، وهو أمر قريب جداً من الحقيقة ، وهذه واحدة . وهذه السياسات هي نفسها التي ستكلف الغرب كثيراً، فما اعتقده الغربيون أنه قوة وتفوقاً واستعماراً سيرتد وبالاً على بلادهم، ولقد قال سلفنا الصالح : ليس هناك خير محض ولا شر محض ، فما أرادوه شراً لنا سينقلب خيراً للإسلام ويكون شراً عليهم بإذن الله تعالى، (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) ( سورة فاطر الآية 43 ) .

فقد ظهرت الرغبات الجامحة لقطاعات واسعة من شباب العالم الإسلامي للهجرة إلى الفردوس المفقود، إلى العالم المتحضر، وكثيرة هي الحيثيات التي تقف وراء ذلك ؛ فبلاد العرب بلاد الأحزان والآلام والحروب التي لا تكاد تنقطع، وفي بلاد العرب يظهر قمع الحريات واضحاً جلياً يصاحبه الخوف المزمن الذي تحول إلى رُهاب أو حتى متلازمة تهيمن على عقول الناس، بلاد سقطت فيها كرامة الإنسان في الحضيض، وتنخر البطالة واقعه الاقتصادي إلى حد كبير، لتعيش أعداد كبيرة من السكان في الفقر المدقع ، وفي الإطار العام أصبحت البيئة العربية وكثير من بلاد المسلمين بعامة طاردة للسكان .

وبالمقابل فإن المهاجرين قصدوا الغرب بحثاً عما فقدوه في بلدانهم؛ فرص العمل الأفضل وحلم الرفاهية ، البحث عن الكرامة والاحترام الإنساني، البحث عن الأمن والأمان وراحة البال من الملاحقة والمطاردة في ظل نظم وقوانين ومؤسسات تكفل كل ذلك .

أما الخالة ميركل فما لها وللمهاجرين! هل أن استقبالها للاجئين والمهاجرين بالأحضان ينبع من طبيعتها الإنسانية الرقيقة المرهفة أم أن للأمر أبعاداً أخرى؟! لقد غدت أوربا قارة عجوزاً بالفعل، فالشباب ممن تقع أعمارهم بين 16 إلى 30 سنة لا تتجاوز نسبتهم إلى مجمل السكان 27% وهذه نسبة خطيرة إلى حد كبير تُفقد أوربا اليد العاملة التي ينبغي لها أن تواكب معدلات النمو الاقتصادي العالية، وهنا يأتي المهاجرون ليكونوا طوق النجاة الذي لابد منه لديمومة معدلات النمو العالية هذه. بل إن استخدام الشباب المهاجرين تجاوز الميدان الاقتصادي إلى الاستعانة بهم كجنود تقليديين في المواقع والمهام غير الحساسة ، كما إن هؤلاء المهاجرين دخلوا في اللعبة السياسية الغربية، وهكذا نجد أن أحزاب اليسار الأوربية تدعم الهجرة والمهاجرين، فهي تعوّل عليهم كثيراً في الانتخابات في مستوياتها كافة، زد على ذلك أنه من المستحسن أن تبدوا أوربا أمام العالم بالمظهر الإنساني المرموق والمتحضر الذي يستقبل المظلومين والمضطهدين وطالبي اللجوء الفارين من جحيم بلدانهم، وهكذا كان لابد من فتح أبواب الهجرة، وهذه ثانية.

إذن كان على الغرب أن يفتح ذراعيه مرحباً بهؤلاء المهاجرين مع أن الأمر لا يبدو بهذه البساطة، فاليمين الأوربي صعّد كثيراً من وتيرة الإسلاموفوبيا في الأوساط كافة، وبرزت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين ، وظهرت التعديات العنصرية وسجلت أرقاماً متزايدة، إلا أن ذلك لم يحل دون تدفق الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى الفردوس المفقود على الرغم من خطورة المسالك المؤدية إلى هناك.

وثمة أرقاماً متاحة تكشف النتائج المتوقع حصولها بسبب هذه الهجرة منها : قدرت منظمة الهجرة الدولية عدد المهاجرين حتى عام 2000 ب 175 مليون نسمة، ومن التوقع أن يبلغ عددهم بعد عقدين من الزمن 232 مليون مهاجراً. وتوجه خُمسهم صوب الولايات المتحدة الأمريكية، في حين توجه 75% منهم صوب 28 بلداً معظمها أوربية. وهنا يأتي الرقم الأكثر أهمية ويشير إلى أن أكثر من 98% من هؤلاء المهاجرين هم من المسلمين ، وهو الأمر البالغ الأهمية ، وهذه ثالثة. ويأتي المغرب في مقدمة الدول التي تزود أوربا بالمهاجرين المسلمين ، ثم يأتي بعدها كل من باكستان وبنغلادش ، هذا عدا الحالات الاستثنائية التي تمثلت بتدفق اللاجئين من مناطق النزاع في الشرق الأوسط ولاسيما في سوريا والعراق .

فإذا أضفنا إلى ذلك أن نسبة الإنجاب عند المسلمين في أوربا هي الأعلى مقارنة بالديانات الأخرى ، وهذه رابعة ، هنا يتبين لنا حقيقة التحول الديموغرافي الذي تشهده أوربا وما سيترتب عليه من تغير ثقافي كبير ، ففي عام 2050 من المتوقع أن يصبح المسلمون 47 إلى 60% من مجمل السكان في بعض دول أوربا

ففي المئة سنة القادمة أو أكثر بقليل ستفقد أوربا طابعها النصراني لتغدو قارة مسلمة ، وستتغير قيم الحياة فيها وستتغير مفاهيمها ، نعم لن نعيش لنشهد ذلك التحول ، لكنني أقول وبثقة أن ذلك قادم لا محالة ، وأن مئة أو مئة وخمسون سنة ليست بالزمن الطويل قياساً إلى عمر التاريخ ، عندها سيتأكد قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق وقد قال : ( ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ ، إلا أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليلٍ ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ ، وذلًّا يُذِلُّ الله به الكفر ) ( رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي ، وصحَّحه الحاكم والعلامة الألباني ) فهي البشارة التي بشّر بها النبي صلى الله عليه وسلم وسترى النور بحذافيرها ونصها بإذن الله تعالى ، وسينهار بنيان الغربيين الثقافي بما كسبت أيديهم وبما خالقوا به سنن الله تعالى في قيام الأمم والحضارات ، وسيرث القوم الصالحون بنيانهم الحضاري لتعود الريادة الحضارية إلى المسلمين مرة أخرى . والله تعالى بالغ أمره .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.