حصريا

أم كان شيئًا كان، ثم انقضى ! – أ.بن جدو بلخير

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”s” paddings=”” animation=”fadeIn”]

بن جدو بلخير رئيس التحرير[/cl-popup]

مُبتدأ الكلام:بين يدي المجلة

ليس يسيرًا على مقتحمٍ مثلي أن يحمل القلم –وإنه لثقيل- ليتكلّم عن المتقدّمين من أهل العلم، محاولا ان يهدم السور الذي أراه مضروبًا من بأسٍ شديد بينهم وبين المُحدَثين، فأحاول أن أبتنيَ صِلةً بين الدّهرين، والمحاولة -وإن كانت شرفًا- إلا أن شرط القدرة قائم، وأحسبُني عُدْمٌ منه، بَيْدَ أنه لا مَناص من وَمضةٍ أومئ بها بين يدي القارئ، لعله أن يجد من هو أكفأ مني، فينيرَ من الطريق ما عجزتْ عنه ومضتي.

تأمّلت عجبَا : فوجدتُ أن الزّمن بين جيلنا وبين الأولين من أهل العلم قد انقطع حبله،وتصرّمت أيامه، وأن طلبة العلم قد اعتكفوا على كتب المُحدَثين فلم يجاوزوها إلى غيرها، وإنما هي مطيةٌ و وسيلةٌ يتوسّل بها الطالب إلى عتيق العلم، أما ان تقف به همته عندها فأُراه مَعيبًا، بل قبيحًا به؛ لا يَحسُن بذوي الهمم العليّة، ومتى صارت المطيّةُ غايةً، وحصل الاكتفاء بالوسيلة،نتج الخلل الذي يتخبّط فيه هذا الجيل .
ترى كثيرا من طالبي الفقه لا يعرفون كتاب الأم للشافعي، ولا يستمتعون بلغته العالية، ولايتدربون على استنباطاته، ويحرمون أنفسهم من استذكار ابن عبد البر وتمهيده، ولا يلتفتون إلى مجموع النووي، وفي الأصول تراهم عاجزين عن فهم رسالة الشافعي، ومُعتمد المعتزلي، ومحصول الرّازي، ومستصفى الغزالي، وبلبل الطوفي، وروضة المقدسي، كأنهم أمام طلاسم عجزت مطية المُحدَثين أن توصلهم إليه، وأما موافقات الشاطبي فقد استعجمت علينا فما نكاد نفقه منها شيئا…
وفي سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستثقلون ابن هشام والسهيلي وكتب المغازي، ويكتفون بما يكرعونه من حِياض السينما الكدرة.
وهذا مصطلح الحديث – مفخرة الأمة- استثقلت الأجسادُ همّتها، فلم تعد تنقِّب عن العلل بل درجوا على تصحيح الحديث وتضعيفه بأيسر طريق، ونظروا في ظاهر السند وأغفلوا علله، وإلا كيف تفسّر هذا الكمّ الظاهر من التصحيح والتضعيف ببساطةٍ هلكت دونه أنفُسُ المحدِّثين الأوّلين.
وفي الأدب لا يكترثون برسائل الجاحظ وبيانه وتبيينه، ويسخرون من ابن المُقفِّع، ولا يلتذون بإمتاع التوحيدي ومؤانسته، بل أين من ينظر في جمهرة بن دريد، ويحدّق في اللغة بعين الخليل ،ويُطيل النَّفَسَ في تاج الزَّبيدي !
وأما في تفسير كتاب الله فقد أنصف أبو حامد الاسفراييني الفقيه إذ قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرا.إ.هـ.يريد الطبري، فأين من يبحر فيه وفي تفاسير ابن الجوزي، وابن عاشور، وابن عطية، ليَستطيب أحسن المعاني، بل أحسنهم حالا يكتفي بشرح المفردة مستقلةً،وهذه إهانةٌ عظيمة للمفردة القرآنية: أن تستقلّ بنفسها بشرحك دون نظرك في سياقها التي سيقت فيه !
وهذا الشعر لا يعرفون من معلّقاته إلا اسمها، ولا يحصون أصحابها إلا لماما، ويستكثرون من شعر هذا الزمن، و يتمايلون طربًا له، وهم بالأولين جاهلون،فإن قرؤوه سخروا منه –سخر الدَّهرُ منهم– ولا يُشقّ عليهم فيُقال لهم: أين انتم من شعر السُّلَيك، والحارث بن ظالم، وذي الرّمة،وأصحاب النقائض، فذاك بابٌ موصدٌ لا يُدرى مفتاحه !
وهذه الأمم الغابرة, من ذا الذي يطلّ عليها من مُنتظَم ابن الجوزي، ويعتبر منها من عِبَر ابن خلدون.كلا؛ لا خبر !
لأمرٍ ما، جَدعَ قَصِيرٌ أنفَه : فترى المستشرقين وقد انصرفوا إلى تراثنا بجَلَدٍ عجيب، فأعملوا فيه من أدوات التحقيق ما ولجوا به إلى إفساد الأمة بإحكام، وهذا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف الذي صنعه ثلّة من أذكياء الألمان، أمعِن بصرك فيه يُنبيك عن صدق مقالي، وانظر إلى همّة الكثرين منهم في نفي الشعر الجاهلي، وإقامة الحجج على ذلك، وقطع الوشيجة بينه وبين قائليه، وقد مُكِّن لهم في ذلك، حتى صنعوا غِلمانًا لهم يَدينون بدينهم ..
دونك فاعجب :
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصفا / أنيسٌ ولم يَسمُر بمكَّةَ سامِرٌ
قال الجرجاني في رسالته الشافية : ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه، الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيهٍ له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويؤدوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي. وذلك ما كان مثل قول سيبويه في أول الكتاب:
“وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع”.
لا نعلم أحدًا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبًا منه، ولا يقع في الوهم أيضًا أن ذلك يستطاع، أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم” والفعل ينقسم بأقسام الزمان، ماض وحاضر ومستقبل”، وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه.

وقال الشاطبي في موافقاته : 

أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، وأصل ذلك بالتجربة والخبر .

أما التجربة : فهو أمر مشاهد فـي أي علم كان ، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ فـي علم ما يبلغه المتقدم ، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري ، فأعمال المتقدمين ـ فـي إصلاح دنياهم ودينهم ـ على خلاف أعمال المتأخرين ، وعلومهم فـي التحقيق أقعد ، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين ، والتابعون ليسوا كتابعيهم ، وهكذا إلى الآن ، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب فـي هذا المعنى .إ.هـ

وبعدُ:

فمذ أصبح طالب العلم همّه ما يقتاته مما تلقيه إليه عادية الرقميات من رجيعٍ، وعلم لم ينُضج على مواقد البحث : صار الإيمان إرجاءً، و البحث سرقة عجلى، و الفقه ما تتجارى به أهواء الناس و السيرة فيلما سينمائيا، واقتناء الكتب ومدامنتها ملهاة عما تغنيه عنك الشبكة ! وهلمّ سفالة و انحطاطا
فيا طالب العلم إن أردت العلم – أيّ علم – فعليك بالأولين، وأما المحدَثين فإنما هم مطايا وذريعات: فإما أن تُسرِع بك إليهم، وإما أن تقطعك عنهم … فهل الأزمُنِ اللّائي مَضَيْن رَواجعُ **. والسّلام

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. عبد الله يقول

    بوركت.. وفجعتنا بوصف حالنا.. اللهم إليك الرجعى والماب

  2. بن جدو بلخير يقول

    من الفاضل الكريم ..؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.