حصريا

المستشرق الإنجليزي “رينولد. أ. نيكلسون” وجهوده في دراسة الأدب العربي والدراسات الإسلامية. أ. د. وجيه يعقوب السيد -مصر-

0 142

(المستشرق الإنجليزي رينولد. أ. نيكلسون وجهوده في دراسة الأدب العربي والدراسات الإسلامية) أ. د. وجيه يعقوب السيد

مفتتح:

موضوع الاستشراق من الموضوعات المتشعبة التي يصعب على دارس واحد أو حتى مجموعة من الدارسين الإحاطة به وكشف اللثام عن مُنْجَزه الثري والخصب، وتزداد الصعوبة حين تجد الآراءَ منقسمة ومتناقضة حول هذه الظاهرة وتقييمها أشد ما يكون الانقسام والتناقض؛ فهناك المتعصب الرافض لكل ما صدر عن المستشرقين بزعم أنه صادر عن نظرة استعلائية فوقية تنظر إلى شعوب الشرق نظرة دونية وغير موضوعية، وأن المستشرقين رغم تفوقهم ونبوغهم لا يفهمون الروح الشرقية ولا خصوصيات الحياة العربية والإسلامية، وهناك من يتابع المستشرقين ويتلقَّف كلَّ ما يقولونه دون تمحيص أو دراسة، وبغَضِّ النظر عن صحة آرائهم أو عدم صحتها، وكلا المنهجين غير صحيح وغير منصف في رأينا؛ فعلى الدارس لهذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الفكرية أن يتحلَّى بالموضوعية والإنصاف، وأن يكون هدفه الأساس هو الوصول إلى الحقيقة مهما كلَّفه الأمر، وأن يُخضِع بحثَه وإجراءاتِه للمنهج العلمي الصحيح، ويتجنَّب الأهواء الشخصية، ويبتعد قدر المستطاع عن الأحكام القاطعة والمتعجلة، ذلك أن ما قدَّمه المستشرقون خلال هذه العقود الطويلة يحتوي بلا شك على النافع المفيد والغث الذي لا يستند إلى أي أسس علمية صحيحة.

وفي هذه الصفحات التي نُخصِّصها للحديث عن أحد رموز الاستشراق الكبار وهو ريموند نيكلسون، سنتناول بشيء من الإيجاز موضوع الاستشراق من حيث النشأة، وتحرير المصطلح، وأهم الأهداف والغايات التي سعى المستشرقون إلى تحقيقها، وأهمية ما قدَّمه المستشرقون وأثره في الدراسات العربية والإسلامية. أما فيما يتعلق بالنشأة، فعلى الرغم من صعوبة تحديد تاريخ معين لبداية الاستشراق؛ فإن بعض الباحثين يشير إلى أن الاستشراق الرسمي قد ظهر بسبب الصراع بين الحضارتين الشرقية والغربية؛ حيث سعت الأخيرة إلى بسط نفوذها وهيمنتها على الشرق، وقد أدرك المفكرون والفلاسفة وأصحاب الشأن أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال معرفة الشرق معرفة حقيقية وعميقة، لذلك نادى قرار مجمع “فيينا” الكنسي في عام 1312م بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من جامعات أوربا لهذا الغرض، أما الاستشراق غير الرسمي فربما كان أسبق من هذا التاريخ بكثير، ويرجع في الأساس إلى الاحتكاك والرغبة في فهم الآخر، لذلك لم يكن ذا طبيعة أيديولوجية أو عدائية أو موجهة. (انظر: د. محمود حمدي زقزوق: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، دار المنار، القاهرة، الطبعة الثانية، 1989م، ص 24، بتصرف)

فالاستشراق كما يرى الدكتور محمود حمدي زقزوق مُوغِل في القدم إذ يمتد لنحو ألف عام تقريبا، وأن مصطلح الاستشراق ولفظ مستشرق لم يظهرا إلا في نهاية القرن الثامن عشر في أوربا، وقد ظهر أولا في إنجلترا عام 1779م ثم في فرنسا في عام 1799م، وأُدرِج مفهوم الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م. (السابق: ص 27)

وينبغي على الباحث في ظاهرة الاستشراق أن يكون ملما بهذه الخلفيات التاريخية، وعلى دراية كافية بالمدارس المتعددة والمتنوعة للاستشراق والتباين الواضح بينها؛ فالمدرسة الإنجليزية والفرنسية – على سبيل المثال – تختلف عن المدرسة الإسبانية، وهذه بدورها تختلف عن المدرسة الأمريكية وهكذا، وفي كل الأحوال سنجد أن صورة الشرق تمثل صورة من أعمق صور الآخر وأكثرها تواترا لدى الأوربيين، فلقد كان الشرق في نظر الغربيين شبه اختراع أوربي، وكان مكانا للرومانس؛ قصص الحب والمغامرات والكائنات الغريبة والذكريات والمشاهد التي لا تُنسى والخبرات الفريدة الرائقة، وهو ما يعني أن صورة الشرق لدى الغربيين كانت صورة هلامية خيالية خضعت لوجهات النظر الغربية وما يريده الغربيون لا كما هي في الواقع. (انظر: إدوارد سعيد: الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006م، ترجمة دكتور محمد عناني، ص 43 بتصرف)

ومهما يكن من أمر الاستشراق والمستشرقين وسواء اتفقنا معهم أو اختلفنا، فعلينا أن نقر بضرورة دراسة المنجز الذي قدموه وعدم التقليل من شأنه؛ فقد كان للاستشراق من غير شك أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوربية عن الإسلام والشرق، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاءهما على مدى قرون عديدة، ولا يزال الأوربيون يستقون معلوماتهم عن الشرق – بمن فيهم الكتاب والمبدعون والمفكرون – من خلال كتابات المستشرقين، بل إن تأثير الاستشراق القوي في الفكر الإسلامي الحديث لا يمكن إنكاره أو الغضُّ من قيمته، وبطبيعة الحال سنجد انقساما بين الباحثين في تقييم هذا المنجز؛ ستجد الرافض والمتعنت بشأن كتابات المستشرقين مهما كانت أهميتها، وستجد القابل والمتلقف بشدة لكل ما يقوله المستشرقون أيا كانت سذاجة هذا الكلام أو ضحالته كما أشرنا، ولعل الصواب والقصد هو أن ندرس الاستشراق دراسة علمية تحليلية على غرار ما صنعه إدوار سعيد والدكتور حمدي زقزوق والدكتور نجيب العقيقي والدكتور عبد الرحمن بدوي وغيرهم من الباحثين الجادين الذين تَصَدَّوا لدراسة هذه الظاهرة بصورة علمية وأكاديمية. (انظر: د. محمود حمدي زقزوق: المرجع السابق، ص 20، بتصرف)

وعلى كثرة تعريفات الاستشراق، فإن تعريف إدوارد سعيد يبقى هو الأشمل والأكثر وضوحا؛ حيث يذهب سعيد إلى أن الاستشراق هو مبحث أكاديمي في الأساس، وأن المستشرق هو كل من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات تتعلق بالشرق، سواء كان ذلك في مجال الأنثروبولوجيا أي علم الإنسان، أو علم الاجتماع، أو التاريخ، أو فقه اللغة، وسواء كان ذلك يتصل بجوانب الشرق العامة أو الخاصة، والاستشراقُ إذن وصف لهذا العمل، وهناك من يُفضِّل استخدام مصطلح آخر مثل: الدراسات الشرقية أو مصطلح دراسات المناطق، وربما كان للاستشراق معنًى أعمُّ وأشمل يتصل بتلك التقاليد الأكاديمية؛ حيث يُعَد الاستشراقُ أسلوبَ تفكير يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي بين ما يُسمَّى “الشرق”، وبين ما يسمى “الغرب”؛ حيث قَبِل شعراء وأدباء وفلاسفة وأصحاب نظريات سياسية واقتصاديون التمييز الأساسي بين الشرق والغرب، باعتباره نقطة انطلاق لوضع نظريات منفصلة وإنشاء ملاحم وكتابة روايات وأوصاف اجتماعية ودراسات عن الشرق وعن أهله وعاداته وعقله ومصيره وهلم جرا، كما يُنظَر إلى الاستشراق على اعتباره خطابا في كيفية الهيمنة على الشرق وتوجيهه ورسم صورة معينة له تُحدِّدُها عوامل كثيرة واعتبارات مختلفة، بحيث لا يحيد عنها أحد الباحثين؛ على سبيل المثال: وصف الشرق بالاستبداد، ونزوع أهله إلى القسوة واللذة الحسية وغير ذلك من الصور الذهنية المتوارثة، وفي هذا المعنى يقول ميشيل فوكو: إن البشر هم الذين يصنعون تاريخهم، وإن ما يستطيعون أن يعرفوه محدود بما صنعوه؛ فالبشر هم من صنعوا المحليات والمناطق الجغرافية، وأوضحُ مثال على ذلك هو الروائي الفرنسي فلوبير الذي قَدَّم صورة لامرأة مصرية في إحدى رواياته وصوَّرَها في شكل غانية على النحو الذي أراده وجعلها تمثيلا صادقا للمرأة الشرقية. (انظر: إدوارد سعيد: المرجع السابق، ص 45، وص 49، بتصرف)

وقد تطور مفهوم الاستشراق في الآونة الأخيرة وتحوَّل من مؤجج للصراع بين الحضارتين الكبيرتين في الشرق والغرب إلى مدرسة لها رموزها واتجاهاتها وإلى علم وسياسة واقتصاد؛ حيث جعل المستشرقون على رأس أولوياتهم معرفة الشرق وحضارته والرغبة في معرفة الآخر وما يحمله من إرث ثقافي ومعرفي، وإن كان الخلط بين العلمي والسياسي لا تُخطئه العين لكنه ليس على النحو الذي كان في الماضي؛ فلقد كان من جراء الحروب والصراعات بين الشرق والغرب: استعادة الغرب ثقته بنفسه، والتفاته إلى أهمية العلوم والمعارف في حسم الصراع مع الآخر، كما أن الثقافة العربية والإسلامية كانت بالنسبة للغربيين حلقة مهمة من حلقات التطور لا يمكن إهمالها وتركها إذا أراد الغرب النهوض والتقدم. (انظر: د. محمد فاروق النبهان: الاستشراق تعريفه، مدارسه، آثاره، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 2012م، ص 8 وما بعدها، بتصرف)

خصائص مدرسة الاستشراق الإنجليزية:

ينتمي المستشرق رينولد ألين نيكلسون إلى مدرسة الاستشراق الإنجليزية التي تُعَد من أسبق مدارس الاستشراق ظهورا وأكثرها تأثيرا في المدارس الأوربية الأخرى، لِما قدَّمته من دراسات وإسهامات رائدة في هذا الباب؛ فقد بدأ تاريخ الاستشراق الإنجليزي في القرن الثاني عشر على يد أبرز الرواد وهو العالم الإنجليزي (أدلارد) الذي رحل إلى إسبانيا وسورية وأتقن اللغة العربية، وقام بنقل عدد من الكتب العربية إلى اللاتينية في الفلك والرياضيات، وفي القرن السابع عشر طرأ تحول مهم وجوهري في منهج المستشرقين أو المستعربين؛ فبدلا من السفر والرحلة إلى البلدان العربية والإسلامية لطلب العلوم والمعارف وتعلُّم اللغة العربية شرع الإنجليز في دراسة اللغة العربية وآدابها في جامعاتهم، وأخذ المستشرقون يجمعون المعاجم ومؤلفات النحو العربي وينشرون المخطوطات العربية في الغرب قبل طباعتها في الشرق، وقد استَحْدَثت جامعتا أكسفورد وكمبردج منصب الأستاذية للغة العربية، وهو ما جعل إنجلترا تتبوأ الصدارة في هذا المضمار؛ حيث التحق الطلاب من إنجلترا وسائر البلدان الأوربية بهذا القسم الذي تخرَّج فيه فيما بعد عشرات المستشرقين في أوروبا.

وقد مهد لهذا التحول عدد من المستشرقين من أمثال (وليم بِدُول) الذي لُقِّب بأبي الدراسات العربية؛ وقد قام بتأليف عدد من المقالات يشرح فيها أهمية اللغة العربية، وصنَّف معجما عربيا في سبعة مجلدات، كما كتب عددا من الدراسات في القرآن الكريم، ومن الأساتذة الأوائل (إدموند كاستل) وكان يقوم بالتدريس في جامعة كمبردج وحاز شهرة واسعة بتأليفه معجم اللغات السامية، الذي قضى قرابة عشرين عاما في تأليفه ونال انتشارا واسعا في أوربا كلها، وكان له تأثير كبير على مناهج المستشرقين في البحث والتقصي، ويعد (إدوارد بكوك) أبرز الرواد في هذا الميدان، وهو أول من أدخل اللغة العربية ودرَّسها في جامعة أكسفورد، وتَلْمَذ على يديه عدد من كبار المستشرقين من أمثال وليم بدول، وكان (بكوك) يحظى بمكانة كبيرة بين المستشرقين، وبسببه أقبل طلاب العلم على جامعة أكسفورد من مختلف البلدان الأوربية، ومن مؤلفاته: نموذج من تاريخ العرب، بالإضافة إلى سلسلة مستفيضة في التاريخ والعلوم والأدب والدين، وقد ظل لفترات طويلة أحد أهم مصادر المستشرقين المعتمدة والموثوقة، وفي القرن الثامن عشر أضحى في كل من جامعتي أكسفورد وكمبردج كرسيان لأستاذية اللغة العربية، فبرزت أسماء عديدة لعل من أهمها: (سيمون أوكلي) و (جورج سيل) و (وليم جونز) و(بور كهارت) و(رينولد نيكلسون)، ومن خلال هؤلاء أتيح للقارئ الغربي الوقوف على الثقافة العربية والإسلامية بصورة دقيقة، كما حظي الأدب العربي باهتمام كبير لدى معظم أدباء إنجلترا وأوروبا؛ فتُرجمت ألف ليلة وليلة إلى اللغات الغربية، كما ترجمت غيرها من الأعمال المهمة التي ألهمت الأدباء الغرب ولفتت أنظارهم إلى ما في الأدب العربي من كنوز. (انظر في هذه القضية بالتفصيل: تطور الاستشراق الإنجليزي: ليعقوب فرام منصور، والبحث منشور بصيغة pdf، مكتبة نور)

وُلد المستشرق الإنجليزي ريموند نيكلسون عام 1868 م، وحين اتجه لدراسة اللغتين العربية والفارسية وآدابهما كان أمامه إرث كبير من الدراسات التي سبقته عن الثقافة والحضارة العربية والإسلامية، لذلك لم يجد صعوبة تُذكر ولا ندرة في المراجع التي تُعينه وتأخذ بيده ليصبح واحدا من أبرز الباحثين في الدراسات العربية والإسلامية خاصة التصوف الإسلامي؛ حيث يأتي في المرتبة التالية للمستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون كما يرى الدكتور عبد الرحمن بدوي، وقد التحق نيكلسون بجامعة أبردين ثم كلية الثالوث في جامعة كمبردج، وبدأ بدراسة الآداب الكلاسيكية، ودرس اللغتين الفارسية والعربية وصار زميلا في كلية الثالوث بكمبردج، ثم انتقل إلى كلية الجامعة في لندن أستاذا للغة الفارسية عام 1901م، ليعود بعدها بعام واحد إلى جامعة كمبردج مدرسا للغة الفارسية، وفي عام 1926م خَلَفَ إدوارد ج براون على كرسي توماس أدمز للغة العربية، وتقاعد في عام 1933م وترك العمل في كمبردج عام 1940 وتوفي عام 1945م، ويدور معظم إنتاجه حول التصوف الإسلامي وتاريخ الأدب العربي. (انظر: د. عبد الرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين، ص 593)

وإذا كان اهتمام الباحث – أي باحث – بدراسة موضوع من الموضوعات يَرجع إلى طبيعته وتفضيلاته واختياراته الشخصية، فإننا نظن أن اهتمام نيكلسون وغيره من المستشرقين بالتصوف الإسلامي بشكل خاص، ربما يرجع إلى تأثير التصوف الكبير في مسار الفكر العربي والإسلامي؛ إذ لا يُمكن الإحاطةُ والإلمامُ بالثقافة العربية والإسلامية دون دراسة هذا المُكَوِّن المهم والجوهري، ولِما يُمثِّله التصوفُ من أرضية مشتركة يمكن أن يلتقي عليها الناس جميعا؛ حيث يسود التصوفَ روحُ التسامح والاعتدال والتفاهم المتبادل بين الفرقاء جميعا، وهذه مسألة جديرة بالمناقشة والدراسة حقا؛ فالتصوفُ كما يؤكد أربابُه يقوم على صفاء النفس وسموها، والتحرر من ربقة الاستعباد المادي، وعدم اشتغال القلب بمعاملة الناس والحكم عليهم وعلى أعمالهم، وترك كل حظ للنفس، أو كما يقول الإمام القشيري: الصوفي كالأرض يُطرَح عليها كلُّ قبيح ولا يَخرج منها إلا كلُّ مليح، وهو كالأرض يطؤها البرُّ والفاجر، وكالسحاب يُظِلّ كلَّ شيء، وكالمطر يَسقي كلَّ شيء، وهو يشير بذلك إلى مبدأ التسامح والإيثار في التصوف؛ حيث لا يُفرِّق الصوفيُّ في معاملته بين الناس على أساس من الدين أو العنصر أو اللون، وإذا كان الأمر كذلك فإنه من المنطقي إذن أن يُغري التصوفُ المستشرقين بالبحث والدراسة وصولا إلى أرضية مشتركة بين الشرق والغرب. (انظر: أبو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الإسلام، مؤسسة هنداوي)

ومما يُرجِّح هذا التفسيرَ وهذا الفرضَ اهتمام نيكلسون الكبير والمبالغ فيه بشخصية جلال الدين الرومي، وتحقيقه لديوانه الشهير (مثنوي) ونشره له مع ترجمة وافية وشرح موسع في ثمانية مجلدات كبيرة، وتعد هذه الطبعة من أفضل الطبعات وأوفاها، إذ اعتمد عليها محققو وشُرَّاح ديوان مثنوي المتعاقبون، وجلال الدين الرومي شاعر كبير عرف بنزعته الإنسانية وبحثه عن القواسم المشتركة بين البشر على اختلاف دياناتهم وأعراقهم، وقد تركت أشعاره تأثيرا كبيرا وأحدثت صدى واسعا في أرجاء الدنيا كافة، حتى أنه وفق استطلاع للرأي بين المشاهير والمثقفين في الولايات المتحدة الأمريكية كان الشاعر الأكثر شهرة وشعبية وقبولا لديهم.

وقد استغرق التصوفُ ودراسة أهم أعلامه جُلَّ حياة نيكلسون حتى أصبح بحق من أهم دارسيه الأثبات والأعلام، وقد أمَدَّ المكتبة العربية بعدد كبير من الدراسات المهمة في هذا الباب، إضافة إلى مقالاته المتفرقة في الصحف والمجلات عن التصوف الإسلامي، ومن تلك المقالات: فكرة الشخصية في التصوف، وأسرار الذات لمحمد إقبال، والصوفية في الإسلام، وبحث تاريخي في نشأة التصوف وتطوره، وسيرة عمر بن الفارض وابن عربي، وكانت لنيكلسون قدرة فائقة على ترجمة الشعر الفارسي والعربي إلى الإنجليزية لجمال أسلوبه وشعريته.

يقول الأستاذ أبو العلا عفيفي في مقدمة ترجمته كتاب (في التصوف لنيكلسون): وأشهر رجال هذا الجيل من المستشرقين الذين خَطَوا بدراسة التصوف خطوات واسعة، ووضعوا الأسس الحقيقية التي تستطيع الأجيال المقبلة أن تبني عليها هما الأستاذان لويس ماسينيون ورينولد نيكلسون، فقد قصرا حياتهما على دراسته دراسة عميقة، وقد تجاوزا الحديث عن نشأة التصوف وأصله، إلى النظر في تصوف بعض كبار مشايخ الصوفية كالحلاج والغزالي وابن عربي وابن الفارض وجلال الدين الرومي. ودراسات نيكلسون بشكل خاص يمكن اعتبارها جزءا مهما من تاريخ التصوف الإسلامي أو مدخلا إليه؛ وقد انفرد نيكلسون من بين مستشرقي بلاده بالعناية بتلك الناحية الخاصة من تاريخ الإسلام بالتصوف خاصة؛ لأنه رأى فيه أخص مظاهر الحياة الروحية عند المسلمين وأبرزها، فكَرَّسَ حياته الطويلة وهي ما تزيد على خمسن عاما لدراسة مصادر التصوف العربية والفارسية والعوامل التي ساعدت على نشأته ونموه، ولكي يحقق ذلك كان عليه أولا أن يقوم بمهمة نشر المخطوطات المتعلقة بالتصوف وتحقيقها والتعليق عليها وترجمتها إلى الإنجليزية، مثل كتاب اللمع لأبي نصر السراج، وكشف المحجوب للهجويري، وتذكرة الأولياء لفريد الدين العطار، وترجمان الأشواق لابن عربي، وديوان جلال الدين الرومي وغير ذلك من المصادر المهمة، حيث كان يرى أن نشر مثل هذه الأعمال هي خطوة على الطريق تُمهِّد السبيل لوضع تاريخ التصوف العام، وتعد ترجمته ونشره لمثنوي من أهم الأعمال التي قام بها، وكانت ترجمته أقرب إلى لغة المتصوفة الذين هام بهم وشاطرهم أذواقهم ومواجيدهم وإن لم يعش في زواياهم ويسلك نفس مسالكهم كما يقول عفيفي. (انظر: مقدمة الأستاذ أبو العلا عفيفي مترجم كتاب: في التصوف الإسلامي وتاريخه، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1947م)

                     (كتاب: في التصوف الإسلامي وتاريخه)

يقع الكتاب في نحو مائتي صفحة فقط، وعلى الرغم من ذلك فإنه يعد من أهم المراجع التي تتناول نشأة التصوف وتاريخه وأهم مقولاته؛ إذ لم يتوقف دور المؤلف على جمع وحشد تعريفات التصوف المختلفة التي تزيد على المائة، وإنما حاول ترتيبها ترتيبا زمنيا يُمكِّنه من دراسة التطور التدريجي للفكر الصوفي ابتداء من القرن الثالث الهجري إلى أواخر القرن الرابع، ولم يعتمد نيكلسون على مجرد النقل كما هو شأن كثير من الباحثين، وإنما اعتمد في منهجه على الاستقصاء والتحليل والمقارنة وبذل الجهد في دراسة الفروق الدقيقة بين التعريفات المختلفة التي وردت عند مبرزي رجال التصوف.

ومن الآراء الجديرة بالإثبات هنا أن المؤلف – على العكس من كثير من الباحثين في التصوف – لا يرى تأثيرا كبيرا للمسيحية أو لأي مصدر أجنبي في نشأة التصوف، وإنما كان التصوف وليدا لحركة الإسلام ذاته، وأنه كان نتيجة لازمة لفكرة المسلمين وتصوراتهم عن الله، وإن كان فيما بعد قد تأثر بمصادر مختلفة؛ فقد ظهرت بذور التصوف الأول في نزعات الزهد القوية التي سادت في العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري، وترجع العوامل الرئيسة في ظهور نزعة الزهد إلى عاملين هامين: الأول المبالغة في الشعور بالخطيئة والذنب، والثاني الرعب الذي استولى على قلوب المسلمين من عقاب الله وعذاب الآخرة، وسرعان ما تحول الزهد إلى التصوف؛ فإن الحسن البصري وهو أشهر ممثلي حركة الزهد، يعد في نظر الصوفية واحدا منهم؛ وهم محقون في ذلك لأن الحسن البصري كان ينزع إلى حياة روحية خالصة في عبادته غير قانع بمجرد الصور الشكلية في أدائها، وهو بعد ذلك يتتبع بدقة تعريفات أهل التصوف ويعرض أهم النظريات ليؤكد أنه من العبث وغير المجدي إرجاع هذه النشأة إلى أصل واحد أو مصدر واحد. (انظر: ر.أ. نيكلسون: في التصوف الإسلامي، ص 3)

ويناقش المؤلف عددا من قضايا التصوف وأهم مقولاته التي صارت فيما بعد موضوعات أثيرة للدراسة لدى الباحثين العرب والغربيين، مثل: الحديث عن أصل التصوف، ومراحل تطوره، وأهم أعلامه، والفرق بين الزهد الإسلامي والزهد الصوفي، وتطور التصوف في العصور الوسطى، والعلاقة بينه وبين الرهبنة، كما يناقش باستفاضة قضية اشتقاق لفظ الصوفية ومعناه، وهدف التصوف الإسلامي، ويعرض لحياة عدد من مشاهير التصوف كالحلاج ومعروف الكرخي وابن الفارض والغزالي وجلال الدين الرومي وذي النون المصري، ونظريات المتصوفة في الحقيقة المحمدية، وأقوالهم في الحب الإلهي وحب النبي الكريم وغير ذلك من القضايا المهمة.

ومن الفصول المهمة التي كتبها نيكلسون الفصل الخاص بالشعر الصوفي وهو جدير بالقراءة لما يتضمنه من آراء جديدة، يحاول من خلالها تفسير تعلُّق الصوفية بالشعر الغزلي، ورمزية هذا الشعر، والفرق بين الشعر الغزلي غير الصوفي والشعر الغزلي الصوفي، وعنده أن الرمزية لم تكن مقصودة في شعر الغزل غير الصوفي، ولكن الصوفية كانوا يؤولون هذا النوع من الشعر تأويلا رمزيا خاصا، أما الشعر الصوفي فكان على العكس من ذلك، فإن المعاني التي قَصَدَ إليها الصوفيةُ كانت صوفية مهما كان الثوب المادي الذي كُسِيت به، وكثيرا ما يتشابه النوعان في الظاهر، إلى حد أننا إذا لم نقف بطريقة ما على غرض الشاعر، لا نستطيع التمييز بين قصيدتين إحداهما يتغنى صاحبُها بالحب الإنساني والأخرى بالحب الإلهي، فإذا قيل: لم ذهب الصوفية إلى هذا الحد في استعمال لغة الحب ورموز المحبين؟ كان الجواب أنهم لم يجدوا وسيلة أقوم ولا أقدر على التعبير عن مواجدهم وأحوالهم من الشعر. (انظر: ر.أ. نيكلسون: في التصوف الإسلامي، ص 90)

لقد كانت كتابات المستشرقين الأولى عن التصوف في غاية الخلط من أمثال براون وريتشارد هارتمان وماكس هورتن؛ حيث أرجعوا نشأة التصوف إلى المجوسية أو الزرادشتية أو المسيحية، واستدلوا على ذلك بوجود مصطلحات فارسية وهندية في كلام المتصوفة، وأن أكثر أرباب التصوف كانوا من أصل غير عربي مثل شقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي ويحيى بن معاذ الرازي، كما أن كثيرا من الباحثين المسلمين اعترفوا بالأثر الهندي، ويرجع الفضل الأول في التخلص من هذه الأفكار إلى المستشرق الكبير جولدزيهر ومن بعده ماسينيون ونيكلسون؛ حيث فرق الأول بين تيارين من التصوف هما: تيار الزهد وهو نابع من تعاليم الإسلام ذاتها ومتأثر بالرهبانية المسيحية، وأما التيار الثاني: فهو التصوف بمعناه الدقيق والمعروف بمصطلحاته ولغته الخاصة وهو متأثر بالأفلاطونية الحديثة والبوذية الهندية وغيرها من المنابع.

ويحسب للمستشرق الكبير رينولد نيكلسون أنه كرس حياته بالكامل لدراسة التصوف، ووضع لنفسه خطة علمية صارمة تمكنه من دراسة قضاياه من خلال نشر المخطوطات وتحقيقها؛ وذلك حتى تتوفر عنده مادة صالحة لدراسة تاريخ التصوف ورجاله، كما عكف على دراسة أعمال من سبقه من المستشرقين وتحليلها والحكم عليها، واعتمد على مصادر التصوف في أكثر من لغة من أهمها العربية والفارسية، وكان في حالة بحث دائم ودؤوب ولم يقف عند نتيجة بعينها بل كانت نتائجه وما توصل إليه قابلة للتغيير إن اقتضى الأمر ذلك، وقام بتأليف عدد كبير من الكتب عن التصوف وأهم رموزه مثل معروف الكرخي وذي النون المصري، وجمع عددا كبيرا من التعريفات الخاصة بالتصوف وقام بترتيبها ترتيبا زمنيا ليصل من خلال ذلك إلى أنه من الصعب رد التصوف إلى أصل أو مصدر واحد، وأن المتصوفة تأثروا بالفلسفة اليونانية في الجانب العرفاني فحسب أما وحدة الوجود فد جاءتهم من جانب الحضارة الفارسية والهندية. (ينظر في ذلك بتوسع: كتاب في التصوف الإسلامي وتاريخه، الفصلان الأول والثاني، من ص 1 حتى ص 41)

             (تاريخ العرب الأدبي في الجاهلية وصدر الإسلام والعصر العباسي)

يُعَدُّ كتاب تاريخ العرب الأدبي بقِسْمَيْه للبروفيسور رينولد نيكلسون من الكتب المهمة، التي تُطلِعنا على منهج المؤلف ونظرته للأدب العربي القديم، ويقع الكتاب في نحو ثمانمائة صفحة وطُبِع في جزأين كبيرين: يشمل الجزء الأول الجاهلية وصدر الإسلام، وأما الثاني فيتناول العصر العباسي، وقد جاء القسم الخاص بالأدب الأموي ضئيلا للغاية؛ إذ إن المؤلف لا يؤمن بوجود أدب أموي من الأساس، فهو يَعُدُّه امتدادا للعصر الجاهلي وصدر الإسلام؛ إذ لم يطرأ تغيير يُذكر على شكل القصيدة الأموية، كما أن الأجناس الأدبية الأخرى لم تتطور ولم تنضج كثيرا من وجهة نظر المؤلف، ومن ثَمَّ نراه يُقلِّل من أهمية هذا العصر وشعرائه مقارنة بالأدب الجاهلي والعباسي، يقول نيكلسون في هذا المعنى:” لم يكن القرن الأول للإسلام ملائما للأدب، فقد تملَّك الفتحُ والتوسع، بادئ ذي بدء، ثم المنازعاتُ الداخلية قُوى الأمة، وعادت بعد ذلك الروحُ الوثنية القديمة تحت حكم الأمويين تؤكد ذاتها مرة أخرى، وعلى ذلك فإن أدب هذه الفترة يكاد لا يحتوي إلا على الشعر بصورة خاصة وهو لا يحمل إلا بعض علائم التأثير الإسلامي” (انظر: رينولد نيكلسون: تاريخ العرب الأدبي في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة المعارف، بغداد، 1969م، ص 351)

وهذا رأي غير دقيق وغير صحيح إلى حد بعيد؛ فللأدب الأموي شخصيته المستقلة والمختلفة عن العصر الجاهلي وصدر الإسلام بلا شك؛ فقد وَظَّفَ الشعراء الأدب لخدمة أهدافهم المختلفة: سياسية ودينية وحزبية، كما ارتقت فنون النثر كالخطابة والمواعظ والحِكم بصورة لافتة، لكن المؤلف – ولا أعرف السبب في ذلك – لم ينتبه إلى هذا التغير الكبير الذي طرأ على شكل القصيدة في العصر الأموي وسائر الأجناس الأدبية، تغيُّرا يؤكد على قدرة الشعراء على تطويع القصيدة للتعبير عن القضايا الفكرية المختلفة، ومواكبتهم للأحداث السياسية والاجتماعية والدينية، واستغلال الشعر للتعبير عن مستجدات العصر، وقد عالج هذه القضيةَ الشائكة عددٌ من النقاد العرب الكبار من أمثال طه حسين وشوقي ضيف وعبد القادر القط وغيرهم من النقاد والباحثين، وقد خالفوا نيكلسون فيما ذهب إليه.

وعلى الرغم من وجود بعض الهَنَات والخلل الواضح في منهج المؤلف؛ منها ما ذكرناه – على سبيل المثال – عن رأيه في العصر الأموي وغير ذلك من الآراء التي لا تستند إلى دليل علمي، ومنها أيضا: إيغال المؤلف وإكثاره من الحديث عن أشياء لا تمت للأدب ولا لتاريخ الأدب بصلة، حتى بدا الكتاب وكأنه كتاب في التاريخ العام لا في تاريخ الأدب، لكن على الرغم من ذلك فإننا لا يمكننا التقليل من أهمية هذا الكتاب وقيمته؛ فهو يتناول الأدب العربي بعين غربية محايدة قادرة على تحليل الظواهر الفنية والموضوعات السياسية والاجتماعية والدينية، ولا ننسى أن هذا الكتاب “قد كُتِب في الأصل للأوربيين ومن وجهة نظر أوربية، فمن الممتع أن نرى كيف يرى الأوربيون أدبنا في مختلف عصوره، وماذا يجب أن نفعل لتغيير وجهة النظر هذه حيثما وجدناها بعيدة عن الصواب” (انظر: الدكتور صفاء خلوصي: مقدمة كتاب: تاريخ العرب الأدبي في الجاهلية وصدر الإسلام، ص 7)

وربما كان اعتماد نيكلسون على هذا المنهج ومزجه بين التاريخ والأدب والثقافة والسياسة والحياة الاجتماعية له ما يُبرِّره لديه؛ فقد كان هدفُه الأساس تقديمَ تاريخ العرب الأدبي للطلاب الأوربيين في صورة مدرسية بسيطة؛ إذ يجهل أكثرُهم الإشارات والخلفيات التي ترد في الشعر مما يحول دون فهمه فهما صحيحا، يقول نيكلسون: “إن طلاب العربية الناشئين الذين وُضع هذا الكتاب لهم في الدرجة الأولى، يجدون في الغالب صعوبة في تَفَهُّم ما يقرؤون، لأنهم ليسوا على تماس مع الأفكار السياسية والثقافية والدينية المقدمة إليهم، إذ تكاد صفحات كل كتاب عربي تكون مفعمة بإشارات إلى أسماء وحوادث وحركات وأفكار لا يحتاج المسلمون إلى إيضاحها، ولكنها تُحيِّر القارئَ الغربي، إلا إذا كانت لديه معلومات عامة عن التاريخ العربي بأوسع معانيه” (انظر: نيكلسون: تاريخ العرب الأدبي، ص 9، المرجع السابق)

كذلك فإن مفهوم التاريخ الأدبي عند الأوربيين يتسع لكل نشاط كتابي ولا يقتصر على تناول الحياة الأدبية وسرد تراجم الشعراء وعرض أشعارهم فحسب، كما هو الشأن في التأريخ للأدب العربي حديثا.

وقد حذا الدكتور شوقي ضيف وكثير من مؤرخي الأدب العربي عندنا حذو نيكلسون، ولم ينتبهوا إلى الحكمة من اتباعه لهذا المنهج الذي يناسب القارئ الغربي أكثر مما يناسب القارئ العربي؛ فأسرفوا في الحديث عن الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وابتعدوا كثيرا عن دراسة الأدب دراسة موضوعية وفنية تبرز خصائصه ومزاياه، وقد تأثَّر بهذا المنهج عدد كبير من الباحثين والدارسين، فشاب دراساتِهم التكرارُ والنقل والحشو، وما أحوجنا في دراسة تاريخ الأدب إلى التخلص من مثل هذه الزوائد، وتكريس الجهود لتسليط الضوء على الظاهرة الأدبية ذاتها، ومهما قيل في تأثير البيئة والأحداث الاجتماعية في الأدب، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نُحَوِّل الدرس الأدبي إلى درس في التاريخ وعلم الاجتماع.

ونظرا لطبيعة القارئ والمتلقي لهذا الكتاب كما أسلفنا؛ فقد غلب على طريقته ومنهجه الطابع الموسوعي والتبسيط غير المخل؛ حيث يتناول المؤلف عددا من القضايا المهمة التي تتعلق بالعصر الجاهلي وصدر الإسلام والدولة الأموية، وموضوعات الكتاب كثيرة ومتشعبة لكنها تندرج تحت عناوين رئيسة وأخرى فرعية؛ ففي المدخل يتحدث عن الساميين وانحدار العرب منهم، وعرب الشمال والجنوب والاختلافات اللغوية بينهم، وعلم الأنساب عند العرب والمسلمين، وأقدم النماذج للكتابة العربية، وأشعار الجاهلية، وتاريخ العرب الجاهليين وأساطيرهم، ومصادر الأخبار الجاهلية، وشعر الجاهليين وعاداتهم وأديانهم وأهم شعرائهم ورواة الشعر وما يُؤخذ عليهم وغير ذلك من القضايا التي تناولها مؤرخو الأدب العربي فيما بعد بالتفصيل ودارت حولها العديد من المعارك، ثم يتناول القرآن وأثره في الحياة الفكرية والروحية، كما يتناول حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتأثيره في المسلمين، وقد شاب حديثَه كثيرٌ من القصور وعدم الدقة في أحكامه على النبي ودعوته، وإن كان مترجم الكتاب الدكتور صفاء خلوصي يشير في مقدمة الكتاب إلى أن المؤلف صَحَّحَ كثيرا من تلك الآراء فيما بعد، ثم يُعَرِّج للحديث عن دولة الخلفاء الراشدين وحكم بني أمية وأهم شعرائها والفرق والحركات السياسية والدينية.

وفي دراسته عن العصر العباسي، لم يَخرج نيكلسون عن المنهج الذي اتَّبعه في دراسة العصر الجاهلي والأموي؛ فالكتاب كما ذكرنا ليس سوى قسم من دراسة مطولة عن تاريخ العرب الأدبي منذ بداياته وحتى سقوط بغداد على يد التتار، ويَجري فيه المؤلفُ على طريقة الأوربيين في دراسة التاريخ الأدبي حيث يمزجون بين التاريخ والأدب والسياسة والاجتماع، وفي هذا الكتاب يُبدي نيكلسون إعجابه الشديد بالأدب العباسي؛ الذي تنوعت أغراضه وتعددت مذاهبه الأدبية وتطورت أساليب التعبير فيه، على العكس من العصر الأموي. (انظر: دكتور صفاء خلوصي: مقدمة كتاب: تاريخ الأدب العباسي، تأليف: رينولد.أ. نيكلسون، المكتبة الأهلية، بغداد، 1967م، ص 3)

وقد تناول المؤلف في هذا الكتاب عددا كبيرا من القضايا التي تتعلق بالعصر العباسي؛ كالحديث عن إرهاصات الثورة العباسية، وأهم الفرق السياسية والدينية التي كان لها نفوذ وتأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية كالشيعة والمعتزلة والخوارج وغيرها، وتراجم للخلفاء العباسيين والطابع الاستبدادي للحكم، وأهم مدن الخلافة الفاعلة والمؤثرة، وهو أقرب إلى التاريخ العام كسابقه، وإن كان لا يخلو من نظرات ثاقبة وتحليل دقيق لكثير من الأحداث الاجتماعية والسياسية والقضايا الأدبية.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.