غززة بيننا و بينهم ! أ بن جدو بلخير – الجزائر –
الحديث عن فلسطين مرهقٌ جدا، ومما زاده رَهَقًا فئةٌ من الناس لا مروءة لها، ولا حياء يَحجزها عن بثّ التخذيل ورمي المجااهدين بأفسق الكلام وأخبثه، لا يرقبُون في إخوانهم رحمة ولا شفقة، ولا يلينون لهم من الكلم حرفا، ولا يرحمون ضعفهم، ولا يقيلون لهم عثرة، ولا يعتذرون لهم بأيٍّ من المعاذير، ولا يتأوّلون لهم من واسع التسويغات شيئا، قد نصبوا أنفسهم حُكّاما وقضاة يصدرون الأحكام من غير أن يسألهم أحد، وإذا رأيت أحكامهم ثم رأيت مستواهم العلمي وبضاعتهم فيه، ألفتها بضاعة مزجاة ليس عليها أثارةٌ من تأصيل، أو تدليل توحي بأن المتكلم على شيءٍ من العلم
ولئن سألتهم: هل قرأت شيئا عن تاريخ فلسطين، وجذور القضية والصراع؟
قال : لا، إلا نزرا يسيرا مما تَسَقَّطته من المدرسة أو ترميه إليّ شبكة الانترنت
وهل قرأت عن الجهااد وتأصيلاته وآياته وتأويلها، وأحاديثه وتفسيرها، وإجماعاته واختلاف العلماء فيه؟
قال : لا
وهل قرأت شيئا عن النوازل، فإن الأحكام تتغير بتغيّر الزمان والمكان والأعراف
قال : لا
وهل نظرت في السياسة وما كتبه أهل الشأن في بناء الدول والامم وقيام الحضارات واندراسها؟
قال : لا
فإذا سألته أخرى : فما الذي يقحمك في نازلة مثل هذه، فتأتي بأحكام غليظةٍ عنيفةٍ كأنك رقيب على الناس؟ وتقول إن هؤلاء خونة وحُمُر ومجرمون، وأنت تعلم من نفسك أنك لم تقف على كتب العلم، ولا ألزمت نفسك الصمت حتى يستبين لك هذا الأمر الكُبّار، أَوَلا يَسعك الصمت؟ أوَلا يكون لك هذا الواقع محفزا لأن تدرس القضية فتحيط بها من كل جانب، حتى إذا تكلمت أنصفت وعلّمت الناس ما لم يكونوا عالمين ؟
صَحِبتُ قوماً يُعَدُّ الشَّرُّ عندهُمُ / حزمًا تُشيرُ بِه الآراءُ وَالفِطنُ
عَموا عن الرُّشدِ واعتادت نُفوسُهمُ / فعلَ القبيحِ فظَنُّوا أنَّه حسَنُ
رُوي عن مالك بن دينار أنه قال:
“يا هولاء إن الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما. وإذا طرح إليه العظم أَكَبَّ عليه. كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق”.!!
تكشَّفت غززة عن أهوالٍ يشيب لها الوِلدان، أهوالٌ في الجهاد والتخطيط والاتصالات والصناعات الحربية، ومفاخرٌ في الشجاعة والإقدام والصبر
هذا الصبر الذي يذيب الصخر هو ما تسلح به أهل الرباط، وتواصوا به، فأنزل الله عليهم السكينة، وجاهدوا بالقرآن وتدبُّره، فكان حالهم مما استدعى الفطرة المؤمنة في نفس الإنسان، فهبَّ أقوام من الكفرة لنصرتهم، ودخل أقوام إلى الاسلام إيمانا منهم أن اهل غزة يملكون شيئا لا يملكه غيرهم …وهذا هو الايمان يتعدّى أثرُه صاحبَه، فتراه كالجبل الأشمّ، راسخا ينتظر الموت انتظارَه للحياة..فالأمر عنده سيان..
يغني بأعلى صوته …
فَلا أَنا مِمّا جَرَّتِ الحَربُ مُشتَكٍ / وَلا أَنا مِمّا أَحدَثَ الدَّهرُ جازِعُ
وأكثر ما يُغيط العدى الصبرُ…الصبر حيلة القوي في وجه جلّاده والشامت به!
يتعلقون بالله وحده، وقد خذلهم القريب ثم زيد في خذلانه أن صار يُذكِّره بخطئه وتهوّره- إن سلّمنا له- ويظل الغزاويون ينشُدون الله وحده :
وحَسبي إِذا ما أَوجَعَتني كُربَةٌ / بِمُؤنِسِ يَعقوب وَمُنقِذِ يونُسَ
فلا إله إلا الله! كم قلوب قست لم تتأدب في محراب الصبر والجهااد فمتى تلين قلوبهم؟
قال سيدي بن حزم رضي الله عنه : ولا إثمَ بعد الكفر أعظمُ من إثم مَن نهى عن جهاد الكفار.
قال الله العظيم في كتابه العظيم : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ المُعَوِّقين منكم والقائلينَ لإِخوانِهم هَلُمَّ إلينا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلاّ قَلِيلاً .
من هذه الآية حرّم العلماء استصحاب المُخذّل والمثبط
والمرجئ يعادي الطائفة المنصورة في الأمة، وهم اهل غ_زة حيث يجابهون العالم بأسره ..يجابهون العرب البائعة واليهود الشارية
قالت العلماء : (وهذا يدل على أن استصحاب المختل في الغزوات لا يجوز، وقد نص معظم الفقهاء في كتاب الجهاااد على أنه لا يجوز أن يستصحب في الجيش مختل ولا مثبط ولا مرجف ولا مخذل ولا مُعوق). قاله القرطبي في تفسيره
ومن أسئلتهم بل من رجيعهم أنه يقولون بكل تذاكٍ: لماذا تسمونها إبادة وتطلبون النصرة؟
وهذا من عجيب الغباء، لأنه نسوا أو تناسوا أن الحرب كانت بينهم وبين اليهود، فلما خذلهم العرب واجتمعت عليهم ملل الكفر صارت إبادة؟ وتخطيطهم إنما كان لأمرٍ، فقدّر الله امرا وجرت المقادير بما لا يعلمون، فعلام اللوم والتسفيه؟ أكانوا يعلمون الغيب؟
هذه حرب، والحرب رحِمٌ لئيمة لا أدري بما ستُحبل، ولو فكّر كل مُقدِم بتفكيرهم لأحجم، ولما استقلت دولةٌ أبدا؟
ويقولون : إنهم لم ينجزوا شيئا ذا بال؟ فهاهي غزة بحدودها لم تزد شبرا واحدا؟
وهذا سخفٌ من القول: فإن المعايير في الأعمال الآخرة، وليست مادية حتى تسأل عن الحدود والامتيازات، لربما هلك أهل غزة كلهم، واستبيحت الأرض، ومع ذلك فإن العلماء يقولون: هو جهاد، وموتى المسلمين شهداء، ذلك لأن المعايير عند الله تختلف، وإن الله طلب منا الجهاد، ولم يحصره في الإنجاح، بل في الامتثال؟
وإنْ متُّ لم أظفر فليس على امرئٍ/غدا طالبا إلا تَقصِّيهِ، والجهدُ
وقال قائلهم : هذه الأنفس التي قضت، ألا تضعون الاحتمال أن يكون القوم مخطئون في إقدامهم؟
والجواب عن هذا الخذلان: أن نبي الرحمة لم يُبطل جهاد أيِّ من أصحابه!
نعم، ربما قال لهم: انكم مخطئون، لكنه أبدا لم يقل إنكم لستم مجاهدين أو أن ميتكم ليس بشهيد ؟ فقد أخطأ أصحاب أحُد، وما أبطل النبي جهادهم، وأخطأ خالد رضي الله وما أبطل جهاده…كلهم مجاهدون مجتهدون لأن غايتهم قتل أعداء الله؟
وأما عن الهدنة وتنازلاتها، فقد قبل النبي من التنازلات ما أثار حفيظة عمر رضي الله عنه وبعض الصحابة.
ومن أكبر التنازلات أن يرد النبي المؤمنين اللاجئين إليه، ولا يستقبلهم، على أن يستقبل من الكفار من ارتد إليهم من المؤمنين ؟
الحرب ليست عملية حسابية تدار فيها الأرقام بمنأى عن مكتسبات روحية قد لا تظهر للعامة.
وأهل الحرب ليست مهمتهم أن يشرحوا للناس حربهم وخططهم ومكتسباتهم؟
هم أهل الاض، وهم أعلم بما ينفعهم ويضرهم ؟ أينتظروا خبيثا يسكن في زاوية من زاوايا الأرض لعله لا يحسن وضوءه وصلاته ليقول لهم: انتم مخطئون ؟
حسبهم أنهم مجاهدون وأننا قاعدون، وأنهم عاملون وأننا واصفون، وأنهم موفقون وأننا مغرورون؟ وأنهم مصطفون للجهاد مستعمِلون له…
وحسبهم هذا التفاوت بيننا / وكل إناء بما فيه ينضحُ
وبعدُ:
فمن رأى أن اليأس قد دبّ إلى قلبه فليقرأ التاريخ، وليقرأ ما أصاب الاسلام من فتن ومكائد وحروب وإخفاقات، ومع ذلك يأبى الإسلام إلا انتشارا فما من بقعة في الأرض إلا أنت واجدٌ من يوحد الله..لا تخلو بقعة من موحد عابد لله
من شرق آسيا إلى غرب أميركا إلى أعماق افريقيا..الاسلام موجود قائم، وكلمة التوحيد خفاقة لم يستطع أحد ان ينكسها.
عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم : (ليَبْلُغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)
في الحديث : يأتي النبي وليس معه أحد… لان مفهوم الانتصار ومعاييره في الاسلام تختلف.. فالموت قد يكون انتصارا؛ والحياة انهزام.. قال الصحابي “حِرام بن ملحان” لما طُعن ورأى الموت: فزتُ وربِّ الكعبة!! لأن معنى الفوز عنده اختُلف عن معناه عند قاتله!!
طال ليل الردى عن أهل غززة ولا كاشف له الا حسن الظن بالله
يعتاش المتوكلون بالأمل …
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري”لولا الأملُ ما تَهنَّى أحدٌ بعيشٍ، ولا طابت نفسُه أن يَشْرَع في عملٍ من أعمال الدنيا”
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)
جاء رجل الى النبي يسأله عن عمل يَعدِل الجهااد؟ قال: لا أجد.!
فَذَرني أُرَوّي هامتي في حياتها
مَخافَةَ شُرْبٍ في الحياةِ مُصَرّدِ!!
والسلام
و كتب بكلِّ مرارة
المُتحنّن إليهم
بن جدو بلخير