وجوب مراعاة القصد في الألفاظ الصريحة التي تتضمن الردة. أ.محمدو ولد باب – موريتانيا –
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين.
وبعد؛ فإن الحكم على معين بالردة بما تلفظ به من ألفاظ صريحة، توجب بمقتضياتها خروجه من الدين دون مراعات لما لابسها من أحوال عارضة عند إرادة التلفظ بها، من قصد أو ذهول أو سبق لسان لا يستقيم في النظر لوجوه.
أولها: ما تنبه له الإمام شهاب الدين القرافي بشفوف نظره من ملاحظة الفرق بين افتقار اللفظ الصريح للنية عند إرادة النطق، وعدم اعتبارها بعد النطق لانصراف اللفظ لمدلوله بقوله: “الصريح لا يفتقر إلى النية اتفاقا” معناه أن الصريح لا يفتقر إلى إرادة استعماله في مدلوله إلى نية، كما يفتقر صرفه عن حقيقته إلى مجازه، وعن عمومه إلى الخصوص إلى نية، بل ينصرف بصراحته لمدلوله كما تقدم في القواعد الست. ومعنى قولهم إن الصريح يفتقر إلى نية اتفاقا، أي لا بد في الصريح من القصد إلى إنشاء الصيغة حذرا ممن أراد أن يقول: يا طارق فقال: يا طالق أو أراد أن يقول أنت منطلقة فقال أنت طالق لأنه التف لسانه وسبقه لا بقصده لذلك ولا تناقض بين اشتراط النية في إرادة النطق، وبين عدم اشتراطها في انصراف اللفظ لمدلوله بعد النطق، ومثله ابن القيم فقد قال: والصريح لم يكن موجبا لحكمه لذاته وإنما اوجبه لأنا نستدل على قصد المتكلم به لمعناه لجريان اللفظ على لسانه اختيارا، فإذا ظهر قصده بخلاف معناه، لم يجز أن يلزم بما لم يرده ولا التزمه ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جناية على الشرع وعلى المكلف، والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرها لما لم يقصد معناها ولا نواها.
ثانيهما: ما حكى القرآن عن موسى عليه السلام من إلقاء الألواح تحيرا واندهاشا وغضبا لانتهاك حرمة الله بعبادة العجل معه، وما تلمسه المفسرون من وجوه التأويل لفعل الإلقاء من موسى، لأن عصمته مقطوع بها مما يسترشد به في التنبه لما يعرض من أحوال لتصرفات المكلفين مما يؤثر في مناط الحكم عليهم والاحتياط فيه، ولعل أفضل من وقفت عليه جود العبارة في تأويل آية؛ (وَأَلْقَى اَ۬لَالْوَاحَ)
الإمام محمد بن يحي البشاغري في كتابه العجاب كشف الغوامض في أحوال الأنبياء، فقال هذا الظاهر يحمل على انكماش موسى عليه السلام وتشمره في تخليص قومه كمن رأى ولده يغرق في البحر أو أحدا يغرق وهو لا يشعر فإنه يلقي ثيابه ويطرح ما في يده لا تهاونا بذلك المطروح واستخفافا، ولكن غاية في الإشفاق على الذي يغرق، وتعجلا لإنقاذه فيكون غير ملوم ولا بما ألقى مذموم، إذ لو جعل يتأمل الموضع الذي يضع فيه الثياب، غرق الساقط في البحر، فإذا رأى موسى قومه قد ابتلوا بالكفر أراهم من نفسه مبالغة في الإنكار عليهم والاستعتاب إلى الإيمان.
وللعلامة عبد الله بن فودي كلام نفيس يستحسن سوقه في هذا المقام لمناسبة الانسجام، فقد قال في تفسيره ضياء التأويل عند قوله تعالى: (اَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَۖ ٢ ؛ خشية أن تحبط بالرفع والجهر المذكورين لأن فيهما استخفافا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة، إذ روي أن ثابت بن قيس كان في أذنيه وقر، وكان جهوريا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتفقدوه ودعاه فقال: يا رسول الله إني جهير الصوت أخاف أن يكون عملي قد حبط فقال عليه السلام(( لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة ))، وفي رواية: ((تعيش حميدا وتموت شهيدا))، فاستشهد في اليمامة.
ثالثها: ما يستفاد من الحديث الذي ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فيه المثل لمنزلة التوبة عند الله، وفرحه بوقعها من عباده ورجوعهم إليه، وقد أخرجه الشيخان عن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ))، وفي رواية لمسلم(( لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانقلبت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، فأخذ بخطامها، ثم قال: من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح )).
قال العلامة ابن كمال باشا معلقا على هذا الحديث بقوله؛ وفي الحديث من قواعد العلم أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه، لا يؤاخذ به ولهذا لم يكفر هذا بقوله (أنت عبدي وأنا ربك)، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذا الحال أو أعظم منها، فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام ولا يقع طلاقه بذلك ولا ردته، ويقول ابن القيم ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد وضرب مثل ذلك بمن فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ولم يؤاخذ بذلك، وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك ومن هذا قوله تعالى: (۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ اُ۬للَّهُ لِلنَّاسِ اِ۬لشَّرَّ اَ۪سْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمُۥٓ أَجَلُهُمْۖ) قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه، ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده.
رابعهما: أن النطق بالشهادتين يوجب الحكم المتيقن بإسلام المعين، فلا ينقض إلا بيقين محقق، قال ابن بطال: من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يحكم له بالخروج منه إلا بيقين. ويقول الحافظ ابن عبد البر في معرض كلامه على حديث الخوارج عند قوله صلى الله عليه وسلم تتمارى في الفوق، والتماري الشك، وذلك يوجب أن لا يقطع على الخوارج ولا على غيرهم من أهل البدع بالخروج من الإسلام، وأن يشك في أمرهم وكل شيء يشك فيه فسبيله التوقف عنه دون القطع عليه.
ولما ذكر ابن رشد الجد أن أهل البدع والأهواء لا يكفرون بمآل قولهم قال: ودليل هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وتتمارى في الفوق))، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يشك في خروجهم من الدين، ومن شك في خروجه من الدين فلا يحكم أنه خرج منه إلا بيقين.
والمتحصل من هذه النقول هو ما قرره العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم فقد أجاب بأن من ارتدت زوجته وهو يعلم أنها زلة لسان حلت له فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس إذا علموا الغلط من القرينة ولذلك يقولون: لا يقبل في الردة دعوى الغلط، وما كان معه قرينة ليس بدعوى، ومن أصول مالك إذا صحت المقاصد فالعوارض لا تضر. ونظمه العلامة محمد العاقب بن مايابى بقوله:
وإن تقم قرينة على الغلط
فمن بزلة من الأهل فطن
فالقول بارتداد غالط غلط
في ردة حلت له فيما بطن
هذا ما أردت جمعه في هذه العجالة؛ تنبيها وتذكيرا وتهيبا لخطورة مجانبة الحق في هذه المسألة وعدم التيقظ للعوارض المؤثرة في المناط.
كتبه: محمدو ولد باب