هل بفقد المرء ظله ؟ د. الزهرة هراوة -الجزائر-
هل يفقد المرء ظلَّه؟
د. الزهرة هراوة .
لا شك أن أيًّا منا في طفولته أثار دهشته وفضوله ذلك الشيء الذي يتبعه أينما ذهب، يطول حينا ويقصر حينا آخر، وقد يختفي.
يبدو كأنه رسم بقلم أسود لهيئة أحدنا، فمنَّا من استأنس به، وجعله صديقًا خياليًا، ومنَّا من خاف منه وارتعب وظنَّه شبحًا أسود. ومع مرور الوقت أدركنا أنه ينشأ من ضوء الشمس أو من كل ما ينبعث منه ضوء عندما يعترضه جسم معتم فيترك أثرًا هو الظل. هكذا اكتشفنا مع الأيام والتَّجارب أن هذا الشيء إنما هو ظل يتبعنا بوجود الضوء ويختفي بغيابه.
كانت بدايتنا مع الظل: دهشةٌ ثم فضول ثم اكتشاف يناسب أعمارَنا الصغيرة، ثم اعتياد أو إلهام.. فمن اعتاد منَّا هذه الظّلال واصل حياته بما يراه، ومن جعلها إلهامًا أثارت في نفسه تساؤلات عدَّة؛ منها: هل نملك ظلًّا آخر غير هذا الظل المادي الملازم لنا؟ وإن كان كذلك، فما الذي يكشفه هذا الظل عن هويتنا الخفية؟ وهل نفقده، أو نفقد السيطرة عليه؟
فالظِّلُّ، لغةً: عتَمَةٌ تَغْشَى مكانًا حُجِبت عنه أَشِعَّةً ضوئيّةً بحاجزٌ غيرُ شفَّاف وبحسب ابن منظور في لسان العرب: أن الظل يكون في بداية النهار والفيء في نهايته..
وقد ذكر ابن الهيثم في كتابه “المناظر” أن الظل هو ما يدركه البصر إدراكًا نسبيًا عند غياب جزئي للضوء نتيجة لحجب الأجسام له، ويختلف وضوحه باختلاف قوة الضوء التي تعرضت لها الأجسام فكلما كان الضوء قويًّا ظهر الظل واضحًا وكلما ضعفت حدته بهت الظل أو تلاشى.
وبذلك يفسر ابن الهيثم الظل من خلال ما يدركه البصر عند حجب بعض الأجسام لضوء معيَّن مقارنة بأضواء مجاورة، مبينًا الفرق بينه وبين الظلام الذي هو غياب كلِّي للضَّوء.
والظِّل في الدُّنيا آية كونية تتجلَّى فيها قدرة الله تعالى ورحمته بخلقه؛ إذ جعله ملاذًا من حرِّ الشَّمس ولهيبها، وطلبًا للسكينة والراحة ووسيلةً لمعرفة أوقات النهار.
أما في الآخرة فيأتي الظِّل على صورتين متمايزتين: ظل رحمة وظل عذاب؛ فظل الرَّحمة كظل الله تعالى يوم القيامة وظل الصدقة وظلال الجنة نسأل الله إياها، بينما ظل العذاب هو ظل جهنم، ظلٌّ لا يقي من حرها بل يزيده هولا والعياذ بالله…
إذا كانت معرفتنا بكيفية تشكل الظِّل المادي من خلال الضَّوء تقودنا إلى هذا الفهم، فإنها تحيلنا بالضرورة إلى التفكير في ظلٍّ آخر، هو الظل المعنوي للذات البشرية؛ ذلك الذي يتكون حين يتعرض المرء لأضواء مختلفة عن الأضواء الاعتيادية وهي متباينة، كانت قوية أم خافتة، خيِّرة أم مؤذية.
فما يصدر عن المرء من سلوكات واعية، أو غير واعية، إنما هو نتيجة لما يتأثر به، فقد يكشف جوانب معتمة من الذَّات، وهو ما أشار إليه كارل يونغ حين عدّ “الظل” الجانب المكبوت في الإنسان، ذلك الذي لا يختفى بإنكاره، بل قد يظهر لاحقا متحكما في السلوك ما لم يُواجَه ويُهذَّب.
وإذا كان الظل المادي للجسم يُفقَد في الظلام أو عند تعامد الأشعة الضوئية عليه، فإن ظلَّ الذَّات لا يُفقد على هذا النحو، لكنه قد يظهر مُشوَّهًا كاشفًا عما نحاول إنكاره أو إقصاءه في حالة تعرضنا لتأثيرات سلبية.
وهكذا يبقى الظِّل ذلك الأثر الذي يُنْبِئ عنَّا ويُمَيِّز كلًّا منا عن الآخر؛ ظِلٌّ نستأنس به، ونسعى لأن يكون منسجمًا مع ذواتنا، حتى لا نفقده أو نفقد السيطرة عليه. ولعلَّ السؤال ليس: هل يفقد المرء ظله، بل: أي ضوء نختار أن نقف عنده ونتأثر به؟