حصريا

التمويل الإسلامي كأداه لتحقيق  التنمية المستدامة في الدول العربية أ.مها العطفي-مصر-

0 203

التمويل الإسلامي كأداه لتحقيق

التنمية المستدامة في الدول العربية.

بتاريخ 8\8\2025

  1. باحثة إقتصادية أ/ مها العطفي

تشهد الدول العربية تحديات اقتصادية متزايدة في ظل تنامي معدلات البطالة، وعجز الميزانيات، وتباطؤ النمو، وتفاقم الفقر. وفي المقابل، يبرز التمويل الإسلامي كمنظومة مالية مستقلة تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وتقدّم حلولًا تمويلية عادلة ومرنة، مما يجعله أداة واعدة لتحقيق التنمية المستدامة.

فالتمويل الإسلامي، بمبادئه الأخلاقية ومعاملاته الخالية من الربا والمضاربة، يمكن أن يلعب دورًا فاعلًا في معالجة أوجه الخلل الهيكلي في الاقتصادات العربية، إذا ما تم توظيفه بالشكل الأمثل.

أولًا: مفهوم التمويل الإسلامي,أساليبه وأدواته.

التمويل الإسلامي هو تقديم ثروة عينية أونقدية,بقصد الإسترباح من مالكها الي شخص آخريديرها ويتصرف فيها لقاء عائد تبيحه الأحكام الشرعية.

وبلاحظ ان صيغ التمويل الإسلامي تختلفعن بعضها اختلافات تتعلق بدرجة السلطة التي يتمتع بها الطرف المتصرف بالمال والحقوق والإلتزامات المترتبة عليه.وبشكل أدق فإن صيغ بعض التمويل المباح تضمن القاء عبئ اتخاذ القرار الإستثماري علي الطرف العامل وحده وحصر دور المالك بأن مل يضعه من نقود(في المضاربة) أو أرض(في المزارعة) أو الأشجار(في المساقاه) تحت تصرف الطرف الاخر دون ان يكون له الحق بالتدخل في قرارات الإدارة والإستثمار.(1)

أساليب التمويل الإسلامي:

إن ما يميز البنوك الإسلامية في مجال الأعمال المصرفية تحديدا هو استبدال علاقة القرض بعلاقـة المشـاركة وعلاقـة الفائدة بعلاقة الربح، وهذه العلاقة هي التي تحدث التغير الجدري في الأدوات والاهتمامات.

فالمبـدأ الـذي يقـوم عليـه النظـام المصـرفي الإسـلامي، هـو مبـدأ المشـاركة في الأربـاح والخسـائر بـين البنـوك والمـودعين طبقـا لقواعـد معينـة محـددة مسـبقا. وعلـى وجـه التحديـد لـن يحصـل المـودع علـى ضـمان بعائـد محـدد مسـبقا علـى القيمـة لإسلامية لوديعته في البنك، ولكنـه سـوف يعامـل كمـا لـو كـان مـن حملـة أسـهم البنـك وبالتـالي يحـق لـه نصـيب في الأربـاح التي يحققها هذا البنك.

ويسـمى هـذا النظـام أيضـا بنظـام حصـص الملكيـة، وهـذا النظـام يرتكـز علـى معـدلات الأربـاح الحقيقيـة اللاحقـة ويشتمل على مزيج متنوع من الصيغ والأساليب توفر أفضل الاختيارات لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.(2)

أبرز أدوات التمويل الإسلامي:

المرابحة: بيع بربح معلوم، تُستخدم في تمويل السلع والمعدات.

المشاركة: تمويل مشترك بين المصرف والعميل، مع اقتسام الربح والخسارة

المضاربة: تمويل برأس مال من طرف وعمل من طرف آخر.

الإجارة: تمويل عبر تأجير أصول.

الصكوك الإسلامية: أداة استثمارية تمثل حصصًا مشاعة في أصول حقيقية.

الوقف والزكاة والصدقات: أدوات تمويل اجتماعي.(3)

ثانيًا: كيف يسهم التمويل الإسلامي في تحقيق التنمية المستدامة؟

تعريف التنمية المستدامة:

اســتخدم علمــاء اقتصــاد التنميــة تعبــير الاســتدامة (Sustainability (لإيضــاح التــوازن المطلــوب بــين النمــوالاقتصادي والمحافظة على البيئة، ومن هنا تعددت تعريفات التنمية المستدامة، ونذكر منها التعريفات التالية:

• تعريــف اللجنــة العالميــة للتنميــة المســتدامة :1987 ” تلبيــة احتياجــات الحاضــر دون أن تــؤدي إلى تــدمير قــدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة

• تعريـف مـؤتمر الأمـم المتحـدة للبيئـة والتنميـة- ريـو دي جـانيرو :1992 ” إدارة المـوارد الاقتصـادية بطريقـة تحـافظ على الموارد والبيئة أو تحسينها لكي تمكن الأجيال المقبلة من أن تعيش حياة كريمة أفضل. ”

أبعاد التنمية المستدامة:

تعالج التنمية المستدامة ثلاثة أبعاد رئيسية متداخلة ومتكاملة هي:

• التنمية الاقتصادية وتحقيق اكبر قدر من العدالة في توزيع الثروة.

• التنمية الاجتماعية وتحقيق المساواة والتماسك والحراك الاجتماعي.

• المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية.

وتتقاطع مع هذه الأبعاد الثلاثة قضايا عدة لها علاقة بالتوعية والتعليم وبنـاء المؤسسـات ومشـاركة المـرأة والشـباب والتدريب والإعلام والمنظمات الأهلية غير الحكومية.(4)

1-علي المستوي الإقتصادي:

• تشجيع الاستثمار المنتج من خلال أدوات المشاركة والمضاربة.

• دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر تمويل مرن وعادل.

• تحقيق الاستقرار المالي بفضل تقليل الاعتماد على الديون الربوية.

• تحفيز الابتكار والاستثمار طويل الأجل من خلال الصكوك الإسلامية.

2. على المستوى الاجتماعي:

• الزكاة والوقف تساهم في تمويل الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية.

• توزيع الثروة بعدالة من خلال منع تركّز المال بيد فئة قليلة.

• محاربة الفقر عن طريق التمكين المالي للفئات الضعيفة.

3. على المستوى البيئي:

• تشجع الصكوك الخضراء الإسلامية على تمويل مشروعات الطاقة المتجددة.

• التمويل الإسلامي بطبيعته يرفض الاستثمارات الضارة بالبيئة أو الإنسان.

ثالثًا: التطبيق على الدول العربية:

 رغم التفاوت بين الدول العربية في تبني أدوات التمويل الإسلامي، فقد بدأت بعض التجارب تُظهر نتائج إيجابية:

 جمهورية مصرالعربية

توسع محدود حتى الآن، لكنه يشهد اهتمامًا متزايدًا بدعم المشروعات الصغيرة عبر التمويل الإسلامي.

إصدار صكوك سيادية لأول مرة في .2023

 السعودية والإمارات.

تطورت فيهما مؤسسات مالية إسلامية قوية، واستخدمتا الصكوك لتمويل مشروعات وطنية، كمترو الرياض ومشروعات الطاقة.

 السودان.

اعتمدت بشكل شبه كامل على النظام المالي الإسلامي.

تجربة في تمويل الزراعة والصناعات الريفية، لكن واجهت تحديات إدارية وهيكلية.

رابعًا: التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي في الدول العربية

نقص التشريعات الموحدة

ضعف الثقافة المالية الإسلامية لدى العامة.

نقص الكوادر المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي.

هيمنة النظام المالي التقليدي.

• ان أهم الصعوبات تتمحور في عدم توفر إطار وبيئة تشريعية واضحة كما هو الحال في كل من الإمارات وفلسطين والكويت ومصر. وكذلك عدم اكتمال الأطرالتنظيمية والإدارية الازمة في كل من تونس وفلسطين ولبنان. أما فيما يتعلق بتوفر الخبرات والكفاءات فقد تبين بأن عدم توفر الخبرات والكفاءات الازمة يمثل أهم الصعوبات التي تواجه أسواق راس المال العربية كما هو الحال في الأردن والإمارات وسلطنة عمان وفلسطين وقطر والكويت ولبنان. وحول وجود منافسة كبيرة من مراكز مالية ودولية متطورة فقد تبين بأنها تمثل صعوبة في كل من الأردن وتونس ومصر ولبنان. أما في المغرب فإن وجود الطلب على أدوات التمويل الإسلامي من أهم الصعوبات التي تواجه قطاع التمويل الإسلامي.(5)

خامسًا: توصيات لتعزيز دور التمويل الإسلامي في التنمية:

حظي موضوع أدوات التمويل الإسلامي باهتمام بالغ لدى أسواق راس المال بمختلف دول العالم، حيث شهد سوق إصدارات أدوات التمويل الإسلامي زيادة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة وأصبحت هناك مراكز دولية متخصصة ومؤثرة تمكنت من استقطاب استثمارات ضخمة تم توظيفها بأدوات التمويل الإسلامي، وعلى الرغم من الزيادة الملحوضة بأدوات التمويل الإسلامي والإهتمام الكبير الذي أصبحت تحظي به، إلي أن مجمل التمويل الإسلامي لايزال يشكل نسبة ضئيلة من مجمل التمويل التقليدي مما يؤكد على أهمية الإستمرار بدعم قطاع التمويل الإسلامي.

وفيما يلي بعض التوصيات المقترحة بهذا المجال:

• إنشاء صناديق زكاة مركزية لتمويل الخدمات الاجتماعية.

• توسيع استخدام الصكوك في تمويل المشروعات الكبرى والخضراء.

• تشجيع البنوك الإسلامية على الابتكار المالي.

• تفعيل الوقف الإنتاجي لتمويل التعليم والصحة.

• تعزيز التكامل بين المؤسسات المالية الإسلامية في العالم العربي.

• إدماج التمويل الإسلامي في الخطط التنموية الوطنية.

خاتمة:

في ظل ما يشهده العالم اليوم من تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية متشابكة، يبرز التمويل الإسلامي كأحد أهم البدائل التي تقدم حلولًا عملية مستندة إلى منظومة أخلاقية وتشريعية متكاملة. فقد أثبتت التجارب المعاصرة أن أدوات التمويل الإسلامي – من المشاركة والمضاربة، إلى الصكوك والوقف والزكاة – ليست مجرد آليات مالية، بل هي وسائل استراتيجية يمكن من خلالها إعادة صياغة المشهد التنموي في الدول العربية، بما يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة.

إن جوهر التمويل الإسلامي يقوم على مبدأ تحقيق المنفعة المشتركة ومنع الضرر، وهو ما يجعله بطبيعته متوافقًا مع أهداف التنمية المستدامة التي تتبناها الأمم المتحدة، مع إضافة بعد إيماني وروحي يعزز من التزام الأفراد والمؤسسات تجاه هذه الأهداف. وعبر تفعيل أدواته، يمكن للدول العربية أن تخلق بيئة استثمارية منتجة، وتوفر فرص عمل للشباب، وتعيد توزيع الثروة بشكل عادل، وتدعم مشروعات البنية التحتية والطاقة النظيفة، بما ينعكس على استقرار المجتمعات وتحسين جودة الحياة.

لكن نجاح هذه المنظومة لا يتوقف على وجود المؤسسات المالية الإسلامية فحسب، بل يتطلب إرادة سياسية قوية، وتشريعات واضحة، وكوادر بشرية مؤهلة، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بثقافة الاقتصاد الإسلامي وفوائده. كما أن التكامل بين الدول العربية في مجالات التمويل والاستثمار الإسلامي يمكن أن يضاعف من الأثر الإيجابي لهذه الأدوات، ويخلق سوقًا إسلامية متماسكة قادرة على المنافسة عالميًا.

وفي النهاية، فإن تبني التمويل الإسلامي ليس خيارًا ثانويًا، بل هو مسار استراتيجي يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد عربي resilient، قادر على مواجهة الأزمات وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، تجمع بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة، مستلهمًا في ذلك مبادئ العدل والرحمة والتكافل التي جاء بها الإسلام. يقول الله تعالي عزوجل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

(سورة النحل، الآية 90)

أهم المراجع المطلع عليها:

• عمر، محمد عبد الحليم. (2018). التمويل الإسلامي والتنمية المستدامة. الإسكندرية: دار الفكرالجامعي.

• قحف، منذر. (2016). الاقتصاد الإسلامي: النظرية والتطبيق. جدة: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب – البنك الإسلامي للتنمية.

• الدغيثر، عبد العزيز. (2015). مفهوم التنمية في الاقتصاد الإسلامي وأدوات تحقيقها. الرياض: مكتبة العبيكان.

• دوابة، محمد أشرف. (2021). الاقتصاد الإسلامي والتحديات المعاصرة. القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر.

• خليفة، سامي حسن. (2020). دور التمويل الإسلامي في تحقيق التنمية الاقتصادية. مجلة جامعة الأزهر، كلية التجارة، قسم الاقتصاد.

• خديجة بنت طالب ,الملتقي الدولي للتنمية المستدامة والكفاءة الإستخدامية للموارد المتاحة.جامعة سطيف,الجزائر 2008.

• Obaidullah, M. (2008). Role of Microfinance in Poverty Alleviation: Lessons from Experiences in Selected IDB Member Countries. Jeddah: Islamic Research and Training Institute (IRTI).

• Khan, T., & Bhatti, M. (2008). Islamic Banking and Finance: On its Way to Globalization. Managerial Finance, 34(10), 708–725.

• Al-Ali, A. (2016). Islamic Finance and Sustainable Development Goals. International Journal of Islamic and Middle Eastern Finance and Management, 9(4), 1–15.

• Islamic Development Bank. (2020). Islamic Finance and the Sustainable Development Goals. Jeddah: IsDB.

• United Nations Development Programmed. (2018). Islamic Finance for the Sustainable Development Goals. New York: UNDP.

• Investopedia. (n.d.). Islamic Finance. Retrieved from https://www.investopedia.com

• Islamic Finance News. (n.d.). Global Developments in Islamic Finance. Retrieved from https://www.islamicfinancenews.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.