حصريا

الافتتاحية : تفكيك مصطلح (القراءات المعاصرة) أ. بن جدو بلخير -الجزائر-

0 137

لم يصف القرآن أحدٌ كما وصفه الوليد بن المغيرة -على كفره- والسرّ أنه كان من أعلم الناس بالشعر وباللسان العربي، وهو في أعلى درجات بيانه إذْ ذاك…

(فو الله ما فيكم من رجلٍ أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجنّ مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمُثمِرٌ أعلاه مُغدِقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليَحطِم ما تحته)

أُرسل النبي إلى الناس ليُعلِّمهم ..أيُّ شيءٍ عند النبي ليُعلِّمهم وهوالنبي الأمّي؟ صلى الله عليه وآله وسلم..يعلمهم القرآن ! ويزكِّيهم به .. (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)

كان القرآن يسيطر على قلوبهم ويتسلّط عليهم ، في حديث جِوار ابن الدَّغِنة لأبي بكر رضي الله عنه :فطَفِق أبو بكر يعبد ربه في داره فترة، ولا يَستعلِنُ بالصلاة ولا القراءة في غير ذلك، ثم بدا لـأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيَتَقَصَّفُ! عليه نساء المشركين وأبناؤهم؛ يَعجبون منه، وينظرون إليه.

ومعنى يَتقصّف ُ: يجتمعون اجتماعاً عظيماً، حتى إنهم يتساقطون من الزّحام والرغبة في السماع…

وهذا الاجتماع على محبّة صوت القرآن يستوي فيه العالم والجاهل والحاضر والباد؛ فقد أحبّ سماعه رسول الله  حتى قال لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «اقرأ عليّ، فقال: يا رسول الله، اقرأُ وعليك أُنزِل؟! قال: نعم، إني أحبُّ أن أسمعه من غيري»بل ويستوي في ذلك العربي والأعجمي؛ فإنّ كثيرًا من الأعاجم وهم لا يفقهون العربية ولا ينطقون بها يجدون راحتهم في سماع القرآن، ويستشعرون اللّذة والسكينة والأمان في صوته المألوف من غير أن يفهموا معانيه، فكيف إذا اجتمع إلى حلاوة الصوت جمال المعاني؟! وقد كان لفواصل القرآن وتضافر حروفه في أبنيته الصوتية سببًا في إسلام الكثيرين من غير الناطقين باللغة العربية، فمن قصة  آدم الذي نشأ مع أمّه الإنجليزية وزوجها في بيت كاثوليكي بليفربول يشدّ انتباهه كلمة (الحقّ) المتكرّرة بكثرة في القرآن الكريم، ويستفزّ مشاعرَه بناؤها الصوتي، خصوصًا عند وقوف الإمام عليها بالقلقلة الكبرى على القاف المشددة، فتهز كيانه وتثير آماله دون أن يدرك معناها! وحينما سأل أصدقاءه المسلمين عن معنى تلك الكلمة التي لصقت بذِهْنه وسَمْعه أخبروه أن معناها _(Truth) فتيقّن حينها بأنه الدّين الحقّ، وأقرّ بعظمة هذا الكتاب، وكيف أنّ النبرة الصوتية خير سفير لجوهر معانيه، وأسلم

وكذا كان الحال مع الموسيقيّ الإنجليزي الشهير رحيم جونغ الذي انبهر بتلاوة الشيخ سعد الغامدي لآيات سورة الفجر، يقول: «أسَرَتْنِي الآيات فقط بنغمة الترتيل، وعندما بدأت أقرأ وأفهم المعنى أسَرَتْنِي بكلّ جوانبها»، …وهو الخبير بعالم الموسيقا ودقائقها

أخي : كان نزول القرآن حدثًا ضخما هائلا!!

نزل القرآن على قومٍ يعيشون في زاويةٍ مُتطرِّفةٍ لا يعبأ بهم أحد، فاستحال أمرهم إلى أمّة قائدةٍ تنير للناس دروبهم، ثم هاهُم أولاء قد تنكّبوا طريقه وفرّطوا في أحكامه، فانظر أيّ حالٍ صار إليه أمرهم  …

يقول استاذنا محمد بن ادريس الشافعي القرشي المطلبي إمام المذهب:

(فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصّاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة)

رضينا على رُغم اللّيالي بحُكمه / وهل دافِعٌ أمرًا وذو العرش قائلُهُ؟

والشيطان يئس من أن ينال من القرآن مسحا له أو نسيانا من قلوب المؤمنين به أو قطعا لانتشاره، ولكنه لم ييأس من أن ينفث في رُوع الجهلة والزنادقة والكفرة من التحريف والتشويه والتعمية لمعانيه الجليلة الناصعة ما يسد الطريق نحو فهمه حق الفهم وأصوبه، فكان التاريخ مليئا بالفرق التي أضلت الناس، وبالمعتدين على القرآن الصادين عن معانيه، وليس هذا أوان السرد التاريخي خشية الإطالة، ولكنا نريد أن نخصّ مصطلح (القراءات المعاصرة) ببعض بيان، فهذا المصطلح هو مصطلح مجرد، قد يتبدّى أول الأمر مصطلحا صحيحا يشهد له كلام العلماء يقولون :ألا إن القرآن فيه علم الأولين والآخرين، وأنه صالح لكل زمان ومكان، فما بالكم تتحسسون من المصطلح؟

ولمثل هؤلاء يقال: إن السكين إن أراد كلاما مدافعا عن نفسه إن قتل أن يقول : سلوا حاملي فبه قتلت، فما أنا إلا آلة مأمورة…

هذا المصطلح إنما يُقبل أو يُرفض بما يحتمله من مراد موظفِّه، فهذه القراءات المعاصرة نبذت كل كلام الأولين وراءها ظهريا ونسفت كل جهود المتقدمين، وتنكبت طريقهم وقالوا : نحن نفهم القرآن بعقولنا، وبما نجده في المعاجم العربية، وكل تعقيدات الأولين نحن عنها أغنياء..

واتخذوا مسالك لإشاعة انحرافاتهم وامتطوا من خيلاء الألفاظ وسحر المصطلحات ما يمررون به مرادهم ويوجهون به عقول الناس من مثل (روح النص) ، و (تأويل النص) ، و (عقلنة النص) وهذه كلمات من الرماد الذي تحته النار يريدون أساسا ( رفع القداسة عن الوحي المبجل )! ويعملون على “تجريد “! النصوص الشرعية من خصائصها المُرضية وأهمها – هنا – كونها : (منزلة) و( عاصمة) و( حاكمة) وتستوعب الزمان والمكان وعموم الأشخاص فهي ( شاملة) .

ولا يغرنّك ما ترى فيهم من التراكم المعرفي، فإنك تظنّهم على شيءٍ، حتى إذا اختبرتهم بمعايير الأوّلين تبدّى لك ما يتبدّى للظِّماء؛ والقيعان تغرّهم بسرابها يحسبونها ماءً

هكذا ظنوا وبهذا حكموا …

وغفلوا أو تغافلوا أن للقرآن سياقات اختص بها جعلت الألفاظ تؤدي معنًى غير الذي عُهد منها، وأن العلماء قعدوا نظرية السياق خير تقعيد، قال بدر الدين الزركشي:  (ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوّز ) وقال أيضا : (دلالة السياق أنكرها بعضهم ومن جهل شيئا أنكره)  وقال ايضا عن الراغب الاصفهاني : ومن احسنها كتاب المفردات للراغب الاصفهاني وهو يتصيَّد المعاني من السياق).. أنظر كيف يركّز على السياق

ومسألة السياق ليست خاصة بالقرآن فقط، بل بسائر النثر، ويكاد يكون دلائل الاعجاز للجرجاني وهو يرد على القاضي عبد الجبار المعتزلي كله عن هذه المسألة، بل هذا هو جوهر نظرية النظم، وقريبٌ من هذا ما ذكره محمود شاكر وهو يردّ على اليازجي في (نجعة الرائد) ومن ينتهج منهجه من أصحاب الاستكثار والحشد للألفاظ قال محمود شاكر( فما كل أحد يصبر على تتبع الكلام المبعثر في الشعر والنثر ثم جمعه وتأليفه ثم النظر في أصوله ومبانيه ثم تمحيص المعاني المختلطة وردّ كل قرينة منها إلى أختها) إنتهى كلامه، فإن اللغة ليست هي مجرد الحشد كما رام اليازجي صنعه، بل هي الفقه بانتظام الكلام  قال الله تعالى على سبيل الذم (الذين جعلوا القرآن عضين) كأنهم يفصلون الكلام بعضه عن بعض خروجا منهم عن المجال المفاهيمي للقرآن.

ثم لا بد من الاعتناء بالعلوم القرآنية الأخرى، فإنما هي روافدٌ وسبلٌ تؤدي في مجموعها إلى فهم القرآن وتدبره؛ كما تدبره العربيّ الأول..!

كل العلوم التي ترى العلماء يمورون فيها؛ إنما منتهاها أن تصل بذائقتك إلى فهم القرآن كما فهمه الجاهلي الأول..

هاجت قرائح العلماء في مباحث الإعجاز وتفسير القرآن والدراسات التبعية من معرفة المكّي والمدني ورسمه وناسخه ومنسوخه والقرءآت القرآنية، وما كتبه سائر العلماء من كتب النحو والبلاغة والبيان.الا لهذه الغاية!!

وهذا ممّا ينبغي التنبه له، كي لا تستغني عنه فتَحِيَف عمّا أُرِيد بك

وعلى هذا الجيل أن يتربى على  استعظام كلام الله وعدم الخوض فيه إلا بعلم وتحقيق، فإن هذا هو أساس مدافعة الفساد الفكري لأصحاب القراءات المعاصرة للنص الديني (!) ..، ومن صور تعظيم النصوص الربانية : “عدم إفساد معانيها الشرعية “!! .

وعلى هذا يجب أن يقال: القراءة الشرعية خير من قولهم” القراءة المعاصرة”، فإن كلمة ” الشرعية” مُتضمَّنٌ فيها المعاصرة من غير تجريد لها أو فصلها عن السياق!!!وكلمة “الشرعية” كلمة مركزة شديدة التركيز تعني القراءة التي خضعت لفهوم العلماء وقواعدهم وللحقائق اللغوية على ما يفرضه السياق، وتعني أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، أما كلمة المعاصرة فهي كلمة خادعة تغرك بادئ الأمر ان صاحبها يريد مواكبة الواقع أو مراعاة القرآن للظرف الراهن وهو كاذب لأننا أمة تتكامل علومنا وتتواصل أجيال علمائنا، ومن رام غير هذا فهو أول مسيء للاسلام، مُتعمِّدٌ للاساءة لا عذر له ولا تأويل لجرأته

ومن أراد المعاصرة فإنه لا يُفرّط في قديم الأدوات التي استعملها الأوّلون، ولا يغفل عن مُستحدثات العلم، يجمع بينهما، فإن قديمنا ليس منبوذًا؛ بل هو مستمدّ من النصوص المُحكمة والقواعد العقلية التي لا ينكرها عقلٌ مهما تقادم الزمان، والمستحدثات من الأمور تحتاج إلى تبصّرٍ وتقلّبٍ في العقول حتى يدركها عقلُ العالم؛ فيُكيِّفها على ما استقرَّ من الشريعة، وقد يضطره الأمر لاستعانةٍ من أهل الاختصاص، تكشف له ما يعزُب عنه، فإن العلم رحمٌ تتمدّد وتتوسَّع، والإحاطة بها عسيرة، فكان لا بد من تعاونٍ يُفضي إلى نتيجةٍ تنضبط تحت أصول الشريعة؛ وهذا عين المعاصرة

في هذا المقال المقتضب أردت أن أقف على شيء من جلد الغرب وهمم الكفار في دراسة القرآن الكريم لنتصوّر حجم الحرب على كلام الله، وان كثيرا من اصحاب القراءات المعاصرة انما يستمدون أفكارهم من المستشرقين يشير المفكر الراحل “إدوارد سعيد” إلى أن عدد الكتب التي أنتجها الاستشراق في مائة وخمسين عامًا عن الشرق الأدني بلغ ستين ألف كتاب في الفترة من 1800م حتى العام 1950م، وهو جهد علمي ضخم له بواعثه، وانصرف جزء كبير من تلك الدراسات نحو القرآن الكريم في تكوينه وتدوينه….

وكثير من الحداثيين يعملون تحت طائلة هذه الكتب من حيث يعلمون أو يجهلون يكرعون من حياضهم الكدرة ثم يُلقون رجيعهم على كتبنا

وخذ أي دراسة أو عمل يقوم به الغرب إلا وجدته مشوها غير بريء وسأقرع سمعك بمشروع (كوربوس كورانيكوم)

هذا المشروع بدأ في برلين ألمانيا سنة 2007 فقط وخططوا أن ينتهوا منه سنة 2025 يعني أن المشروع قيد العمل لحد كتابتنا هذه اللحظة

وملخص هذا المشروع يندرج تحت اسم اختلقوه مؤخرا سموه :الاتجاه التنقيحي أو الجذري، يريدون به البحث عن مخطوطات القرآن الأولى في السنوات البكر من نزول القرآن ثم جمعها ودراستها ومقارنتها مع القراءات القرآنية خاصة لينتجوا تفسيرا على ضوء ما جمعوه …

جلد رهيب وبحث حثيث لكي ينفذوا الى القرآن فيسلطون عليه أدواتهم النقدية ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح :

“* لأن التلقي الشفاهي هو أساس في القرآن من خلال التواتر”.

*  مخطوطات القرآن ونسخه لم يعد لها معنى ولا يمكن الاستناد اليها لو وجدت لأن بجمع عثمان القرآن وتوزيع النسخة المختارة انتهى امر المخطوطات وصار الاعتماد على المشافهة، وهذه خصيصة لا يدركها المستشرقون

*ولأن المناهج الغربية عاجزة عن فهم خصائص النص التاريخية فإن اسباب النزول تساعد في فهم النص ولا تقتصر عليه، وتشير الى جانب من جوانب المقاصد والمعاني للنص وليس كلها.

وأن فهم القرآن يحتاج إلى فهم السنة النبوية وعلومها، وفهم الفقه وأصوله، وهي أمور لم تتوفر لتلك المشاريع؛ إذ هناك اقتصار على المخطوطات وبعض المعارف اللغوية، وكلاهما لا يصلح أن يقدم رؤية تفسيرية للقرآن الكريم، فالقرآن نص أكبر من أن تستوعبه تلك المناهج.

* كما أن البحث في طبيعة المخطوطات يختلف تماما عن البحث في موضوع القراءات.

هذا جلد القوم من الكفار يسخرون جهدهم لدراسة القرآن ثم انظر الى المغترين بهم المنخدعين بانصافهم ثم أرجع بصرك هل من اهتمام وجلد كالذي رأيته عندهم عندنا…هنا تدرك أن الهوة سحيقة والبون شاسع ونخشى أن يستبدلنا الله بغيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا، فكان لزاما علينا السعي لإبطال وكشف مخططاتهم لندفع مزاعم وغوائل القراءات المعاصرة

وبعدُ:

فليس أمام الناهل من القرآن من سبيلٍ يسلكه إلا سبيل العلماء المُتقدِّمين، فإن القرآن واحد والسنة واحدة والقواعد المُستنبَطة منهما واحدة، وهذا معنًى من معاني الآية الكريمة (اليوم أكملت لكم دينكم).

لن يخرج قارئ القرآن ؛ وهو يُحيِّي ماخفيَ من فهم أو يُنزِّل القواعد على آيةٍ من كتاب الله عن: رسالة الشافعي وصحيح البخاري وكتاب سيبويه وغيرهم من كتب الأمة التي كتب الله لها القبول، وصارت من : الدين !

هذا ديننا.. وهذه كتبنا ..وإنما حُفظ الإسلام بهذه الكتب، وسيستمر الاسلام ديمةً يُروٍّي الأرض ما استمرّت الأمة تنهل من معين هذه الكتب.

ولله الامر جميعا والسلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.