حصريا

الافتتاحية: الوطنية الزَّائفة

 

الوطنية الزَّائفة

إن النّزاع إلى الوطن ممّا استقرّ في نفس قاطنِه، والتعلّق به شيءٌ كامنٌ في النفس لا يستطيع مواطنٌ الخلاصَ منه، فهو مُرتَكِزٌ في الفطرة نابتٌ فيها مورقٌ منها لا تنفكّ عنه، والجمع من الناس يجمعهم وطنٌ فيتعلّقون به حتى يهلكوا دون المَساس به، وللعرب خاصة مواقفُ تنبئ عن تميّزهم في الوطنية، وهيامهم بالوطن فوقفوا على أطلالهم ماشاء الله لهم أن يقفوا حتى قطعها الكُميت وسخر منها أبو نُوَاس، وتأذّوا من الغربة وتألموا للغرباء، وعَدُّوهم كأُبَّاق العبيد، وكان الانتشال من الوطن عندهم كنزع الروح من الجسد، فسطّروا في الحنين إلى الأوطان أشجن قصائدهم، وجعلوها مطالع يُنبِّهون أنفسهم لعظيم ألم الفراق ويُخلِّدون لأوطانهم ..

وذهب بهم حبّ الوطن مذهبًا غريبًا إذْ جعلوا تراب أرضهم دواءً يستطبّون به لأدوائهم ، قال القاضي البيضاوي : وتراب الوطن له تأثيرٌ في حفظ المزاج ودفع الضَّرَر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة؛ جعل شيئاً منه في سِقائه؛ ليأمن مَضرّة ذلك.

وأكّد قريبا من هذا الجاحظ: أن العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعَفَرًا تستنشقه عند نزلةٍ أو زُكام أو صُداع .

وحكى التوحيدي فيما بلغه من طيبِ تراب صنعاء؛ أن الرجل يسجد فلا يشتهي أن يرفع رأسه !!

دعك من هذا كله… فإنه مُشتركٌ بين الحيوان والإنسان، فالأسد يغار على عرينه، والنحل يذود عن خليّته، والإبل تحنّ إلى أعطانها

لقد رثّت الوطنية الزّائفة حبال دعاتها وطوّقتهم فلا يبرحون تَمَدُّحها، في حين  انتشل الغرب أنفسهم من براثنها، فأجمعوا أمرهم أن يكون ما يجمعهم أكثر مما يُفرّقهم، فتنادَوا بالاتحاد الأوربي والسوق الأوربية المشتركة وأسسوا حلف الشمال الأطلسي، ليحطّموا أغلال الحدود والقيود، ومع أن للمسلمين من أسباب الاتحاد وجوامع الأمور أكثر ممّا للأوربيين؛ إلا أنهم رضوا أن يكونوا عزين، فاهتبل العدوّ هذا الزيف فزادهم رهقا …

واضطلع بعض المُتأدِّبة شعراؤهم ونُثَّارهم بمهمّة التأسيس للوطنية فامتدحوها وأذكَوا نيراها في قلوب الشعوب؛ معتمدين في ذلك على التاريخ، فشاع في كل بلد : أنا من تلك ولا فخر، وأنا من ذي الأرض وأفتخر ..

الوطنية في الإسلام أعمّ من أن تُحصر في ترابٍ وأرضٍ بحدودٍ رسمها عدوٌّ غادر؛ فحيث كان أمر الله كان الوطن، ألست ترى أن فلسطين هي الموطن الأصلي لهاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، ولكن الله قضى أن يتّخذا من مكة وطنا لهما فكان!

وترك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وطنه مكّة، وتفجّع بتركها، وتأمَّله كيف يخاطب ترابًا أصمّ كأنه يعقلُ عنه (والله إني أعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ ) أبعد هذا الحنين حنين ..!؟

ولكن الغاية الأسمى من بعثته وهي بناء الوطن الإسلامي في المدينة؛ كانت أولى من التعلّق بالأرض، فهان عليه ألمُ الفراق ..

إن الوطنية في الإسلام أسمى؛ ومُتعلَّقها أرقى، انظر إلى العُرف إنه وطنيةٌ إسلامية اعتدّ الشرع به واعتبره،وأوجب التّحاكم إليه مُقرِّرا أن المعروف في الوطن عُرْفٌ يُنزَّل منزلة الشرط، فإن اطَّردت القاعدة؛ ولم تضطرب؛ نزلت منزلة الشرع، وهذا من تجديد الإسلام لمفهوم الوطنية

ومباحث الوقف التي فصّل العلماء أحكامها في كتبهم: وطنيةٌ إسلاميةٌ لا تعرفها دول العالم

ونفس المسلم تستوخم التوطّن تحت ظل الإسلام؛ لا خلودًا إلى الأرض، فهذا دنوٌّ في الهمة، بل هي دائمة التَّطلع إلى خلق أوطانٍ لها؛ يكون الإسلام فيها حاكمًا مُهيمنًا (وجُعل رزقي تحت ظلِّ رمحي)

كان الشهيد “زيغود يوسف” فقيها بأبعاد الوطنية، فكانت هجومات 20 أوت 1955 مؤازرةً منه لملك المغرب محمد الخامس وهو في منفاه للعام الثاني ..انظر لحال المسلمين كيف هم كجسدٍ واحدٍ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى

ولما ركن المسلمون إلى ما رسمه إليهم من استعمرهم بالأمس، ورضوا بأن يكونوا أذيالا، شملتهم ليلةٌ نابغية؛ فلم يبزُغ فجرها إلى يوم الناس هذا، بل ازداد حلك ليلها؛ فهم في دُجاها يعمهون.

قال محمود شاكر في جمهرة مقالاته : إن قضية العرب قضيةٌ واحدةٌ بيّنةٌ المعالم هي أننا لا نريد إلا أن تكون بلادنا جميعًا مستقلةً حرَّةً، لا يحتلُّ عراقها جنديٌ واحدٌ،ولا تخضع جزيرتها لسلطان ملوك البترول،ولا ينال نِيلُها من منبعه الى مَصَبِّه سلطانٌ بريطانيٌّ أو غيرَ بريطانيٍّ ، ولا تقع شامها ولبنانها تحت سطوةِ غاصبٍ ،ولا يَعيث في أرجاء مغربها فرنسيٌّ خبيثُ القول مجنون الإرادة ، وهذا كله شيءٌ لا يملك كائنٌ مَن كان أن يُجبرنا على خلافه أو على الرِّضى به.إ.هـ

فاتّخذت كل دولةٍ دستورًا لها؛ وأنبت هذا الدستور مصطلح : المواطن والمواطنة .وهي مصطلحات حديثة من عاديات الاستشراق، وشأن “المصطلح” خطير، فليس وسمًا على حالةٍ عابرةٍ حتى يُستهان به، واعتَبِرْ في ذلك أيضا بمصطلح “الشرق الأوسط”،ودونك وصف المهاجرين والأنصار؛ فمع أنّهما وصفان شرعيان ورد ذكرهما في القرآن الكريم ونُودي الصحابة بهما، فلما اتّخذوهما سببًا للتّمايُز؛ جاء النَّهيُ من النبي صلى الله عليه وآله سلم سريعا، وذلك حين كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ المُهاجرين رجلًا من الأَنصارِ، فقال الأَنصَارِيُّ : يا لَلْأَنصار !! وقال الْمُهَاجِرِيُّ : يا لَلْمهاجرين !!
فسمع ذلكَ رسولُ اللَّه صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلَّم، فقال : ( ما بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟)، فالإسلام سمّانا باسمه ونسبنا إليه (هو سمّاكم المسلمين) ودستورنا هو القرآن الجامع لأمورنا والمُفصّل لما تحتاجه البشرية جمعاء فضلا عن أفراده المسلمين

وبعدُ : فإذا تخلّص المسلمون من هذه الحدود التي تطوّقهم كما تُطوّق أعناق الإبل، واخترمهم الهمّ على ما يصيب إخوانهم في أقاصيّ الأرض، فذاك أول الطريق…

ومادام الفرد المسلم يفخر بوطنه على مسلمٍ آخر وقد يحاربه، فالطريق لا يزال بعيدا

وكلٌّ بمَحتَدِه مُفاخرٌ، وتأبى الضِّعة والرِّفعة إلا أن تكون بالتقوى

ما كلُّ نسلِ الفتى تزكو مغارسُه / قد يُفجَعُ العودُ بالأوراق والثَّمرِ.

والسلام

وكتب المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.