حصريا

الأسباب النّفسيّة لعزوف الشّباب المُتدَيّن عن الخطاب الوطني في العالم العربي – د.علي حليتيم

ترجمة الكاتب

الدكتور علي حليتيم

إستشاري الأمراض النفسية و مدير مركز الشهاب للدراسات و البحوث، سطيف، الجزائر

العنوان: 27 نهح مقراني لخضر، حي ثليحان، سطيف، 19000، الجزائر

Email: chihab.jom.setif@gmail.com

ملخص: يلاحظ الدارس للنموّ النفسي والعاطفي للشباب في العالم العربي عدة خصوصيات تطبع هذا النموّ وتميّزه إن في جانب المؤثّرات (طول فترة المراهقة، جدلية الخطاب التواصلي وتناقضاته Ambivalence، شدة المتغيرات الاجتماعية والسياسية..) أو في جانب الأهداف والنتائج التي ينتظرها كل مجتمع من أفراده والنمط الذي يريد أن يقدّمه عن نفسه. وإذا كان الباحثون يختلفون في درجة أهمية هذه الخصوصيات فإنهم يكادون يتفقون على أن العلاقة بالوطن من أهم مجالات هذا التأثير وحقوله. وإذا سلّمنا مدعومين مع دراسات عديدة أن العلاقة بالدين من أكبر مؤثرات النمو الفكري والنفسي للشباب في العالم العربي فإننا نخلص إلى ميدان واسع من التأثير والتأثّر بين الوطن والخطابات الوطنية، و الشباب المتدين و هو ما تناولته هذه الدراسة من خلال دراسة المكونات الفكرية و الوجدانية و السلوكية لاتخاذ المواقف دون إغفال التحليل التاريخي لتلك العلاقة مدعومين باستبيان أجري على عينة من الشباب الجزائري.
كلمات البحث: الخطاب الوطني، عزوف، تضاد، اضطرابات نفسية، علم النفس الاجتماعي.
مقدمة
أَقفَرَ مِن أَهلِهِ مَلحوبُ فَالقُطَبِيّاتُ فَالذُّنوبُ
فَراكِسٌ فَثُعَيلِباتٌ فَذاتُ فِرقَينِ فَالقَليبُ
فَعَردَةٌ فَقَفا حِبِرٍّ لَيسَ بِها مِنهُمُ عَريبُ
إِن بُدِّلَت أَهلُها وُحوشاً وَغَيَّرَت حالَها الخُطوبُ
أَرضٌ تَوارَثَها الجُدودُ فَكُلُّ مَن حَلَّها مَحروبُ
إِمّا قَتيلاً وَإِمّا هالِكاً وَالشَيبُ شَينٌ لِمَن يَشيبُ

هكذا كان العربي يتغنّى بأرضه التي لم يملك فيها إلا خيمة يأخذها معه حين يحين أوان الرحيل الذي يهيج في وجدانه نوازعا للوطن فيغنّيه و يبكيه و يذكّرنا بأن التّعلق بالوطن نزعة فطرية إنسانية ترجع إلى أصلين بشريّين: حب التّملك و ضرورة الانتماء. و جاء الإسلام و رسّخ هذه المفاهيم حين أمر المسلم أن يرتبط بأرض الإســـــلام و أمّة الإسلام و يحبهما و يدافع عنهما.
و لكن عندما سقطت الخلافة الإسلاميّة في 1924 ورثتها دول قوميّة بفكر جديد و أنظمة جديدة لم تكن مع مبادئ الإسلام في كل الأحيان، و قامت النّهضة العربيّة الحديثة على أنقاض دويلات هزيلة كدولة المماليك في مصر فتنادى المفكّرون بأنّ من شروط هذه النّهضة أن تُطرحَ الرّابطة الإسلامية جانبًا لتكون العروبة هي الرّابط الجديد و يُطرحَ النّظام الإسلامي جانبا لتحل محلّه النظم الجديدة غربيّة كانت أو شرقيّة.
و بالمقابل قامت الصّحوة الإسلاميّة في القرن العشرين تطالب بالعودة إلى الإسلام الذي كان دوما مصدر حضارة العرب و عزّهم و قوّتهم و تطالب بعودة الخلافة بصفتها النّظام السّياسي الإسلامي الشّرعي الذي لا يمكن أن يؤمن المسلم بغيره من النّظم، فوقع الصّدام، فكريًّا في بعض الأحيان، و لكن أيضا عنيفا بل و مسلّحا في أحيان أخرى و وقع الشّباب المُتديّن في حيرة بين حبّ الوطن الصّغير كجزء من الوطن الإسلامي الكبير أو رفضه كعقبة في طريق إقامة الخلافة الإسلاميّة المنشودة.
في هذا العمل نريد أن نبحث في الأسباب النّفسيّة لتدهور هذه العلاقة لأنّ فهم الأسباب هو الخطوة العمليّة الأولى لاقتراح الحلول و البدائل.
المبحث الأول
نشوء الدّولة الوطنية في العالم العربي
في الشّام و جزيرة العرب:
تعود جذور الفكرة القوميّة العربيّة إلى بدايات القرن العشرين حين أدّت سياسة التّتريك التي انتهجها القوميّون الأتراك (الطورانيون) 1 بعد وصولهم للسّلطة و ذلك من خلال التّضييق على اللغة العربيّة و فرض تعليم التّركيّة على العرب إلى تهيئة الأجواء لقيام الثورة العربيّة2 التي قادها الشريف حسين حاكم مكّة ضد الدّولة العثمانيّة عام 1916 3 بدعم من بريطانيا مقابل اشتراك العرب في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك خلال الحرب العالميّة الأولى (1914-1918) و كان الهدف منها استقلال العرب و إقامة الدّولة العربيّة الموحّدة.
تمكنّت الثورة العربيّة من طرد القوّات التّركيّة من الحجاز و بعض مناطق الشام مدعومة بالمجهود الحربي البريطاني و بالتّعسف التّركي في التعامل مع العرب (جمال باشا) الذي كان يؤجّج مشــاعر الغضب ضدّ الأتــــــــــــــراك و يدفع بمزيد من المتطوّعين للانضمام إلى الجيوش العربيّة التي وصل عددها إلى 70.000 مقاتل و لكن عندما أراد العرب إقامة دولتهم الموحّدة بدأت بريطانيا و فرنسا بتنفيــــذ اتّفاقيّات سايكس بيكو السّرية القائمة على التجــــــــزئة و الاحتلال و الالحاق4 فقُسّمت البلاد التي كانت تحت السّيطرة البريطانيّة إلى ثلاث مناطق عسكرية: فلسطين تحت الانتداب البريطاني و سوريا و لبنان تحت الاحتلال الفرنسي الذي أنهى المملكة العربية السّورية بعد معركة ميسلون و سقوط دمشق، أمّا أبناء الشريف حسين، فقد أصبح عبد الله أميرا على الأردن5 و فيصل ملكا للعراق6 تنفيذا لرغبة بريطانيا، و بعد سقوط الشريف حسين قامت المملكة السّعودية الأولى في أرض نجد و الأحساء ثم الحجاز و إعلان التأسيس في 1932 أما الدول العربية الأخرى فقد نالت استقلالها السّياسي كل على حدة بعد الحرب العالمية الثانية (أو أثناءها).
و على الرغم من التّذرّع بالظروف التاريخيّة التي أدّت إلى نشوء الدّول العربيّة على أساس قُطريّ و على الرغم أيضا من إنشاء جامعة الدّول العربيّة لتحقيق الحد الأدنى من التعاون العربي على أمل الوصول إلى الوحدة العربية المنشودة نظريًّا و رسميًّا إلّا أن واقع الحال كان يؤكد نزوع الدول العربية إلى التمسك بقوميّتها القطرية و حلول الوطنية شيئا فشيئا محل الانتماءات الاسلامية و العربية و التخلي نهائيا عن فكرة الوحدة الاسلامية و الخلافة التي لم يكن قد مضى على سقوطها زمن طويل(1924).
و في الثمانينات لم يعد رفع الشعارات القُطرية عيبًا ولا أمرًا محرجًا فرفع شعار القوميّة المصريّة بعد طرد مصر من جامعة الدول العربية إثر توقيعها لمعاهدة كامب ديفيد في 17 سبتمبر1978 و رُفِعت كذلك شعارات أخرى مثل الأردن أولا و لبنان أولا.
في مصر:
أمّا في مصر فقد تطوّرت الأحداث مع ما صاحب ذلك من تغير اجتماعي قبل ذلك بكثير حيث كان اعتلاء محمّد علي باشا العرش واليًا لمصر من قبل الخلافة العثمانيّة بداية لعصر جديد للعالم العربي على كل المستويات. استطاع محمد علي أن ينفرد بالحكم إثر حملة نابليون على مصر بعد أن ثار المصريون على سلفه خورشيد باشا حيث استمال الأعيان و الوجهاء الذين بايعوه ثم استمال الشعب إلى جانبه ممّا مكّنه من البقاء حاكمًا لمصر من 1805 إلى 1848 و هو ما لم يكن يحلم به أيّ وال عثماني قبل ذلك.
بدأ محمّد علي بالجبهة الدّاخلية حيث خاض حروبًا و مناورات ضد المماليك و الإنجليز إلى أن خضعت له البلاد كلّها ثم خاض حروبًا خارجيّة في المناطق الثائرة على الخلافة في الظّاهر و لكنّه كان يتوسّع لحساب نفسه و تقوية لمملكته في حقيقة الأمر إلى أن انتهى به المطاف إلى محاربة الدّولة العليّة نفسها و كاد يسقطها لولا تدخل الحلفاء الذين أوقفوا زحفه و أرغموه على التّنازل عن معظم الأراضي التي سيطر عليها لما أصبحت مصر تمثله في وقته من قوة و ميزان اقتصادي و اجتماعي لا يرضي الغرب و حلفاءه في المنطقة.
استطاعت مصر في عهد محمّد علي أن تحقق نهضة حقيقية في جل الميادين: سياسيًّا و اقتصاديًّا و عسكريًّا و اجتماعيًّا و تعليميًّا و إداريًّا و عمرانيًّا و أدبيا و تجاريًّا و أخرجها بذلك من القرون الوسطى ليلحق بها أو يكاد إلى عصر النّهضة الأوروبي مع ما صاحب ذلك من تقلّبات فكريّة و انفتاح للشرق على مفاهيم جديدة في الفكر و السّياسة و الاجتماع لم يكن له عهد سابق بها.
الأسس الفكريّة للقوميّة العربيّة الحديثة:
و أخيرا لا بدّ لنا أن ننوّه أن كل هذه الثورات و التحوّلات السّياسيّة كانت مصحوبة أو ناتجة عن تحوّلات و رُؤى فكريّة للوضعيّة العربيّة آنذاك وهو ما اصطلح على تسميته بالقوميّة العربيّة التي كانت ارهاصاتها الأولى في سوريا بعد حملة محمّد علي و برنامج التّـتريك الذي أطلقته جماعة تركيا الفتاة و لكنّها كانت تفتقد إلى الوجود الشعبي نظرا لقوّة أفــــــــكار الخلافة الإسلاميّة و الجامــــــــــــــعة العثمانيّة و الرّابطة الإســـــلاميّة آنذاك و تمثّلت خاصّة في جمعيّات و منتديات أدبيّة كجمعيّة العربيّة الفتاة (في مقابل تركيا الفتاة التي أسّسها الطورانيون) و الجمعية العلميّة السّـــــــوريّة و المنتدى الأدبي و الجمعيّة القحطانيّة و جمعيّة العهد و المؤتمر العربي الأول7 و لكنّ هذه الجمعيّات و المشاعر القوميّة العربيّة ازدادت حدّة بعد مجازر جمال باشا ضـــــــــــــــد القيادات العربيّة في الجيــــــــــش التّركي و حملات البطش و التّنكيل بالقوميّين العرب في الشام8 لينتهي الأمر بقيام الثورة العربية بقيادة الشريف حسن و أصبح حلم العرب هو قيام الدّولة العربيّة أو المملكة العربيّة بعد أن كانت المطالب مقتصرة على الحكم الذاتي في إطار الجامعة الاسلاميّة أو تسليم القيادة للعرب على باقي المسلمين.
و إذا كنا أرجعنا الارهاصات الأولى للقوميّة العربيّة إلى ما ذكرنا فإنّنا ندرك أنّ محاولات للنّهوض بالحالة العربيّة كانت سابقة تاريخيًّا على هذا و ذات تأثير لا يمكن إنكاره بدءً بالمحاولات الأولى للنّهضة الفكريّة العربيّة الاسلاميّة مع أحمد فارس الشدياق (1805-1887) و رفاعه الطهطاوي (1801-1873) و خير الدين التونسي (1810-1890) و مرورا بالتيارات الأدبية التي كانت تسعى لبعث التراث العربي الثقافي، جرجي زيدان (1861-1914) و بطرس البستاني (1819-1883) و غيرهما إلى تيّار ثالث كان يريد بعث الأمّة العربيّة باعتبارها قائدة الأمّة الإسلاميّة و حامية القرآن و صاحبة لغته و حاضنة مقدساته، شكيب أرسلان (1869-1946) رشيد رضا (1865-1935)، محمد عبده (1849-1905) و جمال الدين الأفغاني (1838-1897) و لكنّ هؤلاء و إن كان تأثيرهم قويًّا، بل هو الأقوى على الإطلاق في وقتهم، إلاّ أنّ الفكر القومي العربي قد نحا نحوًا آخر غير الذي كانوا يريدون أو عكس ما كانوا يريــــــــــدون فلم يعودوا يذكرون في رواده و لا من منظريه و زعمائه.
وفي مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية حمل لواء القوميّة العربيّة تياران ساهم كل منهما في قوة الآخر:
– تيّار سياسي حمل لواء النّضال العربي المشترك ضد الاستعمار و مخلفات الماضي بما تَحْمله هذه الكلمة من غموض خطير.
– تيّار فكري بدأ بمرحلة الدّعوة للقوميّة العربيّة مع أمين الرّيحاني (1876-1940) إلى مرحلة وضع المضامين الفكرية و الإيديولوجيّة لهذه القوميّة التي لم تكن تتّفق في كثير من الأحيان مع الإسلام بل كانت تعارضه صراحة في الغالب الأعم و ظهر الرّواد الكبار لهذه القوميّة وعلى رأس هؤلاء ساطع الحصري (1879-1968)، قسطنطين زريق (1909-2000) و ميشيل عفلق (1910-1989) و صلاح البيطار (1912-1980) و أقطاب الفكر النّاصري، و انقسم هذا التيّار نفسه إلى ثلاث تيارات متباينة و لكنّها تكاد تكون متّفقة في تفاعلها الفكري و السّياسي و العاطفي و الوجداني مع الإسلام، و في تفاعله معها و خاصّة في مكوّنه الشبابي و هو ما يجعلنا نغفل تفاصيل الفروق بينها مكتفين بسردها فقط و هي:
1. التيّار الذي يمثله ساطع الحصـــــــــــري و كتاباته التي حدّدت مقوّمات القوميّة العربيّة حــــــــــاصرًا إيّاها في اللغة و التاريخ.
2. التيّار الذي يمثله قسطنطين زريق الذي دعا إلى ضرورة بناء مجتمع حضاري عربي تحكمه العقلانيّة9 و يسوده الفكر العلمي و يُغذّيه الإبداع و اعتبار تحديث المجتمع العربي على هذا النحو الشرط اللازم لأي عمل قومي فعال 10.
3. التيّار الذي يمثله حزب البعث بشقيّه العراقي و السّوري ثم الحركة النّاصريّة بعد ذلك. و الذي أراد أن يحلل واقع و تاريخ المجتمعات العربيّة على أسس اشتراكية (وفي كثير من الأحيان على أسس ماديّة جدليّة أي ماركسيّة) و من ثم خلص إلى إحدى النتائج الخطيرة و هي أن الدين -حسب هذا الرأي- هو العائق الأكبر أمام تحقيق ثلاثيّة الحضارة في الوطن العربي وهي الوحدة و الحرية و الاشتراكية.
و بعد انفصال الوحدة بين مصر و سوريا ثم نكسة يونيو 67 11 ثم موت جمال عبد النّاصر في 1970، أصيب التيار القومي السياسي بنكسة كبيرة أعقبها تراجع في الفكر القومي العربي الذي رجع إلى التّنظير الفكري مع بعض النقد الذّاتي و تخلّى عن الخطابات المتطرّفة التي كانت تنبذ الدّين أو تدعو إلى الماركسيّة اللينينية و لكنه لم يتخل عن نقد الإسلام و الحركات الإسلامية بوصفها العدو الأول و العائق الأكبر في طريق الوحدة العربية التي تمر عبر الدفاع عن الدولة الوطنية.
المبحث الثاني
قيم المواطنة في الوطن العربي
لم يعرف العرب المواطنة بمعناها السّياسي الحديث إلّا في عصور متأخّرة و إلّا فإنّهم عاشوا أشكالا كثيرة من أشكال المواطنة في الدّول الإسلامية المختلفة بدءً بدولة النّبوة ثم الخلافة الرّاشدة و انتهاءً بالخلافة العثمانية التي قامت على الرابطة الإسلامية ثم انفرط عقدها في الظروف التي أشرنا إليها فيما مضى.
و يرى بعض الباحثين12 أن المواطنة مرت بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: مواطنة بدائية تتمثل في الجماعة التي تعيش في مكان ما و يجلب الانتماء إليها ما يجلب من منافع حياتيّة.
المرحلة الثانية: بروز الدّولة القوميّة التي أعطت للمواطنة إطارًا اجتماعيًّا و سياسيًّا و دينيًّا أكثر تحديدا.
المرحلة الثالثة: و هي مرحلة الصّياغة الفكريّة و العلميّة للدّولة الوطنيّة و بروز التّطبيق العملي النّاضج لتلك الصّياغة بحيث غدت المواطنة هي الصيغة الوحيدة تقريبًا للحياة المعاصرة مع ما يقتضيه ذلك من خضوع و مشاركة و مزايا.
المرحلة الرّابعة: و هي مرحلة ما بعد العولمة بحيث لم تعد الدّولة الوطنيّة تسيــــــطر على الحدود الاقتصاديّة و المعرفيّة و الاعلاميّة و اضطرّت راضية أو مرغمة إلى التّخلّي عن سيادتها في كثير من الميادين السياسية و القانونية و المالية و غيرها لتطرح في نهاية المطاف فكرة المواطن العالمي الذي لا ينتمي إلى أيّ دولة أو مجتمع رغم ما يبدو في هذا الطّرح من ملامح استعماريّة أو من مثالية أفلاطونية.
هذه المواطنة التي أصبحت مكسبا انسانيا مشتركا و ركيزة حضاريّة من ركائز القرن العشرين لها منظومة قيم تمثل ركنها الحيوي و مضــــــــمونها الفكري و السلوكي و الوجداني الذي يعطي للمواطنــــــــــــة معناها و مغزاها و دورها و يمكّن الباحثين من دراستها و صياغة السّياسات و البرامج لتطويرها و تقويمها.
و تواجه منظومـــــــــــــة قيم المواطنــــة في الوطن العربي تحديّات خطــــــــــــــــــيرة جدًّا لعلّ من أبرزها: التّبدّل السّريع و الاختلاف في منظومة قيم المواطنة نتيجة التحولات السريعة الاجتماعيّة و السياسيّة! إن الاختلاف حول المضمون القيمي للمواطنة موجود في كل المجتمعات الإنسانية بدون استثناء ولكنّ استقرار المجتمع يجعل من ذلك الخلاف شأنا فكريًّا غير ذي تأثير اجتماعي كبير، أمّا الخلاف في ظل الاضطراب الاجتماعي فإنه سيكون ذا آثار سلبيّة على كل الميادين ومنها المواطنة نفسها التي تتعرّض لخطر تراجع الانتماء-الولاء وبروز السلوكات السّلبية تجاه الوطن.
و لإبراز أهميّة و دور قيم المواطنة قسمها بعض الباحثين إلى عدة مستويات:
المستوى الأول: وظائف القيم على مستوى الفرد 13
تشكّل القيم في حياة الفرد ركنا أساسيا لضبط و تحــــــــــــــــــــــديد سلوكه في جميع المجالات، و يتّضح ذلك من خلال ما يلي:
1. تشكل القيم المصدر الأساسي لما يصدر عن الإنســــــــــان من مشاعر و أحاسيــــــــــــس و أفكار و طموحات و أمان، ومن ثم تترجم لأقوال و أفعال، فهي تميّزه عن غيره من الناس.
2. تعمل القيم على وقاية الفرد من الانحراف و تحقيق الرقابة الذاتية للإنسان في جميع أنشطته أينما كان تواجده و أين كان نشاطه، بصورة تمنعه من الإخلال بالأمن و السلامة العامة أو الإضرار بالمصلحة العامة للوطن و المجتمع.
3. تشكل القيم مفاهيم و معتقدات مشتركة تسهم في بناء نظام اجتماعي أخلاقي يوفّر حياة مستقرّة و عادلة و كريمة.
4. تساهم القيم في تشكيل و بناء حياة الفرد و تكوين الأفكار و المبادئ و المفاهيم التي يستطيع الفرد أن يقبلها و يستوعبها نحو القضايا المختلفة مثل: القضايا السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية و الأمنية.
5. إنّ القيم تعطي حافزا للإنسان من أجل إشباع حاجاته الأساسية و تحقيق ذاته و مكانته في المجتمع، فالقيم هي التي تعطي للأشياء وزنها و أهميتها، وتشكل دافعا حيويا للسّلوك الإنساني.
6. تمثل القيم الأساس و المرتكز المحرّك لسلوك الإنسان، لأنّ القيم الإيجابيّة إذا غابت أو تضاربت في النّفوس فإنّ الإنسان يغترب عن ذاته و يفقد دوافعه للعمل و تقلّ إنتاجيّته و يضطرب فكره و سلوكه، فبقدر تمكّن القيمة الإيجابية من نفس الإنسان تكون قوة تمسّكه بها و العكس صحيح، كما أن لكل سلوك مرتكزا عقديّا يقوم عليه كما في الشكل التالي:

عقيدة + عادات و تقاليد + بيئة ← فكرة ← قيمة ← سلوك
المستوى الثاني: وظائف القيم على مستوى المجتمعات و الأمم 14
تتضح أهمية القيم في هذا الجانب من خلال وظائفها التالية:
1. القيم إجمالا تكون باعثا على السلوك الخلاق القويم، كما أنها واعدة دائمـــــــــا إلى غد أفضـــل، فالحضارات و الأمم الآمنة المستقرة لا تقوم إلّا على العقيدة و القيم و المثل و الأخلاق قبل كل شيء.
2. القيم تحفظ للمجتمع تماسكه و قوته، كما تحدّد له أهدافه و مثله العليا و مبادئه الثابتة التي تضمن انتظام حياة الأفراد و الجماعات في سلام و أمان.
3. تلعب القيم دورًا هامًّا على مستوى الإنسانية، فهي تدعو إلى التعاون و المشاركة و نبذ التّميّز العنصري سواء على مستوى الأفراد أو الشعوب و الدّول، فالتعصب، بأنواعه السّياسي و الطّائفي و المذهبي، مدخل للتّشرذم و الفتن و عدم الاستقرار و اهتزاز قيمة الأمن و السلامة العامة، ممّا يؤدي إلى الإخلال بالتنمية بمفهومها الشامل.
4. تعمل القيم على ضبط السلوك و الفكر و ترشيد الثقافة المتعددة، كما تعمل على استثمار أعمال و سلوك الإنسان و سائر موارد و طاقات الوطن و توجيهها نحو التنمية الشاملة التي تخدم الجميع على مبدأ العدل و المســـــــاواة. فكلما كانت قيم المواطنين و عاداتهم و عقائدهم في أي مجال تدفعـــــــهم بإيجابية إلى التعاون و المشاركة مع جهود و أعمال أجهزة الدولة المختلفة كلما انعكس ذلك على مباشرة تلك الأجهزة لأعمالها بإيجابية و فعالية عالية، فمثلا تدفع قيم المشاركة و التقيد بالنظام العام تلقائيا المواطن للإبلاغ عن أي سلوك منحرف يضرّ بمصالح الوطن و المجتمع.
5. تعتبر القيم معيارا للتّمييز بين السّلوك المقبول و السلوك غير المقبول (الخطأ)، و بالتالي تعزيز السلوك الإيجابي و مقاومة السلوك السلبي، كما أنها مستمرة عبر العصور، فهي بهذا تحافظ على هوية المجتمعات و الأمم.
6. إن القيم أداة لتحقيق الرقابة الذاتية و التوازن النسبي بين الضبط الاجتماعي و الرسمي، و بالتالي فهي تحقق العدالة الاجتماعية و تدعم المسؤولية الفردية و العامة و الانتظام في السلوك ضمن قنوات معروفة و مقبولة.
و بهذا العرض يتّضح لنا أن الصّعوبات الكبيرة التي تواجهها الدول العربية اجتماعيا و سياسيا تعود بالأساس الى أنها فشلت في تفعيل قيم المواطنة فرديا و جماعيا لدى مواطنيها و هو شرط أساسي لتكون شبكة علاقات اجتماعية إيجابية تحقق الانطلاق الاقتصادي و التوافق الاجتماعي الضروريين لحياة أيّ مجتمع.
خصائص القيم :15
1. الثبات و الاستقرار و بطء القابلية للتغير لارتباطها بالموروث الثقافي و الروحي للمجتمع.
2. التلقائية و الطبيعية، فهي ليست من صنع الأفراد و المجتمع يكتشف قيمه و لا يصنعها.
3. النسبية، فما هو ذو قيمة إيجابية عند فرد أو مجتمع لا يكون كذلك عند الآخرين فهي حالة مفضلة تختلف باختلاف الأشخاص و الثقافات و الأعمار و المجتمعات.
4. العملية و سهولة الفهم و الاستيعاب و الانتقال بين أفراد المجتمع الواحد.
5. الرابطية و الشمول، فهي تنسحب على كل أفراد المجتمع مع قدر مهم من الإلزام و هي بذلك أحد أهم الروابط الاجتماعية بين الأفراد.
مكونات القيم :16
– المكون المعرفي. – المكون الوجداني. – المكون السلوكي.
مصادر القيم : 17
1. جملة المعتقدات و الأفكار التي يؤمن بها الفرد و يدافع عنها.
2. الأعراف و التقاليد و العادات التي يتلقاها الفرد من مجتمعه.
3. المؤهلات النفسية العائدة للموروث الجيني و للبيئة المحيطة.
من خلال هذا العرض تبرز إشكالات المواطنة في الوطن العربي فإذا كان الجميع يتّفق على أن المواطنة ليست مجرّد العيش في وطن واحد و إنما هي تقاسم حد أدنى مقبول من الثقافة و المبادئ و الأعراف و السّلوكات و العادات و أنماط العيش و التّفكير ممّا أجملناه فيما سبق تحت مسمّى قيم المواطنة، فإن الخلاف الكبير هو في هذا الحد الأدنى المقبول الذي يجنّبنا الوقوع في طرفي النقيض: مواطنة بلا قيم مشتركة أي مجرد معايشة أو مواطنة القيم الشموليّة التي تلغي خصوصيّات الفرد و حرّيّته و هذا يعني بالضّرورة تغلب فريق على آخر و ثقافة على باقي الثقافات و هذا يقرّبنا من تعريف المواطنة الذي وضعته دائرة المعارف البريطانية و الذي يعد في نظرنا تعريفا ميكانيكيا قانونيا يلغي التاريخ و الثقافة و الشعور المشترك و الأحاسيس و العواطف و غير ذلك.
إشكالات قيم المواطنة في الوطن العربي:
– إشكالات إيجاد الحد الأدنى المقبول من قيم المواطنة.
– إشكالات تطبيق قيم المواطنة المقبولة من الجميع مثل قيم المساواة (في فرص العمل و غيرها، أمام القانون، في المزايا الاجتماعية) و قيمة العدل و الالتزام و الحماية و التوازن.
– إشكالات الدّكتاتورية و الاستبداد الفردي و الجماعي التي تلخّص الوطنـــــــــــية و المواطنة في الولاء لشخص أو جماعة.
– إشكالات الإلغاء و الإقصاء حيث يقرّر فرد أو جماعة أن جماعة أخرى لا تستحق -لسبب أو لآخر- أن تتمتع بكامل حقوق المواطنة سياسية كانت أو اجتماعية.
– إشكالات الفوارق الاجتماعيّة و البطالة و الفقر و الأمّيّة و التّهميش.
– إشكالات الاختلاف العرقي و الدّيني و المذهبي داخل الوطن الواحد.
– إشكالات ضعف الإدارة و أجهزة الدولة و قصورها عن أداء وظائفها أو غياب التوازن في أداء تلك الوظائف.
– إشكالات صراع الأجيال و التحولات الاجتماعية و الثقافية الكبيرة و السريعة في ظل العولمة.
– إشكالات الإعلام العابر للحدود و دخول العالم في الحقبة الحضارية الثالثة و هي الحقبة الرقمية التي غيرت مفاهيم المكان و الثروة و القوة و المرجعية لدى الأجيال الجديدة.
– إشكاليّة وجود الأنموذج الأجنبي الناجح سواء كان سياسيًّا أو إقتصاديًّا أو علميًّا أو اجتماعيًّا في مقابل الأداء الوطني المتواضع و الضّعيف.
المبحث الثالث
الحركات الإسلاميّة و الدّولة الوطنيّة في العالم العربي: تاريخ طويل من الصّراع و المواجهة
لعلّ الثورات العربيّة الأخيرة، أو ما يسمّى بالرّبيع العربي، توقع الباحث في قدر يسير من الحرج لما للأسماء و النّماذج التي يتناولها في بحثه من دلالات سياسيّة لا يمكن أن تخلو من وقع لدى القارئ سواء شعر به أم لم يشعر و سواء كان إيجابيا أو سلبيا.
وتمثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر أكبر نموذج يمكن أن يدرسه الباحث للعلاقة بين الشباب المتدين في العالم العربي و السّلطة الحاكمة كممثل رسمي للدولة الوطنية و يزيد قيمة هذا النّموذج وفرة المراجع و المصادر في موضوع البحث سواء كانت هذه المصادر الوثائق الحكومية الرسمية أو وسائل الإعلام بمختلف أنواعها أو أدبيات الجماعة أو حتى الرّسائل الجامعية التي نوقشت في بعض الجامعات العربية أو الغربية
كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر طرفا فاعلا في ثورة 1952 التي قادها الضّباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر 18 و محمد نجيب للإطاحة بالملك فاروق بل كانوا هم الطرف المدني الوحيد في هذه الثورة التي كان هدفها تخليص البلاد من الملكية الفاسدة، أما أهداف ما بعد السقوط و البرامج و مضمون الثورة و عقيدتها فلم يناقشه أحد أو على الأقل لم يناقشه الضباط الأحرار مع الإخوان بشكل علني و رسمي.
ما إن نجحت الثورة حتى ظهر جلياًّ تبرّم الطّرفين ببعضهما البعض فمن جهة بدأت أصوات إخوانية تتعالى هنا و هناك منادية بضرورة رجوع الجيش الى الثكنات و من جهة أخرى بدا واضحًا تبرّم الضّباط الأحرار بالإخوان الذين كانوا يقدّمون أنفسهم كعامل أساس في إنجاح الثورة و استمرارها.
في 26 أكتوبر 1954 وقعت حادثة محاولة اغتيال جمال عبد النّاصر المشهـــــــــــورة باسم حادثة المنشيّة19 ، و اتهمت السلطة الإخــــــــــــــــوان بهذه المحاولة فقامت السّلطة باعتقال القيادات الإخوانية و عدد كبير من المناضـــــــــلين و اعتبرت الجماعة طرفا معاديا للثورة و للوطن، و قامت وسائل الإعلام بحملة كبيرة ضد الجماعة بإيعاز من السلطة و منذ ذلك التاريخ تمّ التعامل مع الجماعة كهيئة خارجة عن القانون رغم أن جل أدبيات الإخوان ترى أن حادثة المنشية مسرحية افتعلها عبد الناصر و قيادة الثورة لإبعاد الجماعة و الاسلام من القيادة و كان من آثار هذه الحادثة إعدام عبد القادر عودة الفقيه الدستوري و الأستاذ الجامعي و الشيخ محمد فرغلي من علماء الأزهر و عشرات من القتلى (55 حسب الاحصائيات الرسمية) و المفقودين.
انطبعت علاقة الجماعة بالحكم النّاصري بطابع الصّراع أو المحنة كما يسمّيها الإخوان و لم تكن فترات الهدوء و السلام إلّا هدنا غير معلنة من الجانبين لأخذ الأنفاس و الاستعداد لمواجهة جديدة حتى جاءت اعتقالات 1964 التي شملت قواعد الإخوان و كلّ من يشتبه في انتمائه للجماعة بدعوى محاولة قلب نظام الحكم و أُعْدِم سيّد قطب و خمسة آخرون في 1966 و قتل المئات (350 حسب بعض المصادر غير الرسمية) و فقِد الآلاف ناهيك عن التعذيب و التشريد و مصادرة الأملاك.
أدرك أنور السّادات بعد تولّيه السّلطة أنّه في حاجة للمصالحة مع كل القوى السياسية بما فيها الإخوان لتعزيز سلطته الجديدة و تعزّزت علاقته بالإخوان أكثر بعد حرب أكتوبر 1973 20 و أجواء الصّراع العربي-الاسرائيلي، و لكنّ الموضوع الاسرائيلي نفسه هو الذي أفسدها بعد توقيع السّادات لمعاهدة كامب ديفيد و من ثمّ تدهورت العلاقة، و كان الإخوان من جملة من شملهم الاعتقال في 1981 فيما سُمّي بإجراءات التّحفظ و اغتيل السّادات في أكتوبر 1981 في حادثة المنصّة المشهورة و أعلنت حالة الطّوارئ التي مكّنت السّلطة من التّعامل الأمني السّريع و المتكرّر مع الجماعة شمل حظر النّشاطات و المراقبة و السّجن و الاعتقال على مستويات لم تكن كبيرة و لكنّها كانت دائمة و متكرّرة ممّا خلق (إلى الأبد) الصّورة الذّهنية و النفسيّة للسّلطة الحاكمة لدى الشباب المُتديّن في مصر ممّن ينتمون لهذه الجماعة أو يتعاطفون معها على الأقل 21.
و في المغرب اتّسمت علاقة الشباب المتديّن بالسّلطة بالكثير من التوتر و القلق و المواجهة في بعض الأحيان خاصّة مع جماعة العدل و الإحسان التي حُظر نشاطها و سُجن زعيمُها ثم فُرضَت عليه الإقامة الجبرية حتى وفاته منذ وقت قريب.
و في ليبيا اتسمت علاقة السلطة بالحركات الاسلامية بالحظر الشامل و اعتبار كل مرجعية غير مرجعية السلطة قوى رجعية يجب استئصالها و تصفيتها.
و في الجزائر عبر المشهد الدموي، الذي دام عشر سنوات و خلف حسب بعض الاحصائيات 160.000 ألف ضحية، عن المدى الذي يمكن أن يصل إليه الصراع بين شباب يرى أن لا مواطنة بدون إسلام و سلطة ترى أن الوطن فوق كل الأديان22 .
و في العراق و سوريا كانت السّلطة الحاكمة تتبنى الفكر البعثي الذي يرى أنّ الدّين هو أكبر معوقات النمو النفسي و الاجتماعي للشعوب العربية و أنه هو نفسه السّبب في كل الرّكود و التّخلف الحضاري للشعوب العربية فكان لا يمكن لعلاقة أنظمة الحكم بالحركات الاسلامية هناك إلّا أن تتسم بالصّراع الشامل، تجلّت أقصى صورة في مذبحة حماه الشهيرة عام 1982.
و في الأردن كانت تحالفات النظام مع الغرب و سلامه مع الإسرائيليين من أسباب الصراع الدائم مع الحركات الإسلامية رغم أن الظروف السياسية و الاجتماعية و الحسابات التكتيكية كانت تدفع هذه الأخيرة لإظهار الولاء و الطاعة للملك على طريقة الرابط المزدوج التي طورتها مدرسة بالو آلتو في الولايات المتحدة الأمريكية.
و في السودان انتهى زواج المتعة بين الاسلاميين و السلطة الانقلابية بكارثة سياسية على الإسلاميين أدخلتهم في دوامة من التّيه الفكري و الاجتماعي و السياسي و لكنها لم تنسهم -بل زادتهم قناعة- أنّ النظام الحاكم هو سبب بلائهم و تراجعهم 23.
لا نستطيع أن نمضي في سرد النّماذج حتى لا يطول بنا المقام كثيرا و إنّما تجدر الإشارة إلى أنّ هذه التجارب التي كانت مؤلمة في كثير من الأحيان قد أعقبتها صدور أدبيات إسلامية تؤرخ لهذه المرحلة و هي تدلنا -إنْ كنا بحاجة إلى دليل- على ما رسخ في نفوس و ذهنيّات شباب الحركة الإسلامية كأفراد ثمّ انسحب ليصير إحساسا مشتركا كما سندلّل على ذلك فيما بعد من قناعات مطلقة بشأن مواقف السّلطة الحاكمة و هي الممثل الرّسمي للدّولة الوطنية من الحركات الاسلاميّة بصفتها -في نظر نفســـــــها- المطالب الوحيد بالإسلام الحقيقي بكل أبعــــــــاده و يكفينا مجرّد قراءة بعض العناوين مثل: (نافذة على الجحيم)، (الموتى يتكلّمون) و (شهداء و قتلى في ظل الطغيان)، لندرك مدى عمق هذا الأمر و رسوخه على المستويين الفردي و الجماعي لدى هؤلاء الشباب.
إنّ مفهوم تتبّع الذّاكرة Memory trace في علم النّفس ليدلّ على أنّ النّسيان إذا طرأ على صفحة من صفحات الذّاكرة فإنّ المراكز العاطفيّة تتمسّك بنتف من هذا الموضوع ذات الأثر العاطفي العميق، و من هذا المنظور فإنّ شباب الحركة الإسلاميّة ليذكر عن تلك الفترة قصصا و عبارات تدلّ على مدى الشرخ الذي أصاب نظرتهم إلى الدّولة الوطنيّة من خلال تعامل السّلطة مع أفرادهم و معتقداتهم و من هذه القصص أنّ أحد شبابهم كان يصرخ تحت التعذيب يا الله ! يا الله ! فقال له أحد السّجّانين: لو جاء الله هنا لوضعته في الزنزانة معكم!
المبحث الرابع
الخصائص النفسيّة للشباب
الشباب في فترة المراهقة و ما بعدها:
المراهقة هي عملية تحول بدني، نفسي و فيزيولوجي مبرمجة جينيًّا في الحيز العمري بين 9 و 17 سنة حسب البيئة و الوراثة و الكثافة السّكانيّة فتبدأ باكرًا في المناطق الحارة و في المدن و تتأخّر قليلا في بلدان الشمال و في الأرياف و هي أسرع ظهورا عند الإناث منها عند الذّكور. و ليس من غرضنا في هذا البحث أن نفصل في التغيرات الفيزيولوجيّة التي تصاحب هذه الفترة بقدر ما يهمنا أن نعرف التغيّرات النفسية (ذهنية و سلوكيّة) التي تنجم عنها.
إنّ أوّل علامات البلوغ هو ظهور الشعر على السّاقين و عظم العانة و الإبط ثم ينمو الجسد بسرعة طولا و بنية و ينمو الثديان و الحوض عند الإناث بينما تظهر الشعرات الأولى لدى الذكور (زغب) منذ 12 سنة لتتحوّل إلى لحية عند الثامنة عشرة. و يصاحب الإفرازات الهرمونية ظهور حب الشباب عند الجنسين و يختلف من شخص الى آخر و قد يتطوّر بشكل كبير ليدلّ على جوانب سيكوسوماتية لدى الشاب المراهق كما يتغيّر الصّوت أيضا خاصّة عند الذكور ليأخذ طابعا رجاليًّا بين 12 و 15 سنة. أمّا عند الإناث فإن ظهور دماء الطّمث هو العلامة الكبرى لتحول الفتاة إلى امرأة قادرة على الإنجاب و ليس بعيدا عنها حدوث الاحتلام الأول عند الشباب و ما يصاحبه من أحاسيس.
لعلّ التّغييرات النفسية عند الشباب هي الأكثر بروزا و حدّة إذا ما قورنت بالتّغييرات النفسية في المراحل العمرية الأخرى و هي تثير الحيرة و الخوف و الشك التّساؤل لدى الذكر و الأنثى على السواء 24 . و من جهة أخرى فإن الرجال و النساء البالغين يحسون بالعجز إذا طُلب منهم وصف هذه التجربة التي عايشوها و مرّوا بها ثم تزداد الصعوبة إذا أردنا أن نصف مراهقة عامة تنطبق على كل الشباب و لذلك سنكتفي في هذه المقدمة بالخصائص النفسية المتعلقة بموضوعنا ! 25
جرت عادتنا في مؤسّسات علم النفس أن نشبّه المراهق بالطائر الصّغير الذي يبسط جناحيه لأوّل مرّة فيكبر فجأة و يأخذ حيزا في مكان كان الآخرون يظنّون أنه لهم بل كانوا يظنّون أنّ ذلك الطفل ملك لهم أيضا!، فيجرّ هذا مشاكل سوسيوعاطفية ذات امتدادات عديدة منها الرّغبة في اتّخاذ مثل جديدة قد تكون نفس مثل المجتمع الحاضن و لكنّها يجب أن تكون مختلفة عن مثل الكبار أو حتى معادية في بعض الأحيان وبهذا تأخذ الصعوبات السوسيوعاطفية للشباب المراهق طابعا سوسيوثقافيا يجد فيه الشباب بغيتهم بالنّظر لإلحاحات المراهقة: الاختلاف مع الكبار الذي يعني إثبات الهويّة و قطع العلاقة الانصهارية، الالتقاء مع الأقران الذين يبادلونه نفس التجربة فتتكوّن ديناميكيّة جماعيّة Dynamic group قوية جدًّا تُكوّن منظومة فكريّة جديدة يفهمها الشباب و يدافعون عنها بقوّة و اتّخاذ مثل جديدة تتمثل فيها هذه الوجهة و تصبح مصدر قوة و إلهام و تجميع للمجموعة لتحقيق الهدف المنشود26 .
و لكنّ قوّة الدّفاع عن الأفكار -المُثل الجديدة التي هي قناعات مطلقة غير قابلة للنقاش و الأخذ والرّد في عمومها- لا يجب أن تغفلنا عن حقيقة أنّ البنية الفكرية للشباب في فترة المراهقة عطوبة ثلومة قابلة للإيحاء و يمثل الجانب النفسي و مخالفة الكبار و موافقة المجموعة ركائز أساسية لهذا التفكير الجديد، و لا ننسى أن صعود الرغبة الجنسية يمثل -إلى جانب التّساؤلات حول المجتــــــــــــمع و دوره هو فيه- من أهمّ الدّوافـــــع التي تحكم وضعيّة الشاب و علاقته بالآخرين: أصدقاء، أساتذة، الوالدان، الإخوة و الأخوات؛ نقول هذا دون أن تكون لنا رغبة في حصر العالم النفسي للشباب في الدافعية الجنسية، كما ترى ذلك المدرسة التحليلية الفرويدية أو مدارس التحليل النفسي التي انبثقت منها 27.
بالنّسبة للوالدين فإن التّناقض الوجداني هو سيّد الموقف بين الرّغبة في الانعـــــــــــتاق و إعلان الهويّة الجديدة و الموروث الفكري و العاطــــــــــــفي الذي يحث على العكس من ذلك زيادة على حاجته الاقتصـــــــــــــاديّة، الاجتماعيّة و العاطفيّة للأسرة، و هو ما يوقّعه في مفارقة الرّغبة و الحاجة في علاقته مع الوالدين و الأسرة.
أمّا مع المربّين (أساتذة و غيرهم) فإن الشاب المراهق ينتظر منهم الاعتراف كما هو (أي كما ينظر هو إلى نفسه و يتمثلها)، و هو بحاجة إلى الفهم و الثقة و إلى من يجعله يحسّ بالمسؤولية و لكن أيضا إلى سلطة (سلطة مقبولة أي أنها مقنعة أو مؤقتة أو موفرة لمصلحة) توفّر الأمان و تضع الحدود لاندفاعاته التي سوف يتعرف عليها هو نفسه و يخشاها في بعض الأحيان إذا جرّب أو توقع آثارها النفسية و الاجتماعية ومن ثم يكون شيئا فشيئا حدودا ذاتية لشخصيته في المستقبل.
و هكذا فإن الرّغبة في التّحرر و الانعتاق تلتقي مع جنوح الى المثاليّة (بالمعنى العادي لا بالمعنى الفلسفي رغم أنه يستقي منه بعض الخطوط و الملامح) في الجنس و التّفكير و الأهداف و العلاقات لتكون مشكلات سوسيوعاطفيّة للشباب ينجرّ منها تعاقب بين النشوة و الاكتئاب (لا بالمعنى المرضي و لكن قد يتقاطع معه في بعض المظاهر أو يكون من مضاعفاته) 28 و تعتمد حدّة هذه المشكلات على عوامل كثيرة يهمنا منها -في بحثنا هذا- أن نذكر:
– العوامل الخارجيّة الاجتماعيّة و الثقافيّة.
– القدرة الذاتيّة على التّأقلم.
– الوسط الاجتماعي المصغّر (Micro society)، أي مجموعة الانتماء للشاب موضوع الاهتمام 29.
و تجدر الملاحظة أن انحرافات الشاب تجد تفسيرها في الرغبة في تلمس الحدود المتاحة أو كتعبير عن الفشل في إيجاد المثل التي ترسم وجهة المستقبل.
و أخيرا يرى كثير من الباحثين 30 أنّ المراهقة لم تكن موجودة في الماضي إلّا في شكل فـــــــضوليات جنسية و أنها ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالحضارة المعاصرة التي نقلت المراهقة من جسر للعبور بين الطفولة و الرجولة إلى مرحلة من مراحل العمر ذات خصائص و أبعاد و مظاهر و مشكلات و آثار ثقافية و اجتماعية و سياسية كبيرة على المجتمعات31 .
المبحث الخامس
الأسباب النفسيّة لعزوف الشباب المتديّن عن الخطاب الوطني في العالم العربي
إنّ الحيز المخصّص لهذا البحث لم يسمح لنا بعرض نتائج دراسة أجريت على عيّنه من الشباب المتديّن هم رواد مركز الشهاب للدراسات و البحوث الإسلامية الواقع بمدينة سطيف بالجزائر، ولذلك سنكتفي بالمسح الوثائقي كأحد مدخلي المنهج الوصفي التحليــــــــلي الذي اعتمدنا في دراســــــــــة هذه الظاهرة المعقّــــــدة و الذي بدونه أو بدون غيره من المناهج العلمية سوف نقع في الانطباعيّة التي هي أحد أسباب كبواتنا المتتالية 32.
إنّ دراسة علاقة الشباب المتديّن بالوطن و بالخطاب الوطني و بالسّلطة كمكوّنات ثلاثة لموضوع واحد ولكن قد تكون بينها فوارق جسيمة تدخل تحديدا في لبّ موضوعنا. إنّ هذه الدّراسة لابد أن تمرّ عبر عدّة مستويات فكريّة و سلوكيّة قبل أن نصل إلى النّتيجة النفسية كمحصّلة لأفكار و استجابات و ردود أفكار سلوكيّة على واقع معين 33.
المستوي الفكري:
1. نظرة الإسلام إلى الوطن و المواطنة:
يؤكد الإســــــــــــــلام أن التعلق بالوطن أمر «فطري›› و أنّ الدّفاع عن كل «شبر» من أرض السّلام واجب كل مســــــــلم و عندما خرج نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلم من مكّة؛ التفت إليها قائلا: (إني لأعلم أنّك أحبّ بلاد الله إليّ و أكرمه على الله، و لولا أنّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت) 34، و هذه نادرة في التاريخ الانساني أن يخاطب رجل أرضًا و وطنًا بمثل تلك العاطفة الجيّاشة، ولمّا وصل أبو بكر و بلال إلى المدينة المنورة أصابتهما الحمّى من شوقهما الى مكّة، فكان أبو بكر يقول:
كل امــــــرئ مصبّح في أهــــــــله و الموتُ أدنى من شــــــــراك نعله
و كان بلال يقول:
ألا ليت شعـــــري هل أبيتـنّ ليلة بواد و حولي إذخــــــر و جليـل
و هل أردنّ يوما ميــــــاه مجنة و هل يبْدونّ لي شامـة و طفيل

لم يتغنّيا بالكعبة و الحرم و المشاعر و لكن تغنّوا بالشّجر و الجبل أي مكونات الوطن-الأرض، فقال نبي الله صلى الله عليه و سلم: (اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشدّ) 35 و هذا ما يشير إلى أن الوطن في الإسلام قابل للتّمدّد و التّوسع ؟. و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا قدِم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته، و إن كانت دابّة حرّكها من حبّها 36، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: و في الحديث دلالة على فضل المدينة و على مشروعيّة حب الوطن و الحنين إليه.

2. الخطاب الإسلامي حول الوطن و المواطنة:
تميّز الخطاب الإسلامي حول موضوع الوطن و المواطنة بالتّردد و الاضطراب والتّناقص فهو من جهة يرى أنّ الوطن العربي جزء من أرض الإسلام و أنّ الدفاع عنه و الموت في سبيله أمنية كلّ مسلم، و أنّ شراء منتوجات الوطن الصناعية و الزراعية هو التصرف الواجب على كل مسلم، و يدخل في باب الولاء و البراء و ما يسمى بالمواطنة الاقتصادية بالتعبير الحديث و أن الالتزام لقوانين البلاد عمل مشروع و أنّ مصلحة الجماعة (أي الشعب) فوق المصالح الفردية و الآنية؛ إلى غير ذلك من الأدبيات المعروفة، و لكن بالمقابل نجد أنّ الخطاب الاسلامي لا يكتفي بهذا بل إنّ من أبجدياته أن الإسلام هو الوطن الكبير لكلّ مسلم و أنّ ‹›الوطن›› الإسلامي هو من طنجة إلى جاكرتا 37 و أنّ الخلافة الاسلامية هي النظام السياسي الإسلامي الشرعي الوحيد الذي يسعى إلى تحقيقه المسلم 38 و أنّ «الدويلات» الإسلامية المعاصرة ما هي في أحسن الأحوال إلّا مراحل في طريق الخلافة المنشودة بل هي في رأي الكثير من الإسلاميين عقبات في تلك الطّريق فهي صنعة غربية بريطانية أو يهودية و موروث استعماري ووليدة فكر بعثي شيوعي قومي متطرف يريد أن يفصل العروبة عن الإسلام و لسان حاله يقول:
بلاد العرب أوطـــــــــــــاني وكل العرب إخــــــــــــــواني
و دين الله لي ديــــــــــــــــن بإنجيل و توراة و قرآن
و قد يمتد هذا الطرح لمسافات أبعد فيرى أن الوطنية من صور الجاهلية الحديثة بل هي شرّ من الجاهليـــــــــــة الأولى و أنّ المسلم يعيش غربة مثل غربته في مكة في الزمان الأول و أنّ الحكومات العربية صنائع استعمارية دينها العمالة و إرضاء الغرب و تعمل على تنفيذ خطط الغرب و بروتوكولات حكماء صهيون و أنّ التّمكين للدّين لا يتأتّى إلّا عبر تحطيم الأصنام كلّها.
3. رؤية الغير للخطاب الإسلامي حول المواطنة:
أ. رؤية الحكومات العربية لخطاب الاسلاميين حول المواطنة:
خضعت رؤية الحكومات العربية لخطاب الإسلاميين حول المواطنة إلى طبيعة العلاقة التي كانت تقيمها تلك الحكومات مع الإسلاميين و مع الفصائل المختلفة، فهم وطنيون متمسّكون بالثوابت غيورون على مصلحة الوطن و الشعب في فترات الودّ و الوفاق، و هي العلاقة السّائدة في دول الخليج مثلا في الغالب الأعم، و هم معادون للوطن موالون لجهات أجنبيّة يريدون أن يصلوا إلى السّلطة بالقوّة، لا يؤمنون بالدستور و لا بالقوانين و لا يقبلون بها إلّا ريثما يتسلّمون السلطة فيغيّرون كل شيء و يكبلون كل الحريات و يقيمون دولة الخلافة. غير أنّ العقد الأخير-و خاصة مع دخول كثير من الأحزاب الإسلامية إلى الساحة السياسية و حصول بعضها على نتائج بل ووصولها إلى السلطة- بدأ خطاب السّلطة يميل إلى الاعتدال و يدرج تلك الأحزاب ضمن المعارضة العادية التي يحق لها دخول الانتخابات وإدارة شؤون البلاد.
ب. رؤية القوى الوطنيّة و العلمانيّة و اليساريّة للخطاب الاسلامي حول المواطنة:
لقد خضعت هذه الرؤية محل سابقتها للعوامل الظرفية و التّحالفات التكتيكية، و لكنّ رؤية باقي القوى لخطاب الإسلاميين حول المواطنة اتسم بالريبة و التشكيك و اعتبار الإسلاميّين غير صادقين في خطاباتهم الوطنية بحكم مرجعيتهم الخاصة و أهدافهم البعيدة و امتداداتهم الدولية مع باقي الحركات الإسلامية أو ما كان يعرف بالأمميّة الإسلاميّة في مقابل (الأمميّة الاشتراكيّة Socialist international) التي كانت سائدة في وقت من الأوقات.
جـ. رؤية الاعلام العربي لخطاب الاسلاميين حول المواطنة:
إنّ الإعلام بطبيعة وظيفته مشكّك متردّد وهو من جهة أخرى يتبع غالبا السلطة أو القوى و الحركات المناوئة للإسلاميين و لذلك فإن موقفه من الخطاب المذكور، في الغالب الأعم، التشكيك و طرح التساؤلات و إبراز التناقض في ذلك الخطاب بين قلة معتدلة -كما يرى العلمانيّون و كثرة من الإسلاميين حسب الإعلام العربي- لا تؤمن بالديمقراطيّة و العربيّة و يتّهمونها بالخلاصيّة (التي تدعي تخليص البشر من شرور العالم)، و الطوباوية (التي تذمّ الحاضر و تبشّر بحلول عالم متغيّر)، و الانفصام التام عن الواقع الاجتماعي و السياسي و انعدام الوعي بموازين القوى الدّولية التي تكاد تتحكّم في كلّ شيء.
المستوى السلوكي:
1. سلوك السّلطة الحاكمة كممثل للدولة الوطنية مع الشباب المتديّن و الحركات الإسلامية:
ساهمت الظروف التاريخية و السياسية لنشأة الدولة الوطنية في العالم العربي على ميل السلطات في تلك الدول إلى اتخاذ موقف سلبي في الغالب الأعم من الحركات الاسلامية و الشباب المتديّن على العموم، من جهة أنها كانت ترى فيه تهديدًا مستمرًّا لسلطتها و مصــــــــدر ازعاج و تشكيك في شرعيتها و عامل تهديد للوحــــــدة الوطنية و الأمن الاجتماعي زيادة على ما كانت تمليه الظروف الدولية من تعامل مع الإسلام السياسي في الوطن العربي.
2. سلوك الشباب المتديّن و الحركات الاسلامية مع السّلطة الحاكمة كممثل للدّولة الوطنيّة:
ساهم الماضي التاريخي الذي اتسم بالصراع بين الحكومات العربية و الشباب المتديّن و المرجعيّات الفكرية المختلفة بل و المتناقضة في بعض الأحيان إلى نشوء سلوك اتسم بالسّلبية من جهة الشباب المتديّن تجاة السلطة الحاكمة التي كانوا يرونها عقبة في طريق الإصلاح و عائقا كبيرا من عوائق الدعوة الإسلامية فاتخذت معارضتهم أشكالا عدّة تراوحت حسب الظروف و البلدان من الحياد السّلبي و الانكفاء على الذّات (الجماعة) 39إلى المعارضة المسلحة أحيانا.
يتضح من كل ما سبق المبادئ التالية:
أ. تضرب التصوّرات الإسلاميّة بجذورها في البناء الاجتمـــــــاعي للأمّة العربية كما أنّها ترتبط بذاتيّة الشخصيّة العربيّة و تطوّرها عبر المراحل متباينة.
ب. لعبت متغيرات اجتماعية سياسية و ثقافية دورا حاسما في تحديد أنماط التصورات الاجتماعية للمواطنة في المجتمعات العربية.
جـ. تختلف هذه التصورات بين الشباب المتديّن نفســـــــــــه حسب قوة هذه المتغيرات من بلد لآخر و في البلد نفسه و حسب الاستيعاب الشخصي سلبا او إيجابا لتلك المتغيرات الذي تعتمد على عوامل شخصية كثيرة منها المستوى الثقافي و التجارب السابقة.
د. تعتبر التصورات الاجتماعية منظومات فكرية40 Cognitive shemes أو مراشح فكريّة يصنف و يفهم و يفسر من خلالها الشباب المتدين –مثل باقي افراد المجتمع- المعلومات التي يتلقونها.
هـ. إنّ علاقة نُخَب الشباب المتديّن بأجهزة الدّولة واضحة نوعا ما (مع إدراكنا لما في التّعميم من مجازفات) إذ أنها تقوم في عمومها على قبول النظام السّائد مؤقتا حتّى تتمكّن من إحداث التّغيير الاجتماعي كمقدّمة للتغيير السياسي وحتى تتمكن من الاستفادة من قواعد اللعبة الديمقراطية لصالحها. و لكنّ الأمر لدى قواعد الجماعات الإسلامية التي هي موضوع بحثنا يختلف إذا أدخلن في الحُسبان أن القواعد الأقل ثقافة و الأكثر حماسا للفكرة تشكك في نية الأنظمة و في شرعيتها من الأساس و في حقيقة قبولها بالدّيمقراطية إذا جاءت بالإسلاميّين إلى السّلطة و في حقيقة إخلاصها للوطن نفسه فكريًّا (تبعيًة للغرب) و سلوكيا (الفساد).
و. تنقسم الأسباب النفسية لعزوف الشباب عن الخطاب الوطني إلى نوعين من الأسباب:
– عامة لكل الشباب.
– خاصة بالشباب المتدين.
و يمكن إجمال الأسباب العامة لعزوف الشباب عن الخطاب الوطني الى المحاور التالية:
– فساد السّلطة المالي و الإداري و الأخلاقي.
– غياب النماذج الوطنية القوية.
– ضعف المنظومة الفكريّة التي تقوم عليها السّلطة.
– ضعف الأداء السّياسي و الاجتماعي و الاقتصادي.
– الفروق الاجتماعية و تباين فرص النّجاح.
– بروز نماذج أجنبيّة غربيّة و غيرها ناجحة.
– العمل الإعلامي الذي يسير في غالب الأحيان في غير مصلحة السّلطة (مدونات، فضائيات،….)
– رغبة الشباب في التّغير و جنوح السّلطة إلى الجمود نظما و أشخاصا.
الأسباب النفسيّة الخاصة بالشباب المتدين
• إن النّمو العقلي للشباب المتديّن قائم -مثلهم مثل باقي الشباب- على التّفكير المجرد و المثالي بنزعة رمزيّة قائمة على الشك و التّساؤل و التّخلي المفاجئ عن التّفكير الصوَري الحسّي التّصديقي الذي ميّز فترة الطفولة من قبل و من ثمّ إخضاع كل شيء للمساءلة النقدية و المحاكمة الفكريّة الصّريحة و منها المؤسّسات الرّسميّة سياسيّة كانت أو دينيّة أو غيرها41 .
• يرى كثير من المختصين أن التربية الدينية تنحو بالشباب إلى اكتساب شخصية ذات هوية مانعة (identity farclosed person) من بين الخيارات الأخرى المتاحة: الهوية المائعة أو الغير المحددة (identity diffused person) والمؤجّلة (Aperson in identity moratorium) والمحققة والتي من خصائصها أنها لا يمكن أن تتغير إلا من الداخل (أي بخطاب يفهم الشاب أنه خطاب يستجيب لكل المقاييس العقلية والنفسية التي حددها هو مسبقا وفقا لعقيدته الدينية التي يؤمن بها إيمانا مطلقا.).
• إن الدول العربية الحريصة على النّمو الاجتماعي لطبقاتها الشبانية يجب أن تعلم أن جماعات الأقران هي أهم السّياقات الاجتماعية للشاب والمراهق وتكون أفكارهم ومعتقداتهم مرتبطة -في هذه المرحلة المتّسمة بالانفصال العقلي عن سلطة الأبوين وبالحاجة إلى الانتماء- بأحكام وتوقعات الأخرين ذوي الدلالة بالنسبة لهم ويكون معظمهم من الجماعة أو التيار الدّيني الذي ينتمي إليه هؤلاء الشبان. وقبل أن يدخل الشاب في المرحلة الأخيرة لتشكل الإيمان و الانتماء الديني والتي تتسم بالتّفسير الذاتي من خلال التأمل والتفكير حيث يضعف دافع موافقة الجماعة الصغيرة ويدخل في الحسبان معطيات أخرى فكريّة وسلوكيّة ومصلحيّة ويكون للاعتبارات الاقتصاديّة دور أساسي في هذه المرحلة.
• بناء على ما سبق فإن من العبث فرض الدين المؤسسي أي الاجتماعي instititional religion على الشباب في هذه المرحلة بل يمكن التعامل معهم بتقديم نماذج وقدوات متدينة تستهوي الشباب وتكون واسطة بينهم وبين الدّين الرسمي المؤسّس الذي يرفضونه.
• إننا والمقام مقام دراسة لهذه العلاقة بين الشباب المتدين والوطن يجب أن نطرح الأسئلة الحقيقيّة المباشرة: هل هذه النظرة هي «الدين « أم أنها متعلقة بفهم معين للدّين، أم أن الدّين عنصر واحد في تشكل هذه النظرة إلى جانب معطيات أخرى سوسيو ثقافية؟
• وبعيدا عن تعريف الدين والتدين والإيمان يهمنا أن نذكر القارئ بمكونات أساسية تنظم تعريف الإيمان وهي:
– العنصر العقلي: intellectual element والذي يتعلق بالمضمون المعرفي للإيمان.
– العنصرالانفعالي:Emotional element الذي هو في أوجه لدى الشباب المتدين.
– العنصر الطّوعي أو الاختياري the volutional element.
ممّا يؤكّد على مفهوم الطاعة والاذعان في الايمان والتي هي متولّدة عن الاقتناع و الانفعال.
• و قد اختلفت نظريّات الباحثين الاجتماعيين المفسّرة لنمو الإيمان و الالتزام الدّيني فبينما يراه فويلر42 james fowler خبرة إنسانيّة طبيعيّة وجوديّة تفاعليّة تتميز بالتّطور و النسبيّة، نجد أن بروس باورز bruce powers يراه عمليّة دوريّة تمكن الإنسان من التّأقلم مع الظروف و مطالب الحياة ولذلك فهو يقسّمه إلى مسارات تبدأ بالمسار الأول الذي هو التّنشئة nurture مرورا بالمسار الثاني الذي هو التّلقين indoctrunation فالثالث الذي هو اختبار الواقع reality testing فالرابع الذي هو التّفضيل والاختيار لنصل أخيرًا إلى المسار الخامس وهو الاخلاص للإيمان active devotion ويقسم جون وستر هوف43 J.H. Westherhoff التّجربة الإيمانية إلى مراحل: مرحلة الإيمان التّجريبي ثمّ مرحلة الانتساب إلى الجماعة ثم مرحلة الإيمان والاستكشاف وأخيرا مرحلة الإيمان الذاتي أو الخاص Owned faith.
وإذا كان مجال هذا البحث لا يتسع للتعرض لهذه النظريات وغيرها بالتفصيل و الدراسة فإننا نؤكد -تبعا للدكتور مهدي محمد القصاص – على الدلالة التطبيقية لنظريات النمو الديني من خلال الأسس التالية:
o الدين أو الإيمان مفهوم و حالة دينامية و ليس مفهوما أو حالة ثابتة غير قابلة للتّطبيق.
o يؤثر السياق الاجتماعي بشكل دينامي و فاعل على النّمو الديني.
o تشهد مرحلة المراهقة تحوّلا حادًّا في النمو و الالتزام الديني.
o لا بد أن ينشأ الشباب وفقا للمعايير الدينية.
o يرتبط النمو بالحياة الفريدة و المميزة للفرد.
o يتضمن النمو الديني التفاعل بين ثلاثة مكونات: المعرفة، الاتجاهات و القيم، الأفعال و السلوك.
o يحتاج الشباب إلى المساندة و الدعم و التشجيع غير المشروط.
o يجب أن تعكس عملية التعليم ثوابت النمو الذي كشفت عنه نظريات النمو الديني.
و من خلال هذه التوطئة يتضح ما يلي:
• عدم مراعاة الخطاب الإعلامي و التربوي الديني و الوطني لمطالب النمو النفسي لكل مجموعة عمرية Age group.
• عدم فهم المؤشرات السلوكية للالتزام الديني و الوطني عند الفئات الشبابية مما يوقع الدوائر المهتمة بسلوك الشباب في أخطاء جسيمة في التقدير و التعامل45.
• عدم إدراك الدّوائر التي تهتم بالشباب المتديّن أنّ بين الالتزام الدّيني و النّمو الإيماني تماسا tangantiel بحيث لا يمكن أن يأخذ الشاب مفاهيمه الدّينية إلّا ممّن يرى فيه القدوة و الأهليّة لذلك الأخذ و التّلقي.

الهوامش:
1. قدري قلعجي، الثورة العربية الكبرى 1919-1925، ط1، شركة المطبوعات للتوزيع و النشر، ص29.
2. السعيد الأفغاني، من حاضر اللغة العربية، دار الفكر.
3. قلعجي، ص226.
4. قلعجي، ص227.
5. قلعجي، ص415.
6. قلعجي، ص405.
7. قلعجي، ص80.
8. قلعجي، ص153.
9. قسطنطين زريق، أيّ غد؟، دار العلم للملايين، بيروت، ص53.
10. عبد الله عبد الدائم، الإيديولوجية القومية العربية، ص5.
11. محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، التاريخ المعاصر، المكتب المعاصر، المكتب الإسلامي، مج 13، ص145.
12. عبد الله بن سعيد آل عبود القحطاني، قيم المواطنة لدى الشباب و إسهامها في تعزيز الأمن الوقائي،رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2010، ص 44.
13. القحطاني، ص 29.
14. القحطاني، ص 30.
15. القحطاني، ص 36.
16. القحطاني، ص 40.
17. القحطاني، ص 42.
18. شاكر، مج 13، ص117.
19. شاكر، مج 13، ص111.
20. شاكر، مج 13، ص175.
21. شاكر، مج 13، ص197.
22. مركز دراسات الوحدة العربية، الأزمة الجزائرية، الخلفيات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، بيروت، 1999.
23. شاكر، مج 13، ص429.
24. J-D. Guelfi et F. Rouillon, Manuel de psychiatrie, Masson ed. 2007, p 431.
25. Washington DC, APA, DSM-IV-TR Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux, 2000.
26. Psychologie, Société Algérienne de recherché en Psychologie, n7, 1998, p5.
27. E. Kestemberg, Natule sur la crise de l’adolescence. De la déception à la conquête, Adolescence, 2001, p 105.
28. J-D. Guelfi et F. Rouillon, Manuel de psychiatrie, Masson ed. 2007, p 439.
29. J-D. Guelfi et F. Rouillon, p 65.
30. B. Bensmail. La psychiatrie aujourd’hui, L’OPU. Alger 1993.
31. J-D. Guelfi et F. Rouillon, p 85.
32. مقدم عبد الحفيظ، الإحصاء و القياس النفسي و التربوي مع نماذج من المقاييس و الإختبارات، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993، ص 254.
33. فاخر عاقل، مدارس علم النفس، دار العلم للملايين، 1987، ص 149.
34. أخرجه أبو يعلى في مسنده (2662)، و ابن سيد الناس في عيون الأثر.
35. أخرجه البخاري في الصحيح (3926)، و مسلم (1376).
36. البخاري (1708).
37. محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، مفاهيم حول الحكم الإسلامي، المكتب الإسلامي، مج 9، ص23.
38. شاكر، مج 9، ص29.
39. P. Denis (sous la direction de), Sectes, ed. SARP, 2003, p 133.
40. B. Cadet, Psychologie cognitive, ed. in Press, 1989, p 270.
41. C. Mariné et C. Escribe, Histoire de la psychologie générale, ed. in press, 1989, p61.
42. J. Fowler, Théologie et psychologie dans l’étude du développenent de la foi. In: Concilium n196. 1982. P146.
43. J.H. Westherhoff, Generation to generation. Conversations on religious education and culture. 1974.
44. مهدي محمد القصاص، علم الاجتماع الديني، عامر للطباعة و النشر، 2009، ص 172.
45. فيصل عباس، التحليل النفسي للشخصية، دار الفكر اللبناني، 1994، ص 338.

المراجع
1. فيصل عباس، التحليل النفسي للشخصية، دار الفكر اللبناني، 1994.
2. فاخر عاقل، مدارس علم النفس، دار العلم للملايين، 1987.
3. مهدي محمد القصاص، علم الاجتماع الديني، عامر للطباعة و النشر، 2009.
4. محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، التاريخ المعاصر، المكتب الإسلامي، ج13.
5. محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، مفاهيم حول الحكم الإسلامي، المكتب الإسلامي، ج9.
6. مقدم عبد الحفيظ، الإحصاء و القياس النفسي و التربوي مع نماذج من المقاييس و الإختبارات، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993.
7. مركز دراسات الوحدة العربية، الأزمة الجزائرية، الخلفيات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، بيروت، 1999.
8. السعيد الأفغاني، من حاضر اللغة العربية.
9. عبد الله بن سعيد آل عبود القحطاني، قيم المواطنة لدى الشباب و إسهامها في تعزيز الأمن الوقائي، رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2010.
10. عبد الله عبد الدائم، الإيديولوجية القومية العربية.
11. قدري قلعجي، الثورة العربية الكبرى 1919-1925، ط1، شركة المطبوعات للتوزيع و النشر.
12. قسطنطين زريق، أيّ غد؟، دار العلم للملايين، بيروت.
13. B. Bensmail. La psychiatrie aujourd’hui, L’OPU, Alger 1993.
14. B. Cadet, Psychologie cognitive, ed. in Press, 1989.
15. J. Fowler, Théologie et psychologie dans l’étude du développenent de la foi, In: Concilium n196, 1982.
16. E. Kestemberg, Natule sur la crise de l’adolescence, De la déception à la conquête, in: Adolescence, 2001, p 105.
17. J-D. Guelfi et F. Rouillon, Manuel de psychiatrie, Masson ed. 2007.
18. C. Mariné et C. Escribe, Histoire de la psychologie générale, ed. in press, 1989.
19. P. Denis (sous la direction de), Sectes, ed. SARP, 2003.
20. Psychologie, Société Algérienne de recherché en Psychologie, n7, 1998.
21. APA, DSM-IV-TR Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux, Washington DC, 2000
22. J.H. Westherhoff, Generation to generation, Conversations on religious education and culture. 1974

[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.