حصريا

الشوك والقرنفل بعد الطوفان – أ.براهيمي مروة شهرزاد -الجزائر-

0 145

الشوك والقرنفل بعد الطوفان: حين يعيد الواقع قراءة الرواية

ليست كل الروايات التي تتناول فلسطين تنتهي بانتهاء صفحاتها. بعضها يظل مفتوحاً على أسئلة الواقع، كأن الحكاية لم تُكتب لتروي ما حدث فحسب، وإنما لتضع القارئ أمام ما يمكن أن يحدث أيضاً. ومن هذه الزاوية تبدو رواية «الشوك والقرنفل» نصاً يستحق أن يُعاد النظر إليه اليوم، لا باعتبارها رواية تحكي مرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية فحسب، وإنما باعتبارها عملاً سردياً تتقاطع فيه الذاكرة مع المقاومة، والخوف مع الشجاعة، والهوية مع سؤال الموقف.

لقد أعاد السابع من أكتوبر وطوفان الأقصى قراءة كثير من النصوص التي تناولت فلسطين، لأن الأحداث الكبرى لا تغيّر الواقع وحده، بل تغيّر أيضاً طريقة قراءتنا للأدب الذي سبقها. وما بدا للقارئ في زمن سابق تفصيلاً روائياً أو تخييلاً سردياً، قد يكتسب بعداً آخر حين يضعه في مواجهة أحداث جاءت لاحقاً. ومن هنا يبرز السؤال: هل كانت «الشوك والقرنفل» تتنبأ بما سيحدث، أم أنها كانت أكثر عمقاً من ذلك؛ كانت تلتقط بنية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتقرأ ملامحه ومآلاته قبل أن يأتي الواقع ليكشف بعض ما التقطه السرد؟

والاحتراز هنا ضروري؛ فليس من المنهجي أن نحول الرواية إلى كتاب نبوءات، ولا أن نقرأ كل تفصيل فيها باعتباره إشارة مسبقة إلى حدث وقع بعد سنوات. لكن الأدب قد يمتلك قدرة مختلفة على الاستشراف؛ فهو لا يعرف المستقبل بالضرورة، وإنما يفهم الحاضر بعمق يجعل بعض احتمالات المستقبل قابلة للظهور في النص. فالكاتب الذي يلتقط طبيعة الاحتلال، وعلاقة الفلسطيني بأرضه، وآليات المقاومة، ومظاهر القمع، وحالة الخوف والانقسام والتخاذل، يستطيع أن يرسم، من داخل الواقع نفسه، احتمالات لما قد يأتي.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة «الشوك والقرنفل»: أنها لا تجعل القضية الفلسطينية مجرد خلفية للأحداث، وإنما تجعلها جزءاً من تكوين الشخصيات نفسها. فالشخصية في الرواية ليست فرداً معزولاً عن سياقه؛ إنها في كثير من الأحيان موقف من فلسطين، وصورة من صور علاقتها بالأرض والاحتلال والمقاومة والذاكرة.

ولذلك فإن قراءة الشخصيات بوصفها شخصيات روائية فقط قد تحرم النص من طبقة دلالية مهمة. ثمة شخصيات يمكن أن تُقرأ باعتبارها تمثيلاً للمقاوم الذي يرى في الأرض قضية ووجوداً، وشخصيات أخرى تجسد الخوف، أو العجز، أو محاولة التكيف مع واقع مفروض، أو ذلك النوع من الاستسلام الذي يبحث لنفسه عن مبررات أخلاقية.

ومن أكثر المظاهر دلالة في هذا السياق حضور خطاب من قبيل: «دع الخلق للخالق»، حين يتحول من عبارة في سياقها الديني والأخلاقي إلى وسيلة لتبرير الانسحاب من المسؤولية. فالمشكلة ليست في العبارة ذاتها، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يُوظف بها خطاب ديني لتسكين الضمير أمام واقع يتطلب موقفاً. وهنا يتحول الكلام من مجرد جملة إلى علامة على أزمة أعمق: متى يصبح التدين غطاءً للعجز؟ ومتى تتحول الرغبة في تجنب الصدام إلى تخلي عن المسؤولية؟

هذه الأسئلة تجعل صراع الشخصيات في الرواية أوسع من صراع أفراد؛ إنه صراع بين رؤى مختلفة لمعنى الانتماء. فالهوية لا تظهر في النص باعتبارها اسماً أو نسباً أو مكان ولادة فحسب، وإنما باعتبارها اختياراً وموقفاً وذاكرة. ومن هنا يمكن فهم «صراع الهوية» بوصفه واحداً من المفاتيح المهمة لقراءة الرواية: من أنا حين تصبح الأرض التي أنتمي إليها محتلة؟ وما معنى أن أنتمي إلى قضية إذا كان انتمائي لا ينتج موقفاً؟

ولعل هذا ما يجعل المقاومة في الرواية تتجاوز صورتها العسكرية المباشرة. فهناك مقاومة الذاكرة، ومقاومة النسيان، والتمسك بالأرض، وحفظ الأسماء، واستعادة الحكايات، ورفض تحويل الاحتلال إلى أمر طبيعي. إن الرواية نفسها، حين تحفظ أسماء الأشخاص والأمكنة والتجارب، تمارس شكلاً من أشكال مقاومة المحو.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً عند النظر إلى توظيف أسماء شخصيات حقيقية مرتبطة بتاريخ المقاومة الفلسطينية، مثل الشيخ أحمد ياسين. فاستحضار اسم شخصية تاريخية معروفة داخل العمل الروائي ليس تفصيلاً بريئاً بالضرورة؛ إنه يفتح جسراً بين عالم التخييل وعالم الذاكرة. وحين يدخل الاسم الحقيقي إلى النسيج الروائي، فإنه يحمل معه ذاكرة كاملة، ويستدعي مرحلة ورمزاً وموقفاً وشخصية تتجاوز حدود السرد.

إن الرواية بذلك لا تكتفي بأن تقول إن هناك مقاومين، بل تستحضر أسماء ارتبطت في الوعي الفلسطيني والعربي بالمقاومة، فتمنح المتخيل الروائي اتصالاً مباشراً بالتاريخ. ويصبح الاسم نفسه وثيقة رمزية: حضوراً يرفض أن يُمحى من الذاكرة.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الذاكرة في «الشوك والقرنفل». فالاحتلال لا يقوم على السيطرة على المكان وحده؛ ثمة صراع موازٍ على الرواية التي سيُكتب بها تاريخ المكان. من يملك الأرض يريد أن يملك حكايتها، ومن يريد محو الإنسان يبدأ بمحو ذاكرته. ولذلك يصبح السرد فعلاً مضاداً للنسيان.

ولعل أكثر ما يجعل العودة إلى «الشوك والقرنفل» اليوم إثارة للانتباه تلك المفارقة التي لا يمكن للقارئ أن يتجاوزها بسهولة: كاتب الرواية التي أُنجزت في الأسر عام 2004 هو نفسه يحيى السنوار، الرجل الذي سيصبح بعد نحو عقدين أحد أبرز القادة المرتبطين بالتخطيط لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023. أي أننا أمام نص سبق الحدث بقرابة تسعة عشر عاماً؛ نص كتبه رجل كان يومها أسيراً في سجون الاحتلال، ثم خرج الزمن ليضع صاحبه في قلب الحدث الذي أعاد تشكيل الصراع.

فهل كانت الرواية، بكل ما تتضمنه من تصور للمقاومة والصراع، مجرد استعادة أدبية لواقع عاشه الفلسطينيون، أم أنها تكشف، بأثر رجعي، عن رؤية كانت تتجاوز استحضار الماضي إلى تصور المستقبل؟ وهل يمكن أن تكون بعض الأفكار التي ظهرت في الرواية قد شكلت جزءاً من الوعي الذي قاد لاحقاً إلى التخطيط؟

لا تملك الرواية وحدها ما يكفي لإثبات أن «الشوك والقرنفل» كانت مخططاً مسبقاً لطوفان الأقصى، وسيكون من المتسرع نقدياً تحويل هذا التزامن إلى دليل. لكن المفارقة الزمنية تظل شديدة الدلالة: رجل كتب عن المقاومة في الأسر سنة 2004، ثم أصبح بعد تسعة عشر عاماً أحد أبرز مهندسي حدث عسكري هزّ إسرائيل والمنطقة. وهنا لا تعود قيمة الرواية في كونها «تنبأت» بالطوفان بالمعنى الحرفي، وإنما في السؤال الذي تتركه معلّقاً أمام القارئ: هل كان النص يروي ذاكرة المقاومة فقط، أم كان يكشف أيضاً عن العقل الذي سيظل يفكر في مستقبلها؟

وهذا يقودنا إلى مفارقة لافتة: قد تكون الرواية التي تتحدث عن الماضي أكثر قدرة على مخاطبة الحاضر من بعض النصوص التي كُتبت عنه مباشرة. فالكاتب حين يستعيد الماضي الفلسطيني لا يستعيد زمناً منتهياً، وإنما يعيد بناء جذور الحاضر. وما دام الصراع لم ينته، فإن الأسئلة التي ولدت داخل الرواية تظل قابلة لإعادة الظهور.

ولذلك، حين نعود إلى «الشوك والقرنفل» بعد طوفان الأقصى، لا ينبغي أن يكون سؤالنا الوحيد: «ماذا تنبأت الرواية؟» بل ربما يكون السؤال الأهم: «ماذا فهمت الرواية من طبيعة الصراع حتى بدت بعض صورها قريبة من واقعنا اللاحق؟»

إن الفرق بين السؤالين كبير. الأول يبحث عن نبوءة، أما الثاني فيبحث عن وعي أدبي وسياسي وتاريخي.

والأدب لا يحتاج إلى أن يعرف المستقبل كي يكون استشرافياً. يكفي أحياناً أن يرى الحاضر بوضوح لا نملكه نحن.

لهذا تبدو قراءة «الشوك والقرنفل» اليوم أشبه بعملية انعكاس متبادل: نحن نقرأ الرواية في ضوء الواقع، والواقع يعيد بدوره إضاءة الرواية. وما كان يبدو في الماضي جزءاً من عالم متخيل يصبح اليوم مدخلاً إلى فهم أسئلة ما زالت قائمة: سؤال الأرض، والهوية، والمقاومة، والخوف، والتخاذل، والذاكرة.

وربما تكمن أهمية الرواية الأعمق في أنها لا تسمح لنا بأن ننظر إلى الفلسطيني بوصفه رقماً في نشرة أخبار أو اسماً في سجل تاريخي؛ إنها تعيده إلى موقع الإنسان الذي يحب ويخاف ويتردد ويقاوم ويخطئ ويختار. ومن خلال هذه الإنسانية تحديداً يصبح الصراع أكثر وضوحاً، لأن الاحتلال لا يواجه حجارة وأرضاً فقط، وإنما يواجه إنساناً يريد أن يحتفظ بحقه في أن يكون نفسه.

وبعد الطوفان، تبدو «الشوك والقرنفل» جديرة بقراءة جديدة، لا لتأكيد أنها «تنبأت» بما حدث، وإنما لاكتشاف ما كان الأدب قد التقطه مبكراً من بنية الواقع. وربما يكون هذا هو الامتحان الحقيقي للأدب: ألا يكون مجرد مرآة للحظة، بل أن يمتلك من عمق الرؤية ما يجعل نصه قادراً على العودة إلينا كلما تغيّر وجه الزمن.

في النهاية، لا تبدو «الشوك والقرنفل» رواية عن الماضي وحده. إنها رواية عن الإنسان حين يوضع أمام امتحان الهوية، وعن الذاكرة حين تصبح ساحة للصراع، وعن الموقف حين يبحث صاحبه عن مبرر للتخاذل أو يجد في داخله سبباً للمقاومة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من إعادة قراءتها اليوم أن الأدب لا يغيّر الأحداث، لكنه قد يغيّر الطريقة التي نفهم بها الأحداث. وحين يستطيع نص روائي أن يجعل قارئه، بعد سنوات من كتابته، يعيد النظر في واقعه من خلال صفحاته، فذلك يعني أن الحكاية لم تنته عند آخر سطر؛ لقد تركت سؤالاً مفتوحاً، وجاء الواقع ليكمل كتابته.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.