تعليق على كتاب: «من تاريخ منطقة الجلفة الثقافي»

الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الميامين، أما بعد:

قد يتأكد للناظر في مسار الكتابة التاريخية العامة أنَّ معاناة التاريخ الثقافي لقوم من الأقوام هي أكبر المعاناة وأعسرها، فلا تضاهيها معاناة التاريخ السياسي ولا معاناة التاريخ الاجتماعي في غالب الأحوال. ولذلك نجد الإقبال على التأريخ السياسي ضارباً في الماضي قدماً، ولا زال يضرب في الاتساع قدماً، فصارت الكتابة فيه أوفر من غيره.

ونحن إذا ما يمَّمنا وجوهنا شطر التواريخ الثقافية الجهوية، ألفينا الإنتاج فيها قليلاً؛ فانظر إلى مؤرخي الثقافة في كل بلد تجد أنَّهم من الكبار غالباً. فإنَّ التاريخ الثقافي لا يُقبل عليه كل أحد لفرط ما يحويه من دقائق الأخبار التي تفنى من وراء تحصيلها الأعمار، وإذا أقبل عليه عشرةٌ مال عن طريقه منهم تسعةٌ فلا يبلغون غايته، وبقي واحدٌ على عهده بمعاناته وسبر أغواره حتى يحوز رايته، ولكن ليس له من دون ذلك إلا التعب والنصب.

فالمؤرخ السياسي قد يجد له عوناً من السلطة أو ما تحتها، فإن لم يجد لم يكن جهده ليصير وبالاً عليه مهما بذل فيه غالباً. أما المؤرخ الثقافي الحق -خصوصاً في بلادنا- فمحتومٌ عليه كثيراً أن يحتك بالعامة والخاصة من الناس إن أعوزته الوثائق وأعضلته الآثار، بعيداً عن دوائر السلطة ومسؤوليها. ومن طبيعة ذلك الاحتكاك أن يبذل المؤرخ فيه من أمواله وأوقاته وصحته ما قد لا يبذله المؤرخ السياسي ولا الاقتصادي، وأن يُعدَّ لصنوف الأذى والتعسير والتعضيل عُدَّتها؛ لأنه لا مناص منها بحكم اختلاف طبائع الناس وعقلياتهم في مواقع عمل المؤرخ؛ فليس لكل أحد أن يطاوعه على عمله دون أن تكون له من وراء مطاوعته مصلحة اجتماعية معنوية؛ كمن يطلب لنفسه أو لقومه ذكراً في العمل دون استحقاق، أو من يبتغي من المؤلف إغفال ذكر ما يكرهه من الحقائق، أو من تستحكم فيه نزعة من نزعات العروشية المذمومة -كما هو حال منطقتنا- فيحتقر من يتعرض لتاريخ عرشه وهو ليس منه.

ومن العوائق التي لا بد للمؤرخ الثقافي أن يحسب حسابها: خلقُ المنافسة والمباراة الذي كثيراً ما يستحيل عند البعض مناكفة ومناوءة حين يبين الحسد في قلوبهم ويطغى على أعمالهم؛ فإنَّ ابتدار المرء العمل التاريخي الثقافي وسبقه إليه مما يحفز الآخرين ممن حوله فيحذون حذوه فيه، وينبههم فيسيرون على طريق السابق إليه وإن لم يقلدوه في طريقته. وهنا، فإنَّ منهم من يتجافى به الشيطان عن خدمة العلم والتاريخ إلى تعطيل السابق في خدمتهما، وهذا حين يرى أنَّ دون بلوغ منزلته مراتب في العلم والفهم والبذل والجلد لا يطمع أن يبلغها، ولكنه يستعيض عن هذا بالحسد والسعي في أذى العامل المجتهد. والله يمحق ما كان شراً ولو كان من ورائه عُصبة، ويبارك ما كان خيراً ولو قام به فرد بلا عصبة.

ومن أكبر ما يكون به التاريخ الثقافي عسيراً أنه جامع لطائفة من فروع التاريخ؛ من تاريخ الأفكار والعلوم، إلى تاريخ الأعلام، إلى تاريخ المعالم الأثرية، إلى تاريخ المناطق والأحواز الجغرافية، إلى تاريخ العوائد والطبائع والتقاليد الاجتماعية. فهل يقدر على هذا التاريخ كل أحد؟
لا نظن، وهنا لا بد لنا أن ندنو من مؤلف هذه المدونة الثقافية لنتعرف إليه عن قرب، فنقف على حقيقة المؤرخ الثقافي.


كلمة في المؤلف:

الشيخ أبو محمد سعيد هرماس، عرفه القليل أصولياً فقيهاً، وعرفه الأكثرون باحثاً كاتباً مؤرخاً منذ أن نشر كتابه *(من فضلاء منطقة الجلفة)* في نشرته الأولى عام 2011م [1]، ثم لا زالت الجهود يستتبع بعضها بعضاً حتى شرع في بحث التاريخ الثقافي العام لمنطقة الجلفة، خارقاً الحدود الولائية الإدارية.

فاستلفتت حصصه الإذاعية بين عامي (2014-2016م)، ومقالاته التاريخية على موقع *(الجلفة إنفو)* بين عامي (2016-2018م) أنظار المثقفين والأكاديميين، ورأى هؤلاء فيها ما لم يألفوه في غيرها من:

  • قيام بشروط البحث التاريخي.
  • اضطلاع بأسلوب العرض الأدبي.
  • مقدرة على النقد التاريخي والشرعي [2].
  • عدم التسليم بالسرديات والأقوال الشائعة في الوسط الثقافي.. هذا وصاحبها ليس أكاديمياً [3]!

ومن هنا، فقد حاز الشيخ قصب السبق في البحث التاريخي المحلي حين شقَّ طريقه وعبَّدها لغيره رغم وجود بعض المحاولات المحترمة في الكتابة التاريخية قبله، ولكنَّ قسمته فيه إلى الآن أوفر من قسمة المجتهدين الآخرين. والكتاب يشهد لمؤلفه أنه أوقف نفسه على خدمة تاريخ هذه البلاد الجلفاوية وتراثها قبل استنسار بغاثها، بل إنه باعث كثير من هذا التاريخ من الموات، ومنقذه من حكم الفوات؛ ومن ورَّخ ثقافة قوم فقد أحياهم، وحُقّ له أن يحيا بينهم حياة طيبة لا يشقى فيها بعدُ ولا يتعب.

وقد راعنا ما كان يتلقاه المؤلف من صنوف الرد الغوغائي على بعض مقالاته يوم كان ينشرها على منصة *(الجلفة إنفو)*، وعزاء أصحابها أنهم كانوا يبثونها بأسماء مستعارة، فلم يكن أحدهم ليرفع عقيرته ويتجشم عناء الرد العلمي المحترم على الشيخ المجتهد جاهراً باسمه غير خاشٍ من طائلته عليه، هذا والشيخ ينشر بلا انقطاع، وصدره للنقد واسع رحب!

ولأنني حزت شرف صحبة الشيخ أبي محمد ومجالسته لبضع سنين دأباً، والوقوف في شأنه على بعض ما لا يختص بمعرفته إلا الخاص، فلي أن أشهد ببعض ما رأيت عياناً، وأصرح بما واريت كتماناً؛ وهو ما لقيه الشيخ من خذلان الإخوان، وإغفال أهل الدار له إبان عمله على التوثيق والتأريخ؛ فلا باذل له من أرباب الأموال في البلاد فيعزز قلمه، ولا قائم له ببعض شؤونه الخاصة فيكفيه مؤونتها ويثبت قدمه. ولطالما ودَّ الشيخ أن يستفرغ جهده في كتابة تاريخ البلاد وأهلها؛ فإنَّ له في هذا المضمار من القدرة العلمية والذهنية ما ليس لكل أحد، والواجب أن تُعطى القوس باريها، ثم الأقدر فالأقدر، فكتابة التاريخ مسؤولية لن تُعدَّ تشريفاً قبل أن تُعدَّ تكليفاً.

وخلال هذه المدة التي قضاها الشيخ في خدمة التاريخ، كان أكثر رؤوس المؤسسات الثقافية والهيئات الإعلامية بمعزل عن ابتدار التعريف بالرجل، وترويج أعماله. مع أننا نجد أقواماً في مرابع أخرى لا يتوانون عن التعصب لأعلامهم وتسخير الممكنات المالية والإعلامية لهم، وغالباً ما يصير هذا إلى وصفهم بما ليس فيهم من أوصاف العلم والفضل. ولقد نكاد في زماننا أن نرى الأصل هو الشك في كل ما يُوصف به كل مشهور نهض به إعلام قومه أو حزبه حتى يظهر العكس؛ لأنَّ الغالب اليوم هو التفخيم بلا طائل، والتعظيم بباطل. ولكن ما الحيلة وقد توفرت لأولئك الوسائل والأموال؟!

وقد سمعت غير ما مرة ما فيه العتب على الشيخ أبي محمد لأنه لم يتصدر المجالس والمناسبات، ونأى بجانبه عن أعين الكاميرات، فهل يصح هذا؟

إنَّ في هذا القول على الشيخ -الذي ناهز الخمسين بكسر من العمر، وطلب من العلم ما طلب، وكتب فيه ما كتب- ما لا يخفى من السذاجة وفساد النظر في أحوال العلماء والمثقفين؛ فمنذ متى كانت حقوق العلماء تُحفظ بمسارعتهم إلى منصات الإعلام وجريهم وراء الشهرة؟ وأي نفس هذه التي يرضى صاحبها أن ينافس المهرولين إلى الظهور ممن طمَّت بهم الساحة؟

إنَّ هذا -لَعمْرُ الحق- بدعة من القول لا زمام لها ولا خطام، وليس من وراء النطق بها إلا الفرار من احتمال المسؤولية تجاه العلماء، بل ورميهم بغير دائهم بعد توهم استفراغ الجهد في أداء الواجب تجاههم. والشيخ أبو محمد رجل أوهنته العلل والأمراض، ومسته قلة ذات اليد في كرامته، وأثقل كاهله ما يقوم عليه وحده من أعباء الأهل والأولاد، وما يتقاضاه من أجر زهيد لا يكفيه مؤونة ضروريات العيش، وما أبعد بلهنيته عنه!

ثم تسألون أي الواجب حق؟
إنَّ الواجب إلا مدُّ يد العون للشيخ ولأمثاله، وابتدار السعي في إجابة مسائلهم وقضاء حوائجهم، كلٌّ حسب استطاعته وقدرته؛ فإنَّ لأولئك حقاً من المال على الغني وصاحب اليسر، وحقاً من خدمة اليد على المسؤول والمثقف وطالب العلم، وحقاً من الكلمة الطيبة على العامل الكادح والعامي الجاهل. وإني لو رحت أورد من الشواهد التاريخية على ما ذكرت لطال بنا المقام في ذكره، وحسبي من البيان ما به القصد يُستبان.


سلفيٌّ تؤرخ للصوفية بمنتهى الأمانة!

وهذه منقبة عزيزة؛ فقد جرت العادة في تاريخنا على أن يتولى المتصوفة حفظ تاريخهم وتأريخ رجالاتهم، وأن يتولى السلفيون حفظ تاريخهم وتأريخ رجالاتهم، ويكون لكل فريق من التبييض والتعظيم لتاريخه ما لا يكون معه نقد ولا رد إلا في القليل.

فماذا لو أنَّ أحداً من مؤرخي المتصوفة أو السلفيين تصدى لكتابة تاريخ الفريق الآخر؟

إنَّ ما رأينا في الماضي، وما نراه في الحاضر، يجعلاننا في ريبة مما يكتبه المخالف في شأن الطرف الآخر؛ فالإنصاف عزيز، والإجحاف كثير، وكم من علم في تاريخنا ظُلم بأقلام المخالفين له في الاعتقاد أو المنهج خلال عصره وفيما تلاه. وفي هذا الزمان صارت الكتابة التاريخية التي يتولاها المؤرخون الأكاديميون أوثق عند كثير منا مما يكتبه غير الأكاديميين؛ لما استقر في أذهانهم من حياد الأكاديميين وموضوعيتهم وبعدهم عن مواضع الخلافات العقدية والتشنجات الطائفية، وهو تصور نوافق صحيحه ونترك غلطه.

ولكننا أمام جهود الشيخ هرماس في التأريخ للمنطقة وأعلامها، نلمح مؤرخاً خاصاً رُزق أمانة الثقات؛ فالمنطقة قد اصطبغت بصبغة التصوف منذ قرون، ومع ذلك فإنَّ قدراً معتبراً من تاريخها محفوظ بفضل الشيخ السلفي وأمانته في النقل والتوثيق.

وهو بهذا يثبت أنَّ من دون كتابة التاريخ حدوداً تقف عندها الخلافات العقدية والفقهية فلا تجاوزها، فهي أمانة وجب أن تؤدى بعيداً عن سطوة هذه الخلافات وتأثيرها؛ لأنَّ المطلوب فيها هو حفظ التاريخ كما وقع لا كما نحب له نحن أن يقع، رغم أنَّ ما يُكتب منه كثيراً ما يكون نسبياً إذ التاريخ كله هو «تاريخ الحاضر» كما يقولون، أي أنَّ المؤرخ يكتبه حسب نظره إليه بمنظاره، متأثراً في ذلك بمعارفه ومؤثرات حاضره [4]. وإنَّ اجتماع الأمانة والتحقيق في قلم المؤرخ يكفلان له في تأريخه الدقة مهما قويت سطوة المؤثرات.

على أنَّ واجب حفظ التاريخ الذي اضطلع به الشيخ أبو محمد، لم يمنعه عن حقه في النقد والرد الذي تجاوز به حيز التوثيق المحض، دون أن يمس به حرمة المادة التاريخية، فكانت سلفيته حاضرة في كتاباته وتعليقاته. وهذا ما تعسر فهمه عند البعض فلم يعجبهم صنيع المؤرخ الناقد، وظنوا أنَّ منتهى عمل المؤرخ هو حفظ المادة التاريخية لا التعليق عليها وإبداء الرأي فيها مهما كان التعليق والرأي خاطئين. وهذا هو ميدان النقود والردود الذي جعل التاريخ حياً ينبض منذ القديم، وجعل من كل مؤرخ مؤرخاً حقاً، لا مجرد أرَّاخٍ يستغني بالتوثيق والسرد عن التعليق والنقد.


ما قيمة الكتاب؟

إنَّ سؤال القيمة هاهنا لا بد أن يكون من وجهين: قيمته الجهوية، وقيمته الوطنية.

1. قيمته الجهوية:

رأسها أنَّ المؤلف استخرج التاريخ من أفواه الشيوخ والرجال، دون التسليم بصحة كل ما يُقال، وهذا يحيلنا إلى أهمية الرواية الشفوية التي هي أصل التواريخ المكتوبة غالباً. والشيخ هرماس حين كان يطوف ببيوت صناع الحدث الثقافي الجلفي ومواقعه، لم يكن مجرد سامع ناقل لما يفيده به الراوي، ولا كاتب يسجل مشاهداته فيأخذ بها دون تمحيص، بل قد تجاوز هذا وذاك ليكون مؤرخاً يسمع فيحقق، ويجمع فيدقق، ويضرب ما اختلف من الروايات بعضه ببعض، فيستخلص منه ما رأى رجحان صحته، دون إهمال ما ترجح ضعفه لديه.

والتاريخ الذي يوجد من العدم هو أكثر التواريخ عرضة للكذب والوهم؛ إذ يميل أكثر الرواة والشهود فيه -بحكم النفس البشرية الضعيفة، أو علو السن- إلى المبالغة في ذكر المحاسن تارة، وإلى إغفال المساوئ تارة، وإلى التوهم والنسيان تارة ثالثة. وهذا كله مما يستوجب من المؤرخ أن يعرض كل وارد على ميزان النقد والتمحيص، لا أن يكتفي بالجمع والتقميش، فالأصل في التاريخ هو الشك.

على أنَّ الأمر كما قال ابن خلدون:

«فالتَّحْقِيقُ قليلٌ، وطَرْفُ التنِقِيحِ في الغالِبِ كَلِيلٌ، والغَلَطُ والوَهْمُ نَسيبٌ للأخْبارِ وخَليلٌ، والتَّقليدُ عَرِيقٌ في الآدَمِيِّين وسَلِيلٌ، والتطَفُّلُ على الفُنونِ عَريضٌ وطَوِيلٌ، ومَرْعَى الجَهْلِ بينَ الأنَامِ وَخِيمٌ وَبِيل» [5].

والكتاب الذي بين يدينا مترع بالتفاصيل، في متنه وحواشيه، مما لا تقل معه الفوائد، وهذا يُعزى -في نظري- إلى تأثر المؤلف بمناهج العلماء المحققين، فكان من أثرها عليه في كثير من مواضع الكتاب ألا يُفوِّت التفصيل بعد الإجمال، ولا البيان بعد الإشارة. وهذا قد لا يروق لمن اعتاد على الموجز من الكتب والمختصر، وعلى النفور من المطولات، رغم أنَّ هذا الكتاب لا يُعد منها، ومن عرف قدره هانت عليه مطالعته والإحاطة به.

وحسبنا من شهادات أهل التحقيق في عمل المؤلف هذا ما قاله الدكتور عماد الدين خليل وغيره. وصدقاً أقول: إنَّ كل امرئ عرف قدر هذا الكتاب ليس له إلا أن يغبط صاحبه عليه، ويود لو أنه كان ناجله.

على أن الكتاب لا زال غفلاً من المراجعات والقراءات النقدية التي يستحقها، والنقد هو شرط الانتهاض العلمي في كل زمان، وما لم تُعرض الأعمال العلمية على ميزان النقد -بعد أن تُلقى بالحفاوة- فإنَّ الثقافة باقية في خمول وخمود. وإن لم نر نقداً فلا أقل من رؤية التفاعل الإعلامي مع الكتاب وصاحبه قائماً في دور الثقافة ومراكزها عندنا؛ فإنَّ ظهور مثله على مثل قدره في طبعته الجديدة دون التفاعل معه والترويج له هو كعدم ظهوره، بل هو نذير شؤم على المشهد الثقافي الجلفي، وأخشى أنَّ العلة في هذا هي الجهل بقيمته وفضله، فهل هي كذلك حقاً؟ أنا أربأ بقومي عن ذلك!

2. قيمته الوطنية:

فهو يحقق ما صار مطلوباً ضرورياً من أوجه الكتابة التاريخية، وهو التأريخ الجهوي الذي يُعد في معنى ما اصطلحت الدراسات الأكاديمية على تسميته بـ «المونوغرافيا». ومن شأن التأريخ الجهوي أن يحتفظ لنفسه بخصوصيته حين يضطلع بكتابته أهله دون غيرهم، فهم العارفون بشأنهم وشأن بلادهم وتاريخها عادة. وحين يكتب مؤرخو كل منطقة عنها فهذا سيحفظ للتاريخ الوطني العام خصوصياته التاريخية الداخلية، فلا تضيع بعدها فتذوب في بعضها البعض، ولا تكون عرضة لتفسير فاسد ولا لتأويل خبيث يجني عليها.

ومن قيمته الوطنية أيضاً أنه من أجود ما كُتب في باب التواريخ المحلية، إن لم يكن أجودها رأساً [6]؛ تقميشَ أخبار، وتحقيقَ أقوال، وضبطَ تواريخ، ونقدَ أغاليط، وإنصافَ مظلومين، وإعلاءَ مغمورين. وهو فوق هذا مكتوب بأسلوب أدبي رائق مُشبع بتأثيث لغوي عالٍ.

ومنها أنه تعرض لتاريخ أفقر المناطق إلى المصادر -ومنطقة المغرب العربي كلها تفتقر إلى مصادر تاريخها- فكان جهده في استغلال المصادر الشفوية والمكتوبة أصلاً لجهوده اللاحقة ورأساً عليها، وما من باحث في تاريخ المنطقة ظهر مؤخراً أو سيظهر إلا وهو عالة على الشيخ، وللشيخ فضل عليه.

وقد ازدانت هذه الطبعة ببعض المقالات الجياد، وفيها ما تعرض لتاريخ السياسة والجهاد، من لدن عهد الأمير عبد القادر إلى عهد الثورة التحريرية، مشتملاً على جديد من الأخبار والوثائق.

فدونكم حصاد قلم سيّال ظل يحرث في أرض ظلت بوراً لسنين طوال، ونتاج قريحة هامت بالعلم والأدب فحصلت منهما قدراً وافياً، رفع الله قدر صاحبها جزاء ما رفعه من قدر البلاد ورجالها وتاريخها.


الهوامش والتعليقات:

  1. [1] وهو الآن، إلى حين كتابة هذه السطور، في طبعته السادسة الصادرة عن دار إيليا للطباعة والنشر والتوزيع، برج الكيفان – العاصمة، واقع في 547 صفحة.
  2. [2] فالرجل أصولي فقيه ذو حظ كبير من العلوم الشرعية العقدية والفقهية والحديثية، وهذا الجمع بين المعارف التاريخية والمعارف الشرعية عزيز في المؤرخين المسلمين المعاصرين، والله يؤتي فضله من يشاء.
  3. [3] على أنَّ الشيخ قد قضى ما يزيد على العقدين من حياته في الرحلة لطلب العلم، فحصل بها لقيا العلماء في شرق البلاد وغربها، وجنوبها وشمالها. وقد عقد العلامة ابن خلدون فصلًا في أنَّ *(الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم)*. انظر: المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد درويش، دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م، ج2، ص358. فلقيا العالم تفيد الطالب أموراً لا يستفيدها كل طالب أكاديمي مجتهد.
  4. [4] انظر: عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الخامسة 2012م، ص38-41.
  5. [5] ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد درويش، دار يعرب، دمشق، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م، ج1، ص81-82.
  6. [6] معاذ الله أن تتوارى من وراء قولي نزعة جهوية غير موضوعية قد يتوهمها قارئ كلامي، فإنما أزعم ما أزعمه اقتناعاً بصحته إن شاء الله، مع حفظ الفوارق والخصوصيات التي تميز كل كتاب محلي عن غيره طبعاً؛ فالحكم بُني على المشترك بينها كشرائط البحث التاريخي وأساليبه، ووفرة المادة النقدية، وغير ذلك. ومن قرأ طائفة كثيرة من الكتب المحلية ثم قارنها ببعضها قد يخرج بعين حكمي ويوافقني فيه أو في بعضه.