التوسط بين الشيخ محمد عوامة والمجتهدَيْن – د. بلال فيصل البحر -العراق-
بسم الله الرحمن الرحيم
التوسط بين الشيخ والمجتهدَيْن
الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وبعد:
فقد ظهر لفضيلة الشيخ محمد عوامة كلام ذاع في الناس عن الشيخين محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ومحمد بن علي الشوكاني، ذهب فيه إلى أن تسنُّنهما مزيف كما قال، واشتد على الأمير خاصة حتى رماه بالطعن على الصحيحين، فانتدب بعض السلفيين للرد عليه والذب عن الأمير والشوكاني، وخرج من أصحاب الشيخ عوامة من يحامي عنه ويعتذر له، وزاد الأمر حتى خرج عن حد البحث العلمي، وتكلم فيه من هو معروف بالهوى والبدعة ومن ليس بأهل أن يتكلم فيه من الأغمار والأحداث، حتى إن بعض النوكى تـهدَّد الشيخَ بلا عقل ولا ورع ولا علم!
ولا ريب أن للعصبية مدخلا في هذا الباب لابد على العقلاء من الطرفين أن يحكموه بالعقل والعلم؛ فإن الزمان ليس بالذي يحتمل هذه النزاعات المفضية للشقاق والافتراق، بل واجب الوقت يقضي بالائتلاف وحسم مادة الخلاف قدر الطاقة، وحصر البحث في النظر دون الغلو الذي يتسع معه الخرق على الراقع، والتعصب الذي يزداد به التفرق أشد مما هو عليه في الواقع.
والذي لا ينازع فيه أهل الإنصاف من الفريقين أن للشيخ عوامة محلا من العلم والفضل غير منكور، كما أن للأمير والشوكاني من ذلك حظا وافراً ظاهراً غير مكفور، وأن الذي اقتضى عند الشيخ عوامة ثَلْبَ العالِـمَيْن ونَبْزَ الشيخين لا يخرج عن أمرين لا ثالث لهما:
الأول: دعوى الاجتهاد ونبذ التقليد مطلقا، والثاني: الطعن في بعض الصحابة رضي الله عنهما، وكلاهما استوجب عنده تزييفَ تسنُّنهما وذمَّ طريقهما والتنفيرَ عنه، فلينحصر الكلام في المحاكمة والتوسط بين الشيخ والعالِـمَيْن في هذين المسلكين على جهة النظر والإنصاف دون ميل وهوى، طلبا لسبيل الحق الحقيق بالقبول والإذعان، وبقطع النظر عما للشيوخ من حشمة تقتضي عند من يتقلَّد مقالاتـهم ويسلك على طريقهم: الحيدةَ عن تخطئتهم ومخالفتهم لمكان حشمتهم وتوقير منصبهم، وأما أهل الإنصاف ومن يُحكِّم العلمَ: فلا يمنعه الأدبُ معهم من الجزم بما لهم من غلط وشطط إذا استبان له بالدليل.
المسلك الأول: الطعن في الصحابة وموقف أهل السنة
فأما ثلب الصحابة: فلا ريب أن اعتقاد أهل السنة تعظيمُ كافة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والكفُّ عما شجر بينهم والإمساكُ عن الطعن فيهم إلا تخطئة اجتهادهم فهو سائغ، إذ لا معصوم إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعليه فهذا البحث يتوجه على من يعتقد هذا ويدين به دون الروافض أو من خالف اعتقاد أهل السنة في هذا الباب ولحق بالروافض أو من كان له نوع اجتهاد في بعض الصحابة، فلا كلام معه هنا.
وعلى مقتضى هذا الأصل خرج كلام الشيخ عوامة؛ فإنه إنما نفى أو زيَّف تسنُّن الأمير والشوكاني من جهة ثبوت الطعن عنهما في بعض السلف الأول، فخرج بعض غلاة السلفيين دون نظر ولا تأمل يحامون عن الأمير والشوكاني دون تفطُّن منهم أو علم بهذا الوجه، فيقال لهم: أيما أقبح على أصل السلف وأهل السنة: طعن الشيخ عوامة في الأمير والشوكاني أم طعن الأمير والشوكاني في معاوية وعمرو ومغيرة ونظرائهم من الصحابة؟
إن قالوا: طعن الأمير والشوكاني في الصحابة أقبح، سقط كلامهم واعتراضهم على الشيخ عوامة، ولزمهم ما للأجله حميت مراجلهم على الشيخ، وإن قالوا: طعن الشيخ عوامة أقبح بطلت سلفيتهم التي بـها يتبجحون، فإن الإمساك عن الصحابة أصل به يُمتحن من كان سلفيا ممن كان مبتدعا.
وإن قالوا: لم يطعن الأمير والشوكاني في الصحابة فهو مكابرة أو جهل قبيح، كان يلزمهم عليه أن يتعلموا قبل أن يتكلموا، وقد صح عن الأمير الصنعاني قوله في معاوية:
لقد نسب الأنامُ إليَّ قولا … عليهمْ ربُّنا فيه شهيدُ
وقالوا قد رضينا بابن هندٍ …. وقُلْنا إنه رجلٌ رشيدُ
كذبتمْ إنه والله عندي ….. لَفِسِّيقٌ وشيطانٌ مريدُ
وملعونٌ بما كسبتْ يداهُ…كذلك نَجْلُهُ الطاغي يزيدُ
وهذه الأبيات ليست في ديوانه، وقد سمعت شيخنا القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله يذكر أن من طبع الديوان حذفها منه عمداً، وله أبيات أخرى يقول فيها في شأن معاوية:
عجبتُ لقومٍ ينسبون مقالةً ….. إليَّ كأني لستُ من نَسْل حيدرِ
يظنون أني أجحد الشمسَ ضوءَها … وأزعم أنَّ الصبحُ ليس بِنَيِّرِ
أأرضى الطليقَ ابنَ الطليق وقد بغى…وقاد لحَرْبِ المرتضى كلَّ مُجْترِ
وهل لابن هندٍ غير كل قبيحة … ومن ذا الذي فيه يشكُّ ويمتري
أليس الذي أجرى الدماءَ مراقةً … بصفين من أصحاب خير مطهَّرِ
وقاد طغاةَ الشام من كل وجهة ………. يقاتِل بغيًا كلَّ بَرٍّ وخَيِّرِ
وأورد عماراً حياضا من الردى …. سقى جَدَثًا قد ضمَّه كلُ مُمطِرِ
أمجتهداً يدعى ابنُ هند محققا … ومن قال هذا فهو لا شكَّ مفتري
ومن قال هذا فهو فَدْمٌ مغفَّل …. جسورٌ على قول الجهالة مجتري
وما هو إلا ماكرٌ متحيِّلٌ ……. على الـمُلْك حتى ناله بتَجَبُّرِ
إلى آخر ما قال، وتأمل ما في نظمه هذا من الإزراء بأئمة السنة الذين أطبقوا على أن معاوية مجتهد مخطئ له أجر مع كونه باغيا، ولا يُذكر بسوء، بل نُنكر أخطاءه ونترضى عنه أو نفوض أمره لله ونسكت لمقام الصحبة، بل في كلامه هذا إزراء بالصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء والمحدثين والعارفين الذين لم يتفوهوا فيه بسوء، فكيف بمن وصفه بالفقه والحِلْم كابن عباس وغيره من السلف؟!
ومنه قول الأمير في (ثمرات النظر):
قال النواصبُ قد أخطا معاويةُ…في الاجتهاد وأخطا فيه صاحبُهُ
والعفوُ في ذاك مرجوٌّ لفاعله ……. وفي أعالي جنان الخُلد راكبُهُ
قُلْنا كذبتمْ فَلِمَ قال النبيُّ لنا…. في النار قاتلُ عمارٍ وسالبُهُ
وقد بيَّنا في جزء مفرد علل حديث (قاتل عمار) وأنه لا يصح، وأن من قتل عماراً رضي الله عنه ليس فيهم صحابي، وأن الأمير غالط في دعوى أن النواصب يقولون إن معاوية وعمراً مجتهدان مخطئان، بل هذا قول أهل السنة، وأما النواصب فيقولون إنهما على حق، وأن عليًّا عليه السلام -حاشاه- مخطئ باغٍ، على ضد قول الروافض في الصحابة.
وأهل السنة وسط بين الفريقين في الصحابة، كما هم وسط في يزيد الطاغية، فمذهب علمائنا فيه أنه باغٍ فاسق تجب البراءة من أفعاله الشنيعة، وهل يستحق اللعن؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، وأما الروافض فيقضون بكفره، والنواصب يُطرونه!
ولأجل هذا رُمي الأمير بالرفض مِنْ بعض مَنْ انتدب لنقض أبياته النجديات كالسمنودي في (كتاب الرد على الفرقتين) ونَبَزَه العلامة أبو بكر بن غلبون مفتي طرابلس الغرب بالضلال والإلحاد، وكذا من نقض نجدياته من العلماء كالصائغ النجدي الحنبلي والسهروردي وياسين البصري وغيرهم، ورماه العلامة مصطفى البولاقي المالكي بالرفض والفسق والكذب وغير ذلك من ألقاب السوء التي لا نرتضيها، كما لا نرتضي وقيعة الأمير في السلف الأول، قال البولاقي:
وبالله هل كان الأئمةُ مثل من … ترفَّض منكمْ أو تذبذب من نجدِ
وما الفرقُ ما بين البخاريْ ومسلم … وأحمدَ والباقين يا فاسقَ العَقْدِ
وهَبْهمْ وحاشاهمْ كما قد زعمتَهُ … فهل كان ممن بعدُ قصَّر في الجِدِّ
وهل جهلوا المنصوصَ يا أكذبَ الورى…وهل خالفوا النصَّ الصريحَ على عَمْدِ
وهل أوَّلوا نصَّ الرسول وصحبه … بلا صارفٍ أقوى وسَلْ عنه من يُبدي
فماذا يقول السلفيون وها هو الشيخ عوامة لم ينفرد بهذا، بل له فيه أصل وسلف من أهل العلم، وأما الشوكاني فهو في هذا الباب أخف من الأمير، ولكنه أيضا ممن أخطأت استُه الحفرة وزلَّت قدمُه فخرج منه ما هو قبيح في شأن الصحابة، كما قال في باب قتال البغاة من (كتاب وبل الغمام): (ولكنه -أي معاوية- أراد طلب الرياسة والدنيا بين قوم أغتام، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكراً، فخادعهم بأنه طالب بدم عثمان فنفق ذلك عليهم).
إلى أن قال: (وليس العجب من مثل عوام الشام، إنما العجب ممن له بصيرة ودين كبعض الصحابة المائلين إليه، وبعض فضلاء التابعين، فليت شعري أي أمر اشتبه عليهم في ذلك الأمر حتى نصروا المبطلين وخذلوا المحقين).
وقال أيضا: (ولولا عظيم قدر الصحبة ورفيع فضل خير القرون لقلت: حبُّ الشرف والمال قد فتن سلف هذه الأمة كما فتن خلفها، اللهم غفراً).
وهذا منه ظاهر في تعظيمه الصحابة غير معاوية؛ لأنه رماه صريحا بالمخادعة، وأنه مبطل طالب للدنيا والرياسة، وهذا ضد مذهب السلف واعتقاد الأئمة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين كما تقدم.
سبب الخلاف والترجيح الأصولي
وسبب الخلاف في بعض الصحاية: تعارض الأصل الثابت بعدالة جميعهم بتزكية الله لهم كافة، مع النصوص الثابتة التي يقتضي ظاهرُها الطعنَ على بعضهم ممن تلبس بشيء مما وردت النصوص في ذمه، كالخبر بأن عليا لا يبغضه إلا منافق، فمثل هذا ظاهره أن من قاتله منافق؛ لأن قتاله دليل بُغضه.
فجمهور أهل الإسلام على تقديم الأصل في عدالتهم جميعا، وأن ما يوهم معارضة هذا الأصل من النصوص فمرجوح مردود بمخالفة الأصل، ومن ذهب إلى الطعن في بعضهم فلأنه يخص عموم الأصل بمثل هذه الأخبار؛ فيستثني بعضهم كمعاوية وعمرو.
ومذهب الجمهور أرجح لأن الأصل ثابت بقاطع، وهذه الأخبار مظنونة والظن لا يقابل القطع، ولأن ما صدر من بعضهم مما هو مخالف في ظاهره للنصوص: محتمل للتأويل والاجتهاد، وقد أخبر الشارع الحكيم بغفران خطأ المجتهد وإثبات أجر له، وهذا وحده كاف في ترجيح الإمساك عنهم فكيف وهو متأيد بالأصول، ولأن النص بعدالتهم منطوق، وهذه النصوص لا تفيد الطعن في بعضهم إلا بالمفهوم، والمنطوق أرجح، فإن قتال علي عليه السلام لا يوجب بغضه؛ إذ غايته نزاع في حقٍ توهَّم المقاتلُ له أن له فيه نصيبا، ولم يظهر له وجه دليل مخالفه؛ إما لخفائه أو لعدم قدرته على إبرازه، فإن المقرر في الأصول أن المجتهد لا يلزمه أن يُبرز كافة دلائله ولا وجه الدلالة منها، أو غير ذلك مما يُعتذر به عن النزاع الواقع بين المجتهدين ويرتفع به عنهم الطعن.
المسلك الثاني: ذم التمذهب والتقليد
وبكل حال فهذا مأخذ الشيخ عوامة في طعنه بالأمير والشوكاني، وهو أظهر من مأخذ من انحدر في الطعن عليه لطعنه فيهما، وأظهر من طعنهما في بعض السلف، ثم له وجه آخر مر ذكره وهو أن الأمير والشوكاني يذهبان مذهب النفرة من التزام مذهب معين ويذمان التقليد ذما يكاد به الواحد منهما يقطع بتحريمه.
وهذا مخالف لأصل العمل وهو قوي جداً؛ لأن عمل المسلمين شرقا وغربا جرى على التمذهب بأحد هذه المذاهب المتبوعة، ومخالفة ما جرى به العمل كمخالفة الإجماع، حتى لَيُقَدَّم العملُ عندهم على خبر الواحد الصحيح على تقدير تعذُّر الجمع بينهما، فهذا مأخذ الشيخ عوامة من هذا الوجه.
والحق أننا كما لا نقبل دعوى الشيخين في إطلاق ذم التمذهب وثلب بعض الصحابة، لا نرتضي على أصول أهل السنة سبَّ الأمير والشوكاني بمخالفة هذين الأصلين وإسقاط عدالتهما بالكلية، وإن كان تصرف الشيخ عوامة بإسقاطهما بمخالفة هذين الأصلين أخفَّ وأهونَ من طعن الأمير والشوكاني في بعض السلف، ومن انتحالهما مذهب ذم التقليد وازدرائه مطلقا.
أصول رد مذهب الشيخ عوامة في العالمين
والوجه في رد مذهب الشيخ عوامة في العالمين أصلان:
الأصل الأول: اغتفار الزلل لكثرة المناقب ونصرة السنة
الأول: أن لهما من المناقب في تعظيم الحديث والسنة واتباعهما ما به يُغتفر زللهما هذا كابن حزم، لأن زلات العلماء على قدر علومهم وفضلهم وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فالمتعين ولابد اغتفار زلاتـهما بما لهما من فضل نشر السنة والحديث حتى إن غلاة الزيدية همُّوا بقتل الأمير الصنعاني لأجل تعظيمه الحديث ونصرته السنة، فقال هو في ذلك:
فإنيَ قد أوذيتُ فيكَ لنُصْرتيْ … لسُنَّتِكَ الغرَّاءِ في البر البحرِ
وكمْ رَامَ أقوامٌ وهَمُّوا بسَفْكِهمْ … دَمِيْ فأبى الرحمنُ نَيْلِيَ بالضُّرِّ
واشتهرت عداوة ابن حريوة السماوي للعلامة الشوكاني وصنف في نقض كتابه (السيل الجرار) وتعدى وجاوز الحدَّ حتى طعن في نسب الشوكاني ورماه بأنه من يهود خولان، ومن لطيف ما يحكى ما سمعته من شيخنا القاضي محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله أن بعض غلاة قضاة الزيدية كان شديد العداوة للشوكاني والطعن في نسبه وأنه يهودي يعادي مذهب أهل البيت، واتفق أن القاضي مرض وافتقر فنفر منه أتباعه وما عاده غير الشوكاني، ولما نـهض من عيادته دسَّ في الوسادة بعض المال وقال له: استعن به على علاجك وحاجتك، فقال القاضي: والله يا شوكاني لو كنت يهوديا لغفر الله لك!
وأيضا: فذم التقليد وإيجاب الاجتهاد إنما يقال فيمن بلغ رتبة الاجتهاد وحصل من آلاته ما به ينهض له، فهذا يحرم عليه التقليد إلا في مواضع كضيق الوقت عن الاجتهاد ونحوه، وأما ذم التقليد مطلقا فغلط ظاهر لا وجه له، لأنه يلزم منه وجوب الاجتهاد على العوام وهو من التكليف بما لا يطيقونه؛ فضلا عن كونه خلاف النص والإجماع؛ لأن الله افترض على العامة سؤال أهل العلم بقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر) نعم، العامي لا مذهب له، لأن مذهبه مذهب مفتيه، لكن لا يتجه القول بوجوب الاجتهاد في حقه.
وعليه فإن قلنا: إن الأمير والشوكاني بلغا رتبة الاجتهاد: فيكون لقولهما وجه إذا حملناه على أنـهما إنما قصدا بتحريم التقليد: من لم يحصل آلات الاجتهاد ولا بلغ رتبيته، وإلا فتعميم التحريم ممنوع، وإن قلنا: لم يبلغا رتبة الاجتهاد -وهو بعيد- فلا وجه لدعواهما، وإن قلنا بأنـهما يسهلان الاجتهاد ولا يشترطا فيه ما شرطه الأصوليون كما يدعيه بعض أتباعهما كمَشْحَم وجَحَّاف وعلي الأمير وغيرهم، ممن يقول إنما يكفي المجتهد حفظ قدر من اللغة وحفظ القرآن ومعرفة صحيح الحديث وسقيمه، فهذا قول فاسد يفتح باب العبث بالنصوص والأحكام، ولا يجيء نسبته للأمير والشوكاني لأن تصرفهما في كتبهما ينافيه.
الأصل الثاني: قبول العلم والرواية مع وجود البدعة الغير مكفرة
وأما الأصل الثاني: فالذي يغلب على ظني أن الشيخ محمد عوامة حفظه الله ذهل عنه ولم يستحضره حال الطعن في الشيخين، وذلك أن من وقع في بدعة غير مكفرة لا يلزم منه رد علمه والطعن في فضله، بل الواجب رد بدعته وقبول روايته وعلمه، لأن رد روايته وعلمه يلزم منه سقوط كثير من الروايات وفساد العلم، كما قال ابن المديني: (إذا تركنا الرواية عن أهل البصرة للقدر، وتركنا الرواية عن أهل الكوفة للتشيع: خربت الكتب).
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: (كان قوم يتكلمون في القدر، منهم من يُزَنُّ ويتوهَّم عليه، احتمل الناس حديثهم لما عُرفوا من اجتهادهم في الدين وصدق ألسنتهم وأمانتهم في الحديث؛ لم يُتوهَّم عليهم الكذب وإن بُلوا بسوء رأيهم).
ثم ذكر جماعةً من أهل الصحيح ممن رُموا بالقدر كقتادة وابن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهم، فالاعتبار إنما يكون بالغالب، والنادر لا حكم له، ولا ريب أن غالب حال الأمير والشوكاني اتباع السنة وتعظيم السلف والأئمة، ولولاهما لانتشر الرفض باليمن وعمَّ بـها.
ولهذا روى أصحاب الصحيح كالشيخين عمن تلبس ببدعة وخرَّجا لهم من صحيح حديثهم في (الصحيح) ما لم يكن داعية إلى بدعته أو روى ما يوافقها، مثل حريز بن عثمان وعمران بن حطان وعمرو بن دينار وعكرمة وخالد بن مخلد وعبد الوارث بن سعيد وعباد بن يعقوب ومسعر بن كدام وغيرهم ممن يطول المقام بذكرهم، وقد نقل الحافظ أبو بكر الخطيب الإجماع عليه في (كتاب الكفاية) له، فليكن هذا الأصل هو المعول في مثل الأمير والشوكاني، وليعتمد أيضا من خصوم الشيخ محمد عوامة في مثل العلماء المخالفين لهم، وبالله التوفيق وله الحمد والمنة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما.