حصريا

وقفة مع الإصلاح التربوي – د.عبدالقادر فضيل

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”f” paddings=”” animation=”fadeIn”]

  • الدكتور عبدالقادر محمد فضيل (الجزائر).
  • ولد عام 1932 في تَنَس بولاية الشلف.
  • درس في معهد الدراسات العربية بجامعة الجزائر, ثم في كلية الآداب بنفس الجامعة, وحصل على الكفاءة للأستاذية في اللغة والأدب العربي, وعلى ليسانس فلسفة, ثم على دكتوراه في علم النفس التربوي من الدرجة الثالثة.
  • اشتغل معلماً, فأستاذاً, فمفتشاً في مختلف المراحل التعليمية, ثم مفتشاً عاماً بمعاهد تكوين المعلمين, ثم مستشاراً لوزير التربية, ومسؤولاً عن لجان التأليف المدرسي والبحث التربوي, ورئيس لجنة اللغة العربية, وأخيراً مديراً مركزياً للتعليم الأساسي, وأستاذاً مشاركاً في معهد اللغة والأدب العربي.
  • عنوانه: منزل 147 ـ حي سعيدون ـ القبة ـ الجزائر.

[/cl-popup]

كلمة موضوعها : واقع التعليم و إشكالات الإصلاح الجارية
قراءة نقدية في أهمّ مكونات نظام التعليم و اجراءات الإصلاح التربوي التي يتردد الحديث عنها ..
مقدمة : التعليم مظهر من مظاهر الحياة الفكرية، وعنصر من عناصرها، بل هو أساسها وقوام إزدهارها، لأنه سبيل الأمة في بناء ذاتها و ترقية وجودها، و تنمية وعي أفرادها، لذا تحرص كل أمة تتوخّى الحفاظ على وجودها و النهوض لمقدّراتها على جعل العناية الفائقة بنظام التعليم (بُنيةً و محتوى و أهدافا) محور كل اهتمامها ، و إعطاء المدرسة التي هي البيئة الشرعية لتطبيق سياسة التعليم و نشر المعرفة و تثقيف العقول –المكانة الرفيعة التي تستوجبها لتبقى باستمرار القوة الفاعلة و القادرة على قيادة المجتمع نحو الأهداف، التي يتوق إليها، فنظام التعليم وفق هذا التصوّر هو أساس التقدم، و الطريق إلى الرقي، و الأداة الحضارية التي بها يتمّ التغيير المنشود، و توريث الأفكار التي تصلح أحوال المجتمع، و ترفع شأنه، لأن الفعل التعليمي الذي يمارس في المدرسة أساسه الفكر، وقوامه المعرفة، وغايته بناء الإنسان و ترقية محيط الإنسان، ومن هنا فالتعليم في أساسه رؤيةٌ و نظامٌ ومؤسسات ومناهجٌ وغايات،ووظيفته ليست محصورة في تلقين المعرفة وتعليم وسائل لاكتسابها (وهي الوظيفة التي يراها كل الناس)، بل يتجاوز ذلك إلى تربية شاملة، إلى إحداث تغيير إيجابي في مكونات الإنسان في فكره ووجدانه وسلوكه وجعله يعيش بيئة تربوية شاملة يلقن فيها العلم وتربّى قدراته وتنمي مواهبه، وهي المواصفات التي يجب أن تسعى إلى تحقيقها في شخصية المتعلم.
الجوانب المحددة لطبيعة النظام المدرسي
الحديث عن المدرسة يستلزم تبيان الجوانب المحددة لطبيعة النظام المدرسي وهي الرؤية والسياسة والنظام والعمليات. الجارية في المؤسسات .
وتناول هذا الموضوع يفرض الإشارة إلى المكونات الأساسية التي يقوم عليها النظام الوطني المؤسس لبنية التعليم والسياسة الموجهة لنظام التعليم وضبط حقيقة التعلم وتحديد المضمون الفكري والمعرفي الذي هو محور عملية التعلم وأساسها والغاية منها .
و الذي يهمّنا في هذه الكلمة: شرح العناصر المكونة لسياسة التعليم:
-المدرسة والسياسة التي توجهها والمعلم والدور المسند إليه والمحتوى المعرفي الذي تنصبّ عليه عمليات التعلم
أولا : المدرسة و من ورائها الرؤية السياسية التي توجهها
إن الذي يحلل واقع المدرسة عندنا تواجهه عدد من المشكلات التي تبرز مظاهر الاختلال التي تؤثر في سير المدرسة وفي نظامها وفي جهودها وفي طليعة هذه المشكلات العناصر التالية :
1 – الغموض الذي ما يزال يكتنف الرؤية السياسة التي تتبناها المدرسة والوجهة التربوية التي تسير فيها .
2- النظرة القاصرة التي يُنظر بها إلى وظيفة المدرسة
3- واقع المعلم ومشكلة إعداده وتحديد مهامه
4 – مشكلة اختيار المحتوى المعرفي وأساليب التعلّم
أولا : الغموض الذي يكتنف الرؤية السياسية والوجهة التربوية:
إن المدرسة عندنا لها مكانتها في نفوس المواطنين وفي اهتمامات الدولة، ولكن المسؤولين عن تحديد الخطة الموجهة لسياسة التعليم لم يحددوا عمليا وبدقة الوجهة التي يجب انتهاجها تربويا و السير على هديها، بحيث تكون لها وجهة وطنية وعصرية لتبقى متصلة بها يعيش في ضمائر الأمة مسترشدة برؤيتها وبأفكارها حريصة على أن يكون مسعاها تكوين جيل متوازن في تفكيره وفي سلوكه جيلٌ مؤمن بخالقه معتزّ بانتمائه الحضاري ومتفاعل مع قيم مجتمعه مواكب لعصره وهذه هي الوجهة التي كنا ننتظرها من وراء تنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي عرفته المدرسة منذ 2003 ولكن تبيّن لنا بعد هذه المدة أن الغموض مايزال يكشف الوجهة المدرسية، رغم وضوح التوجيهات السياسية النظرية المحددة لسياسة التعليم، ولكن خطة التنفيذ المتبعة أبقت هذه الوجهة غامضة لأنها لم تؤكد في منهاجها وجهة عملية واضحة، فلا ندري ما طبيعة الاتجاه الذي تلتزم به المدرسة؟ أهو الاتجاه الوطني الذي يستجيب لإرادة الأمة التي تنتمي إليها المدرسة، لأننا نلاحظ تباينا بين ما تنص عليه التوجيهات السياسية وبين ما يجري تنفيذه في الميدان،و هذا يدعونا إلى التساؤل: ما هي الوجهة التي يجب أن تجعلها المدرسة غايتها وأساس عملها ؟ أهي الوجهة التي يُستلم فيها ومنها موروث الأمة الحضاري والروحي وتعتمد التأهيل العلمي والتقني الذي يمكنها من صناعة الجيل الذي تتطلع إليه؟
أم هي وجهة أخرى يتجه الاهتمام فيها إلى الاكتفاء بتوفير ظروف تلقين المعرفة بقطع النظر في خصوصية المجتمع. و للخروج من هذا الغموض يجب التفكير في مراجعة الأصول السياسية التي توجه المدرسة وتحدد الرؤية الوطنية التي يجب الالتزام بها، على أن تُدوَّن هذه الرؤية في وثيقة مرجعية تُعرض على المربين وأهل الاختصاص للتأمل في عناصرها والعمل على إثرائها وتحديد أسلوب التعامل معها .
و لابد من الاستئناس بالإطار الفكري الحضاري الذي انطلقت منه عملية المراجعة التاريخية والإصلاح الشامل الذي رافق جهود الدولة منذ أن حددت ما يجب عمله ، ذلك الإطار الذي نرى عناصره جديرة بالإهتمام وتبيان قيمة كل عنصر وأثره في طرح السياسة التي يجب أن تُتبع، وهي السياسة التي يجب أن تبقى قائمة على تلك المبادئ الفكرية والمذهبية التي تلخص وجهة السياسة التعليمية ونوضّح هوية النظام التربوي وتشرحها كما طرحت في نصوص الإصلاح الشامل الذي صدرت نصوصه عام 1976
ونثريها من خلال شرح الجوانب الوطنية والديموقراطية والعلمية والعصرية والمستقبلية، تلك الجوانب التي حدّدت وطنية التعلييم و هوية المدرسة وطريقة الإسهام الحضاري في بناء المجتمع .ولا بدّ أن تتضمن هذه الوثيقة رؤيتنا التربوية ووجهتنا السياسية ومنهجنا العلمي ( المعرفي ) في مجال تحديد نوع المعرفة وتكامل عناصرها وانتقاء ما هو ضروري في هذا لمجال وتلائم التطورات العصرية وحاجات الأجيال، ولا بد أن تشمل هذه الوثيقة موقفنا الرسمي من المسألة اللغوية في عمومها :
هذه العناصر هي التي يجب أن تكون سياستنا عنها واضحة ومحددة والعنصر الأهم الذي ظل الإشكال شأنه قائما هو الموقف الرسمي من المسألة اللغوية وهو الموقف الذي يجب أن يحدده المسؤولون بوضوح و يقدّموا بشأنه الإجابة الرسمية عن التساؤلات التالية :
1 ما هي اللغة التي نرشحها رسميا وعمليا لتدريس المواد العلمية في مختلف المراحل بما في ذلك مرحلة التعليم العالي، ونجعلها أداة للتكوين الفكري والعلمي ونقل المعارف الخاصة بالموروث الحضاري، واللغة التي ننتظر الإجابة عنها هنا هي اللغة العربية باعتبارها لغة الدولة و لسان الأمة، والتي لا يجوز ان يتوقف الإهتمام بها في التعليم الجامعي ونساير الوضع اللغوي المزدوج بين الثانوي والعالي ؟
السؤال الثاني هو : ما هي اللغة الأجنبية التي نعلمها لأبنائنا بعد أن يكتسبوا أساسيات لغتهم؟وما هو المستوى الدراسي الذي يراه المربون ملائما لإدراج هذه اللغة في برامج التعليم؟ وما هو المجال الذي يحدد لها حتى لا نتجاوز وظيفتها كأداة مساعدة لا أكثر ..
والإجابة العلمية عن مثل هذه الأسئلة هي التي نفتح بها بابا من أبواب التجديد والتطوير والإصلاح، و الذي يجيب عن هذه الأسئلة ليس الوزير المكلف بالتربية وليس الحكومة ، إنما الذي يمكنه الإجابة هو الهيئة الرسمية العليا التي نطالب بتشكيلها للنظر في قضايا التربية و إشكالات التعليم وتحديد التصور الفكري والسياسي الذي يجب أن يوجّه قطاع التربية، لأنه لا يجوز ان يبقى قطاع هام مثل قطاع التربية بدون هيئة توجد بجانبه توجهه و تكون إطارا مرجعيا يعود إليه في المسائل الهامة.
إن مثل هذه الهيئة هي التي تقرر برامج الإصلاح و تمارسه، و لكن الإصلاح الذي نريده هو الإصلاح الذي يعالج خللا ويصلح وضعا فاسدا أو غير ملائم و ليس الإصلاح الذي يهتم بالتغيير من أجل التغيير أو القيام بتنفيذ إجراءات غير مدروسة مثل الإجراءات التي عرفتها المدرسة منذ 2003 .
ثانيا : ما تزال نظرتنا إلى المدرسة نظرة قاصرة، لا تنسجم مع الحقيقة المستخلصة من وظائفها التي أنشئت من أجلها، ولا تساير طبيعة الرسالة التي حمّلها المجتمع القيام بها، فالمتتبع لأساليب التعامل مع المدرسة يجد أن المسؤولين عندنا كثيرا ما ينظرون إلى المدرسة على أنها مجرد مكان للتعلم و تلقي المعرفة وحسب، ويهملون في تقديرهم الوظائف والمسؤوليات الأخرى التي هي جزء من رسالته الواسعة، وفي الحقيقة أن للمدرسة وظائف متنوعة يُعدّ تلقي المعرفة جزءًا منها ، فالنظرة إليها على أنها مكان لتلقي المعرفة تحصر وظيفتها في مجال واحد وتهمل العديد من المجالات وأنواع الوظائف التي هي جزء من مهامها التي أنشئت من أجلها في الأصل.
فالمدرسة يجب أن ينظر إليها على أنها مرفق وطني متعدد المهام منطلقه تنشئة أجيالنا وتهيئتها للحياة وتحصّنها من كل إنحراف فكري أو عقائدي أو أخلاقي، و تجذّرها في قيم أمنها ، بل يمكن النظر إليها على أنها من قلاع الدفاع عن ذاتية الأمة وحماية وجودها من عوامل الضعف والجمود والإنهزام.
وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون نظرتنا إلى المواد المكونة لشخصية المتعلم نظرة تجعلها مواد أساسية وليست بمواد مكمّلة للنشاط المدرسي، على ان يراعى هذا عند بناء المناهج وتحديد المواقيت وأساليب التقويم، والمواد التي تعينها هي المواد التي تربي وجدان المتعلم ، وتعمّق إحساسه بذاته وتربطه بوطنه وتاريخه ولغته ودينه وقيم المجتمع الذي ينتمي إليه وتهيئته ليعيش مواطنته، هذه المواد هي : اللغة ، الدين ، التاريخ، التربية الإسلامية والتربية الوطنية وطريقة التعليم التي يعامل بها المتعلم ، إن تهميش هذه المواد أو جعلها مواد ثانوية، يُعد خطأً من الأخطاء التي جعلت شبابنا لا يختزنون في ذاكرتهم ما يقوّي إحساسهم بقيمة الوطن ويجعلهم يغارون على المكتسبات الوطنية، وهذا ما يستوجب إعادة النظر في بناء المناهج و تصميم المضامين و تحديد الغايات المستهدفة من كلّ محتوى معرفي
ثالثا : واقع المعلم ومشكلة إعداده وضبط مهامه
من المعروف أن المعلم هو محور العمل المدرسي و أساس الخطة التعليمية إذ عليه يتوقف نجاح الجهد الذي تبذله الدولة في مجال تنشئة الأجيال إذا كان مستوعبا متطلبات القيام بهذا الجهد ، و يستحيل أن ينجح أيُّ مشروع يستهدف الإصلاح التربوي إذا كان المعلم غير متمكن من المادة العلمية التي يُكلف بنقلها إلى المتعلمين و غير مستوعب للحقائق النفسية و التربوية التي يقوم عليها التعلم و يُبقي على أساسها أسلوب التفاعل مع الأطفال و كان غير منجذب لمهنته و غير راغب في ممارستها و الإصلاح يجب أن ينطلق من هنا
المشكلة التي تطرح علينا اليوم هي أننا لا نملك الخطة التي تراعي هذه الجوانب .
بل يمكن القول إننا منذ السنوات الأولى للاستقلال لم نُقدِم على خطة متكاملة و سياسة شاملة و مدروسة في مجال تهيئة المناخ التربوي و ضبط استراتيجية خاصة بإعداد المعلم و تهيئته للإنسجام مع المهنة على الرغم من أننا مقتنعون بضرورة التفكير في إيجاد الظروف التي تتيح لنا وضع سياسة متطورة لصناعة شخصية المعلم و إعداد من هو مؤهل لممارسة مهنة التعليم بحيث يصبح الإنسان القادر على الاستجابة لتطلعاتنا .
و إذا كانت الحاجة الشديدة لإعداد المعلمين في السنوات الأولى للاستقلال فرضت اللجوء إلى أساليب ارتجالية و قرارات ظرفية فإن مشكلة الإعداد اليوم و في السنوات الأخيرة لم تعد مطروحة بالصورة التي كانت عليها ، لذا كان المفروض أن يتجه الإصلاح إلى ضبط خطة وطنية مدروسة تتيح لنا ضبط القواعد التنظيمية التي على أساسها نُعدّ معلمين مؤهلين يستطيعون القيام بالمهام التي ينتظرها المجتمع منهم ، وهي إنشاء جيل متمكن من المعرفة واع بمسؤولياته متكيف مع واقع عصره و لكن الذي حدث هو أمر مستغرب هو أن الوزارة الوطنية تخلّت قصدًا عن التكفل بسياسة التكوين ، و استغنت عن تشغيل المعاهد التي كانت مخصصة لهذه المهمة و تركت أمر ذلك إلى الجامعة كما صرّح بذلك وزير التربية و التكوين بحجة رفع مستوى التأهيل على أساس أن الذين يتلقون تكوينا في المستوى الجامعي يكونون أكثر تأهيلا و قدرة من غيرهم، قد يبدو للتأمل العادي أن هذا التفكير أمر مقبول، و لكن الذي يعيش الواقع يجده غير مقبول لأن مهمة الجامعة ليست إعداد المعلمين او إيجاد ظروف تاهيلية تمكن من تهيئة الظروف التي تتيح للمقبلين على التعليم أنه يتهيأ لذلك و أن للجامعة مهمة أخرى هي إعداد الباحثين و المهندسين و ليس في استطاعة كل باحث أن يكون معلما فالمعلم مكلف بمهام نوعية و أعمال ذات خصوصية تربوية لا يستطيع القيام بها إلا من أُعِدَّ إعداد خاصا ووضع في بيئة تربوية تُعدّه لهذه المهمة بإشراف إطارات ذات كفاءة و خبرة ميدانية عالية و تفكير علمي متميز .
إذ أن تشكيل شخصيات الأطفال و الأخذ بأيديهم منذ البداية في مجال تذليل الصعوبات ليس أمرا سهلا أو متاحا لكل من له مستوًى جامعي ، فمسؤولية الجامعة تختلف عن مسؤولية معاهد التكوين فظروفها لا تهيئها لتكوين المعلمين كما بينا ذلك ، فالمعلمون يحتاجون إلى محيط معرفي خاص، و إلى أساتذة لهم إلمام واسع بعالم الطفولة و بمشكلات التعلم و هذا قلما نجده متوفرا في رحاب الجامعة، اللهم إلا إذا خصّص معهد لهذا النوع من المسؤولية.
و يمكننا اليوم أن نراجع هذا الموقف و نوجه تفكيرنا لضبط سياسة شاملة بدءًا من تحديد الأهداف الكبرى للتكوين و ضبط أساليب انتقاء من يصلحون للتعليم و تحديد المعايير التي تُشترط فيمن يُرشّح لهذه المهمة و بناء برنامج تكويني متعدد المداخل و المخارج من شأنه أن يهيئ المقبلين على هذه المهنة معرفيا و تربويا و أخلاقيا و تحديد المواصفات التي يتخرج بها من تلقّى برنامجا تكوينا يجعله مستوعبا متطلبات العمل التربوي بنجاح و الفكرة التي أودّ الإلحاح عليها في الأخير هي أن مراجعة طريقة إعداد المعلم تشكّل أولوية الأولويات في برنامج الإصلاح قبل المنهاج و قبل الكتاب فالمعلم هو نقطة التحرك في مجال الإصلاح و التجديد لأنه من السهل ان توفر الهياكل الكافية و المناهج الملائمة و الكتاب المتطور و لكن ليس سهلا أن توفر معلما يجمع إلى جانب المعرفة القدرة على العمل و الرغبة فيه و الاقتناع بأهميته.و ليس سهلا كذلك أن توجد ظروف اجتماعية تجعل المعلم شاعرا بقيمة نفسه و مكانته في المجتمع، لذا ينبغي أن تطرح مشكلة إعداد المعلم طرحا جديدا و شاملا يُراعى فيه نوع المهام التي تسند إليه و المعارف و المهارات التي يمكن منها و طريق الإعداد التي تسهم في تخريج معلمين مقتدرين، و هناك مشكلة أخرى تطرح في مجال عمل المعلم في المدرسة الابتدائية هي أننا نحمّله أكثر من طاقته و نكلفه بتدريس أكثر من من عشر مواد فهو يدرس الرياضيات بجميع مجالاتها و اللغة بجميع فروعها و التربية العلمية بمشمولاتها و التربية المدنية و خصوصياتها و التربية الفنية و الموسيقية و غير ذلك .
غننا نعتبره عالما موسوعيا ملما بكل المعارف المقررة في هذه المرحلة و بالطرائق التي تعلّم بها هذه المواد المختلفة و هذا خطأ في التقدير لأن مستواه المعرفي حتى و لو كان يحمل مستوى جامعيا لا يسمح له بذلك فكان المطلوب أن نكلفه إلا مجموعة من المواد إما المواد اللغوية و ما يرتبط بها أو المواد العلمية و ما يتصل بها إذ من المستحيل أن يكون جميع المعلمين متمكنين من هذه المواد جميعها .
هذا هو وضع المعلم اليوم وضعٌ لم تُغيّره جهود الإصلاح و لم تطور نظرته إلى التعليم و لم تُخفف الأعباء عنه ، تلك الأعباء التي لا تخدم التلميذ و لا تطور العمل المدرسي، فالمعلم عندنا يبذل جهودا كثيرا و لكنها جهود تفوق إمكاناته و مستوى المعلومات التي تلقاها في فترة التكوين أو في الجامعة لا يمكّنه من النجاح في عمله لأننا لم ندربه بما فيه الكفاية على الأساليب البيداغوجيا التي تجعله يستوعب مهارات التعليم و حقائق التعلم يضاف إلى ذلك الظروف التي يعمل فيها لا تتيح له أن يبدع ، تلك الظروف التي قللت من فاعلية جهوده ، ووجهت اهتمامه إلى الاقتصار على نقل ما يَرد في الكتاب نقلًا آليا من غير أن يستخدم فكره أو يتأمّل في الغايات التي قصدها مؤلف الكتاب أو هَدَف إليه المنهاج من وراء كل عملية او نصٍّ أو فكرة أو إشارة ،و هذا ما جعل مستوى آداء التلاميذ ليس في مستوى المأمول، فتلاميذ لا يحسنون القراءة و لا يستطيعون ممارسة الكتابة المعبرة تراهم يتلعثمون حين يُسألون فلا يجيدون التعبير و يعجزون عن الكتابة الدالة حين يُطلب منهم كتابة رسالة أو وصف أو مشهد او تحليل موقف، و يرجع ذلك إلى أن حصص التعليم لا تمكنهم من ممارسة التعبير بنوعيه و لا تدربهم على القراءة الصحيحة و لا تدفعهم إلى التفكير فيما يعرض عليهم من مسائل، و المعلم نفسه لا تدفعه التوجيهات التي يتبعها إلى جعل التلاميذ يبذلون جهدا ذاتيا في البحث عما وراء العبارة أو يجتهدون في البحث عن الإجابة الصحيحة حتى لو كانت تخالف ما في ذهن المعلم .
رابعا: مشكلة اختيار المحتوى المعرفي و أساليب التعلم.
يعد المضمون التعليمي او المحتوى هو المادة العلمية المبرمجة لتلاميذ مرحلة من مراحل التعلم ، و أهمية هذا الموضوع تتجلى في كونه العنصر الضروري الذي به يتم التعلم، وقيمته تكمن في مدى ملائمته لمستوى المتعلمين و حاجاتهم و في نوع المعارف التي تستجيب لأهداف التعلم و غاية المرحلة و تحديد المحتوى يتطلب دراسة علمية (نفسية و تربوية و اجتماعية ) تبرز المعايير التي تُراعى في تحديد المحتوى الملائم في كمه و نوعه لمستوى المتعلم و اهتمامات المجتمع، و الحديث عن المضمون هو حديث عن حقيقة التعلم و نشاط المتعلم و عن الدور الذي يُسند إلى المعلم، لأن العملية التعليمية لا تتحقق إلا إذا انصبت على موضوع حياتي يكون الهدف من إثارته تنمية خبرة المتعلم و تذكية وعيه و توجيهه نحو المعارف و المهارات التي تستجيب لحاجاته.
و حين نتتبع المضامين العلمية المدرجة في الكتب و المناهج الدراسية في مدارسنا نصطدم بعدد من المظاهر تؤكد ان المناهج المطبقة لم تُدرّس دراسة علمية و لم يراع في بنائها القواعد التربوية و الأسس النفسية التي تراعى و تعتمد في اختيار المعلومات الملائمة و الصحيحة.
و من أهمّ هذه المظاهر :
1 – إقحام بعض المعلومات و المواد قبل أوانها أي قبل أن تنمو قدرات الطفل و يتهيأ لتلقي كل أنواع المعارف مثل دروس التاريخ و تعليم النحو النظري و بعض دروس الرياضيات و تعليم اللغة الأجنبية في مستواها الكتابي
2 – إنعدام الترتيب و التسلسل في عرض المعلومات و الحصص
3- كثافة المعلومات و عدم ملاءمتها لمستوى المتعلمين
الوعاء الزمني و تتضح هذه الكثافة بصفة خاصة في برنامج النحو و الصرف في الصف الخامس الابتدائي و في دروس الفيزياء في المتوسط..إننا نجد المنهاج في هذا المستوى محشوًا بكل أبواب النحو و الصرف التي يفوق بعضها قدرات تلاميذ المرحلة المتوسطة.
هذه المظاهر و غيرها جعلت نتائج التعلم أضعف و أقل مما كنا ننتظر و يرجع هذا الخلل إلى أننا لم نحدد خطة منهجية واضحة يعتمدها واضعو المناهج و مؤلفو الكتب و المربون العاملون في الميدان و يدفعنا وضع هذه المناهج اليوم إلى المطالبة بإعادة النظر في بناء المناهج و مراجعة المضامين بما يستجيب لقانون التدرج و يساير التطور العلمي و التربوي و يتلاءم مع الأهداف المسطرة التي ينتظرها المجتمع، هذا ما يتعلق بالمضمون أما حقيقة التعلم فهي متصلة اتصالا و ثيقا بجهد المعلم و خبرته و بنوع التداريب التي تلقاها و يتصل مستوى التعلم بنظرة المعلم و من وراء المعلم الى الوظيفة التعليمية التعلمية و إلى معرفة الدور المسند إليه و متصلة كذلك بدرجة نشاط المتعلم و استعداده و مستوى ذكائه و بالمحيط المدرسي الذي من شانه أن يضع أمام المتعلم الوسائل الضرورية التي تعينه على فهم الحقائق التي يراد منه ان يستوعبها و تذلل له الصعوبات التي قد تواجهه و تقرّب إليه ما هو بعيد نظريا، و ينبغي في هذا السياق أن تتضمن التوجيهات المرافقة للمناهج اهم الحقائق التي توضح للمعلم كيف يتعامل مع مشكلة التعلم و مع واقع المتعلم بحيث توجهه إلى استخدام النظريات التربوية الحديثة التي تركز على المتعلم اكثر من المادة العلمية و تعتبره طرفا أساسيا في عملية التعلم و ليس موضوعا له.و بناء على ذلك يكون جهده الأساسي هو العمل على إثارة دوافع المتعلم و حفز اهتماماته على المشاركة في كل نشاط يُبذل في الحصص التعليمية بهدف إسهامه في البحث و النقاش و اكتشاف ما تتضمنه الموضوعات المعروضة عليه من حقائق و معلومات و لا بد أن يحرص من خلال هذا الدور المسند إليه على جعل الممارسة العملية التي تطبق فيها نتائج التعلم هي الأساس لأن التعلم الإيجابي لا يتحقق إلا إذا عززناه بممارسة ما تم الوصول إليه وهذا ما نعنيه بالاكتساب الذي هو المحصلة الختامية و الضرورية في بناء الدرس

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.