حصريا

وعجبي من خضوع الذرّة ! – نصيرة سعيد

وعجبي من خضوع الذرّة !

الذرّةبمعناها في القرآن (1) رفيعة المقام–أعلاالله شأنها بالذكرِ في القرآن تُضرب بها الأمثال في تقدير أعمال النّاس–حتّى وإن هانت، وصغُر حجمها فما انتبهت لها أعين الناظرين ولا لها دانت.

أمّا بمعناها الكيميائي (2) فهي عقل انسانيّ خاضع مطيع، يعمل بالسّنن ولا يركن للخمول والكسل، في نشاط دائم وفي نظام بدأً بالأساس قائم، وإن اعتمد العلماء على البراهين الفطرية والعقلية على وجود خالق للكون ومدبّر، فتكفي الذرة وحدها برهانا ساطعا على الكمال الإلهي والرّحمة المهداة مع تعدّد الرّحمات وتجدّد العطايا والبركات، وككيميائية عشت وأعيش في كينونة هذا العلم وكمولعة بنظم البيان غير منفصلة عن إرشادات القرآن، فإنّي أريد الكلام عن الذرة وإخراجها لواقع النّاس للأخذ منها والاعتبار بها والنّظر لخضوعها لسنن مولاها.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَاللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)الحجرات 13)”، للذرة نصيب في سنّة التعارف، هي لا تحتمل أن تعيش فردا شاردا في عالمها المجهري، لأنها تكون في أدنى مستوى طاقتها وأعلى درجات نشاطها في بحثها عن الاستقرار بجوار مثيلاتها أو متمّمي نقصها، للوصول سويّا إلى مرتبة استقرارها، أليست تفسّر ارتباك الانسان حين يكون وحيدا ، وتوازنه وهو مع أحبابه !

 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَاحُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا  كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (البقرة 103)”.

فهي بعد أن تلتقي مع غيرها تحقّق أمر ربّها بالاعتصام وعدم التفرّق فتحقق تماسك النّوع الكيميائي، فالماء مثلا كنوع فريد هل وجدناه يوما تتطاير ذراته فرادى فرادى، إنّه في سحب السّماء وَدَقا وفي الأرض يمتدّ وجوده إلى سبعة أبحرٍ، وبين السّماء والأرض نُرْزقهُ وابلا وطلّا ومطرا، وفي تجمّعه بأكثريته وأقلّيته يحقّق المصلحة الانسانية والهبة الكبرى ” الحياة “، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖأَفَلَايُؤْمِنُونَ (الأنبياء 30)، وكلّ هذا يتحقق بخضوع الذرّة لأمر ربّها، وهذه سنّة تنطبق على كلّ الأنواع الكيميائية إلاّ التي ميّزها الله عن غيرها، ذرات مستقلّة مستقرّة بذاتها (الهيليوم مثالا).

وفي ارتباطها بغيرها يشتدّ عضدها بالرّوابط التي بينها باختلاف أنواعها والتي تعتبر أصلا لبقاء تماسك النّوع الكيميائي، كالأمداد من الأصول التي أمّدّها الله للمسلم حتّى تقوم له قائمة فلا يضلّ ولا يشقى ولا ينهار، السّنّة والقرآن !

ولا مجال للعشوائية في عقل الذرّة، فهي تنتقي الجوار بما يحقّق مصلحتها ومصلحة غيرها، وكأنّها تفسّر انسجام الإنسان تلقائيا لمن يأتلف معه روحيا وابتعاده عمن يختلف معه، الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ (صحيح البخاري)، وليتضح المقال نأخذ شاردة الصوديوم كمثال، في ملكوت الله هي عنصر ضئيل، ضئيل جدّا، لكن بالنّظر لعملها فهو جبّار، إنّها تعطي لمن لا يملك وتعطي لمن معه تتآلف،تعطي لشاردة الكلور إلكترونا وتعطي بذلك للحياة ملحا وطعما وبريقا وجمالا وبياضا، فيتركب بهذا العمل التاريخي ما يسمّى في الموائد (الملح)، وكيف يُستغنى عن الملح !

تَمّ العطاء لوجود التوافق بين هاذين الشاردتين اللذين جعلهما الله زوجين تستمرّ بهما نعمة بقاء الملح، ” وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  (الذاريات 49).

وإن تكلمنا عن السلوك الحضاري فالذرّة عنصر حضاري، تعطي بميزان وفي الوقت المناسب، ولا مجال لتضييع الوقت،وتحقق البعد الجمالي في عمرانها، فهي تركب مع غيرها مثلثات ومربعات وسداسيات ومكعبات وتشكيلات تخرّ لها عقول النابغين سجودا !

وفوق كلّ ذلك فهي عنصر مبدع، مبدعة في أوسع نطاق، في الكون وفي جسم الإنسان ، إنها البنية التحتية لكل عمل تفاعلي في كل هذه الأكوان !

كما أنها بما تملك من خصائص كيميائية تصنع الفروقات بين العناصر المختلفة، وبين الصور المختلفة للعنصر نفسه، وحتى بين كَون هذا العنصر قادرًا على خوض تفاعل كيميائي ما أم لا، إنّها تحتفظ في كيانها بسنّة الاختلاف التي أودعها الله آية في مخلوقاته: ” وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ

(الروم 22)”.

وقلنا فيما سبق أن الذرة صغيرة ضئيلة، إلا أنّها تحمل فيها ما هو أصغر وأضأل منها، يحفظ لها خصائصها، ودوام ارتباطها مع غيرها، بروتونات ونيترونات وإلكترونات، كما الإنسان بخصائصه التي تشير إليه هو دون غيره وتقرّر تواجده!

هذه هي الذرة، على صغرها عقلٌ إنسانيٌ كبير يثبِّت معاني العبودية والخضوع ويرتكز على السّنن، إنّها محطّة توقّفٍ وإعجابٍ واتّباع !

هامش:

1/ اختلِف في معنى الذرة في القرآن، فقيل: هي أصغر النمل، وقيل: واحدة ما يرفعه الريح من الغبار وقيل: الذرة الخردلة.

2/ في اصطلاح علماء الكيمياء والفيزياءهي إحدى الوحدات الأساسية لبناء المادة، فكل شيء حولنا مكون من ذرَّات، والذرَّة الواحدة بالغة الصِّغر، فهي لا تتعدى واحدًا على مليون من سُمْك شعرة، وتحتوي أصغر عيِّنة يمكن رؤيتها بمجهر عادي على ما يزيد على عشرة بلايين ذرة، وتكوّن الذرات القوالب البنائية لأبسط المواد، وهي العناصر الكيميائية. وتشمل العناصر الشائعة : الهيدروجين والأكسجين والحديد والرصاص، ويتكون كل عنصر كيميائي من نوع أساسي واحد من الذرّات، أما المركَّبات الكيميائية، فهي مواد أكثر تعقيدًا من حيث تركيبها الكيميائي؛ إذ تتألف من نوعين أو أكثر من الذرّات مرتبط بعضها ببعض في وحدات تُسمَّى الجزيئات( موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.